النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ سنة ٣٥٩ فلمّا كان فى سنة خمس وخمسين ، قال له معزّ الدولة : يا أبا الفضل ، تلك الدعوة فريدة بلا أخت ؟ فقال : بلْ هى فى كلّ سنة . وعمل دعوة أنفق فيها ألفى ألف درهم ، ووهب فيها جوارى وغلماناً وأترا كاً وضياعات واستعدّ بعد عملها عند الشوائين ألف جمل مشوى . وحمل إلى أبى الفضل أصحابه ما أمكنهم من الهدايا . وكان لابن الحجاج كُمَيتُ(١)فأراد أن يقودَه ، ثم خاف أن يقِّله، فكتب إليه : کیف تری لى اليوم أن أفعلا وصاحبٍ لى أمسٍ شاروته قد جمع الحسن وقد أَكملا فقال قُدْ هذا الكُمَيَتْ الذى أخاف يا أحمق أن يَقبَّلا فقلت لا واللّه لاقُدْتُه وأمّا أبو الفرج محمد بن العباس بن فسانحس ، فمولده بشيراز سنة ثلاث وثلثمائة ، وورد مع منّ الدولة فى ذى الحجة سنة ثمان وثلثمائة. وأبوه مِن أصحاب النعم الوافرة بفارس ، صادَره عماد الدولة على ستّمائة ألف دينار . وقال : إنى كسبت معه خمسين ألف ألف درهم ، وجاء مع معزّ الدولة إلى بغداد ، وولأه الزمام على المهلِىّ، وتُفَّ سنة اثنتين وأربعين ثلثمائة، وتكفَّل المهلِىّ بأمر ابنه ، حتى ردّ إليه الدیوان . (١) الكميت من الخيل: ما كان لونه بين الأسود والأحمر. ٤٢٠ سنة ٣٦٠ ١ سنة ستین وثلثمائة فى صفر لحقت المطيعَ للّه سكنه، استرخى فيها جانبُه الأيمن ، وثقُل لسانه . وفيه تُوُقِّىَ أبوالفضل محمد بن الحسين بن العميد ، كاتب ركن الدولة ، فاستكتب مكانه أبا الفتح ، ووالده أبو عبد الله العميد ، كان يكتب المزداويج بن زيار ، ولأخيه وشْمَكير . ورتّب ركن الدولة أبا الفضل بن العميد ، مع عضد الدولة ، فهذّبه وأذبه، ثم تغيرٌ عليه ، فحلف ألاّ يقيم بفارس ، ومضى إلى ركن الدولة ، ومات بالرىّ ، وقدِم عليه المتنبى وهو بأرجَّن فمدحه بقصيدته التى أولها : وبكاك إن لم تَجْرِ دمعُك أوجرىُ(١) بادٍ هَوَاك صَبَرْت أم لم تَصْبِرَا [ و] منها : ودعاك خالقُك الرّئيس الأكبرَا فدَعاك حسّدُك الرئيس وأَمْسَكُوا كالخطُّ يملأ مِسْمَعَىْ مَنْ أبصرا خَلَفَتْ صفاتُك فى العيون كلامَه - قال ابن جنّى : أى ، فَكَما أنّ الخط يقوم لقارئه مقام ما تسمعه أذنه ، فكذلك ما يشاهدَ من فضلك ، يقوم مَقَامَ خالقِك - شاهَدْتُ رَسْطاليس والإسَكنْدَر! مَنْ مبلغُ الأعراب ألَّى بعدَها مَنْ يَنْحَرُ الِدَر النّضار إذا قَرَى(٢) ومَلِلْتُ نَحْرِ عشارَها فأضافنى متملكاً متبدِّياً متحضِّراً وسمعتُ بطليموسَ دارِسَ كُتْبِهِ أى جَمع المُلوكِيَّة والبدويّة والحَضَريَّة ، ونصبٍ دارس على الحال . ولقيتُ كلَّ الفاضلِين كأنّما ردّ الإلهُ نفوسَهُمْ والأعْصُر! أى اجتمع فى زمانه الفُضلاء المتقدمون . (١) القصيدة فى ديوانه ١٦٠ - ١٧٢ (٢) العشار: جمع عُشَرَاء وهى التى أتى لحملها عشرة أشهر. والبدر: جمع بدرة ؛ وهى التى فيها عشرة آلاف. والنضار : الذهب . . منة ٣٦٠ 1 ٤٢٣ نُسِقوا لنا نَسْقَ الحساب مقدَّما وأتى فَذَلِك إذا أتيت مُؤْخَّراً (١) - أى مضوا مثل الحساب الّذى يُذكر تفاصيله، ثم يقال فى الأخير: والجميع كذا ، فلمّا جئت أنتَ آخرَهم ، كُنت كأنك جملة التفصيل ياليتَ باكيةً شجانى دمعُها نَظَرَتْ إليك كما نظرتُ فتعذِرا شجانى أحزننى ، يقول : ليتَ من بكى لفراقك ، نظر إليك فيعذرنى ، ونصبٍ فتعذرَ على التمنِّى . وتری الفضيلة لاترُّ فضيلةً الشّمسَ تُشْرِق والسَّحاب كَنَهُوَرَا - الكَنْهُور : القطع من السحاب ، أى وترى الفضيلة فيك مشرقة ، غير مشكوك فيها ، كما تَرَى الشّمس إذا أشرقت ، والسحاب إذا كثر ، ونصب الشمس والسحاب بفعل مضمر تقديره : ترى برؤية فضائلك الشّمس والسحاب ، ونصب فضيلةٍ على الحال - أنَا من جميع النَّاس أطيبُ منزِلاً وأسَرُّ راحلةً وأرْبَحُ مَتْجَراً ووصله ابنُ العميد لهذه القصيدة ، بثلاثة آلاف دينار . وقال يودّعه من قصيدة : فلمَّا حمِدْنا لم تُدْمِنَا على الحمْدِ(٢) تَفَضّلَت الأيام بالجمْعِ بَنِّنَا - أى لم تَدُم على حمدنا، وجعلَ الحمد منها جميعاً ، لأنّكُلّ واحدٍ منا أحبّ لقاء صاحبه وکره فراقهُ ۔ جَعَلْنَ ودَاعِى واحداً لثلاثةٍ جمالِك والعِلْمِ المبَّحِ والْمَجْدِ المبرّح : الذى يكشف حقائق الأمور من قولهم: بَرَح الخفاء، أى انكشف الأمر - يُعيِّرفِى أهل بإدراكها وَحْدِی وقد كنتُ أدركتُ الْنَى غیرِ أَنِّی (١) فى شرح العكبرى عن الواحدى: ((جمع لنا الفصحاء فى الزمان ومضوا متتابعين متقدّمين عليك فى الوجود ،فلمّا أتيت بعدهم كان فيك من الفضل ما كان فيهم مثل الحساب يذكر تفاصيله أولاً ثم تجمل تلك التفاصيل فيكتب فى آخر الحساب: (( فذلك كذا وكذا، فيجمع فى الجملة ما ذكر فى التفصيل . كذلك أنت جْمع فيك ما تفرق فيهم من الفضائل والعلم والحكمة )) . (٢) ديوانه ٢ : ٦٩ . ٤٢٤ سنة ٣٦٠ - أى أدركت بلقائك المُنى، إلاّ أنّ أهلى يعيِرونى كيف لم أشاركهم فى ذلك - وكلّ شريكٍ فى السرورِبِمُصْبَحِى أرى بَعْده مَن لا يَرِى مثلَه بعدِی أى كلّ مَنْ يشاركنى فى السرور بقدومى يَرَى ما أفدْتَنِيه . فُجْد لى بقلبٍ إن رحلتُ فإنَّىِ مُخَلِّفْ قَلْبِ عند مَنْ فضلُه عندى قال ابن الصابى : قيل إن مما نفَق به ابن العميد على ركن الدولة ، أنركنَ الدّولة أراد أن يحدث بناء بالرّىّ ، واختار له موضعاً ، وكانت فيه شجرة ، ذاتُ استدارة عظيمة ، وعروقٍ نازلة متشعبة ، فقدَّر لقلْعها وإخراج عروقها جملةً كثيرة ، ولم تقع ثقته بأنّها تُسْتَأصل استئصالاً قاطعاً ، فقال ابن العميد : أنا أكفى الأمير هذه الكُلّفة ، وأقطع هذه الشجرة بعروقها بأهون شىء ، فى أقرب أمد ، وأقل عدد . فاستبعد ذلك ركنُ الدّولة ، وقال من طريق الإزراء : افعل ، فاستدعى حبالاً وأوتاداً وسلك هذا السلك المعروق فى جَّ الثقيل ، فلمّا رَتب مارتّبه ، ونصبَ مانصبه ، أقام نفراً قليلاً حتى مدُّوا، ومنع أن يقف أحد على جُرُبَانُ(١) كثيرة من الشَّجَرة، بحسب ماقدّره من وشوج أصولها ورسوخ عروقها . ووقف ركنُ الدولة فى موكبه ينظر ، فما راعهمْ إلا تَزَعْزِع الأرض وانفتاحها وانقلابُ قطعة كبيرة منها ، وسقوط الشجرة منْسلّةً بجميع عُروقها ، فتعجَّب ركن الدولة من ذلك ، واستظرفه واستعظمه ، ونظر إلى أبى الفضل بعين الجلالة . وهذا أمر لا يعظُم عِنْدَ مَنْ يعرف الحيلة فيه ، والطريقَ المقصود إليه . ومن شعر ابن العمید یذ کر حال حبیبٍ له بعد : أما آن أنْ تُغْضِى العواذلُ فيه (٢) هَبِيه كما قال العذولُ هَبِيه أفانين إن لم تُفْنه ستُرِيه دَعِيه ولا ترضيْ لإتلاف جِسْمِهِ له نُوَبُ الأيام تسلُنِيِه إذ اعتلقت کِی خليلاً تعرّضَتْ وفى شهر ربيع الأول وصل أبو الحسن علىّ بن عمرو بن ميمون، وقد ثَبَتَتْ وكالته عند القاضى أبى محمد بن معروف بن أبى تغلب ، وتزوج له بنت عز الدولة (١) الجربَان: غمد السيف، ولعلّ المراد قشر الشجرة. (٢) انظر اليتيمة ٣ : ١٥٩. ٠ ٤٢٥ سنة ٣٦٠ [بختيار] (١)، وسّها ثلاث سنين على صداق مائة ألف دينار، وكنّاه الخليفةُ أبا تغلب، وجدَّد له ضمانَ الموصل، وسائر أعماله بديار ربيعة ومُضَر فى كلّ سنة بألف ألفٍ وماتى ألف درهم . ووصل ابن عمرو إلى المطيع الله مع أبى عمر محمد بن فسانحس الخازن ، حتى سلّم إليه الخِلَع لصاحبه والسَّيف . وانحدر الوزير أبو الفرج إلى الأهواز ، فشرع أبو الفضل الشيرازى فى الوزارة ، قتمَّ ذلك له . وأنفذ عُزُّ الدولة بَمنْ قَبَض على أبى الفرج بالأهواز ، وقبض على أخيه أبى محمد الخازن ببغداد ، وأطلق أبا الفضل من اعتقاله بدار أبى الفرج ، فكانت وزارة أبى الفرج ثلاثة عشر شهراً وثلاثة أيام . . وزارة أبى الفضل العباس ابن الحسن الشيرازى الثانية قال التّنُوخِى : كُنَّا جلوساً فى دار أبى الفضل الثانية ، ننتظر خروجه حتى يُحْلَعَ عليه ، وكان معنا ابن الحجاج، صاحب السَّفَه فى شعره، فأنشدنا مديحاً لأبى الفضل منه : أشهى إلى عينى من الَّوْمِ ياسيِّداً طلعتُه لم تَزَلْ تُنْسب فى الظُّلم إلى القوم لم تَظْلِ القوم وحاشاك أن جازيَّهم مثلَ الذى أسلفُوا فى الدّار والمجلس والْيَوْمِ وكان معنا ابن زنجی حاضراً ، فأنشدنا أبياتَ ابن رزيق : فلا يكن ذُلُنا فيه لك الْغَرَضا إنا لقِينا حجاباً منك أعرضنا أبغى بنصحِك لامالاً ولاَ عرضًا فاسْمَعْ مقالِ ولا تغضَبْ عَلَىّفَمَا سواك قد نال ملكاً فانقضیومضى الشُّكْر يبقى ويفْتَی ماسواه فكَمْ هذِى الوسادة كان العزّ فانقرضا فى هذهِ الدّار فى هذا الرِّواق على (١) فى تجارب الأمم ٢ : ٢٨٣: ((وفى هذه السنة ورد حاجب لأبي تغلب بن حمدان وهو عدة الدولة فعقد مصاهرة بين أبي تغلب بإحدى بناته وبين عزّ الدولة بختيار )». ۔ ٤٢٦ سنة ٣٦٠ وهذه الأبيات قالها أبو محمد بن زُرَيْق ، وقد أتى إلى باب الكوفى ، وقد استكتبه تَجكم ، وعزل ابن شيرزاد ، وأنزل الكوفى دار ابن طومار بخان أبى زيادة ، وكانتْ من قبلُ ديواناً لابن شيرزاد، فجاء ابن زُرَيْتَ (١) فحجِب عن الكوفى ، فقال لحاجبه حين أنشده الأبيات : ويلك ! أما كان له أسوة بَمنْ دخل، ولكنّك أردتَ أن يُمَّق عرضی ، ويواجهنى به ، وَرفَق بابن زريق ، ولم يَزَلْ به حتى جلس ورَضِىَ . وفى رجب ، تقلّد ابنُ معروفٍ قضاء القضاة . وانحدر عز الدولة والوزير أبو الفضل لمحاربة عمران ، وأقام أبوالفضل لحربه . ولابن الحجاج فى ذلك ، وقد كسر عمرانُ عسكرَ الوزير غير مرة ، أنشدنى ذلك شرف المعالى ابن أيوب ، وكان أحسن الرؤساء محاضرة ، وأجملهم معاشرة ، وكمْ له مِنْ مكارِمَ أجزلَها وَكم لبيته من مناقبَ أَثَلَها : قد صَفَعْنَا قَفَاه حتِى عَمِينا إن عمران مذنَشَا النَّصْرُ فينا قلتُ لابل حِمٌّ مَنْ يعنّنا قال قوم حِمَ مَنْ صفعوه فی ابیات . وقام أبو الفضل يحارب عمران سنة ، حتى ملك تلّه ، فانتقل عمران إلى هوكولان .. وفى هذه السنة قُبض على أبى قرة بالجامدة ، وحُمل إلى جنديسابور ، فمات تحت المطالبة ، وكان قد نقل القبّة التى على قبر الوزير القاسم بن عبيد الله، وهى قُبَّةٌ مشهورة بالشؤم، ونصبها على مجلسٍ فى داره ، وكان القاسم قد تَنَوَق فى عَمَلها ، ودُفن تحتها حين تَمّت . . ۔ ! .- أ (١) فى الأصل: ((ابن رائق)) وانظر ما يلى. ٤٢٧ سنة ٣٦١ سنة إحدى وستين وثلثمائة فى شهر ربيع الأول ، خُلِع على أبى أحمد محمد بن حفص بواسط ، وقلَّد الديوان مكان أبى قُرَة . وانحدر عزّ الدولة إلى البصرة . وفيها مات أبو القاسم سعيد بن أبى سعيد الجَنانىّ بَهَجَرَ ، وعَقَد القرامطةُ لأخيه أبی يعقوب ، لم يبق من أولاد أبى سعيد غيره . وفى هذه السنة صالح ركنُ الدولة وابنهُ عضد الدولة صاحب خراسان ، على أن یحملا إلیه مائة وخمسين ألف دينار . وتزوّج صاحب خراسان بنتَ عضد الدولة ، وتوسط الأمر عابد . وفى شعبان قَبِل ابن معروف شهادةً أبى طالب بن الميلوس العلوى . وفى شهر رمضان ، تُوُفِى عيسى بن المكتفى بالله . وفيه تُوفّىَ أبو الغنائم الفضل بن أبى محمد المهلِىّ بالبصرة، وحُمِل تابوته إلى بغداد . : ٤٢٨ سنة ٣٦٢ سنة اثنتينوستين وثلثمائة خرج الدمستق فى جموع كثيرة إلى بلاد الإسلام ، فوطئها وأثّر الآثار القبيحة فيها ، واستباح نصيبين ، وأقام بها خمسة وعشرين يوماً ، وأنفذ إليه أبو تغلب مالا هادنه به . وأتى المستغيبون من أهل تلك البلاد إلى بغداد ، وضجوا فى الجامع ، وكسرُوا المنابر ، ومنعوا من الخطبة ، وصارُوا إلى دار المطيع اللّه ، وقَلعوا بعض شيابيكها . وكان عزّ الدولة بالكوفة ، فخرج إليه أبوبكر الرازى ، وأبو الحسين علىّ بن عيسى الرُمَّانى، وأبو محمد الدّاركى وابن الدقّق، فى خَلْق من أهل العلم والدين، مُسْتَنْفِرِين ووتخوه على حرب عمران بن شاهين ، وصرف زمانه إلى القبض على أرباب الدواوين وعدوله عن مصالح المسلمين . فأدّى اجتهاد أبى الفضل الشيرازى، أن قال للمطيع الله : يجب أن تُعْطَى ما تصرفه فى نفقة المجاهدين ، فقال المطيع الله : إنما يجب علىّ ذلك ، إذا كنتُ مالكاً لأمرى ، وكانت الدّنيا فى يدى ، فأمّا أن أكون محصوراً ليس فى يدى غير القوت ، الذى يُقَصِّر عن كفايِتِى، فما يلزمنى غَزْ وُ ولاحجَ ، وإنما لى منكم الاسم على المنبر ، فإن آثرتم أن أعتزل اعتزلت . والتُزم له بعد ذلك أربعمائة ألف درهم باع بها أنقاضَ داره وثيابه . ثم وصل الخبر بأنّ الدّمسنق قصد امد ، فخرج إليه واليها هزار مرد ، مولى أبى الهيجاء بن حمدان ، وانضمّ إليه هبة الله بن ناصر الدولة ، وساعدهم أهلُ الثغور ، فنصرهم اللّه تعالى، وكثر القتل والأسر لأصحاب الدُّمُسْنق، وأخذٍ مأْسوراً، وذلك فى ثانى شوال . وكان أكثر السبب فى خذلان اللّه تعالى للروم أن هِبةِ اللّه تعالى منقدَّمَهم فى مَضِيق ، وقد تقدّم عسكره ولم يتأهَّب ، فكانت الحال فى أسره كما وصفنا . وكتب أبو تغلب كتاباً إلى المطيع للّه ، يخبره بالحال ، وكتب الصابى الجواب عنه ، ١ ٤٢٩ سنة ٣٦٢ وهو مذ کور فى رسائله . ومات الدّمستق من جِراح به . وفى شعبان قتلت العامة والأتراك خَمَاراً صاحب المعونة برأس الجسر من الجانب الشرقى ، وأحرقوا جسده ، لأنه كان قد قَتل رجلاً من العوام وولى مكانه الحبشى ، فقتل أحد العيّارين فى سوق النخاسين ، فثارت العامة وقاتلته ، وأنفذ أبو الفضل الشيرازى حاجبه صافياً لمعاونة صاحب الشّرطة ، وكان صافى يَبْغض أهلَ الكرخ ، فاخترق النخّسين إلى السماكين ، فذهب من الأموال ما عظُم قدره . وأحرق الرّجال والنساء فى الدّور والحمَّامات. وأَحْصِى ما احترق مكان سبعة عشر ألفاً وثلثمائة دكان وثلثمائة وعشرين داراً ، أجرة ذلك فى الشهر ثلاثة وأربعون ألف دينار واحترق ثلاثة وثلاثون مسجداً . وكلَّم أبو أحمد الموسوىّ أبا الفضل الشيرازى، بكلام كرِهَه ، فصرفه عن النّقابة ، وولى أبا محمد الحسن بن أحمد بن الناصر العلوى . وركب أبوالفضل إلى دار ابن حفص التى على باب البركة ، وأحضَرِ التّجارَ وطيِّب قلوبهم ، فقال: له شيخ منهم: أيّها الوزير أريتنا قدرتك ، ونحن نؤمل من الله تعالى أن يُرِيَنا قدرتَه فيك، فأمسك أبوالفضل ولم يُحِبه ، وركب إلى داره . نزول الخارج بالمغرب بمصر وكان جوهر صاحب الخارج بمصر ، قد أتى مصرَ، وأقام الدعوة لصاحبها وبنى له قَصْرَه ، وأتاها أبوتميم معدّ بن إسماعيل ، الملقّب بالمعِزْ فنزلها . وفى سادس عشر ذى القعدة خُلِع على إسحاق بن معزّ الدولة من دار الخلافة بالسيف والمنطقة ، ورسم بحجبة المطيع لله على رسم أخيه عزّ الدولة فى أيام أبيه ، ولقِّبُ عُمْدة الدولة . وفى سادس ذى الحجة قُبض على أبى الفضل الشيرازى، وقد كَثُرُ الدعاء [ عليه ] فى المساجد والبيع والكنائس، وقد ذكرنا مصادراته للمطيع الله، وإحراق غلامِهِ الكرخ ، وما بتَّ من المصادرات، وُلِّم إلى الشريف أبى الحسن محمد بن ٤٣٠ سنة ٣٦٢ عمر، فأنفذه إلى الكوفة، فسُقِىَ ذَرارِيج (١) فى سكنجيين، فتقرّحت مثانتُه، ومات من ذلك . قال أبو حيَّان : قيل له فى وزارته الثانية: كنتَ قد وَعَدْت من نفسك ، إن أعاد الله يدك إلى البسطة، وردَّ حالك إلى السّرور والغبطة، أنَّك تُجْمِّل فى المعاملات، وتنْسى المقابلة ، وتلقى وليَّك وعدَّك بالإحسان إلى هذا والكف عن هذا ! فكان جوابه مادلَّ على عُنُوَّه لأنه قال: أما سمعتم قول الله تعالى: (وَلَوْرُدُّوا لعادُوا لما نُهُوا عنه (٢) فما لَبَث بعد هذا الكلام إلا قليلا حتى أورد ولم يُصدر ، ولم يَنْعش بعد أن عَثَّر ، وتولَى ابنُ بقيّة مصادرته ، فصادره على مائة ألف دينار . وزارة أبى طاهر بن بقيّة لمعزّ الدولة كنّاه الخليفة ، وخلَع عليه ، ولقّبه الناصح ، وكان يخدم فى مطبخ معزّ الدولة ، حتى خدم أبا الفضل الشيرازىَ ، وكان واسَعَ النفس ، وكانت وظيفته فى كلِّ يوم ألف رطل ثلجاً ، وفى كل شهر أريعة آلاف مَنَّا شمعاً ، وكان يفعل كما يفعل وزارء الخلفاء ، من الجُلُوس فى الدسوت الكاملة ، ويضع وراء مجلسه أساطين الشمع ، وبين يَدَيْه عدة أتوار (٣) فيها الموكبّات والتُّلاثيات، وفى كلِّ مجلس من الدار تَوْر فيه ثلاثية ، وإن كان المكان خالياً ، وفى أيدى الفراشين الموكبِيَّات، بين يدى مَنْ يدخل ويخرج ، وفى الشتاء يُتَرك بين يديه كوانينُ الفحم ، فيها جَمْر الغضا، ويُترك عليه أقطاع الشمع ، فكان يشتعل أحسن اشتعال . وفى هذه السنة تُوفِّىَ القاضى أبو حامد أحمد بن عامر بن بشر المرورودنى بالنصْرة . (١) الدراريح: نوع من الأدوية . ذكره فى المعتمد ١٢٣. (٢) سورة الأنعام ٦٨ . (٣) النور : إناء . ٤٣١ سنة ٣٦٣ سنة ثلاث وستين وثلثمائة طولب أبو محمد بن معروف أن يستحلّ بيع دار ولد أبى الحسن محمد بن أبى عمرو الشرابيّ حاجب الخليفة ، وكان أبوه قد مات . والبائع لها وكيلُ نصبَه المطيع الله. فامتنع وأغلق بابه ، واسَتَعْنَى من القضاء ، فقلِّد مكانه القاضى أبو الحسن محمّد بن صالح بن أم شيبان الهاشمىّ ، بعد أن امتنع ، وأجاب على ألا يقبل رِزْقاً ، ولاخلعة . ولا شفاعة ، وأن يُدْفَع إلى كاتبه من بيت مالِ السلطان ثلثمائة درهم ، ولحاجبه مائة وخمسون درهماً ، وللقاضى فى الفروض على بابه مائةُ درهم ، ولخازن ديوانه وأعوانه ستمائة درهم ، وأن يصل إليهم ذلك من الخزانة ، فأجيب . وركب معه ابن بقية والوجوه، وتسلّم عهده بحضرة المطيع الله، فتولى إنشاءه أبو منصور أحمد بن عبيد الله الشيرازىّ ، صاحب ديوان الرسائل يومئذ ، وقِرِئ عهده فى جامع المدينة . وصرف أبوتمام الزينيّ عن نقابة العباسيين ، وتقلّدها أبو محمد عبدالواحد بن الفضل بن عبدالملك الهاشمىّ . وفى رجب لُقّب أبو تغلب عُدَّةَ الدولة ، وخرج باللّقب إليه أبو الحسنبن عمرو كاتبه . وأضاق(١) عز الدولة، فانحدر إلى الأهواز، فتنازع تركىّ وديلمى فى مِعْلَفٍ بالأهواز ، فوقعت بينهم وقعة ، فقيل أرسلان التركى وهو لعرجنة(٢). وكان قد ظهر بين سُبكتكين وعز الدولة ، فقبض عز الدولة على الأتراك الذين عنده . وحل أقطاع سبكتكين بالأهواز ، وقُبض على عماله ووكلائه ، وفُعل بأصحابه بالبصرة كذلك وكتب على الأطيار إلى أخيه أبى إسحاق ، وأمره ليقبض على سُكْتكين . فأشاع أبو الحسن عمدة الدولة أنّ عز الدولة أخاه قدمات . وقُصَد أن يأتيه سبكتكير (١) أضاق : صار فى ضيق . (٢) كذا فى الأصل . ٤٣٢ سنة ٣٦٣ معزّيا ، فيقبض عليه ، وحسب ذلك ، ووردت عليه كتب أصحابه بالشرح . وجمعت أم عزّ الدولة الدَّيَّلَم بالسلاح . وركب سبكتكين إلى دار عمدة الدولة ، وهى دار مؤنس ، فحاربهم يومين . فاستسلموا وسألوه أن يُفْرج لهم لينحدروا ، ففعل وانْحَدُرُوا . وتفرّق الديلم بمرقَعات إلى عزّ الدولة ، واستولى سبكتكين على أموال عزّ الدولة وسلاحه . وانحدر المطیع لله فأنفذ سُبکتکین وردّه . وَهبت الأتراك دَوَر الدّيلم، ثم نهُوا دَوَر التجار، فافتقر الناس ، واعتزل المطيع الله الخلافة ، ونَذْكر سببَ عزله . وكان المطيع لله كريماً أديباً، حكى أبو الفضل التميمىّ، عن المطيع الله قال: سمعت شيخى ابن منيع يقول: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: إذا مات صدقاً الرجل ذلك ذل(١). خلافة الطائع الله أبى بكر عبد الكريم بن المطيع الله كانت سبع عشرة سنة ، وثمانية أشهر ، وسّة أيام . لمّا وقف سُبكتكين على حالِ المطيع الله، رحمة الله عليه، فى حالِ العلّة التى لحقته ، وللفالج الذى تمادى به ، حتى ثَقُل لسانه، دعاه إلى خلْع نفسه، وجَعَل الأمر إلى ولده الطائع لله . وبُويع له يوم الأربعاء ، لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى القعدة ، سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، ولم يتقلّد الخلافة مَنْ له أب حىَّ غيره ، وغير أبى بكر الصديق رضى الله عنه : وركب الطائع للّه يوم بويع له ، وعليه البردة . وقد خلع على سُبَكْتكين ، وكنّاه ولقَّبه نصير الدولة ، وطوّقه وسوره ، وسار سُبكتكين بين يديه ، وركب فى يوم (١) كذا فى الأصل . ٠ ٤٣٣ سنة ٣٦٣ الأضحى إلى المصلَّى ، وصلّى بالناس وخطب وخلع على أبى الحسن على بن جعفر کتابته . وأصْعد(١) عُزّ الدولة من الأهواز إلى واسط. وصارتَ بغداد حزبين ، فالسّنّة تنادى بشعار سُبَكْتِكين ، والشّيعة تنادى بشعار عز الدولة . وواصل عزّ الدولة استنجادَ ركن الدولة وأبي تغلب وعمران بن شاهين . (١) أصعد : ارتقى . ٤٣٤ سنة ٣٦٤ سنة أربع وستين وثلثمائة توفّى فى المحرم أبو منصور إسحاق بن المتّقى للّه على إحدى وخمسين سنة . وقدم حمدان بن ناصر الدولة على سُبكتكين ، وأحدره على مقدّمته ، وأصعد دبيس بن عفيف على مقدّمة عز الدولة ، فالتقى دبيس بحمدان تحت جبل ، فأسر حمدانُ من أصحاب دبيس خَلْقاً ، وقَتَل آخرين ، واستأمن بعد ذلك إلى عزّ الدولة . وانحدر سُبكتكين والأتراك ، لقتال عِزّ الدولة . وانْحدر الطائع لله ومعه أبوه المطيع، فلما بلغُوا ديرَ العاقول، تُوفّىَ المطيع ليلة الاثنين لثمان بقين من المحرم، وتُوََّ سُبكتِكين بعده ، ليلة الثلاثاء لسبع بَقِين منه ، لذَرَب (١) ناله، فكانت مدة إمارته شيرين وثلاثة عشر يوماً ، ففى ذلك يقول ابن الحجاج : واستقبلوا الْحُزْن على مامَضَى أَغْضَوْا وفى الأحشاء جَمْرُ الغَضَا حتى تولى معرضاً وأنقضَى عجبت من أمركم مابَدًا للصّلّ فى واسطَ إذْ فَضَنَضَاً تفسحت دودتكم هيبنة أسود كاللّيل يسدّ الفَضَا لَمّا سما مولاه فى جَحْفَلٍ والموت من حَدَّيّه قد أوْمضا ولاحَ برقُ الموت من سَيْفِه ساوره الرئبالُ أن يَمرضَا أمرضه الخوف ومِنْ حقِّ مَنْ فلم يزل يَسْلَحُ حتى قضى وانفتحت ثلمةُ باب اسِتِه عن قولِ من صَرَّحَ أو عَرَّضا يامعشر الأتراك لاتُغْضِوا قد كنتَ فينا ثقةً مرتَضَى نُوحوا وضيحوا ياقتيلَ الخرا قال الرئيس أبو الحسن : وجدت بخطّ سابور نسخةً ، ماخلّفه سُبكتِكين ألف ألف دينار مُطِيعية ، وعشرة آلاف ألف درهم ورقاً ، وصندوقان طويلان فيهما جوهر ؛ (١) الذرب : داء يعرض للمعدة، فلا تَهضم الطعام ويفسد فيها ولا تمسكه . : 1 ٤٣٥ سنة ٣٦٤ وستون صُنْدوقاً طُوالا، منها خمسة وأربعون فيها آنية الذهب والفضة ، وخمسة عشر منها بلّور محكم . وثلاثون مَرَكْب ذهب ، ومنها خمسون ، كلّ واحد وزنه ألف مثقال ، وستمائة مركب فضّة ، وأربعة آلاف ثوب ديباجاً ، منها ألفان وخمسمائة تُسْتَرَيّة ، وخمسمائة رومية ملكية ، والباقى بغدادية وعشرة آلاف رأس جمالاً ، وثلثمائة دارية ، وأربعون خادماً . وحُمِل المطيع للّه إلى بغداد، ودُفن فى تربة والده المقتدر باللّه رحمة الله عليهما بالرّصافة ، وصلَّى عليه ابنُ معروفٍ، وَكَبَرَ عليه خَمْساً . ودُفن سُبكتكين بالمخِّم . وعَقَدت الأتراك الأمر لفتكين بن منصور ، مولى معزّ الدولة ، وعَرضَ عليه الطائع اللَّقْب فامتنع وكان يكتبُ من أبى منصور ، مولى أمير المؤمنين . وانحدروا إلى واسط وعزّ الدولة نازل بغربّها، وأقامت الأتراك بشرقيّها ، وعَبَرُوا إليه وقاتلوه ، واستظهروا عليه أياماً كثيرة . وبينما حمدان يُقاتلهم مع الدَيْلم رماه تركى بنشابة (١) فوقعت فى صِماخ دابته . فتمطَرت(٢) به فوقَع ، فضربه الأتراك بالدّبابيس حتى انحلّ ورِكه ، وأخذوه أسيراً . وكان عزّ الدولة قد كاتب أبا تغلب ، يستدعيه إلى بغداد، فاستولى عليها العيّارون(٣)، فدخلها أبو تَغْلب ، وقتل منهم جماعة ، وأخذما وجده الأتراك . وذكر أبو حيان فى كتاب الإمتاع والمؤانسة ، قال : حَصَل ببغداد من العيّارين قُوَاد منعوا الماء أن يصل إلى الكرخ ، وكان فيهم قائد يعرف بأسود الزّبد، لأنه كأن يأوى [إلى ] قَنْطرةِ الّبد، ويستطعم مَنْ حضر، وهو عُرْيانُ لا يتوازى. فلمّا فَشا الهِرْج ، رأى هذا الأسود مَنْ هو أضعف منه ، قد أخذ السيف ، فطلب سيفاً ونهب وأغار، وظهَر منه شيطانٌ فى مَسْك إنسان ، وضَح وجهُه ، وعَذُب لفظه ، وحَسُن جسمه ، وأطاعه رجال ، فصار جانبه لايرام ، وحريمه لايُضام ، وظهر من حسن خلقه مع شَرة ، ولعنه وسفكه الدّم ، وهتكِهِ الحريم ، وركوبه الْفَواحش ، وتمّده على (١) النشاب : النبل ، واحدته نشابة. (٢) تمطرت: جرت وأسرعت، وفى الأصل: ((قطرت)» تحريف. (٣) العيار من الرجال: الذى يخلّى نفسه وهواها لا يردعها ولا يزجرها. ويطلق على اللّص. ٤٣٦ سنة ٣٦٤ ربّه القاهر ، ومالكه القادر ، إنه اشترى جاريةً بألف دينار ، فلما حصَلت عنده ، حاول منها حاجته فمنعته ، فقال : ما تكرهين منى ؟ فقالت : أكرهك كما أنت . فقال : ماتحبين؟ قالت : أن تبيعَنى ، قال : أو أفعل معك خيراً من ذلك ؟ وحملها إلى مسجد ابن رغبان ، فأعتقها بين يدى القاضى ابن الرّقاق ، ووهب لها ألف دينار ، فعَجِب الناس من نفسه وهِمته وسماحته وصبره على خلافها ، وترك مكافأتها على كراهتها ، ثم صار فى جانب أبى أحمد الموسوى ، فحماه وسيَّه إلى الشام ، فهلك بها . وقال ابن الحجاج ، یذ کر دخول أبی تغلب إلى بغداد : سألتُك الحقَّ ولا تكذِبى وأنْتِ يا بغداد قُولِى فقد أَحْسَن مِنْ وَجْهُ أَبِى تَغْلَبِ أرأيتِ بَدْراً قطُ فِى تِمِّهِ أىّ مكانِ شئتِ أو فاطْلُبى دُلِّى عليه أو فهاتِيه من مختلفُ المعنى فلا تَتْعَبِى هيهات هذا طلبٌ فائتُ وكنتُ قد أخبرت حاشاك يا نظيرة الجنّة أن تَحُرَبِى وطال ما اسْتعجمْتِ فاستعرِبى جاءتك من تَغْلبٍ سادَاتُها مقتدراً عن ذلّة الْمُدْنِب سبحان مَنْ فَرَّج ماحَلَ بِ فى ليلة القدر دَعَا لِ النّى مُجابَةٍ فيك ولم تُحْجَبِ فوالذى يَعْفُو بإحسانه لونطقتْ بغداد قالت نَعَمْ أعاش حتى بعد مامات أم(١) ياعدّة الدّولة كم دعوةٍ ولمّا بلغ الأتراكَ استيلاء أبى تغلب على دُورهم ، وأخذُه ماوجد فيها من أنقاضٍ وغيرها ، أصعدوا معهم الطائع ، فلمَّا قاربوها أصعد أبو تغلب عنها فأصعدوا وراءه الأنبار . وانحدروا وقد بعد ودخلُوا بغداد . وانحدر الطَّائع إلى داره . وجدّد الفتكين التّوثقة على حمدان بن ناصر الدّولة ، ثم أطلقه وخَلَع عليه . وأنفذ ركن الدولة جيشَ الرىّ مع أبى الفتح بن العميد ، وساروا إلى عضد الدولة ، وأمر بالنّفوذ لمعارضة عزّ الدولة ، فالتقوا بأرجان ، وساروا ، وكان أكثر خوفهم أن (١) كذا فى الأصل. ! ٤٣٧ سنة ٣٦٤ يتلقاهم الأتراك بباذبين(١) وهم تَعِبون فكفُوا ذلك بإصعاد الأتراك. ولمّا وصل عَضُد الدولة اجتمع به بختيار ، وأصعدوا عن واسط ، وسار عَضُد الدولة فى شرقىّ دجلة ، وعزّ الدولة فى غربيها . فأحضر الطائع الأشراف والقضاة ، وأخذ على الأتراك الأيمان بالطّاعة ، والمناصحة فى الثَّبات والمكافحة ، وركِب إلى باب الشَّماسية، واستقرّ النّاس لقتال عَضُدِ الدَّولة ، واجتمع من العامّة إليه الجمّ الغفير . وكان عزّ الدولة ، مع إيثاره لنصرة ابن عمَّه ، يخاف من مجيئه ومشاهدة نعمته . ولما قاربُوا بغداد ، انحدر المطيع والفتكين ، وَعَبِّرُوا ديالى ، وَعَسْكُرُوا ما بينه وبين المدائن ، والتقوْا بعضُد الدولة، فكانت للأتراك أولا ، ثم انهزموا ، فغرِق منهم خَلْقٌ كثير، واستأمن آخرون ، ودخل بغداد فى النصف من جمادى الأولى ، ونزلُوا عند باب الشَّمَسية ، ثم رحلُوا عند إسفار الصبح ، وقد أخذوا عيالاتهم وأسبابهم ، وتَبِعهم الْخَلْق الكثير من أهل بغداد . وأنفذ عَضُد الدولة، ونادى ببغداد بالنَّسْكين لأهلها ، والعفو عن جُنَاتِها(٢)، ونزل بباب الشماسية عند دخوله . فلمّا وصلَ خبرهُم من تكريت بِتَشَّهم ، نزل عضد الدولة ، فى دار سُبكْتِكين ، ونزل عزّ الدولة داره ، وهى دار المتّقى للّه . وقال ابن الحجّاج يستعطف عَضُد الدّولة لأهل بغداد : ارحَمْ فمثلُك مَنْ بِقٌ ويرحم يأيها الملك الرءوف المنعمُ فالآن أنْتَ أجلُّ منه وأعظمُ مولاى وَصْفُك كان يَعْظُم ◌ِنْدنا فيما مضى فالآن فهى جهَنَّمُ بغداد كانت جنّة مسكونةً وراسل عَضُد الدّولة الطائع لله ، بأبی محمد بن معروف حتى استعاده ، ودخل إلى بغداد فى حديدىّ ، جلس على سَطْحه ، وخرج عضد الدولة فى طَيَّارِهِ ، فتلقَّاه قريبا من قطيعة أم جعفر، وصعد الحديدى (٣)، وقَبَّل البساط، ويدَ الطائع ١ (١) باذبين : قرية كبيرة كالبلدة تحت واسط على ضفّة دجلة . (٢) فى الأصل: (( جنابها)). (٣) يبدو أنه نوع من المراكب . ٤٣٨ سنة ٣٦٤ للّه، وطُرِح له كرسىٌّ بين يديه، فجَلَس عليه، وكان عَضُد الدولة عليه قباء أسود وسيف ومِنْطقة ، وأحدقت الطيّارات والزّبازب بالحديدىّ. وانحدروا كذلك إلى دار الخلافة ، وكان عضد الدولة تقدم بعمارتها وتطريتها ، وإنفاذ الفرش والآلات إليها . وحَمَل إلى الطائع مالاً وثياباً وطيباً ، وخُطِب له يوم الجمعة عاشرَ رجب ، بعد أن قُطِعت الخطبة له ، من عاشر جمادى الأولى ، ولم يُحْطَبْ إلى هذه الغاية لأحد . وكتب الصالى عن عَضُد الدولة : لمَّا ورد أميرُ المؤمنين البَرَدَانُ(١) أَنْعِم بالإذن لنا فى تلقِّيّة على الماء ، فامتثلناه وتقبّلْناه، وتلقّانا من عوائد كَرمِهِ ، ونفحات شِيمَه ، والمخايل الواعدة بجميل رأيه ، وعواطف إنجابه وإرعائه ما كَنَفنا يَمينُه، وشايَعنا عِزَّه، إلى أن وصلْنا إلى حضرته البهيّة، شرّفها الله فى الحديدية التى استقلّت منه بسليل النبوّة ، وعقيد الخلافة، وسيد الأنام ، والمستنزل بوجهه دار الْغَمام، فَتكفََّت علينا فى ظلال نوره ونَشْرِهِ ، وغمرتْنَا حُمَّيَّاتٌ بفضله وفضيلته ، وأوسعنا من جميل لقياه وكريم نَجْواه ، ما وسم بالعز أعقال النعم ، وتضمّن الشرف فى النَّفْس والعقِب ، وتكفَّل من الفوز فى الدِّين والدُّنْيًا بغايات الأمل . وكانت لنا فى الوصول إليه ، والمُثول بين يديه ، فى مواقع الحاظه ، وتَوارد ألفاظه ، مراتب لم يبلغها أحد فيما سَلَف ، ولم تَجُد الأيّام بمثلها لمن تَقَدّم . وسِرْنا فى خِدْمته على الهيئة الّتى ألفى شرفها علينا ، وحضّ جمالها مدى الدهر لنا ، إلى أن سار إلى سُدّة دار الخليفة، والسُّعود تُشائِعُه، والميامن تُواطئه ، وطالِع الآمال يستشرف له ، وثغر الإسلام يتبسّم إليه ، فعَزَم علينا بالانقلاب عنه على ضروب من التّشريف ، لا مورد بعدها فى جلال، ولا موقف وراءها لمذهبٍ فى جمال ، واجتلت الأعين عينَ محاسن ذلك المنظر ، وتهادت الألسن من مناقب ذلك المشهد ، ما بَهت النَّاظر، وعاد شمل الإسلام مجموعاً ، ورواقُ العزّ ممدوداً، وصلاح الدَّهْماء مأهولا. ومدح عضَد الدولة أبو نصر بن نُباتة ، بقصيدة يذكر فيها الفتح ، منها : (١) البردان من قرى بغداد . ٠ ! ٠ سنة ٣٦٤ فما ذابَ شطُرُ الیوم حتى تَصَافَحَتْ وأقدم وثّاباً على الهول خيلَه يُعيد إلى جرّ الطعان صدورَها رميتَ جِباه الُّرْك يوم لقيتَهُمْ وكلٌ فَّى تحت العجاجة وَكْدهُ تداركْت أطناب الخلافة بعدما فأعفيت من تدبيرها متكلّفًّا وَسَرْبَلْت إيوانَ المدائن بهجةً هو الملك المخلوق من خَطَراته ملوكُ بنى ساسان تَزْعم أنه فتاها ومولاها ووارث ◌َجْدِها قبيلة بهرامٍ وأسرة بهمنٍ على زمن الضّحاك كانت عصابة إذا سترت غبّ الحروب جراحَها ولم أك أدرى أنّ إخوتها القنا تفارق فى رحْبَ الثناء نفوسُها فلا تجعلوا الأقدار مثلَ سيوفها أقول وقد سلت عشية جازر أتلك رقابٌ زايلْها رءوسها ٤٣٩ أسنَّة أرماح العِدَى وحُدودها إذا كَمَلت لا تقشعرٌ جلودُهــ ولا يدرك الغايات إلاَّ مُعِيدها بشهباء من سرّ النّزال قيودُها إذا الخيلُ جالت ميتة يستجيدُها وَهِىَ سُمْكها العالى ومالَ عمودُها يحلّ به يوم الحِفَاظِ عُقُودُها أناف به والحاسدُون شهودُها طريفُ المعالى كلِّها وتليدُها له حُفِظتْ أسرارُها وعُهُودها وسيّدها إن كان ربُّ يسودُها يُمِيت ويُحْنِى وعدُها ووعيدُها ولوعاً بهاماتِ المُوك حديدها أنّها العوالى والسُّيُوف تعودها وأن الظُّى آباؤها وجدودُها وقد عَلِمَتْ أنَّ الثناء خُلُودها فقد تسبق الأقدار فيمن يَكِيدها ولاذت بها أغمادُها تَسْتَعِيدُها لَّى أو سيوفٌ زايلتها غُمودها وفى شهر رمضان ، أعيد أبو تمام الزينىّ إلى النّقابة على العباسيين وصُرف أبو محمد عبد الملك عنها ، وأُمِّرَ على الصلاة فى الجوامع ، وأعيد ابن معروف إلى قضاء القضاة ، وصُرِف ابن أم شَيْبان . وأعيد أبو أحمد الموسوىّ إلى نقابة الطالبيين . ومات أبو العباس أحمد بن خاقان المفلحىّ ، عن تسعين سنة ، وحَجَب أربعة خلفاء ، وتقلّد المعونة بالحضْرة دَفَعات . وزادت الأسعار ، وعُدِمت الأقوات ، وبيع الكُرُّ من الدقيق بمائة وخمسة وسبعين ٤٤٠ سنة ٣٦٤ ديناراً ، وكانت الدَّرَاهم أربعة عشر بدينار ، وبيع كلّ ثلاثة أرطال بدرهم . ووافق عَضُد الدولةِ الدّيلم حتى شَغَّبُوا على عزّ الدولة ، فأراد استصلاحَهم ، فقال لعضد الدولة : تقلّد الأمر، وأنفذ حينئذ إلى داره فختَم على خزائنها ، وتولّى له ابنُ بقية ذلك . وقُبِض على أبى إسحاق وأبى طاهر ، أخَوَىْ عزّ الدولة . وقرئ على القضاة والشهود والأشراف والأماثل بالجامع ، كتاب يتضمّن استعفاء عَّ الدولة من النظر ، وردّ الأمر إلى عضد الدولة ، ووُعِدُوا بإفاضة العدل وإحسان الرعية . واختارَ ابنُ بقية أن يضمن واسط وتكريت وُكْبرا وأوانا ، فأجيب إلى ذلك ، وخُلِع عليه ، وأقطع خمسمائة ألف درهم فى كلّ سنة ، وانحدر إلى واسط . وقد كان عضُد الدولة ، قد عاهد عمران بن شاهين ، وأعفى أبا تغلب من حمل مال ، وكان بينهما مودّة قديمة ومكاتبة . ولما حصل ابنُ بقيّة بواسط ، خلَع الطاعة ، وعوّل على أنه متى قُصِد النجأ إلى نهر الفضل (١) وأعمال عمران(٢)، فكاتبه عضد الدولة بتسكينِه، وبَذَلَ الأمان فى كتابه ، فأجابه : إنَّى أفلتُّ إفلات المجروح المكلوم ، وتخلّصت تخلُّص المصلوب المظلوم ، وقد حصلت على أهلى بين قومٍ سيوفُهم حِداد ، وجعلتُ دونَ كلّ واحد منهم أناساً على البغاةِ غلاظُ شداد ، وقد وجدتُه أعطى قبلى أماناً لقوم قولاً ، وأسقطه فعلا ، فلم يَفِ بشىء منه ، بل صدق فى الجميع عنه ، فليتَ شعرى أىّ الأمانات يعطينى ؟ أمان بنى شيرزيل ، وقد عاهدهم الصّيْمِرىّ له ، واستعان بهم على سائر عساكره ، بعد وفاة عماد الدولة ، وحلفَ لهم أيماناً نَقضَ جميعَها ، وأبطلِ سائرها ، وأباد خضراءهم ، وقلَع من فارس أصولَهم ! أم بنى شكر سنان ، وقد كانوا الممهَّدين له الدولة ، والمصلحين له الجُملة ، أم الموصلين وقد أوردهم بساطَه ، وأظهر بتقريبهم سرورَه واغتباطه ، فلمَّا حَصَّلهم ببلاده وأراضيه ، قضى فيهم بالغدر أقبح قَواضيه . (١) نهر الفضل من نواحى واسط . . (٢) هو عمران بن شاهين .