النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ سنة ٣٦٤ وحكى لى أبو الزيان صاحبه متبجّحا ، أنه ما بقى منهم صاحبه بأرض إلا ستّة نَفَر، وما بقى من أماناته فهو أكبرها وأجلُّها ، وهو وروده تحت الرّكاب لنصرة ابن عمَّهُ ، على زَعْمه . فلمّا ورد على تلك الصورة ، وقع التشكّك فيه قبل أنْ يُحكيم أموره ، وأعطاه من الأيمان والعهود ما استدعى التائبين بفعلِه ، واستجلبَ السكون إلى ما أضمره من اغتيالِه وخَتْلُه ، وعزّ الدولة يُنْسَب إلى ما يأتيه إلى الجميل ، ولا يستريب به فى كثيرٍ ولا قليلٍ . . فلمّا سكن إليه ، واعتمد فى التَّوسط بينه وبين أوليائه عليه ، وانتهز فرصتَه ، واستلب غِرّته ، واستولى على الأمور كأنه مالكُها ، وأنشب مخالبَه فيها ، فكأنّه لم يزل مديِّرها ، وجعل أرش مسيرهٍ لمعاونته انتهاك محارمه ، وتشتيت أصحابه وحُرَمه ، وتناسى أفعال معز الدولة له ولوالده منذ ثلاثين سنة ، وبذله عنهما عظيم الأموال ، ونفيس الأحوال ، فى دفع أصحاب خراسان كل دفعة ، وكسرَ عساكر وشمكير ، والله تعالى يهلك الظالمين ، ويأخذ الباغين . ورأى أنه متَى عاجلنى ظهرَ تمويهُهُ، وثار به سائرُ الأولياء ، وانكشف تدبيرُه، فأسرّ أمْرى فى نفسه ، ولم يتمكَّنْ من إظهاره فى وقتِه ، فأطمعتُه كلّ الإطماع فى ارتفاع ما ضِمِنْتُه من الأموال ، واعتمدت فى أموره على مَنْ أعطاني المقدَرَة عليها ، ولجأتُ إلى كرمه فيما عُوِّد منها ، حتى قَفَزْت من بين يديه قفزة يالهفةً عليها لو أدركها ، وأسفه على ما تمّ لى فيها ، وكُنْت بحولِ اللّه فى تدبيرى ، كما قال ثابت الخُراعىّ : أضاع وقاسى أمره وهو مدبرُ إذا المرء لم يَحْتَلْ وقد جدَّ جِدُّه به الخطب إلا وهو للقَصْدِ مُبْصِرُ ولکن أخو الحزم الذی لیس نازلاً وكانتْ نفسى تنازعنى تقديمَ ما تأخّر ، وتجاذبنى تعجيل ما تأجل ، فأجبتها بما قاله علىّ بن محمد البصرى العلوىّ : موتاً يُرِيحُكِ أو صعودَ المِنْرِ وإذا تُنَازِعنى أقول لها اصْبِرِى ولك الأمان من الّذى لم يُقْدَرِ ما قد قضی سیکون فاصْطَبری له وقد لقيتُ كافَّة جيوشه ، وعامة أصحابه ، وهى كعَدد أهل أحد كثرة ، بفتيانِ كعدد أهلٍ بَدْرٍ قلة ، فما زلت معهم فى كلّ الأيام ، كما قال علىّ بن محمد أيضاً : إذا ما انْتُضِينَ ليومٍ سَفُوكِ وَإِنّا لْتُصْبِحُ أسيافُنَا ٤٤٢ سنة ٣٦٤ مَتَّابِرِهِنَّ بُطون الأكُفِّ وأغمادهنّ رءوس المُوكِ وأنا أعرض عليه، ضدّ ما عُرِض علىّ ، لأنه صحيح وأنا به ملىء وفىّ ، وقد آمنت عضد الدولة فنّاخسره بن ركن الدولة أبى علىّ ، مولَى أمير المؤمنين ، على نفسِه ومماليكه ، ومَنْ يختار المسيرَ معه من أصحابه ، بأمان اللّه، وأمان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأمان مولانا عزّ الدولة ، وأمانى إلاّ أن يكون سفك دماً فى بلادنا ، فالحكم يجمعه وأصحاب القوّاد، أو أخذ مالا من غير واجب ، فلا سبيل إلى غيرِ رَدّه ، أو ظَلم أحداً فى ممالكنا ، . أو أخذ مالا من غير واجب ، فلا سبيل إلى غير رَدّه ، أو ظَلم أحداً فى ممالكنا ، فلا طريق إلى الصفح عنه ، إلا بعد الانتصاف للمظلوم منه . واعتدّ عضد الدولة بإطلاق ابن بقية فى كتابه ، فأجابه ابن بقية : ولكنْ خِفْتُمَا صَرَدَ النِّبالِ (١) فَمَا بُقْيا علىَّ تَرَكْثُمانى وحصّل عضد الدولة من المصادرات ، ألف ألف وتسعمائة وخمسين ألف درهم ، منها من أبى عمرو بن عمر ، أدّى كاتبُ سبكتكين ألف ألف وخمسمائة ألف درهم ، ومن أبى بكر الأصفهانى ألفا ألف درهم ، ومن ابن قريعة مائة ألف درهم . . ٠ وقبضى ابن بقية على مَنْ أصحبه عضد الدولة من القوّاد ، واجتمع والمرزبان ابن عزّ الدولة ، وكان بالبصرة ، على مكاتبة ركن الدولة ، بالاستغاثة من عَضُد الدولة وأبى الفتح بن العميد ، فوردت كتب ركن الدولة إليهما ، يأمرهما بالتّمسك بمكانهما ، ويَعِدُهما المسيرَ بنفسه . وكتب بمثل ذلك إلى أبى تغلب ، فلمَّا عرفوا نيَّته فيه تجاسروا عليه ، وأقدمت عليه العامّة ، فأنفذ بابن العميد وابنٍ بندار ، وقال لهما (٢). قُولا لأبى(٣) إنْ أنا خرجتُ من بغداد انفسدتْ علىّ الممالك ، وأنا أقاطعه على ثلاثين ألف ألف درهم فى كلّ سنة ، وأقدّم منها عشرة آلاف ألف . فلمّا وصلا إلى ركن الدولة ، أراد قتلَهما وسُئِل فيهما ، فأوصلهما وقال : عودا (١) اللسان (صرد) ونسبه إلى للعين المنفرى . (٢) أى عضد الدولة. (٣٠) أى ركن الدولة . --- ٤٤٣ سنة ٣٦٤ إليه ، وقولا : تريد أن تمن على بَنِى أخى بدرهمين أنفقَهَما، وأمراهُ بالخروج عن بَغْداد وتسليمها إلى عزّ الدولة . فعاد ابنُ العميد إلى عضُد الدولة وحدَه، وعرَّفه الحال ، فاضطُر إلى الخروج عن بغداد إلى فارس ، وأفرج عن عزّ الدولة وإخوته ، وخَلَع عليهم . وثار عليه العيّارون والعامة، [ فقابلهم](١) بالاستخفاف والسّب، ووافق ابن العميد على ألاَّ يتخلّف بعده أكثر من ثلاثة أيام . فلما خرج ، طابتْ بغداد لابن العميد ، ونزل فى الدور على دجلة ، وحصلت له الَّبازب والأغانى، وكانت قد حَصَلَتْ بينه وبين ابن بقية مودَّة . وامتنع ابنُ العميد عن الشُّرب ، لمَّا قبضَ عضُد الدولة على بختيار ، فكتب إليه ابن الحجاج ، وقد شرب ابن بقية : حَقِّى على الأستاذ قد وَجَبَا فإلَيْهِ قد أصبحتُ مُنْتَسِا ما قلتُها زُورًا ولا كَذِيا يا بن العميد وأنت سيّدنا يا خير أهل الأرض كلِّهمُ مولاىَ تَّرْك الشُّرب ينكِرُه إن كان من غَمّ الأمير فِلِمْ إن الملوك إذا همُ اقتتلوا فلذاك أسكر غير مكترثٍ يا سادتى قد جاءنا رَجَبٌ بُدامةٍ لولا أبوّتُها خمرٌ كمثلِ النَّسار موقدةً من قال إن المِسْك يشبهها أمَّا ويا أسرى العباد أبا مَنْ كان فى بغدادَ مُحْتَسِبَا ووزيرُه بالرَّطلِ قَدْ شَرِبا أصبَحْتُ فيهم كلْبَ مَنْ غَلَبا وألفُّ من خيشومِىَ الذَّنَا فتفضَّلُوا واسْتَقْبِلوا رَجَبَا ما كنتَ قَطّ أشرف العِنَبا لم تلق لا نارًا ولا حَطَبا ريحاً فلا واللّه ما كَذَبا وكان ابنُ العميد ، قد سأل ابنَ الحجاج الحضورَ عنده ، فامتنع واعتذر بانقطاعه إلى خدمة عزّ الدولة ، فسأل عزَّ الدولة حتى أنفذه إليه، وشُغِف به وقال له: لِمَ تأخّرَت عنى ؟ فقال له ابن الحجاج : إنّنى تركتُ ما كان عليه أسلافى من الكتابة ، وعدَلْتُ (١) زيادة يقتضيها السياق. ٤٤٤ 1 سنة ٣٦٤ إلى الشعر السخيف ، الّذى هتك سِتْر تَجَمُّلى، وفكّرت فى أَنّك مِمّن لا يسامَى قدرُه ، ولا يردُّ أمره ونهيه، وأَّهمتُك بأنّك جَبَلىّ الأخلاق، فظّ العشرة، ولم آمن مِنْ ألاّ أنفُق عليك، أو لا تنفُق أنت علىّ ، فتذهب قطعة من عُمْرِى ، وقد تنغَّص عيشى ، فقال له ابن العميد : فكيف رأيتنى ؟ قال : بالضدّ ممّا اتهمتك فيه ، فاجعلنى فى حلّ ، فقال له : قد تساوينا ، لك علىّ مثل مالى عليك ، فإنى كنت أقرأ أشعارك فأظنّك سخيفاً ، قليل المروءة ، كثير العيوب ، حتى شاهدتك فكنت بخلاف ذلك ، فإن أحللتنی أحللتُك . واعتدّ ابنُ العميد على بختيار بما صنعه معه من إبعاده عَضُد الدولة ، فعرض عليه وزارتَه ، فقال : لا يمكنى ، فإنّنى وأهلى فى خدمة ركن الدولة ، منذ خمسين سنة وهو هالك ، فإذا مَضَى جئتُك بقطعة من عَسْكره . وكان ذلك يبلُغ عضد الدولة ، فحنَق عليه . وورد ابنُ بقية بغدادَ فى ذى القعدة ، وملأ عينَ ابنِ العميد بالهدايا ، وقال فى بعض الأيام: لا بدّ أن أخلع عليه ، فلمّا أكل وقعدا على الشّرب ، أخذ ابن بقية بيدِه فرجية ورداء فى غاية الحسن والجلالة ، ووافَى بهما إلى ابن العميد ، وقال : صرت يا أستاذ جامدارك(١)، فانظرْ هل تُرْضينى لخدمتك، فطرح الفرجية عليه، فأخذ الرّداء منه ولبسه . وقصد الفتكين فى ثلثمائة غلام دمشقَ ، وكان العيّارون قد استولوا عليها ، فخرج إليه أشرافها وشيوخها ، وسَلَّمُوها إليه ، فأحسن السيرة ، وقَمع أهل الفساد ، وقامت هيبتُه ، وَعِظُمت منزلتُه ، وقصد العرب وأبعدهم ، وظهرت شجاعته ، وكان أعور. وكان ابن الشمشقيق ، قد جاء فى الروم ، فأخذ بلاد الثغور ، وصالح أهلَ دمشق على مال كثير ، فخرج إليه الفتكين ، ولعِب بين يديه بالرّمح ، فأعجبته فُروسيته ، ووهب ما قرّره على أهل دمشق له ، فسأله أن يهدَى له سلاحه ، فقاد مع فرسه وسلاحه عشرين فرساً بتجافيفها(٢)، فردّها ابن الشمشيق، ولم يقبل غير فرس الفتكين وسلاحِه وحده . (١) كذا ولعله لقب . (٢) التجفاف : ما يلبسه المحارب كالدروع، وجمعه تجافيف. ٠ ٤٤٥ سنة ٣٦٤ وانصرف عنه إلى جبلة(١) وبيروت، ففتحهما عَنْوة ، وتحصّن منه أهل أنطاكية ، فاستخلف عليها صاحباً له ، فقطع شجرها التين ، وهو يَجْرى مجرى النخل بالبصرة ، وفُتِحت له بعد ذلك . وسار ابن الشمشقيق إلى قسطنطينية ، فما بعدت وفاته . ومضى إلى الفتكين ، والدُّه عزّ الدولة ، وأخواه أبو إسحاق وأبو طاهر ، وابنه المرزبان بعد قتله ، على ما نشرحه ، فأولاهم الجميل ، وأحسن إليهم ، وقصدته العساكر من مِصْر متكاثرة ، وكان ما يأتى ذكره فى السنة الآتية ، وما بعدها . (١) جبلة قلعة بساحل الشام من أعمال حلب . ٤٤٦ سنة ٣٦٥ سنة خمس وستین وثلثمائة تُوفِّى المعزّ بمصر ، فى شهر ربيع الآخر ، سنة خمس وستين ، ومدّة عمره خمس وأربعون سنة وسبعة أشهر ويومان ، ومدّة نظره ثلاث وعشرون سنة وخمسة أشهر . وسبعة عشر يوماً ، منها بمصر ثلاث سنين . وقام ابنُه نِزار مقامَه ، ولقِّب بالعزيز ، فكاتب الفتكين بالاستمالة ، فأغلظ فى جوابه ، وقال : هذا بلد أخذته بالسيف ، ولا أدين لأحدٍ فيه بطاعة . فأنفذ إليه جوهراً فى عساكر كثيرة ، فدعا أهل البلد وأعلمه؛ ما قد أضَلَّهم ، وأنه على مفارقتهم ، فقالوا : إنّ أرواحنا دونك ، وإنا باذلون نفوسَنا دون نَفْسِك . ولمَّا حصل جوهر بالرَّملة(١) ، كاتب الفتكين ، وعرّفه أنه قد استصحب له أماناً ، وكتاباً بالعفو عمَّاً فرّط فيه، وخِلعاً يُفِيضُها عليه ، وأموالاً ، فأجابه الفتكين إجابة مغالط ، وأحال على أهلِ دمشق فِعْل جوهر على الحرب ، وسار إليه ، فالتقيا بالشّماسية (٢)، ودامت الحرب واتصلت مدة شهرين ، وظهر من شجاعة الفتكين وغلمانه ، ما عُظِّمُوا به فى النفوس . وعاضد الفتكين الحسنُ بن أحمد الْقَرْمطىّ ، واجتمعا فى خمسين ألفاً ، فانصرف جوهر إلى طبريّة ، ومنها إلى عَسْقلان ، فحاصراه بها ، وقَطَعا عنه الماء . وكان جوهر فى الشجاعة معروفاً ، فكان يبارز الفتكين ، ويَعْرِض عليه الطاعة لصاحبه ، فيكاد أن يجيبه فيعترضهما القرمطيّ ، فلا يمكِّن الفتكين من ذلك . فاجتمعا يوماً ، فقال جوهر : قد علمتَ ما يجمعنى وإيّاك من تعظيم الدين ، وقد طَالَتِ الْفِتْنة، ودماءُ مَنْ هلك فى رِقابنا ، وإن لم تُجِبْ إلى الطاعة ، فأسألك أن تمنّ علىّ بنفسى وبأصحابى وتذِمّ لنا، وتكون قد جمعتَ بين حقْن الدماء واصطناع المعروف ، فقال الفتكين : أنا أفعلُ ، على أن أعلّق سيفى ورمح القرمطىّ ، على باب (١) الرملة : مدينة بفلسطين وكانت قصبتها . (٢) الشماسية : محلة بدمشق . , ٤٤٧ سنة ٣٦٥ عَنْقلان ، وتخرج من تَحْتهما ، قال : رضيت ، وأخذ خاتم الفتكين على الوفاء . وأنفذ إليه جوهر مالاً وألطافاً ، فاجتهد القرمطيّ بالفتكين أن يغدر ، فلم يفعل ، فخرج وخرج جوهر وشرح لصاحبه الحال ، فأمر بإخراج المال ، وإثبات الرجال ، وسار جوهر على مقدّمته ، واستصحب توابيتَ آبائه . ولما عرف الفتكين ، والقرمطىّ الحالَ، عاد إلى الرملة واحتشد ، وتقارَب العسكران ، . واصطفًا للقتال، وجال الفتكين بين الصفّين ، فكبّر وحمل وطعَن وضرب . فعَلا العزيز على رابية ، وعلى رأسه المِظّة ، وقال لجوهر : أرنى الفتكين، فأراه إياه ، وكان على فرسٍ أدهم بتجفاف من مرايا ، وعليه فزاعنذ(١)، أصفر وهو يطعَنُ تارة ، ويضرب باللت أخرى ، والنَّاس يتحامونه . فالتفت العزيز إلى ركابى (٢) يختصّ به، وقال له: امض إلى الفتكين وقل له : أنا: العزيز ، وقد أزعجَتنى من سرير ملكى ، وأخرجتنى لمباشرة الحرب ، وأنا أسامحك بجميع ذلك ، ولك علىّ عهد اللّه، بأنى أهب لك الشام بأسره، وأجعلك اسلسهار (٣) عسكرى . فمضى الركابىّ وأعاد الرسالة ، فخرج الفتكين ، بحيث يراه الناس ، وترجَّل وقبّل الأرض مراراً، ومرّغ خديه ، وقال : قل لمولانا ، لو تقدَّم القولُ لسارعتُ ، فأمّا الآن فليس إلا ما ترى . فعاد إلى العزيز بالجواب ، فقال : ارجع إليه وقل له : تقرّب منّى بحيث أراك وترانى ، فإن استحققتُ أن تضرِب وجهى بالسيف فافعل . فمضى ، فقال الفتكين : ما كنتُ بالذى أشاهد طلعته وأنابذه الحرب ، وقد خرج " الأمر عن يدى . وحمل عند ذلك على الميسرة فهزَمها ، وقتل كثيراً من أهلها ، فحَمل العزيز ، والمظلة على رأسه ، فانهزم الفتكين والقرمطىّ، ووضع السيف فى عسكرهِما، فقتَل منه عشرين ألف رجل . (١) كذا فى الأصل. (٢) ركابي : من يستعان به فى الركوب. (٣) وظيفة عندهم . ٤٤٨ سنة ٣٦٥ ومضى القرمطى هارباً ، وبذل لمن يأتيه بالفتكين مائة ألفَ دينار . وكان الفتكين يميل إلى المفرج بن دغقل بن الجراح الطائى ، وبتمرّده لملاحته ، وشاع ذلك عنه ، فانهزم يطلبُ ساحل البحر ، ومعه ثلاثة من غلمانه ، وبه جراح ، وقد جَهَده العطش ، فلقيته سرية فيها المفرّج ، فلمّا رآه ، التمس منه ماء ، فسقاه ، وقال له : سَيِرنى إلى أهلك ، فحمله إلى قرية تعرف بلبنى ، وأحضر له ماء وفاكهة ، ووكّل به جماعة ، وبادر إلى العزيز فأخبره ، فأعطاه المال الَّذی ضَمِنه، ومضى معه جوهر فتسلّمه . وتقدّم بضرب مضارب ، وأحضر كلَّ مَنْ حصل فى الأسر من أصحاب الفتكان ، فأمَّنهم وكساهم.، وجعل كلَّ واحد منهم فيما كان فيه معه ، ووصل الفتكين فأخرج العسكر لاستقباله ، وهو لا يشكّ أنه مقتول . فلمّا وصل إلى النّوبة، ورأى أصحابه مكرّمين ، وترجّل الناس له ، وحُمل إلى دست قد نُصب ليجلس فيه ، رَعَى بنفسه إلى الأرض ، وألقى عمامته، وعَفّر وبكَى بكاء شديداً ، وقال : لم استحققتُ هذا الإبقاء ! وامتنع من الجلوس فى الدّست . ووافاهُ أمينُ الدولة أبو الحسن بن عمّار ، وجوهر والخدم على أيديهم الثياب ، وأعلموه رضا العزيز عنه ، وألبسوه الخِلَع ، وتقدَّم إلى البازيار به وأصحاب الجوارح بالمصير إلى مضربه ، وراسله بالرّكوب إلى الصيد تأنيساً له، وقادَ إليه عدّة دواب ، وعاد عشاء ، واستقبله الفرَّاشون والنَّقَّاطون بالمشاعل ، ونزل وركب العزيز إليه ليلا ، فقبّل الأرض وخاطبه بما سكن منه ، وجعله حاجب حُجّابه . وعفا عن الحسن بن أحمد القرمطىّ ، وأقام بطبرية ، وجعل له سبعين ألف دينار فى كلّ سنة، وتوجَّه إليه جوهر ، وقاضى الرَّملة فاستخلفاه . ومضى الفتكين مع العزيز إلى مصر ، وقد استأمن إليه أخو عزّ الدولة وابنه ، فزاد فى إكرام الفتكين . وكان يتكَّر على أبى الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس ، وتدرّجتِ الوحشة ، وأمرهما العزيز بالإصلاح ، فلم يفعل الفتكين ، فدسَّ عليه أبو الفرج سماً فقتله ، وحَزِن عليه العزيز ، وقبض على أبى الفرج ، وقد اتّهمه بقتله نَيِّفاً وأربعين يوماً ، وأخذ منه خمسمائة ألف دينار، ووقفت الأمور باعتزاله الظر، فأعاده حين لم يجد منه بُدًّا . ١ ٤٤٩ سنة ٣٦٥ وتزوّج الطائع بنتَ عَزّ الدولة على صداق مائة ألف دينار ، وخطب أبو بكر ابن قريعة خطبة النكاح . وفى ذى القعدة تُوفّىَ أبو الحسن ثابت بن سنان بن قصرة الصّابى صاحب التاريخ . وقسَّم ركن الدولة الممالك بين أولاده ، فجعل لعضُد الدولة فارس وكِرْمان وأرجَّان ، والمؤيد الدولة الرّىّ وأصبهان ، ولفخر الدولة هَمَذَان والدينور . ومرض ركن الدولة ، فسار إليه عضد الدولة ، وقبّل الأرض بين يديه ، والتقيا بأصبهان ، وعمل ابْنُ العميد دعوةً ، جمع فيها ركن الدولة وأولاده الأمراء ، وخاطبهم ركن الدولة ، بأن عضد الدولة ولىُّ عهده، وخلع ابن العميد على القوّاد ألف قباء وألف كساء . وأخذ عز الدولة لسهلان بن مسافر خِلَعاً من الطائع ، ولقّبه عنه عصمة الدولة وأنفذها له . وأنفذ إلى فخر الدولة مثلَها ، فلم يلبساها ، ولم يتلقّب سهلان مراقبةً لعضُد الدولة . ٤٥٠ سنة ٣٦٦ سنة ست وستين وثلثمائة تُوفّى ركنْ الدّولة أبو علىّ بالرّى فى ثامن عشر المحرّم. وقال أبو بكر الخوارزمىّ يرثيه : . وردَّ به اللّه مُلْك الْعَجَِمْ(١) أُحِين جَرَى ملكه فى المُلُوكِ بخطّ البلى وبنَان السَّفَخْ وخَطّ الفَناء على قَبْهِ تَوقَّع زوالاً إذا قِيل تَمْ إذا تمّ أمرٌ بدا نَقْصُه وأتاها مؤيّد الدولة ، وانفصل عن أصبهان ، وأقبَّ أبا الفتح بن العميد على ما كان إليه ، وكان يكتُب له فى حياة أبيه الصاحب أبو القاسم محمد بن العميد ، حَسَده الصاحب وغيظه مِنْ قُرْبه أن حَمَل الجند على الشَّغَب ، فحسم مؤيّد الدولة المادّة بإعادة الصاحب إلى أصبهان . وكان فى نَفْس عَضد الدولة على ابن العميد ما ذكرناه ، حتى إنه كان يقول : خرجت من بغداد ، وأنا زريق الشارب ، وابن العميد خرج ملقّباً بذى الكفايتين . لأنّ أهل بغداد كانوا يلقّبون عضد الدولة بزريق الشارب . ونَشَط ابنُ العميد للشرب ، وتداخله ارتياح، فعمل مجلساً عظيماً، وشَرِب ببقية نهاره وعامّة ليلة ، وعَمِل شعراً وهو يشرب ، وأمر بتلحينه والغناء له به ، ففعل المغنَّون ذلك ، والشعر : فلما أجابا دعوت الْقَدَحْ (٢) دعوت الُمَنى ودعوتُ العُلاَ إلىّ فهذا أوانُ الفرحْ وقلتُ لأيام شَرْخِ الشباب فليس له بعدها مُفْتَرح إذا بلغ المرءُ آماله ولمّا غُنِّىَ له بشعره ، استفزّه الطَّرب ، وشرب حتى سَكِر ، وقال لغلمانه : غَطُّوا المجلس واتركوه على حاله ، حتى نَشرب عليه ونَصْطبح ، وقام إلى بيت منامه . (١) انظر يتيمة الدهر ٤ : ٢١١. (٢) اليتيمة ٣ : ١٦٥. ! ----- ! ! سنة ٣٦٦ ٤٥١ ء وبا كره رسول مؤيد الدولة يستدعيه ، فركب وعنده أنه يخاطبه على مهم ، ويعود سريعاً ، فلمّا دخل إليه قبض عليه وأخذ أمواله . ومن شعر أبى الفتح : فقلتْ لَهُمْ بين المقصِّر وألغَالِ (١) يَقُولِ لِىَ الْوَاشون كَيّفْ تُحُِّها وقلت هَوَّى لم يهوَه قطُّ أمثالى ولولا حِذارِى منهمْ لصَدَقْتُهم فقلت : أبى مابى وتسألنى مالى وكم من شفيقٍ قال : مالك واجماً وترامت به الحال إلى قَتله . وحُكِى أن أباه رآه وهو يخطِرِ خَطْرةً أنكرها من مشية أمثاله ، فقال لمن حضره : إنِّى لآخذه بالأدب حتى لأُنْغِّص عليه عَيْشَه ، فإنّه قصير العمر ، وعُمْره على مايدلّ عليه تَجْمُه ثمان وعشرون سنة ، هذا ماحكاه الثعالبى فى اليتيمة . وقال ابن الحجاج يرثيه من قصيدة : ألاَ فليقمْ نَاعى البحورِ الْخَضَارم رُويدك إن الحزْن ضَرِبْه لازمِ ألاَّ إنّ هذا المجدَ قد ساخِ طَوْدُه ألا إنّ بحرَ الجُودِ قد غاض لُجُّه فيا صارماً فلّ البِلَى غَرّبَ خَدّه مضى جسمَك الْفانى وخَلَّفْت بعدَه أخِلاَىَ بالرّىّ الّذين عهدُهمْ ألِمُوا جميعاً أو فُرَادى بقبرِه كظيم ومازال الأسى متحامِلاً أيا راحلاً عن قومه غير آيبٍ لمثِك فلتّبْك العيونُ بأربعِ وما كْنتَ إلاَّ صارماً فُلَّ حَدُّه فلا هَّ هندىُّ سقى دمَك الثََّى وممَّا يسلِّى الحُزْنَ أَنَّكَ وَارِدٌ فأصبح منهدَّ الذُّرا والدَّعائم فمَنْ للقلوب الصَّادیات الحوائمِ وكتّابه تَقْرِى متونَ الصَّوَارمِ معالى تلك المأثّرات الجسائمِ يُوفونَىِ حَقَّ الصديق المساهم وقولوا له عَنْ أجْدَعِ الأنفرَاغِ على كلّ موتور السرائر كَاظِمٍ ويا غائباً عن أهله غيرَ قادِمِ وما فائضاً بعد الدُّمُوعِ السَّواجم بآخر مشحوذِ الغِرَارین صارم غداةَ الْوَغَ إلاَ بأَوْهَنَ قائمِ على فرحٍ فى جَنَّةِ الْخُلْدِ دَائِم ( أ) معجم الأدباء ١٤ : ٢٠١ . ب ٤٥٢ سنة ٣٦٦ ولمْ لاَ وَقَدْ قَدَّمْتَ زاداً من النُّقى تجىء إِذ صُحُف المظالم نُشِرَتْ وكنتَ إذا الفحشاءُ نادَتْك مُعْرِضاً عجبتُ لمن أَنْحَى عليك بسيفه أما راعه ذاك الشباب وحُسُْه أبا الفتح يأبى سَلْوتى عنك إنّی فما قَصُرَتْ بى عن حقوقك وَنْيَةٌ نَّهَضْتَ به مستبشراً غيرَ نَادم ببيضاء غفل من سمات المظالم أصَمَّ غضيض الطَّرْف دون المحارم فأنحى على غصنٍ من البانِ ناعمِ فتدرِكَه فى الحال رِقَّةُ راحمِ جعلت عليك الحزن ضَرْبَةٍ لازم ولا أخذتنى فيك لَوْمَةُ لائِم [و] لمّا بلغ عزَّ الدَّولة وفاة ركن الدولة، قال: أنا ولىّ عهد عمى ركن الدولة ، وحلَف لعمران بن شاهين، وتزوج أبو محمد عمران ابنةَ عزّ الدولة ، وحَضَر بين يدىِ الطائع، وحَلَف لعدّة الدولة أبى تغلب ، فقال ابن الحجاج من قصيدة : أَنْتَ عَلَّمْتَنِى أْلَمَدَائِحَ حتَّى صِرْتُ فيها مجوِّداً مَطْبوعا أنت واصلتنى وكنت على البابِ طريداً مُبعَّداً مَمْنُوعا أَنْتَ جدَّدْتَ ثوب عزَّى وَقَدْ كان لبيساً مفّتاً مَرْقُعا ملك عين مَنْ يعاديه لاتطعم غَمْضْاً ولا تذُوق هُجُوعا أَيُّهَا السَّيَّد الَّذى طاب فى المجْدِ أصولاً كريمةً وفُروعا عَلَمُ المجد والعُلا مَرْفوعا إِنَّ يومَ الخميس أصبح فيه رُفعت رايهُ الهُدى بيد النَّصر وخَرَّ النَّفاق فيه صريعا دولةٌ عُّها وعمدتُها اليوم أضافا إلى الجموع الجموعا وصلا الحبل بالنَّصافى فأضحى ظَهْر مَنْ يُظْهِرِ الخِلاَف قطيعا وله راية إذا ضحِك النصر إليها تبكى السُّوف ◌َجِيعًا وسيوفاً قواطعاً ودُرُوعا فى جُيُوشٍ تُطِّق الأرض خَيْلاً لم يَكُنْ خالعاً ولا مَخْلُوعا ينصرون الإمام خَيْرَ إمامٍ لم يكن مُحْدَثاً ولا مَصْنُوعًا ورث الأمرَ عن أبيه بحقٌ وعلّا ورِفْعَةً وطُلُوعا فُهَو مثلُ الهلال فى الأفق نُوراً سد فى أَخْدَعَيْهِ صَفْعاً وَجِيعا وترانى بدرتی أصفع الحا لا أحابى وحقّ من خلق الجنّة لا تابعاً ولا مَتْبُوعا سنة ٣٦٦ ٤٥٣ ولو أنى حابيتهمْ كنتُ نَذْلاً سَاقطاً سفلةً خسيساً وضَيِعا وفى رجب ، قُبِض على أبى الفرج بن فسانحس، وحُمِلَ إلى سُرَّ مَنْ رأى، وتحرّك ما كَان فى نفس عضد الدولة من قَصْد العراق ، فاستخلف عزّ الدولة على بغداد الشَّرِيفَ أبا الحسن محمد بن عسر ، وخَرَج معه ابنُ بقيَّة ، فزارًا مشهد الحسين عليه السلام . وقصد ابنُ بقيّة الكوفة وحده ، فزار واجتمع ، وانحدر إلى واسط ، وقال ابن الحجاج يودعه : ومَنْ عليه القلوبُ تَنْعَطِفُ يَامَنْ إليه الآمالُ تَخْتَلِفُ ملوك أهل الدّنيا به شَرُفوا ومَنْ بنو عمِّه وإخوته كما استقلّت بالعاتِقِ الكَتِفُ تَرَاه عما تُحِبُّ يَنْكَشْفُ مَنِ استقلِّتْ بنو بويهٍ به مولاى صبرا فإنّ سائر مَا يأتى كما تَشْتَهِى ولا يَقِفُ وكلّ ماتشتهى وتؤثره ومن أتانَا يَسُوقِهِ طَمَعٌ تُثْنِيه عن هَفْوَةِ الشَّبَاب ◌َدا أولا فعزيه ململمِةٌ وذيل يحكم الطعان لَهَا وشُرْبٌ ضُمَّرْ فَوَارِسُهَا عَنْكَ بَّىْ حُنَيْنِ يَنْصرفُ رَأْىٌ بعيد من النَّوَى نَصَفُ تستر منها السيوف والحُجُف بأنّها فى الصُّدُوُر تنقصف لا عزلُ فوقَها ولا عُنُفُ هذا ونفسى الأمير دونك لِلرّماة فى حَوْمَةِ الْوَغَى هَدَفُ وازحَفْ إليهم به إذا زَحَفُوا فانهضْ بِهِ نَحْوِهِمْ إذا نَضُوا وأنت أعْلَى بنى بويه يَداً كنتم بنى أهل بيت مكرمة حُّ تلوناكم فكان لكم الفَ والدِّرَ جِنْسُ لكن له قِيَمُ وليس يدرِی ما فضل فاخرِه الـ يامن إذا أحلف البحارُ ففى وإنَ تَساوى القديمُ والْخَلَفُ تُوصَف منهم بمثلِ مأُوُصِفُوا ضُلُ عليهم والمجدُ والشَّرَفُ فى الفضل عند التجار يختلف مكنون حتى يفتح الصَّدَفُ نداهُ من كلِّ فائتٍ خَلَف وفى سواك المديح يَتْرَحِفُ ينتظُم المدح فيك متَِّناً مولاى لما بعدْتَ فاشتعلت نِيرَان قَلْبِى وطاربى الأسَفُ ٤٥٤ سنة ٣٦٦ إليك يا دافنى وأنصرف جئتك أعدو والشوق یعجلنی وسأل عزُّ الدولة الطائَع الانحدار ، فأجاب وانحدر إلى واسط فى عاشر شعبان ، ومعه ابن معروف ، ونزل فى دار الوزارة بها . وساروا إلى الاهواز، فوصلوها عاشرَ رمضان . وكتب عزّ الدولة عن الطائع كتاباً يدعو إلى الصلح ، ونفذ به خادم ، فقال عضد الدولة للخادم : قل لمولانا أمير المؤمنين ، لا يمكننِى الجواب ، إذا مثلتُ بحضرتك ولم يجب علىّ الكتاب . ولما أَشْرَفت الحالُ على الحرب ، أصعد الطائع إلى بغداد ، وكانت الحرب بناحية يقال لها مَشَانُ(١) من أعمال الْبَاسِيان، فى نصْف تَمّوز، وهو يوم الأحد مستهلَّ ذى القعدة ، وكان دبيس بن عفيف الأسدىّ على مَيْسَرة عزّ الدولة ، فاستأمن وعَطَف على الَّهب، فُهِب، فانهزم عزّ الدولة ، وقتل من أصحابه خلق ، وغرِق آخرون على جِسْرٍ عقده بُدَجيل(٢). وكان حمدان فى جملة المنهزمين ، وتفرقت المذاهب بالمنهزمين ، فالتقوا بمطارى. واجتمع عزّ الدولة وبه جراح بأخيه عمدة الدولة ، وابن بقية بها على أسوأ حال . وأنفذ عمران بابنه الحسن وكاتبه وقوّاده ، فى عِدة سفن إلى عزّ الدولة ، وأنفذ إليه وإلى ابن بقية بمالٍ وثياب ، وأنفذ المرزبان بن بختيار إلى أبيه بمثل ذلك من البصرة . وانحدروا إلى البصرة ، وهى مُفْتَتِنة ، فاراد ابنُ بقية أن يصلحها ، فازدادت فساداً واحترقت الأسواق ، ونُبِت الأموال . وورد أبوبكر محمد بن على بن شاهويه صاحب القرامطة الكوفةً فى ألف رجل منهم ، وأقام الدعوة بها وبسُورا(٣)، وبالْجَامِعَيْن(٤) والِيل (*)، لعضُد الدولة. (١) المشان: بلدة قريبة من البصرة . ياقوت . (٢) دجيل: اسم نهرٍ فى موضعين أحدهما مخرجه من أعلى بغداد والآخر بالأهواز. ياقوت . (٣) سورا : موضع بالعراق من أرض بابل . ياقوت . (٤) الجامعين ، بلفظ المثنى المجرور: حلة بنى مزيد التى بأرض بابل بين بغداد والكوفة . ياقوت . (٥) النيل : بليدة فى سواد الكوفة قرب حلة بنى مزید . ياقوت . سلط ٤٥٥ سنة ٣٦٦ وأشفق بختيار أن يَسِير عضْد الدولة إلى واسط ، فيملكها ، فتفوته النّجاة ، فاحترق البطائح ، فتلقاه عمران فى عَسكره ، وأقام ابن بقية عنده ثلاثة أيام . وكان عمران قد قال لعزّ الدولة ، لمَّا قصد حربَه : سترى أنّك تحتاج إلىّ ، وأعاملك من الجميل بخلاف ما عاملنى به أبوك من القُبْح ، فعجِب النَّاس من هذا الاتّفاق . ٠ واستدعى البصريون من عَضد الدولة ، مَنْ يتسلّم بدلَهم ، فأنفذ أبا الوفا طاهر بن محمد فدخلها . وأقام بختيار بواسط ، وتراجَع إليه أصحابُه وجنده . ورجع ابنُ بقية إلى ذخيرة له بها ، واستمال الجندَ ، فرغبُوا فيه وآثر وه على صاحبه . وقال بعض البصريين فى بختيار : أقام على الأهواز خمسين ليلةً يدبّر أمرَ المُلْك حتى تَذَمَّرا وأوسطه بَلْوى وآخرُه ◌ُسرًا يدبّر أمراً كانَ أولُه عمَّى ومن أعجب ما اتّفق عليه ، أنه أُسر له غلام اسمه باتكين ، ولم يكن(١) يميل إليه ، فجُنَّ عليه ، وتَسَلَّى عن مُلْكهِ إلا عنه، وانقطع إلى البكاء ، وامتنع من الغِذاء ، واحتجب عن الناس فخفّ ميزانهُ ، واستهان به ابنُ بقية ، وأنفذ بالشريف أبى أحمد الموسوىّ ، والحرب قائمة ، يسأل عَضُدَ الدولة فى رد الغلام ، وبَذَل فى فدائه جَارِيتيْن ، [ كان ] بذل أبو تغلب بن حمدان فى إحداهما مائة ألف درهم ، وقال لأبى أحمد : إنْ لم يرض عَضُدُ الدولة بهما، فاعطه هذا العِقْد - وكان فاخراً نادراً . وأضمِنُ له ما أراد . ولما مضى أبو أحمد إلى عضد الدولة ، وأدّى الرسالة ، أمر بردّ الغلام ، وكان قد حُمِل فى عِدّة غلمان إلى أبى الفوارس بن عضد الدولة ، فأعيد إلى عضد الدولة ، ولم يكن بين الغلام وبين غيره من الأسرى فَّرْق ، فأمسكه عنده ، وقال لأبى أحمد : لا أنفذه حتى تمضَى إليه برسائل ، وتقرّر معه القبضَ على ابن بقية ، وأضاف إليه أبا سعد بهرام بن أردشير الكاتب . فلمّا وصلا إلى بختيار ، وخلوا به ، أوحش ذلك ابنَ بقية. (١) كذا فى الأصل وفى الكامل ٧: ٨١: ((يميل إليه)) وهو الصواب. ٠ ٤٥٦ سنة ٣٦٦ وكان بختيار ينزل فى الجانب الغربى ، وعولَ ابنُ بقية على طرد بختيار ، وأن ينفرد هو بالحرب ، فعدل بختيار إلى تسكينه وتلافيه . فلما كان فى ذى الحجة ، أشار إبراهيم بن إسماعيل - وكان بختيار قد استحجبه ، بعد أن كان نقيباً - بالقبض عليه إذا عبر إليه ، ففعل ذلك ، وانفذ أمواله وخزائنه ، ووجد له ستّة آلاف رطلِ ثلجاً ، كان أعدّها لسماط عزم على اتخاذه للجند ، وطلب عز الدولة منه شيئاً قبل القبض عليه ، فأنفذ إليه ثلاثين رطلاً . فكانت وزارة ابنُ بقية أربع سنين وأحد عشر يوماً . واستخلص عزُّ الدولة أبا العلاء صاعد بن ثابت النصرانىّ ، من مجلس ابن بقية ، وكتب إلى بغداد على الأطيار بالقبض على أهله ، فوقعت الكتب فى أيديهم ، فهربوا إلى بنى عقيل بالْبَادِية . وقُبِض على ابن بقية بمشهد ابن بهرام بن أرد شير ، وأعاد معه الشريف أبا أحمد ، وجرتْ أقاصيص حتَّی عاد إليه باتکین . وقال ابنُ الحجاج يمدحُ أبا سعد بن بهرام : وأمكَننَا الحضورُ كما نَشَاء أبا سعدقد انكشف الغطاء شفى من لَوْعه الشّوق اللقاءُ وزالتَ رقْبة الواشين حتَّى له فى كلِّ ناحيةٍ ضِيَاء بنفسى أنتَ من قمرٍ منيرٍ فأمست فى خفارتك الدِّمَاءُ هزمتَ القوم أمسِ بغيرِ حربٍ لطفت فصادَف الدّاءَ الدَّوَاءُ وكان القوم فى داءٍ ولكن ورأىٍ لم يَكُنْ فِيه ◌ِرِيَاءُ بقولِ ماخلطت به نفاقاً وأمسوا والنّساءُ (١) لكمْ إماء فَأضحوا والرِّجال لكمْ عِيدٌ ولما حصل باتكين بالبصرة ، تواترت البشائر إلى بجْتيار ، وأظهر من السرور مالم . يعهد ، وضمِن أنه إذا ردّ الغلام ، عاد إلى بغداد ، وأظهر الطاعة . وأمر عَضُد الدولة أبا أحمد ،. الَّا يسلّم الغلام ، حتى يصعد بختيار إلى بغداد . وكان قد ورد عليه عبدُ الرازق وبدر ابنا حسنويه ، فى ألف فارس لنُصْرته ، (١) فى الأصل: ((والرجال)). ٤٥٧ سنة ٣٦٦ فلمَّا رأيا أفعالَه ، كاتبا أباهما بالصورة ، وعرّفاه ضعفَ رأيه ، واختلاَ تدبيره ، وأصعدا ، وفارقه عبدالرازق بجرجرايا ، واستحيا بدرٌ من مفارقته . وعادت الرّسالة إليه بسمْل اين بقية ، ففعل وسُمِل بعده صاحبُه ابن الراعى ، وأُخِذَتْ عليه الأيمان بطاعةَ عَضُد الدولة ، وإثبات اسمه على راياتِه ، وإقامة الخطبة له فی کلِّ بلدٍ دخله .. فانصرف عنه بَدْر بن حسنویه حينئذ . وكان فى جملة ماشرط عليه عضد الدولة ، أن يرحل عن بغداد إلى الشام ، وألاَ يؤذى أبا تغلب . وأتى عضد الدولة الأهواز ، فرتَّب أمورها ، وسار منها إلى البصرة، وقد انصرف عنها المرزبان بن بختيار ، فوجَدها مُفْتَتِنةٍ ، فأصلحها وضمن أكابرُ أهلِها أصاغرَهم . 4 ٤٥٨ سنة ٣٦٧ سنة سبع وستين وثلثمائة فى صفر ورد الخبرُ إلى الكوفة بوفاة أبى يعقوب يوسف بن الحسن الجنابىّ صاحب هَجَر ، فأغلقوا أسواقهمْ ثلاثة أيام ، إجلالاً لمصيبته ، ومولده سنة ثمانين ومائتين ، . وعقدوا الأمر لسّة نفرٍ من أهل بيته ، أُشرِكوا فى الأمر ، وسُمُّوا السادة . وصار أبو الحسن محمد بن يحيى العلوىّ إلى عَضُد الدولة ، وسار فى مقدمته إلى بغداد . وسار عز الدولة عنها لليلتين بقَيتَا من شهر ربيع الآخر ، وتفرّق ديلمهُ عنه ، ففرقةٌ انحازوا إلى الحسن بن فيلسار ، وسار بها إلى جسر النهروانْ ، وأنَفذَ عَصُد الدولة بمن أتاه به أسيراً ، وبه عدّةُ ضربات وِفْرَقَةٌ صاروا إلى عضد الدولة ، وِفْرَقَةٌ ثبتوا معه . فقال ابن الحجاج فى خروجه : ساروا على صورة خسيسهْ فديتُ قوماً ساروا ولكنْ بسوقِ يَحْبِى على الْهَرِيسِهْ نُودِى عليهم كما يُنَادى قد طَرُدُوهِم من الكنيسَهْ كأنهمْ من يهود هطرى آخر الجزء الأول ، ويتلوه فى الثانى مملكة عضد الدولة أبى شجاع . والحمد لله حق حمده وصلواته على سيدنا محمد النبى وآله الطاهرين وسلم تسليماً . ٠ فهرس الموضوعات الصفحة ١٨٦ - ١٩٠ ١٩١ ١٩٢ - ٢٧٣ ١٩٢ - ١٩٧ ١٩٧ ١٩٨ - ٢٠٠ ٢٠١ - ٢٠٢ ٢٠٣ - ٢٠٤ ٢٠٥ - ٢٠٧ ٢٠٨ - ٤٠٩ ٢١٠ - ٢١١ ٢١٢ ٢١٣ ٢١٣ - ٢١٥ سنة سبع وثلثمائة سنة ثمان وثلثمائة سنة تسع وثلثمائة سنة عشر وثلثمائة سنة إحدى عشرة وثلثمائة سنة اثنتى عشرة وثلثمائة وزارة أبى العباس الخصيبى . سنة ثلاث عشرة وثلثمائة سنة أربع عشرة وتكتمائة سنة خمس عشرة وثلثمائة وزارة على بن عيسى الثانية . . ٢١٨ - ٢٢٤ ٢٢٥ - ٢٢٧ ٢٢٨ - ٢٤١ ٢٤٢ - ٢٤٧ ٢٤٧ ٢٤٨ ٢٤٩ ٢٥٠ - ٢٥٥ ٤٥٩ • ٠ ٠ ٢٥٥ ٢١٦ ٢١٧ سنة ست وثلثمائة · وزارة حامد بن العباس . مقدمة المؤلف . خلافة المقتدر . سنة ست وتسعين ومائتين بقية أخبار المقتدر سنة سبع وتسعين ومائتين سنة ثمان وتسعین ومائتین سنة تسع وتسعين ومائتين سنة إحدى وثلثمائة سنة اثنتين وثلثمائة سنة ثلاث وثلثمائة سنة أربع وثلثمائة سنة خمس وثلثمائة . ٠ ٤٦٠ سنة ست عشرة وثلثمائة ٠ وزارة أبى على بن مقلة. ٠ سنة سبع عشرة وثلثمائة ۔ سنة ثمانى عشرة وثلثمائة وزارة عبد الله بن محمد الكلواذى. وزارة الكرخى . ٠ وزارة أبى الفتح الفضل بن جعفر . خلافة القاهر باللّه أبو منصور بن المعتضد . · وزارة ابن مقلة . سنة إحدى وعشرين وثلثمائة . وزارة أبى جعفر محمدبن القاسم وزارة الخصيى خلافة الراضى باللّه محمد بن المقتدر ٠ وزارة ابن مقلة . سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة . سنة أربع وعشرين وثلثمائة . وزارة عبد الرحمن بن عيسى للراضى بالله . ٠ سنة خمس وعشرين وثلثمائة . وزارة أبى الفتح بن الفرات للراضى بالله . سنة ست وعشرين وثلثمائة . وصول بجكم إلى الحضرة وتفرده بالإمرة ٠ سنة سبع وعشرين وثلثمائة وزارة البریدی أبى عبد الله للراضی بالله سنة ثمان وعشرين وثلثمائة وزارة سليمان بن الحسن أبى القاسم. سنة تسع وعشرين وثلثمائة . . إمارة كورنج . سنة ثلاثين وثلثمائة ٠ سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة . وزارة أبى العباس الأصفهانى . ٠ الصفحة ٢٥٦ - ٢٥٨ ٢٥٨ ٠ ٠ ٢٥٩ - ٢٦٤ ٢٦٥ • ٠ ٠ ٠٠ ٠ ٠ · ٠ ٠ ٠ • ٠ ٠ ٠ ٠ ٠ ٠ ٠ 1 : ٢٦٥ - ٢٦٦ ٢٦٦ - ٢٦٩ ٢٦٩ - ٢٧٣ ٢٧٣ - ٢٨٣ ٢٧٤ - ٢٧٥ ٢٧٦ ٢٨٠ - ٢٨٢ ٢٨٢ - ٢٨٣ ٢٨٤، ٣٤٩ ٢٨٥ - ٢٨٩ ٢٩٠ - ٢٩٧ ٢٩٨ - ٣٠٥ ٢٩٩ - ٣٠٥ ٣٠٥ - ٣١٣ ٣٠٨ - ٣١٣ ٣١٤ - ٣١٦ ٣١٦ ٣١٧ - ٣١٩ ٣١٩ ٣٢٠ - ٣٢٢ ٣٢٢ ٣٢٣ - ٣٣٠ ٣٢٩ - ٣٣٠ ٣٣١ - ٣٣٤ ٣٣٥ - ٣٤٠ ٣٣٦ - ٣٣٨