النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
لابن شبة
* حدثنا محمد بن الصباح قال ، حدثنا يحيى بن المتوكل
أبو عقيل ، عن كثير النّوى قال ؟ قلت لأبي جعفر: جعلني الله فداك ،
أرأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما هل ظلماكم من حقكم شيئاً
أو ذهبا به ؟ قال : لا ، والذي أنزل الفرقان على عبده ليكون
للعالمين نذيراً ما ظلمانا من حقّنا مثقال حبّة من خَرْدَل . قلت :
جعلت فداك ، فأَتولاهما ؟ قال : نعم ، ويحك تولَّهُمَا في الدنيا
والآخرة، وما أصابك ففي عنقي . ثم قال : فعل الله بالمغيرة
وتبيان ؛ فإنهما كذبا علينا أَهلَ البيت .
* حدثنا عبد الله بن نافع ، والقعنبي ، عن مالك ، عن الزهري،
عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : أراد أزواج النبي
صلى الله عليه وسلم لما توفي أن يأتين بعثمان رضي الله عنه - وقال
القعني : أن يبعثن بعثمان - إلى أبي بكر رضي الله عنهما يسألنه
ميراثهن ، وقال القعنبي : ثُمْتَهُنّ ، فالت عائشة رضي الله عنها :
ألیس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا نورث ، ما تر کنا
فهو صدقه » .
* حدثنا عبد الله بن نافع، والقعني ، وبشر بن عمر ، عن
مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه،
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يقتسم ورثتي ديناراً ، ما تركت
بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي ، فهو صدقة .
* حدثنا الحزامي قال ، حدثنا ابن وهب قال ، أخبرني
يونس ، عن ابن شهاب قال، حدثني عبد الرحمن الأعرج ، أنه
سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم

٢٠٢
تاريخ المدينة المنورة
يقول : ((والذي نفسي بيده ، لا يقتسم ورثتي شيئاً مما تركت ،
ما تركته صدقة ))، فكانت هذه الصدقة بيد عليّ رضي الله عنه
غَلَبَ العباس رضي الله عنه عليها ، وكانت فيها خصومتهما ، فأبى
عُمَرُ رضي الله عنه أن يقسمها بينهما ، حتى أعرض عنها العباس
رضي الله عنه ، وغلبه عليها عليّ رضي الله عنه . ثم كانت على يد
حسن بن علي ، ثم بيد حسين ، ثم بيد علي بن حسين وحسن
ابن حسن كلاهما يتداولانها ، ثم بيد زيد بن حسين ، وهي صدقة
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
٠
٠
( خصومة علي والعباس رضي الله عنهما إلى عمر رضي الله عنه)
حدثنا عثمان بن فارس قال ، حدثنا يونس ، عن الزهري ،
عن مالك بن أَوْس بن الحدّثان (النّصْرِي)(١): أن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه دعاه يوماً بعد ما ارتفع النهار ، قال : فدخلت عليه
وهو جالس على رمال سرير ، ليس بينه وبين الرمال فراش ، على
وسادة أُدم ، فقال : يا مالك ، إنه قد قدم من قومك أهل أبيات
حضروا المدينة ، وقد أمرت لهم برضخ (٢) فاقتسمه بينهم . فقلت :
يا أمير المؤمنين ، مر بذلك غيري . قال : اقسمه أيها المرء . قال :
وبينهما نحن على ذلك ، إذ دخل يَرْفَأ فقال : هل لك في عثمان
وعبد الرحمن وسعد والزبير بستأذنون ؟ قال : نعم . فأذن لهم ،
(١) الإضافة عن مسند الإمام أحمد بن حنبل ٣ : ٢١٢ تحقيق أحمد شاكر .
وفيه عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان النضري مع
تقديم وتأخير في متنه .
(٢) الرَّضخ : العطاء ليس بالكثير .

٢٠٢
لابن شبة
قال : فلبث قليلا ثم قال : هل لك في علي والعباس يستأذنان ؟
قال ، نعم فأذن لهما ، فلما دخلا قال عباس : يا أمير المؤمنين ،
اقض بيني وبين هذا - يعني عليّاً - وهما يختصمان في الصوافي(١)
التي أفاء الله على رسوله من أموال(٢) بني النضير، فاستبّ علي
والعباس عند عمر ، فقال عثمان : يا أمير المؤمنين ، اقض بينهما
وأَرح أَحدَهُمَا من الآخر. فقال عمر رضي الله عنه: أنشدكما الله
الذي بإذنه تقوم السموات والأرض ، هل تعلمون أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((لا نورث، ما تركنا صدقة )) يعني نفسه ؟
قالوا : قد قال ذلك . فأقبل عمر على العباس وعلى عليّ فقال :
أنشد كما الله ، هل تعلمان ذلك ؟ قالا : نعم . قال عمر : فإني أحدثكم
عن هذا الأمر، إن الله اختص رسوله في هذا الفّيْء بشيء لم يُعْطِه
أحداً غيره، قال الله عز وجل: (( مَا أَفَاءِ الّهُ عَلَى رَسُولِه مِنْهِم فَمَا
أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللّه يُسَلِّطُ رُسُلَه عَلَى مَنْ
يَشَاءُ والله على كلُّ شيءٍ قَدِير))(٣) فكانت هذه خاصة لرسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فما احتازها دونكم ، ولا استأثر بها عليكم ،
لقد أعطا كموها وبثّها فيكم حتى بقي منها هذا المال ، فكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يُنْفِقِ على أهله (نفقة) (٤) سنتهم، ثم يأخذه
(١) في مسند الإمام ٣: ٢١٢ (الصواف، وحذف الياء في مثل هذا جائز.
والصوافي: قال ابن الأثير («هي الأملاك والأراضي التي جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا
وارث لها ، واحدتها صافية .
(٢) في الأصل ((الموالي)) والمثبت عن مسند الإمام أحمد بن حنبل ٣ : ٢١٢.
(٣) سورة الحشر آية رقم ٦
(٤) الإضافة عن مسند الإمام أحمد بن حنبل ٣ : ٢١٢ تحقيق شاكر .

٢٠٤
تاريخ المدينة المنورة
فيجعله مُجْعَلَ مال الله ، فعمل ذلك حياته . ثم تُوُفِّيَ ، فقال
أبو بكر رضي الله عنه : أنا وليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وقد عمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنتما
حَيّيْنٍ - وأقبل على ( عليٍّ) والعباس رضي الله عنهما - تزعمان
أن أبا بكر فيها ظالمٌ فاجرٌ ، والله يعلم أنه فيها لصادق بَارٌ راشدً
تابع للحق ، ثم تَوَفَّى اللهُ أَبا بكر رضي الله عنه، فقلت: أنا أولى
الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأبي بكر رضي الله عنه،
فقبضتها سنتين - أو سنين - من إمارتي ، أعمل فيها بما عمل رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وبمثل ما عمل فيها أبو بكر رضي الله عنه ،
وأقبل على عليّ والعباس رضي الله عنهما ، فتزعمان أني فيهما ظالم
فاجر ، والله يعلم أني لصادق بارّ راشد تابع للحق ، ثم جئتماني
وكَلِمَتُكْمَا واحدةٌ، وأَمركما جميعٌ ، فجئتني - يعني العباس -
تسألني نصيبك من ابن أخيك ، وجاءني هذا - يعني عليّاً - يسألني
نصيب امرأته من أبيها ، فقلت لكما : إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: ((لا نورث، ما تركنا صدقة))، فلما بدا لي أن أَدفعه
إليكما قلت : إن شئتما أَن أَدفعه إليكما على أَنّ عليكما عهد الله
وميثاقه لتعملانٌ فيها على ما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأبو بكر رضي الله عنه وما علمت به وإلا فلا تكلمانٌ ، فقلتما:
ادفعها إلينا بذلك ، فدفعتها إليكما بذلك ، افتلتمسان مني قضاء
غير ذلك ؟ ، والله الذي باذنه تقومُ السماء والأرضُ لا أُقضي فيها
بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن عجزتما عنها فادْفَعاها إليّ ،
فأَنا أَكفيكماها .

٢٠٥
لابن شبة
* حدثنا إسحق بن إدريس قال، عبد الله بن المبارك قال ،
حدثني يونس ، عن الزهري قال ، حدثنا مالك بن أوس بن الحدثان
بنحوه ، قال : فذكرتُهُ لِعُروة قال : صدَقَ مالكُ بن أوس ، أَنا
سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : أُرسلَ أَزواجُ النبي صلى الله عليه
وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه إلی آبي بکر رضي الله عنه يسأل لهن
ميراثهنَّ مما أفاء الله على رسوله ، حتي كنت أَنا رددتهن عن ذلك ،
فقلت : أَلا تتقين الله ؟ أَلم تَعْلَمْنَ أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يقول: ((لا نورث، فما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد
من هذا المال))؟ فانتهى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
ما أَمَرْتُهُنّ .
* حدثنا ابن أبي الوزير ، قال ، حدثنا سفيان بن عيينة ،
عن عمرو بن دينار ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس بن الحدثان
قال : بعث إلىّ عُمَرُ رضي الله عنه ، فأتيته فوجدته جالساً على رمال،
فقال : يا مالك ، إنه قد دفّ على دواف (١) من قومك ، فخذ هذا
المال فأقسمه بينهم ، فقلت : لو أمرت بذلك غيري : فقال : خذه
أيها الرجل ، فقال : فبينما أَنا عنده إِذا يَرْفَأُ فقال : هل لك في
عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد - قال سفيان :
خمسة أو أربعة - فقال: إِنذَنْ لهم. فلم يلبث أن أَتاه فقال :
هل لك في علي وعباس؟ فقال : ائذن لهما ، فدخلا ، فقال القوم :
يا أمير المؤمنين افصل بينهما وارحمهما ، فقال : إن أموال بني
(١) الدواف : جمع دافة للجماعة من الناس تقبل من بلد إلى بلد سائرة سيراً
ليناً ( المحيط ) .

٢٠٦
تاريخ المدينة المنورة
النضير كانت مما أفاء الله على رسوله مما لم يُوجِف المسلمون عليه
بخيل ولا ركاب ، فكان ينفق على أهله منه نفقة سنته ، وما بقي
منه جعله عدة في سبيل الله، في السلاح والكراع(١).
• حدثنا ابن أبي شيبة ، قال ، حدثنا ابن عابد ، عن أيوب،
عن عكرمة بن خالد ، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : جاء
العباس وعليّ رضي الله عنهما إلى عمر رضي الله عنه يختصمان ،
فقال العباس : اقْضٍ بيني وبين هذا ، لكذا وكذا ، فقال الناس :
افصل بينهما ، افصل بينهما ، فقال : لا أُفصل بينهما ؛ قد علما
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا نورث، ما تركنا
صدقة »(٢) .
* حدثنا سعيد، عن عمرو بن مرّة ، عن أَبي البختري قال :
جاء العباس وعليّ رضي الله عنهما إلى عمر رضي الله عنه وهما يختصمان
فقال عمر رضي الله عنه لطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد : أُنشدكم
الله، أسمعتم النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((كل مال (٣) نبيّ
فهو صدقة إلا ما أطعمه أَهلنا، إنّا لا نورث)) ؟ قالوا: نعم. قال :
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصدق به ويضع فضله في أهله
ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع ، وأنتما تقولان : إنه
كان بذلك خاطئاً وكان بذلك ظالماً ! وكان بذلك مصيباً راشداً .
ثم توفّي أبو بكر رضي الله عنه فقلت لكما : إن شئتما قبلتماه على
(١) ورد الحديث بمعناه في مسند الإمام أحمد بن حنبل ٣ : ٣١٢ مع زيادة فيه ،
وورد أيضاً في مسند الإمام الشافعي بهامش الجزء السادس من كتاب الأم ص ٢٤٩ .
(٢) ورد بمعناه في مسند الإمام أحمد بن حنبل ٣، ص ٤، ٧٥، ١٢٥ .
(٣) تحريف في الأصل والتصويب عن تاريخ الخميس ٢ : ١٧٤.

٢٠٧
لابن شبة
عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده الذي عهد فيه ، فأَبيتما ،
ثم جئتماني الآن تختصمان ، يقول هذا : أُريد نصيبي من ابن
أخي ، ويقول هذا : أُريد نصيبي من امرأتي !! والله لا أقضي بينكما
إلا بذاك .
* حدثنا عمرو بن مرزوق قال ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن
مرة قال ، سمعت أبا الضرير قال : سمعت حديثاً من رجل فأعجبني ،
فاشتهيت أن أكتبه فقلت : اكتبه لي ، فأُتي به مكتوباً مدثّراً فذكر
نحو حديث يحيى بن جبير ، قال : لما توفي أبو بكر رضي الله عنه :
أرسلت إليكما وأنتما لا تختصمان فقلت لكما ....
* حدثنا محمد بن يحيى ، عن إبراهيم بن أبي يحيى ، عن
الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها : أَن أَزواج النّي
صلى الله عليه وسلم أرسلن عثمان رضي الله عنه إلى أبي بكر رضي الله
عنه ، فذكر الحديث ، قال عروة : وكانت فاطمة رضي الله عنها
سألت أبا بكر رضي الله عنه ميراثها مما ترك النّبي صلى الله عليه وسلم
فقال لها : بأبي أنت وأمي ، وبأبي أبوك وأُمي ونفسي ، إن كنت
سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً أو أمرك بشيء لم أُتبع
غير ما تقولين وأعطيتك ما تبغين ، وإلاّ فإني أَتبع ما أمر به ، قال:
فأَّما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، فدفعها عمر بن
الخطاب رضي الله عنه إلى العباس وعليّ رضي الله عنهما ، فغلبه عليّ
رضي الله عنه عليها. وأَما خَيْبَر وفَدَك فأمسكهما عمر رضي الله عته ،
وهما صدقتا النبي صلى الله عليه وسلم كانت لحقوقه التي تعروه
ونوائبه، فأمرهما إليَّ وإليّ الأَمرُ ، وهما على ذلك.

٢٠٨
تاريخ المدينة المنورة
• حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا سفيان بن عُيّيْنَة ،
عن مَعْمَرٍ ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس ، عن عمر رضي الله عنه
قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يُوجف
المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، وكان يحبس قوت سنة ، ثم يجعل
ما فضل بعد ذلك في السلاح والكُرَاعِ عُدَّةٌ في سبيل الله(١) .
* حدثنا محمد بن يحيى قال(٢)، حدثني عبد العزيز بن
عمران ، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله الأنصاري ،
عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس بن الحَدَثَان ، قال : سمعت عمر
رضي الله عنه يقول للعباس وعليّ وعبد الرحمن بن عوف والزُّبَير
وطلحة : أنشدكم الله ، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: ((لا نورث معشر الأنبياء، ما تركنا صدقة)) ؟ قالوا : اللَّهم نعم.
قال : أَنشدكم الله ، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يدّخر قِيتَةً أهله لسنةٍ من صدقاته ، ثم يجعل ما بقي في بيت
المال ؟ قالوا : اللهمّ نعم . قال : فلمّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم
قبضها أبو بكر رضي الله عنه ، فجئتَ ، يا عبّاس ، تطلب ميراثك
من ابن أخيك ، وجئت ، يا علي تطلب ميراث زوجتك من أبيها ،
فزعمتما أن أبا بكر رضي الله عنه كان فيها خائناً فاجراً ، والله يعلم
(١) ورد هذا الحديث بمعناه في مسند الإمام أحمد بن حنبل ١ : ٢٢٨ عن سفيان
عن عمرو ومَعْمَر عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب ،
وورد أيضاً بمعناه في ١ : ٣٠١ عن سفيان عن عمرو عن الزهري عن مالك بن أوس
مرسلاً إلى عمر .
(٢) ورد بمعناه في مسند الإمام أحمد بن حنبل ١ : ١٨٧ عن أبي عوانه عن عاصم
ابن كليب وكذا في ص ٣٤٢ عن عبد الرزاق عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان .

٢٠٩
لابن شبة.
لقد كان برّاً مطيعاً تابعاً للحق ، ثم توفي أبو بكر رضي الله عنه
فقبضتها ، فجئتماني ، تطلب ميراثك ، يا عباس ، من ابن أخيك ،
وتطلب ميراث زوجتك ، يا علي ، من أبيها ، وزعمتما أَني فيها
غادر ، فاجر ، والله يعلم أني فيها برّ مطيع تابع للحق ، فأَصلحا
أمركما، وإلا لم يرجع والله إليكما. فقاما وتركا الخصومة وأُمْضِيت
صدقة .
· قال أَبُو غسان ، فحدثنا عبد الرزاق الصنعاني ، عن مَعْمَر ،
٠
عن ابن شهاب ، عن مالك ، بنحوه - قال في آخره : فغلبه عليّ رضي
الله عنه عليها ، فكانت بيد عليّ رضي الله عنه ، ثم كانت بيد
الحسن ، ثم الحسين ، ثم علي بن الحسين ، ثم حسن بن حسن ،
ثم بيد زيد بن حسن ، رضوان الله عليهم .
• حدثنا هارون بن عمر قال ، حدثنا الوليد بن مسلم قال ،
حدثنا صدقة بن عمرو ، عن محمد بن عبد الله بن محمدبن عبدالرحمن
ابن أبي بكر ، عن يزيد الرّقائي ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه :
أن فاطمة رضي الله عنها أنت أبا بكر فقالت : قد علمت الذي طلقنا
عنه من الصدقات أهل البيت ، وما أفاء الله علينا من الغنائم ، ثم
في القرآن من حقّ ذي القربى - ثم قرأْت عليه: ((وَاعْلموا أَنَّما
غَنِمْ من شيءٍ فَإِنّ ◌َّهِ خُمُسَهُ)) (١) إلى تمام الآية والآية التي بعدها:
(( مَا أَفَاءَ الهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى)) إلى قوله: ((واتقوا الله إنّ
اللّهَ شَدِيدُ العِقَابِ)) (٢) . فقال لها أبو بكر رضي الله عنه : بأبي أنت
(١) سورة الأنفال آية ٤١ .
(٢) سورة الحشر الآيتان ٦، ٧ .

٢١٠
تاريخ المدينة المنورة
وأُمّي ووالد ولدك ، وعَلَى السّمع والبصر كتابُ الله وحقُّ رسول الله
[صلى الله عليه وسلم وحقّ قرابته ، وأنا أقرأ من كتاب الله الذي تقرئین
ولم يَبلغ علمي فيه أن الذي قَرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا
هذا السّهم كله من الخمس يجري بجماعته عليهم . قالت : أَفلك هو
ولأقربائك ؟ قال : لا ، وأنت عندي أمينة مصلّقة ، فإن كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليك في ذلك عهدًا، أَوْ وعَدَك
مَوْعدا أوجب لك حقًا صدّقتك وسلّمته إليك . قالت: لم يعهد إليَّ
في ذلك بشيء إلا ما أنزل الله تبارك وتعالى فيه القرآن ، أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم حين أُنزل عليه ذلك فقال: ((أبشروا آل محمد،
فقد جاء كم الغِنَى)) قال أبو بكر رضي الله عنه صدقت فلكم الغنى ،
ولم يبلغ علمي فيه ولا هذه الآية إلى أَن يُسَلَّم هذا السهم كله كاملاً ،
ولكن الغنى الذي يغنيكم ويفضل عنكم ، وهذا عمر بن الخطاب
وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهما فاسأليهم عن ذلك ، فانظري هل
هل يوافق على ذلك أحدٌ منهم ؟ فانصرفت إلى عمر رضي الله عنه ،
فذكرت له مثل الذي ذكرت لأبي بكر بقصته وحدوده ، فقال لها
مثل الذي كان (١) راجَعَها به أبو بكر رضي الله عنه ، فعجِبَتْ فاطمة ،
وظنّت أنهما قد تذا كرا ذلك واجتمعا عليه .
· حدثنا هارون بن عمر قال ، حدثنا الوليد بن مسلم قال ،
حدثنا إسماعيل - يعني ابن عياش - عن محمد بن السائب ، عن
أبي صالح مولى أُمّ هانى عن فاطمة رضي الله عنها قالت : دخلت على
أبي بكر رضي الله عنه بعد ما استخلف. فقلت : يا أبا بكر ، أرأيت
(١) في الأصل ((فقال لما مثل الذي قال ((وما أثبت هو الصواب)).

٢١١
لابن شبة
إن مِتّ اليوم من كان يرثك ؟ قال : ولدي وأهلي . قلت : فلم ترث
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دون ولده وأهله ؟ قال : ما فعلت ،
بنتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت : بلى ، عمدتَ إِلى فَدَك
- وكانت صافية لرسول الله صلى الله عليه وسلم - فأخذتها، وعمدت
إلى ما أُنْزل من السماء فرفعته هنا. قال : بنت رسول الله لم أفعل ؛
حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله تبارك وتعالى يُطْعِمُ النّيّ
الطّعمة ما كان حيّا، فإِذا قَبَضَّه الله رُفِعَت، قلتُ: أَنتَ ورسول الله
أعلم ، ما أَنا بسائلتك بعد مجلسي هذا (١).
* حدثنا هارون بن عمر قال ، حدثني الوليد قال ، حدثني ابن
لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة قال : أرادت فاطمة أبا بكر رضي
الله عنهما على فَدك وسهمِ ذِي القربى فأَبي عليها ، وجعله في مال الله ،
وأعطى فاطمة رضي الله عنها نّخْلاً يقال له : الأعواف (٢) مما كان
لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
حدثنا أحمد بن إبراهيم قال ، حدثنا عباد بن العوام قال ،
حدثنا هلال بن خَبَّاب ، ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: مات - والله - رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يترك ديناراً
(١) ورد بمعناه في مسند الإمام أحمد بن حنبل ١: ١٦٠ عن عبد الله بن محمد
ابن أبي شيبة عن محمد بن الفضيل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل ، وكذا بمعناه
في ١ : ١٧٩ عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة .
(٢) الأعواف: في الأصل ((العاف)) والتصويب عن وفاء الوفا ٢ : ١٥٣ ط.
الآداب ، والأعواف كانت لخنافة اليهودي من بني قريظة ، وصارت إحدى صدقات
النبي صلى الله عليه وسلم وآباره (وفاء الوفا ٤ : ١١٢٨ محيي الدين ).

٢١٢
تاريخ المدينة المنورة
ولا درهماً ولا عَبْدًاً ولا أمة، تَرَك دِرْعَه التي كان يقاتل فيها
رهنا (١) .
* حدثنا عبيد الله بن محمد بن عائشة (٢) قال ، حدثنا سلام
أبو المنذر قال ، حدثنا عبد الملك بن أيوب النميري ، ودفع إلىّ
صحيفة زَعَمَ أَنها رسالةُ عمر بن عبد العزيز ؛ كتب بها إلى رجل من
قريش: ((أَمّا بعد ، فإن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن على محمد
هدي وبصائر لقوم يؤمنون ، فشرع الهدى ونهج السبيل ، وصرّف
القول ، وبين ما يؤتى مما ينال به رضوانه وينتهى به عن معصيته ،
وأَحَلَّ حلاله وحرم حرامه ، فجعله ضيّقاً مرغوباً عنه مسخوطاً على
أهله، وجعل ما أَحَلَّ من الغنائم ، وبسط لهم منها ولم يحظره عليهم
كما ابتلى به أَهل النبوّة والكتاب من قبلهم ، فكان من ذلك ما نَفّل
نبي الله صلى الله عليه وسلم خاصة مما غَنِمَه من أَموال قُرَيْظَة والنّضير ،
(١) روى هذا الحديث في مسند الإمام أحمد بن حنبل ٤: ٢٥٥ عن عفان عن
ثابت عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس. وجاء فيه «أن النبي صلى الله عليه
وسلم التفت إلى أحد فقال : والذي نفس محمد بيده ، ما يسرني أن أحداً يحول لآل محمد
ذهباً أنفقه في سبيل اللّه ، أموت يوم أموت أدع منه دينارين ، إلا دينارين أعدهما
لدين إن كان ، فما ترك ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا ليدة . وترك درعه مرهونة
عند يهودي على ثلاثين صاعاً من شعير. وكذا في ٤ : ٢٦٢ من المسند عن عبد الصمد
عن ثابت عن هلال عن عكرمة عن ابن عباس بنصه ومعناه. وانظر أيضاً ٣: ٣٥٥،
٥ : ١٣٧ حيث ورد فيهما بمعناه أيضاً عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس .
(٢) هو عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبد الله بن معمر التيمي
أبو عبد الرحمن البصري ، ابن عائشة ، ويقال له العيشي أو العائشي نسبة إلى عائشة
بنت طلحة، كان أحد الأجواد الأشراف . قال أبو حاتم : ثقة ، وقال أبو داود : كان
عاماً بالعربية وأيام الناس ، رأي جنازته أبو يحيى الساجي سنة ثمان وعشرين ومائتين
( الخلاصة الخزرجي ٢١٤ ط. الخيرية ) .

٢١٣
لابن شبة
إذ يقول حميد: هو: « وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِه منهم فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَليه
من خَيْلٍ ولا ركابٍ ولكنّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشَاء)» حتى بلغ:
((والله عَلى كلِّ شيءٍ قدير)) (١) فكانت تلك الأموال خالصةً لرسول
الله صلى الله عليه وسلم لم يجب لأحد فيها خُمُسٌ ولا مَغْتَمُ، إِذ تولّى
رسول الله أمرها على ما يلهمه الله من ذلك ويأذن له به ، لم يَضْرِبها
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يَحُزْها لنفسه ولا أَقْربائه، ولكنه
آثر بأوسعها وأعمرها وأكثرها نُزُلا أَهلَ العدم من المهاجرين ((الذين
أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا وينصرون
الله ورسوله))، وقسم طوائف منها في أهل ((الحاجة)) (٢) من الأنصار،
واحتبس منها فريقاً لنوائبه وحقه وما يعروه غير معتقد لشيءٍ من
ذلك ولا مستأثر به ولا يموته أن يؤثر به أحداً ، ثم جعله صدقة
لا تراث لأحد فيه ، زهادة في الدنيا ومحقرة لها ، وإيثاراً لما عند الله ،
فهذا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب . وأما الآية التي في تفسيرها
اختلاف في قول الفقهاء قول الله:((مَا أَفَاءَ الهُ عَلَى رَسُولِهِ من أَهْل
القُرَي قَلِلَّه وللرِّسول ولِذِي القُربَى)) إلى قوله: ((وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ
شَدِيدُ العِقَابِ))(٣) ، ثم أخبر بعد ذلك لهن ذلك ، فوصفهم وسماهم
ليكون ذلك فيهم وفيمن بعدهم ، لا يكون ذلك إلا لهم وفيهم ،
فأما قوله: ((فللهِ))(٤) فإن الله تبارك وتعالى غني عن الدنيا وأهلها وما فيها
(١) سورة الحشر آية ٦ .
(٢) في الأصل ((أهل الجاهلية)) والمثبت عن معالم التنزيل البغوي بهامش تفسير ابن
كثير ٨ : ٢٨٧ ، وقد حصرهم المصنف في أبي دجانة ، وسهل بن حنيف والحارث بن
الصمة .
(٣) سورة الحشر آية ٧ .
(٤) إضافة يقتضيها السياق .

٢١٤
تاريخ المدينة المنورة
وله ذلك كلّه ولكنه يقول اللهِ فِي سُبُلِه التي أَمَر بها . وأما قوله:
(وللرسول)) فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذ من المغنم إلا
كَحَظِّ الرجل الواحد من المسلمين ، ولكنه يقول : لرسول الله قَسْمُه
والعمل به والحكمُ فيه. وأَما قوله: ((ولذي القُرْبَى)) فقد ظن ناس
أَن لذي القربى سهماً مفروضاً يبينه الله كما بَيّن سِهَامَ المواريث من
النصف والربع والثمن والسدس، ولما خص حظّهم من ذلك غنى ولا فقر
ولا صلاح ولا جهل ولا قلة عدد ولا كثرة ، ولكن رسول الله صلى الله
عليه وسلّم قد بين لهم شيئا من ذلك مما أفاء الله عليهم من العطاء
والسِي والعَرَضْ والصامت (١)، ولكن لم يكن في ذلك سهمٌ مفروضُ
حتي قبض الله نبيّه ، غير أنه قد قسم لهم ولنسائه يوم خَيْبَر قسماً
لم يعمهم عامتهم ، ولم يخص به قريباً دون مَنْ هو أحرج منه ،
ولقد كان يومئذ ممن أُعطى من هو أبعد قرابةٌ لَمَّا شكوا إليه من
الحاجة ، من کان منهم ومن قومهم في حياته ، ولو كان ذلك مفروضاً
لم يقطعه عنهم أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما ، وبعد ما وسع
ركنه - ولا أبو حسن - يعني عليًا - حين ملك ما ملك . ولم يكن
عليه فيه قائل ، فهلا أعلمتم من ذلك أَمرا يُعْمَل به فيهم ويُعْرَف لهم
بعد؟ ولو كان ذلك مفروضاً لم يقل الله: ((حّيْ لاَ يَكُون دُولة بَيْن
الأَغْنِيَاءِ مِنْكُم)) ولكنه يقول: لذي القربى بحقهم ، وقرابتهم في
الحاجة ، والحق النازل اللازم ، وكحق المسكين في مسكنه ، فإذا
استغنى فلا (٢) حق له ، وكحق ابن السبيل في سفره وضرورته،
(١) الصامت - من المال هو: الذهب والفضة ( أقرب الموارد).
(٢) في الأصل (( من لا حق له ، والمثبت يستقيم به السياق.

٢١٥
لابن شبة
فإذا أَصاب غِنَّى فلا حق له ويَرد ذلك على ( ذوي ) (١) الحاجة ،
لم يكن رسول الله وصالح الذين اتَّبَعُوه ليقطعوا سَهْمًا فرضّهُ الله وجنّبُه
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لقُرْبَى نبيّه صلى الله عليه وسلم ،
لا يؤتونھم إيّاه، ولا يقومون بحق الله لهم فيه ، كما أقاموا الصلاة
وآتوا الزكاة وأحكامَ القرآن ، فقد أمضوا عطايا في أَفناء الناس
وإن بعضهم على غير الإسلام .
وأما الخمس ، فإنها بمنزلة المغنم إلّ أَن اللّه وَسّع لنبيّه أَن يوسّع
على ذَوِي القَرَابة في مواضع قد سمّى له بغير سهم مفروض ، فقد
أفاء الله سَبْيًا فأَخدم فيه ناساً وترك ابنته، وَكَلَها إلى ذكر الله
والتسبيح ، فلا أعظم منها حقاً وقرابة ، ولو قسم هذا الخمس والمغنم
على قول من يقول هذا القول ، لكان ذلك حَيْفًا على المسلمين ،
واغترافاً لما في أيديهم ، ولا يقبل قسم ذلك فيمن يَدّعي فيه الولاية
والقرابة والنسب ، ولا دخلت فيه سُهْمَان العصبيّة والنساء وأمهات
الأولاد ، ولَدَى من تَفقّه في الدين أن ذلك غير موافق لكتاب الله ،
قال الله لنبيه: ((قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم)) (٢)، وقال:
((قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَليهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِين)) (٣)، ومع
قول الأنبياء صلوات الله عليهم لأُمَيِهم قبل ذلك ، وما كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم ليدع سهما فرضه الله لنفسه ولأقربائه لآخرِ الناس،
ولا لخلوفٍ بعده ، فقد سُئِلَ نساءً بني سعد بن بكر (٤)، فتَحَلِّلَ
(١) في الأصل ((على الحاجة)) والإضافة يستقيم بها السياق.
(٣) سورة ص آية ٨٦ .
(٢) سورة سبأ آية ٤٧ .
(٤) في الأصل ((فقد سأل نساء بني سعد بن بكير)) والتصويب عن نهاية الأرب
١٧ : ٣٤١ ٠

٢١٦
تاريخ المدينة المنورة
المسلمين من سباياهم ، فقد كانوا فيئاً ، فَفَكَّهم النّبيّ صلى الله عليه
وسلم وأطلقهم ، لِمَا ولوا من الرّضاعة ، بغير سهم مفروض، وقال
يومئذ ، وهو يُسْأَّل من أَنعامهم ، وتعلق رداوُّه بشجرةٍ: ردّوا عليّ
ردائي ، فلو كان لكم مثل عدد سَمُرُها (١) نِعَمًا لقسمته بينكم ،
وما أَنا بأَحقّ بهذا القيء منكم بهذه الوَبَرة آخذها من كاهل البعير)) ،
ففي هذا بيانٌ عن مواضع الفيء ووصيّة رسول الله .
فأما الصدقات فإنه جعلها زكاةً وطهوراً لعباده ، ليعلم بذلك
صبرهم وإيمانهم بما فرض عليهم ، فنادي به إلى نبيه فقال: (( خُذْ
مِنْ أَمْوَالِهِم صَدَقَةٌ تُطَهّرهم وتُزَكّيهِم بِها)) (٢)، ولم يقل : خذها
لنفسك ولقرباك، مع أن الصدقة لا تَحِلُّ لنَبِيّ ولا أَهل بيته ، ولا
حق فيها لغنيّ ولا لقويٌّ مُكْتَسِب. قال: فقال الله: ((إنَّما الصَّدَقَاتُ
للفُقَراءِ والمساكين والعَامِلين عليها)) إلى قوله: ((واللهُ عَلِيمٌ حَكِيم)»(٣)
فهذه مواضع الصدقات ، حيوانها وثمارها وصامتها . ثم فرض الله
وسنّ نبيّه صلى الله عليه وسلم ، وكتب فيها إلى الآفاق ، وجمع بينها
وبين الصلاة فقال أبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه - وقد قال
مرتدو العرب :: نُقيم الصَّلاة ولا نُؤْتي الزكاة - : لا أُفرق بين ما جمع
اللّه بينه، ولأُقاتِلَنّ من فرّق بينهما طَيِّة بذلك نفسي . وما لأحد
أن يتخيّر وأن يتحكّم فيما نطق به كتابُ الله . مع أنه قد تألف
النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم حتين رُوَّسَاء من روّساء العرب، فقال
[ العباس بن مرداس في ذلك ما قال، فرأى رسول الله صلى الله عليه
(١) السمر - شجر من العضاه ( اللسان).
(٢) سورة التوبة آية ١٠٣ .
(٣) سورة التوبة آية ٦٠ .

٢١٧
لابن شبة
وسلم أنه قال: ((الله يفرغ بعضه في حوض بعض ، ويسد بعضه
مكان بعض . وما سهمان الصدقة إلاّ في مواضع الحاجة فيمن سمَّى
الله ووصف ، لو لم يكن أهل ذلك يستوجبونه إلا من صنف واحد ،
لم يكن على ولي الأمر أن يصرفه عنهم إلى غيرهم ، ولا يحل له أن
أَن يُعْطِيَ أَحدًا لشرفه ولا لغَناءٍ ولا لِدَلّةٍ، وأولى الناس بها ممن قبضت عنه
الصدقة ، يَعْلمه من تَفَقّه في الدين وقرأ القرآن. والسلام عليك ورحمة الله .
* حدثنا ابن أبي شيبة قال ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، قال
حدثنا عبد الرحمن بن حميد الرواسي قال ، حدثنا سليمان - يعني
الأعمش - عن إسماعيل بن رجاء ، عن عُمير مولى ابن عباس قال:
اختصم عليَّ والعباس رضي الله عنهما في ميراث رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: ما كنت لأَحوِّله عن موضعه
الذي وضَعَهُ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم .
* حدثنا هشيم ، عن جُريْبِر، عن الضّحاك، عن الحسن
ابن محمد بن علي : أن أبا بكر رضي الله عنه جعل سهم ذي القربى
في سبيل الله، في الكُرَاعِ والسلاح .
* حدثنا حبان بن هلال قال ، حدثنا يزيد بن زُرَيْع قال ،
حدثنا محمد بن إسحاق قال : سألت أبا جعفر محمد بن علي : أرأيت
حين وُلِّيَ عليّ العراقين وما ولي من أمر الناس ، كيف صنع في سهم
ذي القربى؟ قال : سلَكَ به طريقَ أَبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
قلت : وكيف ؟ ولم ؟ وأنتم تقولون؟. قال: أَم والله ما كان أهله
يصْدرونَ إِلّ عن رَأْيه. قلت: فما منعه؟ قال: كان والله يكره أن
يُدَّعَى عليه خلاف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

٢١٨
تاريخ المدينة المنورة
قال أبو غسان : صدقات النّي صلى الله عليه وسلم اليوم
في يد الخليفة يُؤَلِّي عليها ويعْزِلُ عنها، ويقسم ثَمَّرَها وغلّتها
في أهل الحاجة من أهل المدينة على قدر ما يرى مَن هي في يده من
الوكلاء فيها .
* حدثنا هارون بن عمير قال ، حدثنا الوليد بن مسلم قال ،
أخبرني سفيان بن عُيّيْنَة ، عن ابن طاوس ، عن أبيه قال : ألم تر
حُجْراً المدري (١) حدثني : أن في صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أَن يُنْفَق على نسائه بالمعروف غير المنكر .
٠
( ذكر صدقات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
من المهاجرين وغيرهم )
( صدقة العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه )
قال أبو غسان : تصدّق العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه
بِحِلُ (٢) له كان بيَنْبُع على عين يقال لها ((عين جُنَّاس)) على
شراب زمزم، فذلك الحق (٣) يقال له ((السقاية)) لأَنه تصدّق به
على زمزم ، وهو الثُّمن من تلك العين ، وهو اليوم بيد الخليفة
يوكل به .
(١) هو حُجْر بن قيس الهمداني المدري اليماني، يروي عن ابن عباس، وعنه
طاوس ، وقد ذكر في الأصل حُجْر الدُّري والتصويب والترجمة عن خلاصة تذهيب
الكمال الخزرجي ص ٦٢ ط . الخيرية .
(٢) كذا في الأصل ، والحل : كل أرض جاوزت الحرم من أرض مكة (أقرب
الموارد ص ٢٢٥) ولعلها بحق فقد جاء في آخر الخير (فذلك الحق يقال له السقاية.
(٣) الحق : الأرض المستديرة أو المطمئنة . (أقرب الموارد).

٢١٩
لابن شبه
( صدقة عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما)
وتصدق عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما
عال بالصّهوة ، وهو موضع بين معن وبير حوزة على ليلة من المدينة ،
وتلك الصدقة بيد الخليفة يوكّل بها .
( صدقات عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه)
حدثنا محمد بن يحيى قال ، أخبرني عبد العزيز بن عمران،
٠
عن واقد بن عبد الله الجهني ، عن عمّه ، عن جده كُشْد بن مالك
(الجهني ) (١) قال : نزل طلحة بن عبيد الله وسعيدُ بن زيد رضي الله
عنهما عَلَيّ بالمنحار (٢) - وهو موضع بين حوزة السفلى وبین منحوین،
على طريق التجار في الشام - حين بعثهما رسول الله صلى الله عليه
وسلم يترقّبَان له عن عِير أبي سفيان ، فنزلا على كُشْدٍ فأجارهما.
فلما أخذ رسول اللّه يَنْبُع، قطعها لكُشْدٍ ، فقال : يا رسول الله ،
إني كبير ، ولكن اقطَعْهَا لابن أخي . فقطعها له ، فابتاعها منه
عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة الأنصاري بثلاثين ألف درهم ،
فخرج عبد الرحمن إليها فرمى بها وأصابه سافيها (٣) وريحها ،
فقدرها ، وأقبل راجعاً ، فلحق عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه
بمنزل وهي بليّة دون ينبع فقال : من أين جئت ؟ فقال من ينبع ،
(١) الإضافة عن أسد الغابة ٤: ٢٣٩، وكذا وفاء الوفا ٢: ٣٩٢ ط. الآداب،
أما في الإصابة ٣ : ٢٧٧ فقد جاء (( كسد)) بالسين المهملة، وانظر ترجمته هناك.
(٢) في الأصل ((التجار)) والمثبت عن وفاء الوفا ٢ : ٣٩٢ ط. الآداب.
(٣) كذا في الأصل. وفي وفاء الوفا ٤ : ١٣٣٤ محيي الدين («صافيها وريحها))
والسافي الغزال ، الريح الشديدة .

٢٢٠
تاريخ المدينة المنورة
وقد شنفتها(١) ، فهل لك أن تبتاعها ؟ قال . على : قد أخذتُها
بالثمن ، قال : هي لك . فخرج إليها علي رضي الله عنه ، فكان
أول شيء عمله فيها البغيبغة (٢) وأُنفذها .
· قال أبو غسان ، وأخبرني عبد العزيز بن عمران ، عن
سليمان بن بلال ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه قال : بُثِّر علي
رضي الله عنه بالبُغَيْبِغَة حين ظهرت ، فقال: تسر الوارث . ثم قال :
هي صدقة على المساكين وابن السبيل وذي الحاجة الأقرب(٣).
* حدثنا القعنبي قال ، حدثنا سليمان بن بلال ، عن جعفر ،
عن أبيه : أن عمر رضي الله عنه قطع لعلي رضي الله عنه يَنْبُح،
ثم اشتري علي رضي الله عنه إلى قطيعة عمر أشياء فحفر فيها عَيْناً ،
فبينما هم يعملون فيها إذ انفجر عليهم مثل عنق الجزور من الماء ،
فَأْتِيَ علي رضي الله عنه فبشّر بذلك ، فقال : يسر الوارث . ثم
تصدّق بها على الفقراء والمساكين ، وفي سبيل الله ، وأبناء السبيل
القريب والبعيد ، في السلم والحرب ، ليوم تبيضّ فيه وجوه
وتسودّ وجوه ، ليصرف الله بها وجهي عن النار ، ويصرف النار
عن وجهي .
(١) شنفتها : أي بغضتها (أقرب الموارد ٦١٦) وفي وفاء الوفا ٢ : ٣٩٣ ط.
الآداب (( وقد سئمتها )) .
(٢) البغيغة : بإعجام الغينين تصغير البغيغ، وهي البر القريبة الرشاء ، وهي عدة
عيون منها عين خيف الآراك ، وخيف ليلى، وخيف بسطاس ( وفاء الوفا ٢ : ٢٦٢ ط .
الآداب، ٤: ١١٥٠ محيي الدين) وانظر الخبر في الإصابة ٣ : ٢٧٧ تحت ترجمة كسد
الجهني .
(٣) والخبر في وفاء الوفا ٢: ٢٦٢ ط. الآداب = (٤: ١١٥٠ محيي الدين) وفيه
رواية الواقدي : أن جدادها بلغ في زمن علي رضي الله عنه ألف وسق .