النص المفهرس

صفحات 381-400

سنة ٣٤٥
٣٨١
سنة خمس وأربعين وثلثمائة
ترك روزبَهَان مُحاربة عمران، ومضى إلى الأهواز عاصياً، واستكتب أبا عبد الله
الجوينى واستأمن إليه رجال المهلبيّ .
وكان روزبهان مِنْ صنائع معّ الدّولة لأنّه رقّه إلى هذه المنزلة ، وكان يتبع
موسى قتادة ، فاضطرب الدّيلم على معزّ الدولة ، وأظهرُوا ما فى نفوسهم .
وانصرف المهلّبِىّ إلى الآبَلَّةَ. وانحدر معزّ الدولة والمطيع للّه .
وهمّ ناصر الدّولة بالانحدار إلى بغداد ، وأخذها ، فوصلها سُبُكْتِكين فلم يقدَم .
وواقع معزّ الدولة روزبهان بقنطرة أرْبق(١)، سَلْخَ شهر رمضان، وقاتله بالأتراك
ولم يثق بالدّيلم ، فأسره وأصعد به إلى بَغْداد فى زَبْزَب .
وكثر دعاء العامّة على روزهان ، ورجموه بالآجرّ ، وأشار عليه مسافر بإتلافه .
وعلم معزّ الدولة أنّ الدّيلم على أخذه ، وكُرْه قتله ، لأن معزّ الدولة كان يكره
الدُّماء ، ولم يكن متسرِّعاً إلى إراقتها ، ثم أخرجه ليلا إلى الإنايتين تَحْت البلد فغرّقه .
وكان أُخوّرُ وزِهان قد عصَى بفارس ، فظُفِرِ به هناك.
ودخل الخليفةً دارَه ، فى مستهلِّ ذى الْقِعدة ، بعد وصول معزّ الدولة .
ومات فى هذا اليوم أبو عبد الله الحسين بن أحمد الموسوىّ .
وفيها مات أبو عمر الزاهد ، غلام ثعلب ، وجوّز العالم جنازته فى الكرْخ ،
فوقعت الفتنة لأجلها .
وحكى أبو عمر قال : كان سبب انفرادى فى هذه الخربة أننى أخَذْت كتاب
سيبويه ، وتوجَّهْتُ لأقرأه على المبرِّد ، فسمعتُ الشِّلىّ يقصّ فى الجامع وأنشد فى
قصصه :
ع
لو أنّ فى العالم مَنْ يَسْمَحُ
قَدْ نادتِ الدُّنيا على أهلِها
وجامعٍ فَرقّتُ ما يَجْمَعُ
كم واثقِ بالعمر واريتُه
(١) أر بق ، من نواحی رامهرمز .

٣٨٢
سنة ٣٤٥
ووجدت بخط التّميمى قال: عاد أبو عمر مريضاً فلم يجده ، فكتب على بابِه :
وأعجَبُ شىءٍ سِمِعْنا به مريضٌ يعاد فلا يُوجَدُ
وحكى رئيس الرؤساء أبو الحسن بن صاحب النعمان قال : مضيتُ مع أبى إلى
أبى عمر، فلمّا دخلنا عليه قال : تأجّروا، فأخذ كلّ واحد منا آجرّة وجلس عليها ،
ثم أخذ أبى يعتذر من تَأَخُره عنه ، فقال : يا أبا الحسين، كم تعتذر ؟ أما علمت
أنّ الصَّديق لا يحاسَب ، وأن العدوّلا يحسب ، ثم قال: يا أبا الحسن إن ابن عبيد الله.
كان يبرّى ، وأراد منى الخروج إلى الكوفة لتعليم ولده برزقٍ سّه لى فلم أفعل ،
فغضِب وقطع ما كان يُعطينى ، أما علمت يا أبا الحسن أنّ رزقى علَى مَنْ إذا غضب
لم يقْطَعْ ، قال : وطال الحديث وودّعه أبى وانصرفنا .

سنة ٣٤٦
٣٨٣
سنة ست وأربعين وثلثمائة
خرج أبو الحسين بن مُقْلة إلى كربلاء ، للزيارة وبه فَالج ، فمات فى طريقه ،
وأعيد إلى داره ، ودُفن بمربعة أبى عبد الله .
وفيها تزوّج بختيار بابنة سُبكتكين بحضرة الخليفة .
٠٠٤
٠٠٠
1
٠٠.

٣٨٤
سنة ٣٤٧
سنة سبع وأربعين وثلثمائة
ورد الخبر أن الّوم نهبوا سواد مَّافارقين ، وقتلوا نادراً ، غلام سيف الدولة ،
وأَهم غلبوا على سُمَيْساط وأحرقوها ، وأنّ سيف الدولة أفلت منهم فى عدد يسير ،.
وأسروا أهلَه وقرابته .
وأخّر ناصر الدولة حَمْل المال عن معزّ الدولة ، فسار إلى نصيبين وراءه وبعد ناصر
الدّولة إلى ميّا فارقين .
وأنفذ(١) معزّ الدولة بسبر مردى، وهو حَدَث ، فى خمسمائة من الدَّيْلِم إلى سنجاب ،
فهرب منه أبو المرجّى جابر وهبة اللّه، ابنا ناصر الدولة ، ألاّ ينفذه ، فلم يقبل منه، فقال :
طفل يَرِقّ الماء فِى (٢) وَجَناته وينضّ عُوده( ٣)
ويكاد من شبه العذارى منه أن تبدُو نهوده (٤)
ضاعَ الرَّعِيل ومَنْ يَقُودُه
جعلوه قائدَ عسكر
وقال السّرى المعروف بالرّفّاء يمدح أبا المرجَّى:
فتفرّقت أيدِى سَبًا أخبارُها (٥)
الله أكبر فَّق السَّيْفُ العِدا
كُسِرَتْ وذلّ بجابِرِ جَبَارُها
لا تجبُرُ الأُيَام كَسْرَ عِصَابَةٍ
وثَوَتْ فكان إلى السيوف مزَارُها
رَحَلتْ فكان إلى السيوف رحیلُها
نار تُشَبُّ وأنثمُ إعصارُها
علم الأعاجم أنّ وقع سيوفكم
وهى الْبُروج وأنتمُ أقمارها
مَنْ ذا ينازِعُكُمْ كريمات العلا
والأرض تشهد أنكم أمطارُها
الحرب تعلم أنّكم آسادها
(١) الخبر والشعر فى يتيمة الدهر ٣: ٢٠٣، ٢٠٤ ونسب الشعر إلى الوزير المهلبى.
(٢) اليتيمة: ((ظبى يرق)).
(٣) اليتيمة: ((ويرق عوده)).
( ٤ ) بعده فى اليتيمة :
شيفا ومنطقة تؤوده
ناطوا لمعقد خصره
(٥) ديوانه ١١٢.
أ
١
!

٣٨٥
سنة ٣٤٧
فى وقعةٍ لك عِها وسَنَاؤُها
عَمِرَتْ ديارُك من قُبُور مُلُوكها
وعلى عدِّك عارُها وشَارُها
وخلَتْ من الأنس المقيم دِيارُها
ولا بن الحجاج فى ذلك :
حين دعاك إلى ذى لِبْدَةٍ ضَارِ
للّه ياسيْ مِرْدَى يَوْم حِجّار
سَرَى إليك وجُنْحِ الَّليل مُنْسَدِلٌ
وصَبّحَتْك جيوشُ اللّهِ مُعْلَمَةً
يأبى له الضيمُ - إنّ الضيم مَنْقَصَةٌ -
لمَّا سَمَا لك فى الْهَيْجَاء منفرداً
عَضْبُ المهزة لا يَبْتُزُّ رَوْنَقَه
لقيتم غيرَ أنكاسٍ ولا عُزُلٍ
لَمَّا رأى العَزَّ فى إيراد مهجتِه
ليثٌ يَكُرَ إذا كُرُّوا وإنْ لجئوا
أبى النّزولَ على حكم نَزَلْتَ به
حتى هَوَى تحت أيْدِى الخيل يَخْبِطُه
يححفلٍ مثل جُنْحِ الِّيلِ جرّارٍ
من كلّ أغلْبَ ماضى العَزْم مِغْوَارِ
أنْفُ حَمِىٌّ وجَأْثٌ غيرِ خَوَّارِ
يُمْهَفِ القَدّ ماضى الحدِّ بَّارِ
يومَ الكريهة إلاّ نَفْسُ جَّار
ولا تُكولٍ عَلَى الْهَيْجاءِ أَغْمَار
مضى فأوْرَدَها من غَيِّرِ إحْدَارِ
إلى الفرار رَّأَوْهِ غَيْرَ فَرَّارِ
فما انثنى بعد إقبالٍ لإدبار
فى سائلٍ من دَمِ الأوْدَاجِ مَارِ
ثاوبسنجار لا يَغْدُو إذا ظعن الغسا دُون عَنْهَا ولا يسرِى مع السّارى
صُونوا الحريم وحُوطوا حَوْزَة الدار
يا آل أحمد إيهاً هَكَذَا أَبَداً
والحُرُّ بالنَّار أَوْلَى منه بالعارِ
واصلوا بنارِ الرَّدَى مِنْ دون شَحْنِكُمْ
مَنْ حُزْمُوهِم لِئَاماً يوم سِنْجَار
لا تَرْهُوهُمْ فإنّ القومَ أكثُرُهُمْ
يا شِيعة اللّه فيهم يَوْم ذِى قار
اللّه ذلك من يومٍ أعاد لَكُمْ
يحمِلْنَ كلَّ رحيبِ الصَّدْرِ كَرَّارِ
كُرُّوا فإنّ صدورَ الْخَيّلِ عَابِسَةٌ
منها الحَصُور ومنها المُشْبِلِ الضَّارِى
يحمِلْنِ أُسْداً بَخَفّانٍ مواطنها
فأمّا حال ناصرُ الدولة ، فإنّه توجّه من ميافارقين إلى حَلَب ، قاصداً لأخيه
سيف الدولة ، واستأمن أكثر جيشه أخوه أبو زهير إلى معزِّ الدولة .
وأكرم سيف الدولة أخاه ، ونزع خفّه بيده ، وتوسّط الحال بين معزّ الدولة وبين
أخيه على ما تقرر ضِمْنَه .

٣٨٦
سنة ٣٤٧
وقال السّرى يذكر ذلك لسيف الدولة :
وأصْدَقَ برقٍ فى المحول يُشَامِ(١)
رأَى من أخيك الشّام أكرمَ شيعةٍ
كأنَّ المنايا الحُمْرَ عنه تَنَامُ
أرى الخائن المغرور قام بأرضكُمْ
وطوراً لكم بين السُُّوف رِجَامُ
فطوراً لكم فى العيش رَحْبُ منازلِ
وبَرْدٌ على أكبادنا وسلامُ
وأنتمْ على أكباد قومٍ حرارةٌ
ورجع معزّ الدولة بضمان سيف الدولة إلى الموْصِل ، وتقرّر معه دفع ألفى ألف
وستمائة ألف درهم ، وإطلاق المأسورين من أصحابه .
فلمّا سار بين المؤنسية وأدرمة ، وذلك فى ثالث ذى الحجة ، وهو الخامس عشر
من شباط ، هَّتْ ريحٌ مُغْرِب باردة ، فَتَلِفَ من عسكره ثمانمائة رجل ، ولحق معزّ الدولة
الغشى مِنَ البرد مع كثرة ما عليه من الْخَّ والوبَر ، وَقَلَع العسكرُ سقوفَ أدرمة وأبوابها ،
فأوقدوها ، وأطلق لهم معزّ الدولة ثلاثة آلاف درهم عوضاً عما أُخِذ من الخشب .
(١) ديوانه ٢٣٦ .
٠

سنة ٣٤٨
٣٨٧
سنة ثمان وأربعين وثلثمائة
فى هذه السنة ، وافى أبو إسحاق القرار يطىّ مصرَ مع الحاجُ .
فى شهر ربيع الأول، تُوُفِّىَ أبو بكر محمد بن جعفر الأدمىّ القارئ.
قال دُرّة الصوفىّ: كنت بائنًا بِكَلْواذَى على سطح عالِ ، فلما هدِئ الليل
قمتُ لأصلّى ، فسمعت صوتاً ضعيفاً يجىء من بعد، فأصغيتُ إليه وتأملْته شديداً .
فإذا صوتُ أبى بكر الأدمى ، فقدّرته منحدراً فى دجلة ، فلم أجد الصَّوْت يقرَب ،
ولا يزيد على ذلك القَدْر ساعةً ثم انْقَطَعَ ، فَشَكِكْتُ فى الأمر وصلّيت ونمت .
فبكَّرتُ فدخلتُ بغداد بعد ساعتين من النهار ، وكنت مجتازاً فى السّميريّة،
فإذا بأبى بكر الأدمى ينزل إلى الشطّ، من دار أبى عبد الله الموسوىّ(١) العَلَوِىّ، التى
بقرب فُرْضة جعفر (٢) على دِجلة ، فصعدتُ إليه وسألته عن خَبره، فأخبرنى بسلامته ،
فقلت : أيْنِ بتَّ البارحة ؟ فقال : فى هذه الدار ، فقلتُ : قرأت النوبة الفلانية ؟
قال : نعم قبل نصف الليل ، فعلمت أنه الوقت الذى سمعت فيه صوته بكلْواذى ،
فعجبت من ذلك عجباً شديداً بأنّ [ ما](٣) فى له ، فقال : مالك؟ فأخبرته ، قال :
فاحكها لِلّناس عنى، فأنا أحكيها دائماً(٤) .
وقال أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل الإمام : رأيتُ أبا بكر الأدمىّ فى النوم
بعد مُدَيِّدة من وفاته ، فقلت : ما فعل الله بك ؟ فقال : أوقفنى بين يديه وقاسیت
شديداً وأموراً صعبة ، قلت له : فتلك الليالى والمواقف والقرآن ؟ فقال : ما كان
شىءٌ أضرَ علىّ منها ، لأنها كانَتْ للدنيا ، قلت له : فإلى أىّ شىء انتهى أمرك ؟
قال: قال لى الله تعالى: آلْت على نفسى ألّ أعذِّب أبناء اليثانين(٥).
(١) فى الأصل: ((موساى)) تصحيف .
(٢) فى الأصل: ((قرضة)» بالقاف تصحيف .
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) الخبر فى المنتظم ٦ : ٢٦٤ وتاريخ بغداد ٢ : ١٤٨ .
(٥) الخبر فى تاريخ بغداد ٢ : ١٤٧ وفى الأصل: (( اليمانين)).

٣٨٨
سنة ٣٤٨
وكان أبو بكر محبوباً إلى الناس ، قال : كسبتُ بالقرآن ثلثمائة ألف دينار .
وحكى قال: لما وَلَد ابْنِى (١) أبو عبد الله، قال: جئت إلى مؤنس المظفّر وحدّثته
الحديث ، فوهَب لى دنانير كثيرة ، فلمّا كان بعد مُدّة سألنى، فقال: يا أبا بكر
أيْشٍ خبرُ الصِّىّ المولود ؟ فقلتُ : قد احتاج إلى القميص أيّها الأستاذ وهو عُرْيان ،
فاستدعَى الخازن وقال: أحْضِر ما عندك من الخِرَق ، فجاء بأكثر من عشرين
كَارة (٢) من الْقَصب والدّبيِىّ والدّباج والعتّابى، فقال للخازن: أعطهِ من كلِّ
شىء الربيع ، فأعطانى ما حمله جماعة من الحمالين ، وبعتُ الباقى عن كسوة
ابنى وأهلى بتسعة آلاف درهم .
وقبر أبى بكر عند قبر [ أبى ](٣ عمر الزاهد فى الضَّفّة التى تقابل قبر معروفٍ
[ الكرخى ]٣) رحمه الله :
وفى هذه السنة كَثُر موت الفجأة بالطاعون ، فجلس أحد القضاة بسوادِه
فى الجامع ليحكُم فمات .
وافتضّ رجل بِكْراً فمات على صدرها .
وكان كافور الإخشيدى ، قد ولّى شبيب بن جرير العُقَيلِى عَمّان والبلقاء ،
فعلتْ منزلته ، واشتدّت شوْكته ، وغزا العربَ وتجمّعت عليه ، فعصى على كافور
وأخذ دمشق وسار إليها فى عشرة آلاف ، فخَرَّ عن فرسهِ مَيِّتاً ، ففى ذلك يقول المتنبى
يمدحُ كافوراً :
عَدُوَك مذمومٌ بكلِّ لسانِ ولو كان من أعدائك الْقَمَرانِ (٤)
قال ابن جنى : هذا مدح ويحتمل أن يكون هجاء ، بأن يجعله مستخلفاً
ساقطاً والساقط لا يعاديه إلاّ مثله ، وخرج عن ذلك يقول :
كَلامُ العِدَا ضَرْبٌ مِن الْهَذَیانِ
ولله سرٌّ فى علاك وإنّما
(١) فى الأصل: (( إنى )) تحريف.
(٢) الكارة : ما يجمع ويشدّ ويحمل على الظهر من طعام أوثيات . المعجم الوسيط.
(٣،٣) تكملة يقتضيها السياق.
( ٤ ) ديوانه ٤ : ٢٤٢ .
.
٠
:
.

٣٨٩
سنة ٣٤٨
يقول فيها :
وكانَا على العِلاَّت يَصْطَحِبَانه
برغْمِ شبيبٍ فارقَ السَّيف كَفَّهُ
على كُلِّ سَمْعٍ حولَه وعَيَانِ
بطوله يمينٍ واّساعِ جَنَانِ
أتْه المنايا فى طريق خَفِيَّةً
ولو سلكتْ طرق السِّلَاحِ لَرَدَّها (١)
على ثقةٍ من دَرِّهِ وأمَان
تَقَصَّدهُ المقدارُ بين صِحَابِهِ
عَلَى غَيْرِ مَنْصُورٍ وغَيْرِ مُعَانَ
وهل ينفع الجيشَ الكثيرَ التفافُه
وفى هذه السّنة خلَع المطيع لله على بختيار، وقلَّده إمرة الأمراء ولقَّبه عز الدولة .
وعقَد لأبى علىّ بن إلياس على كرْمان وتزوّج عزّ الدولة بنتَه فى رجب .
وفى رجب ماتت سَرِيرة الرّائقية، اشتراها ابنُ رائق من ابنةِ ابن حَمْدون ،
بثلاثة عشر ألف دينار ، وكانت مولّدة سَمْرَاء حسنةَ الغناء . ولما قُتِل ابن رائق تزوّجها
أبو عبد الله الحسين بن حمدان .
وحكى التنوخىّ : أن المهلِّبِى دعاها ، وأظهر من التحمّل ما أعياه فى مجالسه
وسماطه ، وَتَبَخَّر بما زاد على الحدَ ، فقالت له جاريته تُجْنى: إنّنى أراك هود اتزانك(٢)
حتى وَنَيْت بك ، فقال لها : ويحك ! إنّ هذه قد نشأتْ فى نعمة تستصغر فيها
نعم ملكنا ، فما أريد أن تُزْرِى علينا إذا خرجت .
وفى شعبان مات أبو علىّ عبد الرحمن بن عيسى بن داود بن الجرّاح ، وزير
الرّاضى باللّه.
حكَى أبو محمد جعفر بن ورقاء قال : دخلتُ على أبى جعفر الكرْخى بعد
تقليده للوزارة ، صارفاً عنها لأبى علىّ عبد الرحمن بن عيسى ، وقد كان الرّاضى
باللّه حلَف على ألاّ يقنع من عبد الرحمن بأقلّ من مائة ألف دينار ، وراعاه
الكرخىّ لحقوق أخيه، وانكشف له أن جميع ما يملكه عشرة آلاف دينار ، فعدّل
إلى أن قسّط تقسيطاً على الناس ، بدأ فيه بنفسِه ، والتزم ثلثمائة ألف درهم .
قال أبو محمد : فدخلتُ على الوزير فسلّم إلىّ الدّرج ، وخاطبنى فى التزام
شىء، فقلت : يدعُنى الوزير أدبر الأمر، فَقَطَعْتُ الخطوط ، وكتبت: ضَمِن
(١) كذا فى الديوان هوفى الأصل: ((طريق السلاح)).
(٢) كذا فى الأصل.

٣٩٠
سنة ٣٤٨
لمولانا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه جعفر بن ورقاء، أن يصحّح له لمن يأمره
بتصحيح ذلك عنده ، عن عبد الرحمن بن عيسى مائة ألف دينار ، وأخذه أى وقتٍ
أمره بتصحيحها ، وقلت للوزير : أنفذها مع رسول عاقل ينظر ما يجرى ، فعاد
الخادم الذى أنفذه وقال : استدعانى الخليفة حين عرض عليه الحاجب الخط ،
فدخلت وهو جالس على كرسىّ كالمغتاظ ، وفى يده الرقعة مخرَقة ، فقال : مَنْ
عند مولاك؟ فقلت ولم أجسر على كذبه : جعفر بن ورقاء ، فقال : قل له يا أعرابىّ ،
أردت أنْ تُرى الناس (١ أن نفسك تت مع ، لا تغرم غمرا لا حرمة له ، وهو خادمی ماضاقت
نفسى عن تركه عليه، فتظهر بذلك ١) أنك أكرم منى، والله لا كان هذا، قل لمولاك :
أطلق عبد الرحمن، وتردّ خط هذا الأعرابى الجلْف ، وأنى أكفُّر عن يمينى ، ورمى
بالرقعة مخرّقة .
قال : فقلت للكرخى : كيف رأى الوزير رأيي ؟ والله ما اعتمدت إلا أن
يقع فى نفسه مثل هذا ، فيفعل ما فعله لعلمى بجودة عقله وكرم نفسه ، ولو جرى الأمر
بخلاف ذلك لوزنت جميع ما أملكه ، واستسمحتُ الوزير والناس بعده حتى أقوم
بتصحيح المال ، فأطلِق أبو علىّ إلى منزله .
وفى هذه السنة ورد الخبر بأنّ الروم ، خذلهم اللّه، أسَرُوا محمد بن ناصر الدولة
من نواحى حلب ، وأسروا أبا الهيثم بن القاضى أبى حصين بن عبد الملك بن بدر
ابن الهيثم وغلمانه من سواد حرّان ، فكتب أبو فراس إلى أبيه (٢):
عُذَافِرَةً إنّ الحديث شُجون(٣)
أيا راكباً نحو الجزيرة جسرةً
ألا إن قلبى مذ حزِنْتَ حزينٌ
تحمَّل إلى القاضى سلامی وقل له
لعانٍ بأيدى الحادثات رهينُ
وإنّ فؤادى لافتقادى أسيرَه
وعطفةَ دهرٍ باللّقاء تكون
لعلّ زماناً بالمسرّة يتثنى
كلانا على نجوى أخيه أمينُ
فأشكو ويشكُو ما بقلبى وقلبه
حُصينٍ مَنيعِ الفؤاد حَصِينُ
إذا غيَّر البعدُ الهوى فهوى أبى
(١ - ١) كذا فى الأصل والعبارة غامضة، وهى غامضة أيضاً فى المنتظم .
(٢ ) ديوان ١٢٥
(٣) الجسرة: الناقة الضخمة الأعضاء، والعذافرة: الشديدة من الإبل.

سنة ٣٤٩
٣٩١
سنة تسع وأربعين وثلثمائة
ورد الخبر بغلاء السِّعر بالموصل ، وبلوغ الكُرَ من الحنطة بها ألفاً ومائتى درهم ،
فهرَب النّاس عنها إلى بغداد والشام .
وفى هذه السنة انحدر أبو أحمد الشيرازىّ ، كاتب المستكفى بالله إلى شيراز .
فقبّله(١) عضد الدولة ، وأقطع ابنه أبا الفضل مائة ألف درهم وحُصِّنَ به .
وورد الخبر بأنّ نجا غلام سيف الدولة واقع الروم ، وقَتَل منهم عِدّةً وافرة .
وأن سيف الدولة غزا فى جمع كثير ، فأثّر فى بلد الروم ، وفتح حصوناً
كثيرة، وانتهى إلى خَرْشَنة، فأخذ عليه الرُّوم المضائق والدُّروب، فى ثلثمائة من
أصحابه بعد جهد ، ومضى باقى أصحابه قتلَى وأسرى ، وأشار عليه أهل طَرَسوس
بترك الخروج ، فلم يقبلْ ، فأصيب .
وورد الخبر ، بأن أبا نصر بن المكتفى باللّه ، ظَهَر بناحية إرمينية ، وتلقَّب
بالمستجير باللّه ، وليس الصوف، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر ، وغلَب على
أذر بيجان ، فسار إليه ابن سالار فأسره .
وفى مستهل شهر رمضان ، ورد تابوتُ أبى عبد الله بن ثوابة من الْقَصْر ، وكان
قد أحيل بحاريه (٢) عليها ، فمات هناك .
وتقلد ديوانَ الرَّسائل أبو إسحاق الصابى .
وفى ذى الحجة ، مات أبو القاسم البريدىّ ببغداد .
وصودر أبو السائب قاضى القضاة ، على مائة ألف درهم .
(١) قبّله: ولاه الخراج .
(٢) كذا فى الأصل .
1

٣٩٢
سنة ٣٥٠
سنة خمسین وثلثمائة
فى هذه السنة بنى معز الدولة دارَه بقصر فرج عن بستان الصيمرىّ ، ودم
ما جاورها من العقارات وابتاعها من أهلها ، وكان أبو العباس بن مكرم ، وأبو القاسم
ابن حسان العدلان وكيليه فى ذلك ، وقلَع الأبواب الحديد ، التى على مدينة
المنصور ، والّتى بالرَّصافة، ونقلها إليها ، ونقضٍ قصور الخلافة بسُرّ من رأى ، ونزل
فى المسنّت سنًّا وثلاثين ذراعاً ، ولزمه على بنائها ثلاثة عشر ألف ألف درهم ، وكان
المتولى للبناء أبو الفرج بن فسانحس .
وفيها مات أبو الحسن أحمد بن الفضل بن عبد الملك الهاشمىّ، وتقلّد ابنُه
ما كان إليه من الصّلات ونقابة العباسيين .
وفى المحرم مات القاضى أبو بكر بن كامل ، عن سبعين سنة .
وفى شعبان ابتدئ ببناء المغيض بنهر الرّفيل ، تولى بناءه أبو بكر بن الحلبى .
وفى هذه السّنة توفى أبو السائب عتبة بن عبيد اللّه قاضى القضاة ، ولا بن سُكَّرة فيه
قصائد تجنّبت إثباتها .
وسفر أرسلان الجامدار لأبى العباس بن أبى الشوارب فى قضاء القضاة ، وقُرر
عليه مائتا ألف درهم فى كلّ سنة ، وامتنعِ الخليفة من تقليده ، فقّده معز الدولة .
وورد الخبر بأنّ أبا بكر بن مقاتل تُوَُّ بمصر وهو يتقلّد أعمال الخراج بها ،
ووُجد له مدفُوناً فى داره ثلثمائة ألف دينار.
وورد الخبر بأن نجا غلام سيف الدولة ، دخل بلَد الروم ، وأسر وَغِم وسبى
خمسمائة ألف ، أتى بهم فى السَّلاسل .
وتمطّر (١) فرس عبد الملك بن نوح به فمات ، وولىَ مكانه أخوه منصور بن نوح .
وفى آخر ذى الحُجّة ، انحدر عزَّ الدولة إلى المطيع للّه، ووصل إليه ابن سالار
صاحب أذر بيجان ، حتى عقد له ، وسلّم إليه العَقْد مع خِلَعٍ سلطانية.
(١) تمطّر الفرس: جرى وأسرع، وفى الأصل: ((وقطر)) تصحيف.
٠

سنة ٣٥١
.
٣٩٣
سنة إحدى وخمسين وثلثمائة
ورد الخبر بأن أهل زربة دخلوا فى أمان الروم ، وأنهم غدروا بهم فقتلوهم ،
وقطعوا منها أربعين ألف نخلة ، وأعاد سيف الدولة بناءها بعد ذلك .
وأتى الرُّوم منبِجاً ، وكان فيها أبو فراس بن أبى العلاء بن حمدان ، متوليًّا
لَها ، فأسَرُوه فقال فى أسْرِهِ أشعاراً كثيرة منها (١):
على بقايا أسْرِهِ أسْرَا
ارْثِ لصبٍّ بكِ قد زدتَه
لكنّه لم يعدِمِ الصّبْرا
قد عدم الدّنيا ولذّاتِها
وهو أسير القلب فى أخرى
فهو أسيرُ الجسم فى بلدةٍ
و کتبه إلى أمه :
فيا أمتا لا تعدمى الصبر إنه
ويا أمّتا لاتحبطى الأجر إنه
أمّاَ لك فى ذاتِ النِّطاقين أُسْوَةٌ
أراد ابْنُهَا أَخذَ الأمانِ فلم تُجِبْ
تَأْسَّىْ كفاكِ اللّه ما تحذرِينه
وكونى كما كانتْ بأُحْدٍ صِفِيَّةٌ
لقيتُ نجومَ الليل وهى صَوِاِمٌ
ولم أرْع للنفس الكريمة حرمةً
وما لمْ يُرِدْهِ اللهُ فهو مُمَّقٌ
وما لم يرده اللهُ فى الأمْرِ كُلِّه
إلى الخير والنجح القريب رسول (٢)
على قدرِ الصبر الجميل جزيلٌ
بمكّةَ والحربُ العوان تُجْول
وتعلم علماً أنه لقتيل
فقد غال هذا الناسَ قبلك غُولُ
إذاً لَعَلَتْها رَنَّةٌ وعويل
وخُضْتُ سوادَ اللَّلِ وهو وُحُولُ
عَشِيّةً لم يعطِفْ علىَّ حَلِيلُ
ومَنْ لم يُعِزّ اللهُ فهو ذليل
فليس لمخلوق إليه سبيل
ووافى الدُّمستق إلى حلَب ومعه ابن أخت الملك ولم يعلمْ سيف الدولةِ بخَبَرِهِ ،
(١) يتيمة الدهر ١ : ٥٢
(٢) ديوانه ٣٥

٣٩٤
سنة ٣٥١
وخرج عند علمه ، وحَارَبَه قليلاً ، فقتل جميعُ أولاد داود بن حمدان ، وابن الحسين
ابن حمدان ، وانهزم سيفُ الدولة فى نفرٍ يسيرٍ ، وظفِر الدُّمستق بَدارِه - وهى خارج
مدينة حلب - فوجَد لسيف الدولة فيها ثلثمائة وتسعين بَدْرة دراهم ، وألف وأربعمائة
بَغْل، فأخذَ الجميع ، وأخذ له من السِّلاح ما يجاوز الحدّ ، وأحرقِ الدَّارَ، وملك
الرَّبَض، وقاتله أهلُ حلب من وراء سورهم، فسقطت (١) ثلمة على قومٍ فقتلْهم،
وقاتل عليها أهل البلد ، واجتمعوا باللَّيل وبَنَوْها ، وانصرف الرّوم عنهم ، فانتهب رجالُ .
الشرطة منازلَ النَّاس ، وأمتعة التُّجار فمضوا لحربهم .
فلما خَلا السُّور صعَد الروم ، وفتحوا الأبواب ، ووضعوا السيف ، وكان فى حلب
عند المسلمين ألف ومائتا أسير من الروم ، فأطلقوهم وسَبّوْا بضعة عشر ألف صبى
وصبية ، وأخذوا من الأموال ما لأُيُحَدّ ، وضَربوا الباقى بالنار ، وأقام الروم بها تسعة أيام ،
وكان عسكرهُم مائتى ألف وثلاثين ألف رجل بالجواشن(٢)، وكان معهم ثلاثون ألف
صانع للهدم وتطريق (٣) الطرق، وأربعة آلاف بغل، عليها الْحَسَك الحديد يُخْتَدِقون به
على عَسکرهم .
وقال ابن أخت ملكهم : لا أبرح أو أفتح القلعة ، وصَعَد إلى مدرجها ،
فرماه دیلمیُّ بخشب(٤) فى صدره فأنفذه .
وسار متقدم الروم إلى بلده عند ذلك ، ولم يتعرض للسّواد ، وأمر أهلَه بعمارته ،
ووعدهم بالعود إليهم .
٠
وفى جمادى الآخرة مات دعلج بن أحمد بن دعلج المحدّث العدْل ، وله خان
بُسَوَيقة غالب، عند قبر ابن سريج ، وقفٌ على أصحاب الشافعىّ رحمه اللّه إلى اليوم ،
وعَمْره نظام الملك رحمه اللّه ، وقد أطلق له مائة دينار ، فى أول نوبة دخلها حين مضى
إليه أصحاب أبي رحمه اللّه ، وأعلمُوه مقاسَهم واستشفعوا بصحبته .
وحكى ابن نصر فى كتاب المفاوضة قال : أنزلنى الشيخ أبو الحسن العلَوىّ
(١) يقال: ثلم الجدار وغيره: أحدث فيه ثلماً، أى شقًا. والثلمة: الموضوع الذى فيه الثلم .
(٢) الجواشن : جمع جوشن ؛ وهو الدرع .
(٣) كذا فى الأصل ، ولعله يريد إصلاح الطرق .
(٤) كذا فى تجارب الأمم ٢: ١٩٤، وفى الأصل ((بحشت)) تصحيف.

٣٩٥
سنة ٣٥١
الحنفيّ الدار المعروفة بدعْلج ، فى درب أبى خلف ، بإزاء داره ، فقلت له : لم أزل
أسمع النَّاس يعظِّمون شأنَ هذه الدار ، وما أجدها كما وُصفت ، فقال لى : كانَ
دعْلج فى هذه الدار، وكان شاهداً ومحدِّثاً وعظيم الحال مُوسراً . وكان المطيع اللّه قد
أودع أبا عبد الله بن أبى موسى الهاشمىّ عشرة آلاف دينار قبل إفضاء الخلافة إليه ،
فتصرّف فيها وأنفقها وأَدلَ بالقدرة عليها فى طلبها ، فلمَّا وَلِىَ الخلافة ، طالبه بها ، فوعده
بحملها ، ورجع إلى منزله ، وشرع فى بيع شىء من أملاكه وثماره فتعذّر ، فألحّ
المطيع بالمطالبة بالوديعة ، فاعتذر بأنها مخبوءة لا يقدر عليها إلاّ بعد ثلاثة أيام ، فأنظره ،
فلما حضر وقت الوعد قَلِقَ ولم ينَمْ ، ولم يتّجه له وجه ؛ وخاف أنْ يُحرق به ،
ولم يعوَّد ثلم جاهه ، فركب فى بقية الليل بغير غلام ، وترك رأس البغلة تمشى حيث
شاءت، فأفضت به إلى قطيعة الربيع ، فدخلها وعَطَف إلى دَرْب أبى خلف ، فإذا
دعلج قد خرج وفى يده سمكة ، فتأمّله فقال له : خير ، فقال : لا ، أبالله انزل ،
فَنَزَل ودخل داره وقصَّ قصته ، فقال : لا بأس ، أى نقد كانت الدنانير ؟ فقال : النّقد
الفلاني فقال: ياغلام، أغلق الباب، وحُطّ ما عندك من العين ، واجلس مع
الشريف ، وانتقد النوع الفلاني إلى أن أرجع من الحمام . فلمّا عاد كان الغلام قد انتقد
القدر ، فجعلها فى أكياس ، وأنفذها مع غلمانه ، ثم قال : اكتبْ خطَّك فى دفترى ،
فكتبتُ خطى بذلك ، إلى مدّة أربعة أشهر وانصرفت .
واستدعيت الظرف(١) التى كانت دنانير المطيع فيه ، فنقلتها إليه ، وختمتها
بالإسريحات التى كانت عليه ، فأتانى رسولُ المطيع ، فحملت المال ووضعته بين
يديه ، وقلت : إن رأى أمير المؤمنين أن يتقدم بوزنه ! فقال: ما أفعل ذلك وهى
تحت خَتْمى ، فخفتُ أن يتأمّل الختم ، فعجّلت إلى كسره ، وحلفت بنعمته لابدّ
مما تَزِنه ، فوزن .
واتفق أنه دخل من ضيعتى ثلاثة آلاف دينار قبل الأجل ، فحضرت عند
دعلج ودفعتها إليه ، فقال: لا إله إلا اللّه، أيّها الشريف، بمَ استحققتُ منك هذا!
ارتجعه قبل المدّة فأكون كذاباً ! فأمسكت الدنانير حتى تكاملت فى وقتها .
(١) فى الأصل: ((الضرف)).

٣٩٦
سنة ٣٥١
وفيها خَلَع معزّ الدولة على أبى الفرج محمد بن العباس ، وقلَّده كتابة عزّ الدولة
مضافاً إلى ما إليه من الديوان .
وفى ذى القعدة مات أبو عبد الله بن أبى موسى الهاشمىّ .
ومات بعده أبو بكر النقاش، صاحب ((شفاء الصدور فى تفسير القرآن)).
وفيه لُقّب عَضُد الدّولة بهذا اللقب .
:

سنة ٣٥٢
٣٩٧
سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة
فى هذه السنة ، خرج النساء منتشرات الشعور ، مسوّدات الوجوه ، يلطُمْن
• فى الشوارع يوم عاشوراء على الحسين رضى الله عنه، وغُلِّقت الأسواق .
وفى جمادى الآخرة ، خرج المهلّىّ لفتح عمان .
وورد الخيرُ بغزاة سيف الدولة لنواحى مَلَطْية وغنيمتِهِ ، فقال الببغاءَ يَمْدحُه
بقصيدة منها :
خبرٌ تضيق بشرحه الْكُتبُ
وَرَدَ الدّمُستقِ دُوَنَ مَنْظَرِهِ
ناجتْه عنك البيضُ من بُعُدٍ
نُصْحا وأنفذ جيشه الرُّعُبُ
وَ ولو أحببتَ حين نَجَا
إدراكَه لم يُنْجِهِ الْهَرَبُ
من أنْ يخالِجَ حَقَّهُ الْرِّيَبُ
يا كالى الإسلام يحرسه
سَجَدُوا له سجدتْ لك الصّلُبُ
إِن كُنْتَ تَرضىَ أن يطيعك ما
وفى رجب عَزَل ابنُ أبى الشَّوارب عن القضاء ، وقد ذكر أنّه ضمنه ، فكان النّظَّار
يحيلون عليه بمشاهرة السّاسّة والنَّفاطين ، فكانوا يجيئونه ويشدُّون نعالَهم على بابه ،
ويَدْخلون يطالبونه ، كما يفعلون بضامِن الماخور، فأَتى أبو عبد اللّه بن الداعى العلوىّ ،
معَّ الدولة وقال له : رأيتُ فى المنام جَدِّى عَلِيًّا، رضى الله عنه، وهو يقول لك :
أحب أن تُقطعَنى ما علَى الفضاء ، وتأمر بإزالته ، قال : قد فعلت .
ولا بن سُكَّرة فى ابنِ أبى الشّوارب :
وعَجَائبُ فَوْقَ الْعَجَائِبْ
نُوَبٌ تَنُوُبِك بالنّائِبْ
فى كلّ يومٍ بالغرائبْ
وغرائبُ موصولةٌ
حَدَنْدِلُ بنُ أبى الشَّوَاِبْ
مما جنى قاضى القضاة
وبالطُبُول وبَالدَّبادِبْ
بالصَّبُوحِ
قاض تولی
عليه فى وَسْط الكواكبْ
ینادیان
ومناديان

٣٩٨
سنة ٣٥٢
مَعَ الفُرُوجِ بغير واجبْ
هذا الذى ضمن القضاء
وأُخو المثالب والمعائبُ(١)
هذا قِدَارُ زماننا
ولما عُزل ابنُ أبى الشَّوارب تقلَّد أبوبشر عمر بن أكثم القضاء بغير رِزْق .
وقد ذكرنا خروجَ المهلّبِىّ قاصداً عُمَان ، ولمّا بلغ الآبَلَّة ، تضجّر خدمُه بسلوك
البحر ، ومفارقة نِعمِهِم ببغداد، فسمُّوه ، ظنًا منهم أنّ حالهم تبقى عليهمْ ، فنشبت به
المنية وعَادَ إلى زَاوط(٢) فى مَحقَّة ، يتناوبُها الرجال ، ومات بها فى آخر شعبان .
قال التنوخى : مضيت فى أول يوم من شهر رمضان لتهنئة أبى الغنائم الفضل بن
المهَلَبِىّ، وأبوه فى الطَّريق لم يأتِ الخبرُ بموته، وهو جالس بداره على الصَّراة (٣)،
فى دَسْت ، ودخل عليه صهرُه أبو العباس بن الحسين ، وأبو الفرج محمد بن العباس
فما تحرّك لهما ، فجاء خادمٌ للفضل ، فسارَه بشىء فقال : قم يا أبا الغنائم فقد
طلبَك مولانا معزّ الدولة ، وقد مات أبوك ، فقام أبو الغنائم باكياً ، فقلنا : الآن (٤)
كنّا بين يديه ، وهو الساعة ذليل بين أيدينا ! وختم أبو الفضل على دار المهلبِىّ ،
وعلى أمواله ، وعلى ثُّجْنَى جاريته .
٠
وكان المهلبيّ ، قد اصطنع أبا العلاء عيسى بن الحسن بن أيزونا النَّصرانىّ
الكاتب ، واستكتبه على خاصّهِ ، وأطلعه على أموال وذخائر دفَها ، فأُخِذ أبو العلاء
فى جملة المأخوذين، وعُوُقب أشدّ عقوبة، وضُرِب أبَرَح ضربٍ ، وهو لا يقرّ بشىء
ولا يعترف بذخيرة .
فعدل أبو الفضل وأبو الفرج إلى تجنى ، فأمرا بضرب ابنها أبى الغنائم بين يديها ،
فبكَى مَنْ عرفها من الّذى نمّ عليها ، وقالت لهم : إن مولاى المهلبيّ فعل هَذَا بى حين
استدعى آلاتِ العقوبة لزوجة أبى على الطبرىّ ، لمَّا قبض عليها بعد وفاته ، ثم قالت :
أحضرونى أبا العلاء بن أيزونا، فأحضروه وحمل فى سُبْنيّة (٥) بين أربعة فراشين ،
فطرِح بين يديها ، فجعلت تسأله عن شىء ، وهو يخبرها بمكانه ، حتى كان فى جُمْلة ذلك
(١) قدار: عاقر ناقة صالح عليه السلام .
(٢) زاوطا : بفتح الواو: بلد بين واسط وخوزستاف والبصرة . ياقوت .
(٣) الصراة : علم على نهر ببغداد .
(٤) فى الأصل: ((كانا)).
(٥) السبنية : ملابس سود للنساء.

٣٩٩
سنة ٣٥٢
ثلاثون ألف دينار ، فقال له مَنْ حضر : ويلك ! ألستَ من الآدميين تُقْتَل هذا القتل ،
ويُفضِى حالك إلى التلف ، وأنت لاتعترف! فقال: ياسبحان الله ! أكون
ابن أيزونا والطّبيب الفَصّاد على الطريق بدانقٍ ونصفِ دائق ، يأخذنى الوزير أبو محمد.
.ويصطنعنى ويجعلنى كاتبَ سره ، وأعرّف بخدمته ! وأطلع الناس على ذخيرة ذخرها
لولَدِهِ ، واللّه ماكُنّت لأفعلَ هذا ولو هلكت ، فاسْتُحسِن فعله ، وكان ذلك سبباً
لإطلاقه ، وتقدّم بذلك عند أبى الفضل وأبى الفرج وابن بقية ، وتُوْفَىَ سنة تسع وستين
وثلثمائة فى أَيَام عَضدُ الدولة .
ومولد المهّبى بالبصرة سنة إحدى وتسعين ومائتين ، وكان ظريفاً أديباً ، ومن شعره :
وذخيرةَ الإِفْضَالِ وَالْفَضْلِ
وَصَلَ الِكِتاب طليعة الْوَصْلِ
أغناه رَبُّ المَجْدِ بِالْبَدْلِ
فشكّرته شكرَ الفقيرِ إذَا
ورد الأمان له من القَتْلِ
وحفِظْتُه حِفْظ الأسير وقد
وله :
وبخَطّ الِعذار فى صحنٍ خَدِّه
الهوى ومُر التَّجنى
وحياةٍ
مثل ماقد أذاب قلبىٍ بِصَدِّه
لأذِيَنّ وَجْنَتْيه بلحظِى
قال التَّتُوخِى : وشاهدت المهلَِّىّ ، وقد اشتُرِىّ له ورد بألف دينار فى ثلاثة
أيام ، فشرب عليه ، وأنهبه .
قال أبو حيّان : كان المهلِّىّ يَطْرب على اصطناع الرِّجال، كما يطَرَبُ سامع
الغناء على السَّنَائر ويرتاحُ لذلك كما يرتاح مُدِير الكأس على العشائر ، وقال :
لأكونَنّ فى دولة الدَّيْلَم أول مذكور ؛ إذ فاتنى أن أكون فى دولة بنى العباس
رحمة الله عليهم آخرَ مذكور ..
فِممَن نوه به أبو الفَضْلِ الشِّيرازىَ وأبو عبد الله البقرى وأبو معروف القاضى
وأبو إسحاق الصابي وأبو العلاء صاعد وابن جعفر صاحب الديوان ، وغيرهم
كَأَبِى تَمَّم الَّيْنَبِي ، وابن مريعة، وأبى حامد المورودى، وأبى عبد الله البصرى ،
وأبي سعبد السِّيرافىّ، وابن دَرَسُتويه، والسّرِى، والخالدىّ، إلى مَنْ لا يُحْصَى كثرة .
وكان أبو الفرج الأصبهانى ، يؤاكله ، وكان أقذرَ الناس ، فأفرد له المهلِىُّ مائدةً
يجلس عليها وحده ، فقال يهجوه :

٤٠٠
سنة ٣٥٢
بعد الغلى فرميتَنى منَ حِالقِ
أمَّلت للإحسان غَير الخالقِ
اَبِعَيْنِ مفتقرٍ إليك رأيتَنى
لَسْتَ الملومَ أنا اللوم لأَّتِى
وقال ابن الحجّاج يرْتِى المهلَّبِىَ:
لاَيُرْنَجَى فِرِجُ السُّلُوٌّلَدَيْهِ(١)
تبكىَ دَماً بَعْد الدّموع عليه
وجميلُ عفو الله بَيْيَنَ يَدَيْهِ
كنا نَفِرُّ من الزَّمان إليه
وانبتَّ حبلُ المجدِ من طَرَفَيْهِ
فُجِعَتْ بِهِ أَيَّامِ آلِ بٌوَيْهِ
يامعشرَ الشُّعراء دعوةَ مُوَجَعَ
عُوا القوافى بالوزير فإنّها
مات الذى أمسَى الثناءُ وراءه
هَدَم الزّمان بموته الحصْن الّذى
وتضاءلت مِمَمُ المكارم والعُلا
ولتعلمَنَّ بنو بويٍ أنما
قال التَّوخِى : قال المهلِىّ: لما عزم معزّ الدولة على إنفاذى إلى عُمَان ، طَرَقَتِى
أمرٌ عظيمٌ ، فبتُّ بليلةٍ مابتُّ فى عمرى مثلها ، لافى فَقْرِى ، ولا فى صفَر حالى ،
وما زِلْت أطلب شيئاً أتسلّى به عما دهمنى فلم أجد إلا أنى ذكرت أنى كنت حصلت فى
أيام صباى بسيراف ، لمَّا خرجتُ إليها هارباً ، فعرفت هناك قوماً أَوْلَونى جميلاً ،
وحَصَلت لهم علىّ إيادى ، ففكرت وقلت : لعلِّى إذا قصدت تلك البلاد أن أجدحم
أو بعضَهم أو أعقابَهم ، فأكافئهم على تلك الأيادى . فلما ذكرتُ هذا ، تسلّيت
عن المصيبة بالخروج ، وسَهُل على، ووطنْت نفسى عليه. ودُفِن المهلّبِى بالنُّوبخِيّة
بمقابر قريش .
وجعل معزّ الدولة أبا الفضل الشيرازيّ وأبا الفرج بن فسانحس ، المدبِّريْن للأمور
من غير تسمية لواحدٍ منهما بوزارة .
وفى ليلة الخميس ، ثامن عشر ذى الحجة ، وهو اليوم الذى تسمَّيه الشيعة
((غديرُم))، أُشعِلت النِّيران فى الأسواق ولم تُغْلق الدّكاكين، كما يُعمل فى
الأعياد، وضربت الدَّبادب والبوقَات، وبكَّر المتشيّعون إلى مقابر قريش، وصلُّوا
هناك .
(١) معجم الأدباء ٩ : ١٣٩.
٠
١