النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ سنة ٣٢١ فنزل على أبى العباس بن دينار ، وأنفذ إليه أبوه مالاً وكُسوة ، وتلاحق به أصحابه ، وقلَّده القاهركُوَر الأهواز ثم أصبهان واستحجب القاهرُ سلامة الطولونىّ، وقلد أبا العباس [أحمد بن ](١) خاقان الشُّرطة بجانى بغداد ، وأخذ القاهر أبا أحمد بن المكتفى من (٢) دار عبد الله بن الفتح ، فسدّ عليه باب البيت ، وعرف باستتار علىّ بن بليق فى دار ، فأنفذ مَنْ كَبَسها فاستَّر فى تَّور، فأطبق عليه غطاءه ، فتأخّر بعضُ الرجال عن أصحابه حين لم يجدوه ، وأتى إلى التنور ، ففتحه وظنّ أن فيه خبزاً يابساً ، فلمّا رآه صاح ، فعاد أصحابهُ فأخذوه ، وضُرِب بين يدى القاهر ، وأدَّى عشرة آلاف دينار ، وحبسَه . وقبض الوزير أبو جعفر على أخيه الحسين ، بعد أنْ أمّنَه ونفاه إلى الرّقة ، وقال : إنه يعتقد مذهب ابن أبى العزاقر . ثم إن رجال مؤنس وبليق شغبوا وقصدوا دارَ الوزير أبى جعفر فأحرقوا رَوْشَنَه . وتقدّم القاهر يذبح على بن بليق ، وأنفذه إلى أبيه ، فلما رآه بکی ثم ذُبح بليق ، وأنفذ رأسيهما إلى مؤنس ، فلمّا رَآهما لعن قاتلَهما، فذُبح كما تُذبح الشاة، وأخرِج الرؤوس فى ثلاث طسوت حتى شاهدها الناس وأعيدت إلى خزانة الرءوس. وكان وزن رأس مؤنس بعد تفريغ دماغه ستة أرطال . وسهَّل القاهر أمرَابن مقلة ، حين أُخِذ من الاستتار فأطلقه . وقبض الوزير على أبى جعفر بن شيرزاد ، وأخذ خَطّه بعشرين ألف دينار وگبس على بنى البريدىّ فلم يُوجدوا . وأحضر القاهر علىّ بن عيسى وقلّده واسطاً وسِفِىَ الفرات . وقبض القاهر على الوزير محمد بن القاسم ، فكانت وزارته ثلاثة أشهر واثنى عشر يوماً . وأُخِذَ من داره أبويوسف البريدىّ . واستدعى القاهرُ عبد الوهاب بن عبيد اللّه الخاقانى وإسحاق بن علىّ القنانىّ ، على أن يولَّىَ أحدَهما الوزارة ، وجلس القوّاد بين أيديهما ، فخرجت رسالة بالقبض (١) من تجارب الأمم ١ : ٢٦٦. (٢) فى تجارب الأمم: ((فوجد)) مستتراً فى دار عبد الله بن الفتح. ٢٨٢ سنة ٣٢١ عليهما وإدخالهما المُطْبَق (١) ثم وجّه إلى سليمان بن الحسن، واستحضره للوزارة ، فحضَر ، وتلقَّاه القوّاد وقبّلوا يده ، ووجَّه بمنْ قبض عليه وحبسه . ثم وجّه إلى الفضل بن جعفر واستدعاه ليسنوزره ، فاستتر. ثم استدعى الخصيبيّ ، وخلَع عليه ، وكتب للبريديّن أماناً ، بعد أن صادر أبا يوسف على اثنى عشر ألف ألف درهم. ولما أتاه عبدالله، عاتبه وقال له: شمّتْ أمّ أخى وهى أمى، وحقوق عليك تُوجِب صيانتها عن الذِّكر القبيح ، فقال له : دَعْ مامضى، فإننى لم أملِكْ نَفْسى، وقد وصفتُك لأمير المؤمنين ولابدّ من ألفى ألف درهم فقال أبو عبيد اللّه: لقد أَعتبتنى(٢) أيها الوزير، وأحسنت التلاقى فقال: بحياتى عليك ، اكتب خطّك بهذا المبلغ ، فكتب به خطّه وانصرف . وانحدر البريدى إلى واسط ، وعقدها القاهر عليه بثلاثة عشر ألف درهم ، وأتاها وبها علىّ بن عيسى ، وقد عمرها ، وقال عيسى المتطبب للبريدى : إنَّ القاهرَ يريد القبض عليك فاستتر ، ولم يظهر حتى خُلِع القاهر . أ وزارة الخصيبى وكان ابنُ مقلة ، يراسل الساجيّة والحجرية فى استتاره ، ويضرّيهم على القاهر . وكان الحسن بن هارون يلقاهم ليلاً بزىّ السّؤَّالَ ، وفى يده زبيل حتى تَمَّت له الحيلة . وبَذَل لمنجمّ كان يخدم سيما مائتى دينار ، حتى قال له من طريق النجوم : إنه يخاف عليه من القاهر . وبلغ الخبرُ باستيلاء أصحاب ابن رائق على الأهواز . وبلغ الخصيبيَّ ماعوّل عليه الحجرية والساجية ، من قصد دار السلطان ، (١) المطبق : السجن . (٢) أعتبْنى: أرضَيتنى، وفى تجارب الأمم: ١: ٢٧٤: ((أغنبتنى)). . ٢٨٣ سنة ٣٢١ فأنفذ عيسى المتطبب إلى القاهر ليخبره بالحال ، فوجدَه نائماً مخموراً ، واجتهد فى انباهه فلم ينتبه لشدَّةِ سكره . فقام سيما بهم ، وركبوا معه إلى دار السلطان ، ورتّب على كلِّ باب من أبوابها جماعة من الحجرية والساجيّة ، وأمرهم بالهجوم فى وقتٍ عيَّنه ، وهجم من باب العامة ، فوقف به ودخل أصحابهُ . فخرج الخصیبی فی زی امرأة واسْتَتَر . وانحدر سلامة إلى مشرعة السَّاج واستتر . ولمَّا علم القاهر بالحال ، انتبه من سكره ، وأفاق ، وهرب إلى سطح حَمّامٍ فى دور الحَرَمَ ، ووقع فى أيديهم خادمٌ صغير ، فضربوه بالدبابيس ، حتى دلهم على موضعه ، فأخذوه وعلى رأسه منديل ديبقى وبيده سيف مجرّد ، واجتهدوا به فى النّزول إليهم. وقالوا : نحن عبيدك وما نريد غير التوثّق لأنفسنا . وهو ممتنع حتى فوق إليه أحدُهم سهماً ، فنزل . وقبضوا عليه ضحوة يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة . وأتوا إلى محبس طريف السبكرى فكسروا قيدَه ، وحبسوا القاهر مكانه ، ووگّلوا به . وظفروا بزيزك خادمِه ، وعيسى المتطبب واختيار القهرمانة . واستدلوا على الموضع الذى فيه أبو العباس محمد بن المقتدر ، فدلّهم على مكانه خادم ، فوجدوه ووالدته معتقليْن ، ففتحوا عنهما . ووقع النَّب ببغداد . ٢٨٤ سنة ٣٢١ خلافة الراضى بالله أبى العباس محمد بن المقتدر رحمة الله وأمّه ظلوم . وكانت مدّة خلافته ستَّ سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام . أجلسه الساجية والحجرية على السَّرير، وبايع له القُواد وبَدْرُ الخرشىّ، ولُقِّب بالرّاضى بالله . واستحضر علىّ بن عيسى وأخاه عبد الرحمن ، وشاورهما ، فعرّفه أبو الحسن أن سبيلَه أن يعقد لواء لنفسه (١)، على رسم الخلفاء ، ففعل ذلك ، واستحفظ باللواء فى الخزانة وتسلّم خاتم الخلافة ، وهو خاتم فضة وفصّه حدید صينى ، عليه مكتوب ثلاثة أسطر (( محمد رسول الله )) .. وأنفذ إلى القاهر بمَنْ طالبه بتسليم خاتمه إليه ، وكان فَصُّهُ ياقوتاً أحمر وعليه منقوش: ((باللّه محمد الإمام القاهر باللّه أمير المؤمنين يثق)). فأمرأن يسلّم إلى نقَّاش حاذق فمحاه . ومضى القاضى أبو الحسين (٢) والقاضى أبو محمد الحسن بن عبد الله بن أبى الشوارب ، فامتنع أن يخلَع نفسه ، فقال علىّ بن عيسى: اخلعوه فإن أفعالَه مشهورة وأعمالَه معروفة. وسُمِل(٣) فى تلك الليلة . وأخذ البيعة للراضى علىّ بن عيسى وأخوه ، وسأل الراضى علىَّ بن عيسى أن يتقلّد الوزارة فاستعفاه وقال : إنى لا أفى بالأمر ، وأشار بابن مقلة ، وكان مستتراً وكتب له أماناً فظهر (٤) . (١) كذا فى تجارب الأمم وفى الأصل: ((نفسه)). (٢) فى تجارب الأمم ١: ٢٩٠: ((القاضى أبو الحسين عمر بن محمد)). (٣) سمل، أى فقعت عينه. وفى الكامل ٦: ٢٣٨: ((فسمل من ليلته فبقى أعمى لا يبصر)). (٤) فى تجارب الأمم: ((فوقّ وأطلق كل من كان فى حبس القاهر من كاتب وجندىّ)). ٢٨٥ سنة ٣٢١ وزارة ابن مقلة ومضى الناس إليه ، وهو فى دار ابن عَبْدوس الجهشيارىّ، فهنئوه وخُلِع عليه خلعُ الوزارة . وظهر من الاستتار مُفلح الأسود ، خادم المقتدر ، وسُرور وفلفل والحسين ابن هارون ، وأبو بكر بن قرابة . وصاروا إلى أبى علىّ وهنئوه ، وقال ابنُ مقلة لما أتاه الناس : كنتُ مستتراً فى دار أبى الفضل بن مارى النّصرانى، فسعَى بى القاهر ، قبل زوال أمره بشهرين ، وعرف موضعى ، وإنى لَجالسٌ وقد مضى نصف الليل أتحدّث مع ابن مارى ، أخبرتنا زوجته أنّ الشارع قد امتلأ بالمشاعل والشَّمْع والفرسان ، فطار عقلى ، وأدخلنى ابن مارى بيتَ تِبْن، وكُبِست الدَّار وفتشوها، ودخلوا بيت التِّبن وفتّشوه بأيديهم ، فلم أشكّ أننى مأخوذ . وعهدت وعاهدت الله تعالى على أنّه إن نجانى من يد القاهر باللّه ، أن أنزع عن ذنوب كثيرة، وأنّنى إن تقلَّدت الوزارة أمّنتُ المستترين، وأطلَقْتُ ضياع المنكوبين ، ووقفت وقوفاً على الطالبين، فما استثمّ نذرى، حتى خرج القوم وانتقلت إلى مكان آخر. وما نزع من الخلع ، حتى وفّى بالنذر . وكتب ابنُ ثوابة فى خلْع القاهر كتاباً قرئ على المنابر . وأُطلق ابن مقلة المحبوسين . وقلّد الراضى باللّه الشُّرطة ببغداد بدراً الخرشنىّ . وكان زيرك القاهرىّ قد أجملَ عشرة الراضى وقت اعتقاله ، فكافأه بأنْ قلده أمرَ حَرَمه وأكرمه . وسلّم ابنُ مقلة عيسى المتطبّب إلى بنى البريدىّ فأخذوا منه ثلاثين ألف دينار ، ارتفق بها منهم، وردّوه على ابن مقلة وقالوا : إنه قد امتنع من أداء شىء . ولم يعترف القاهر بشىء سوى خمسين ألف دينار ، فقرّقها الرّاضى فى الجند . وقلَّد ابنُ مقلة أبا الفتح الفضل بن جعفر خلافته على سائر الأعمال . وقلَّد أبا عبد اللّه البريدىّ خوزستان ، وقلّد إخوته البصرة والسوس وجنديسابور وكور دجلة وبادوريا والأنبار وبيرسير وقطر بل ومَسْكن . ٢٨٦ سنة ٣٢١ وکتب إلى علىّ بن خلف بن طياب بإقراره على فارس وكرمان . وقلّد الحسن بن هارون ما قّده علىّ بن عيسى من أعمال واسط بمائة ألف كُرّ شعير وعشرة آلاف كُرَ أرز وأربعمائة كُرَ سمسم وألف ألف وأربعمائة ألف درهم . وقلَّد القراريطىّ كتابةَ ابن ياقوت الزمام وديوان الفرات ، فسفَر حينئذ لصاحبه محمد بن ياقوت فى الحجْبة . وحمل إلى سماء خمسة عشر ألف دينار ، حتى عرف الراضى باللّه أنهم لا يريدون غير محمد بن ياقوت ، وأنفق هذا الوجه بحجة (١) على القوّاد مائة ألف وعشرين ألف دينار. فغاظ ابنَ مقلة ، لأنه استدعى ابنَ رائق وهو بالباسيان لذلك ولم يمكنه تغييره ، فلمّا صار ابن رائق بالمدائن ، أمره الراضى بالانحدار إلى واسط ، وأضافها إلى أعماله بالبصرة وغيرها . وكان ابن ياقوت برامهرمز عازماً على التوجّه إلى أصبهان ، فكوتب بالإصعاد ، فالتقى ابن ياقوت [ فى ] طياره وابن رائق فى حديدية، فسلّم كلّ واحد منهما على صاحبه إيماءً من غير قيام . وتلقّى ابنُ ياقوت الحجرية والساجيَّة ، ودخَل على الرَّاضى، فخلَع عليه وقلّده الحجبة، وصار إليه الناس إلى داره بالزّاهر، ولم يقمْ لأحدٍ إلّا لابن مقلة ولعلىّ. ابن عيسى . واستولَى ابنُ ياقوت على الأمر . وحصل ابن مقلة مع كاتبه القراريطىّ، وبقى متعطّلا (٢). وأخذ خطوط البريديّن بمائة ألف دينار. وكان هارون بن غريب بالدّينور ، فعرف الحالَ بينهما ، وهى على عشرة فراسخ من بغداد ، عازماً على أن يتقلَّد الجيش ، فكرِه الناس ذلك . واستحضر ابنُ ياقوت ابنَ شيرزاد، وأوصله إلى الراضى باللّه، حتى حمّلهُ رسالةً إليه ( ٣)، يأمُرُه بالرجوع إلى الدینور . (١) كذا فى الأصل . (٢) فى الكامل: ٦: ٢٣٩: ((وبقى كالمتعطل)). (٣) فى تجارب الأمم: حمّله رسالة إلى هارون بن غريب بأن يرجع إلى الدينور)). . ٢٨٧ سنة ٣٢١ فمضى ومعه القراريطىّ ، فالتقى به بجسر النهروان ، فلم يقبل ، قال : ومَنْ جعلَ ابنَ ياقوت أحقَّ بالرئاسة منى ! وقد كان يجلس بين يدى ، وأنا نسيب أمير المؤمنين ، وقال القراريطى : لولا أنّك رسول لقتلتك ، فانصرفا إلى بغداد . واستخرج هارون أموال طريق خراسان فعسف الرعية وظلمهم . وسار ابن ياقوت فى الحين إلى [ القنطرة](١) فنزلها ، وأنفذ ابن شيرزاد برساله جميلة، وعرض عليه تسبيب الأموال على النَّهروانات فلم يقبل . ومضى كثير من الجند إلى هارون مستأمنين ، واشتدّ القتال وابن ياقوت يقرأ فى مصحف ويسبّح ، وهو فى عدد قليل ، حتى انهزم أصحابُه ، ونُهب سوادُه . وبلغ هارون أن محمداً قد عبر قنطرة نهر بين ، فبادر وحدَه ليأسره، فتمطّر (٢) به فرسه فسقط عنه فى ساقية ، فلحقه غلام أبيه يُمْن (٣) الغربىّ، فضربه ضربة عظيمة وبادر غلام أسود فذبحه ورفع رأسه ، فتفرّق أصحابه ، ونهب الحجرية والساجية سوادهم . وأمر ابنُ ياقوت بتكفينه (٤)، ودفن بهرس من غير أن يُصَلَّى عليه ، ودخل بغداد ، وبين يديه رأسه ورءوس أصحابه ، فأمر الراضى بنصبهما على باب العامة . ثم إن والدة الراضى ، سألت أن تحمل جُثّته ويدفن رأسه فى تربته بقصر عيسى ، فأجابها إلى ذلك . وأخذ ابنُ مقلة لابنه أبى الفتح أماناً من الراضى ، وقطع أمرَه على ثلاثين ألف دينار . وفى رجب هذه السنة مات أبو جعفر السجزىّ ، وبلغ من السّنّ مائة وأربعين سنة . قال ابنُ سنان: ورأسه صحيح الحواس والبصر ، منتصب الظّهر ، ملزّز الأعضاء بغير معاون ، وقال له علىّ بن عيسى [ يوما ]: إنما قطعتُ مالك لكذبك فى سنّك ، فقال : أيها الوزير استدْع الجرائد من سرّ مَنْ رأى ، فإنك تجد اسمى فيها (١) بياض بالأصل، وما أثبته من تجارب الأمم ١ : ٣٠٩. (٢) فى الاصل: ((فقطر)) تصحيف. وتمطر الفرس: أسرع. (٣) فى تجارب الأمم ١: ٣٠٩: ((غلامه يمن)). (٤) فى الأصل: ((بكفيه)» تحريف. والصحيح فى تجارب الأمم ٢٨٨ سنة ٣٢١ واسم من [كان ] قبلى وبعدى ، فوجد الأمر كما قال . وقال ابن أبى داود السجستانى : أعرفه وأهله وهم معمّرون . وحكى أنه يذكر دخول هرثمة (١) وهو فى المكتب . وأراد الراضى تولية محمد بن الحسن بن أبى الشوارب ، القضاء بمدينة المنصور ). کما کان یتولی ذلك أبوه ، فشفع محمد بن ياقوت فى أمر أبى الحسن ، حتى لم يغيّر علیه ، وکتب عهده حتى زال الإرجاف عنه . وضمن أبو يوسف البريدىّ أعمالَ واسط والصِّلح والمبارك ، واستخلف عليها الحسين بن علىّ النوبختىّ ، وكان يتقلّدها لهارون بن غريب ، وكان عفيفاً خبيراً بالأعمال . وكان ابن مقلة قد أحدر الخصيبي وسليمان بن الحسن إلى البصرة ، وأمر البريدىّ بنفيهما فى البحر ، فخفّ بهما ليلةً ، فكادا يغرقان وأيسا من الحياة ، فقال الخصيبي : اللهمّ إننى أستغفرك من كلّ ذنب وخطيئة. وأتوب إليك من معاودة معاصيك إلا من مكروه أبي علىّ بن مقلة إن قدرتُ عليك جازيتُه عن ليلتى هذه وما حلّ بى منه فيها ، وتناهيتُ فى الإساءة إليه ، فقال سليمان : وفى هذا الموضع وأنت معاين للهلاك نقول هذا ؟ فقال : ما كنتُ لأخادع ربى . ولما وصلا إلى عُمان ، عدل بالخصيبىّ إلى سرنديب ، فعرف سليمان بن الحسن ابن وجيه خبَرَه فأمر بردِّه إلى عُمان . ولما عزل الراضى ابنَ مقلة وولى عبد الرحمن بن عيسى ، ضمنَ الخصيبيّ ابنَ مقلة ، فلما رآه تلفتْ نفسه ، فأسمعه الخصيبى نهاية ماكره ، وسّمه إلى الدستوائىّ ، وكان لابن مقلة إليه إساءة ، لأنه سلّمه إلى ابن البريدى حين ألوى(٢) نعمته ، فعمل الدّستوائى بابن مقلة صنوف المكاره . وجاء أبو بكر بن قرابة ، فضمِن عنه مائة ألف دينار وألف دينار ، ودفعت الضرورة إلى أن وزن ابن قرابة المال من عنده . (١) مرئمة بن أعين، أحد القواد فى عصر الرشيد. توفى سنة ٢٠٠ . (٢) ألوى بنعمته : جحدها . ٢٨٩ سنة ٣٢١ وفى هذه السنة ، ظهرت حال ابن أبى العزاقر (١) . وكان يدّعى أنّ اللاهوت قد حلّ فيه ، وكان قد استتر عند بختيشوع بن يحيى المتطبّب، وتُتبّع حتى قُتِل وقُتِل جماعة صدَّقوه . 1 (١) فى المنتظم ٦ : ٢١٨: ((وظهر ببغداد رجل يعرف بأبى جعفر محمد علىّ الشلمغانى ويعرف بابن أبى العزاقيز)) ثم أورد طائفة من أخباره، وتجد أيضاً طائفة أخرى من أخباره فى الكامل لابن الأثير ٦: ٢٤١ وما بعدها . ٢٩٠ سنة ٣٢٣ سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة فى صفر ، مات أبو عبيد اللّه إبراهيم بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب ابن المهلَّب بن أبى صُفرة الأزدىّ النّحوىّ، المعروف بِنفْطويه ، ومولده سنة خمسين ومائتين وصلّى عليه أبو محمد البربهاريّ ، ومن شِعْرِهِ : إنّ الشقيّ لَمَنْ لم يرحم الله(١) أستغفر اللّه مِمَّا يِعلُمُ اللهُ وَاحَسْر تامن حياتِى(٢) حين ألقاه هَبْهُ تجاوزلى عنْ كلِّ مظلمة وله : وليس لِ فى حرام ◌ٍ منهمُ وَطَرُ(٣) أَهْوَى المِلاَحِ وأهْوَى أن أجالسَهُمْ لا خَيْرَ فِى لَذّةٍ مِن بعدها سَقَّرُ وهكذا (٤) الحبّ لا إتيان معصيةٍ واجتاز(٥) علىّ بن بقلىّ(٦) فقال: كيف الطريق إلى درب الروّاسين(٧)؟ فالتفت إلى جارٍ له فقال: [ ألا ترى إلى الغلام (٨) فعل الله بغلامى وصنع [ احتبس علىّ ](٩) قال : وكيف ، قال : جعل السّق تحت البقل(١٠) فى أسفل البَنيقة (١١) حتى أصفع هذا العاض بظرأمه ، فتركه ابْن عرفة وانصرف ولم يجبه بشىء . (١) إنباه الرواة ١ : ١٧٧ . (٢) إنباه الرواة: ((حياتى)). (٣) إنباه الرواة ١ : ١٧٧ وقبلهما : كُمْ قَدْ خَلَوتُ بَمَنْ أَهْوَى فيمنعُنى منه الحياء وخوف اللّه والحِذّرُ منه الفكاهةِ والتحديث والنَّظَرُ كُمْ قد خَلوت بِمَنْ أھوی فیمنعنى (٤) إنباه الرواة: ((كذلك)). (٥) الخبر فى إنباه الرواة ١ : ١٧٧ . (٦) الإنباه ((رجل يبيع البقل)). (٧) فى الأصل: (( الراسين)) وما أثبته من إنباه الرواة. (٨) من إنباه الرواة . (٩) من الإنباه، واحتبس: تأخر عن الحضور. (١٠) فى الإنباه: فقال: وما الذى تريد منه، فقال: لم يبادر ويجيثنى بالسلق، بأى شىء نصفع هذا العاض بظرأمه ، لا يكنى ». (١١) فى الأصل: ((البنيكة)). : ٢٩١ سنة ٣٢٣ وفى هذا الشهر، صُرف عبدُ الرحمن بن عيسى عن الدواوين، وأحضَر ابنُ مقلة ابنَ شَنْبوذ ، وقال له : بلغنى أنّك تقرأ حروفاً فى القرآن بخلاف ما فى المصحف ، وكان ذلك بحضرة ابنِ مجاهد وأهلِ القرآن ، فاعترف بقراءة ما عُزِى إليه من الحروف ، ومنها . ( إِذَا نُودِىَ الصَّلاة مِنْ يَوْم الجمعة فامضُوا إلى ذكْرِ الله .. )(١). وأغلَظ للوزير وللجماعة فى الْكَلام ، ونَصَر ما عُزِى إليه ، فأمر به ابنُ مِقلة فضُرِب ، فدعا عليه بتشتيت الشَّمْل وقطع اليد ، ودَعَا على ابن مجاهد بتُكْل الولد وعلى الضَّارب له بالنار ، فشُوهد قطع يد ابن مقلة وثُكْل ابنِ مُجَاهِد ولده . ثم اسْتُِب عن قراءة الحروف ، فَتَاب مِنْها . ودعا الأئمةُ فى الجوامع لابن ياقوت ، فأنكر ذلك الرَّاضِىَ وصَرَفَهُمْ . وقرّر ابنُ مقْلة مع الرَّاضى القبضَ على محمّد بن ياقوت ، لمّا غلب على الأمور ، وانفرد بجباية الأموال وتضمين الأعمال . فلمّا دخل ابنُ ياقوت دارَ الخلافة عَدَل به إلى حُجْرة ، فقبض عليه وعلى كاتبه الْقَراريطىّ ، ونُهبت دار القرار يطى وَحْدَه . وتقلّد الحجبة ذكىّ مولى الرّاضى . : وأخِذ خطّ القراريطىّ بخمسمائة ألف دينار . وكان ياقوت بواسط ، فلمّا علم القبض على ابنيه ، انْحَدَر إلى السوس ، فكاتبَه ابنُ مقلة بالمصير إلى فارس لفتحها ، وكان علىّ بن بويه قد تغلّب عليها . وهذه حال الأمير أبى الحسين على بن بُوَيه الملَقَّب بعد عماد الدولة ، لقَّبه بهذا اللقب المستكفى بالله ، عند وصول أخيه الأمير أبو الحُسين (٢) إليه. هو أحد قوّاد مزداويج بن زيار الديلمىّ، فأنفذه ليستحثّ له مالًا فى الكَرَج ، فأتاها فأخذ منها خمسمائة ألف درهم، وصار إلى هَمَذَان ففتحها عَنْوَةً ، وقتلَ كثيراً من أهلها ، ثم صار إلى أصبهان فتركها عليه المظفَّر بن ياقوت مسالماً ، ولم يلبث بها علىّ بن بُويه حتى أخرجه منها أصحابُ مزداويج ، فصار إلى أُرجان وكاتب ياقوت ، (١) سورة الجمعة ٩ وهى بقراءة حفص ( بأُهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِىَ الصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللّه.) (٢) فى المنتظم وتجارب الأمم وابن كثير فى البداية والنهاية: أبو الحسن. ٢٩٢ سنة ٣٢٣ وخاطبه بالإمارة ، وسأله أن يُقَبِّله(١)، وكان قد استخرج من أرجان مائتى ألف دينار ، ووجد كنوزاً كثيرة، واشتدت شوكتُه ، وصار فى ألف ، وخرج إليه ياقوت فى بضع عشرة آلاف من الغلمان الحجرية وغيرهم، فسأله علىّ بن بويه أن يُفْرِجَ له عن الطريق لينصرف إلى باب السلطان ، فمنعه ، وطمع فيه لقّة عدده وما معه من المال ، ولقيَه على باب إصطخر ، ونُصِر ياقوت فى يومين عليه ، وواقعه فى اليوم الثالث ، وهو يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ، وحمل أبو الحسين أحمد بن بويه معّ الدولة ، فى ثلاثين رجلا ، على ياقوت حملةً صادقة ، فهُزِمَ ياقوت إلى شيراز ، ولم يصدّق بهزيمته، بل ظنَّا مكيدة حتى عَرَف ذلك فی آخر النهار . فمضى وراءه ، وأقام على فرسخ من شيراز ، ودخل معزّ الدولة فى ثمانين من الدَّيْلم فقتل من السودان ألفاً ، ونادى فى أصحاب ياقوت فخرجوا . وأتى ياقوت الأهواز . ولما ملك عماد الدولةِ شيراز ، طالبَه أصحابه بالمال ، وكان مملقاً ، فخاف من فساد أمره ، فاستلقى على ظهرهٍ فى مجلسٍ من دار ياقوت وخلاً فيه مُفَكَّرًا ، فرأى حيَّة قد خرجت من سقف منه إلى سقف ، فخاف أن تسقط عليه إذا نام ، فأمر الفرّاشين بالصّعود ، فوجدوا غرفةً بينَ سَقْفَيْن ، فأمرهم بفتحها ، فوجدوا بها صناديق فيها خمسمائة ألف دينار، فقويت نفسُه(٢)، واستدعى خيَّطاً أطروشاً ليخيط له ثياباً، وكان الخياط موصوفاً بالحذق ، وكان يخدُم ياقوتاً . فلما خاطبه فى تَقْطيع الثياب ، حلف فى الجواب أنه لا وديعة عنده سوى اثنى عشر صندوقاً لا يَدْرِى ما فيها ، فعجب ، فوجّه بمن حملها وعَجِب من الْحَال . وكاتب الرّاضى باللّه يسأله أن يقاطِعَه على فارس بثمانية آلاف درهم فأجيب . وأنفذ إليه ابن مقلة أبا الحسين بن إبراهيم المالكى الكاتب ، ومعه خِلَع ولواء ، وأمره ابنُ مقلة ألا يسلم ذلك إليه إلا عند تعجيل المال ، فلمّا قاربه تلقّاه على فرسخ ، وأخذ منه الخِلَع فلبسها ودخل شيراز ، واللواء بين يديه ، ولم يدفَعْ إلى المالكىّ شيئًا (١) يقبّله: يجعله على الخراج. (٢) تجارب الأمم ١: ٢٩٩: ((وثبت أمره بعد أن أشفى على الانحلال )). ٠ ٢٩٣ سنة ٣٢٣ ومات بشيراز ، فحمِل تابوتُه إلى بغداد فى رجب سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة . ووافى علىّ بن خلف بن طيار بغداد ، فَقَبض عليه ابنُ مقلة ، وصادره على ثلثمائة ألف دينار ، وأنفذ إليه بأبى الحسن أحمد بن محمد بن ميمون صاحب بيت المال ، وقال له : يقول الوزير : لك عندى مائة ألف دينار ، فحطّها من الجملة ، واكتب الخَطّ بالباقى ، فقال علىّ بن خلف : من أىّ جهة هذا الدَّيْن ؟ فعاد ابن ميمون فقال له : يقول لك الوزير ، تذكّر وأنا بشيراز وقد سألتك على أبى طالب بدر بن على النوبندجانى من خَراجِهِ خمسمائة ألف درهم فامتنعتَ ، وعاودتُك وقلت : إن حططنَهَا عَوّضْتك عنها مائة ألف دينار ، ففعلت ولزمنى ضمانى لك، وصار ديْناً لك علىّ ، وهذا وقت القضاء. وقّد السلطان ياقوتَ الأهواز ، وصار كاتبَه أبو عبد الله البريدىّ. وأنفذ أخاه أبا الحسين للنيابة عن ياقوت وأخيه بالحضرة . وكان مع عماد الـولة أبو سعيد النصرانىّ الرازی یکتب له . وضمن شيراز منه أبو الفضل العباس بن فسانحس . وانتهى إلى مزداويج خبرُ علىّ ، فقامت قيامتُه ، وأنفذ إصبهلار عسكره شيرز (١) ابن ليلى ، فى ألفين وأربعمائة من الدّيلم والخيل إلى الأهواز ، فقطع ياقوت قنطرة نهر أربق (٢)، وأقاموا بإزاء ياقوت أربعين يوماً، لا يمكّنُهُم العبور، ثم عَبَرُوا على أطواف بنهر المسرقان ، فهرب البريدىّ وأهل الأهواز إلى البصرة . وأنی ياقوت واسطاً ، فأخرج له محمد بن رائق عن غربيّها ، فنزل فيه . وأقام علىّ بن بويه عماد الدولة الخطبة لمزداويج ، وأنفذ إليه الرُّهون على طاعته ، فسگّنه بذلك . فبينما هم كذلك ، أتاهم الخبر. بأن مزداويج فى شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة قتلوه فى الحمّام بأصبهان، وحُمِل تابوتُه إلى الرىّ ، ومشى الدّيلم والخُتَّل حوله حفاة أربعة فراسخ ، ووفّى رجاله لأخيه وشمكير ، فولاهم من غير عطاء . (١) تجارب الأمم ١: ٣٠١: ((شیرج ). (٢) أربق ، من نواحى رامهرمز ، من نواحى خوزستان . ٢٩٤ سنة ٣٢٣ فلما عرف شيرز بن ليلَى خلوّ أصبهان سار إليها ، وأتى الرّىّ فبايع وشمكير ، واستوزر ابن وهبان القصبانىّ ، وكان يبيع الْقَصب بالبصرة ، وصار فى جملة ابن الخال، فتنقّلت به الحال ، إلى أن قلّده هَذَان ، واستأمن إلى مزداويج عن هزيمة هارون ، فعفا عنه ونفَق عليه ، وجعل إليه كُور الأهواز ، وقال له : قد جعلتُ إليك ألفي دينار فى كلّ شهر فإن أدّت الأمانة استوزرتُك، ونصبت الرّايات بين يديك، [ وإن خنتنى] (١ وشَرِهَتْ معدتُك العظيمة، وكِرْكرتُك الكبيرة ، والحلاوات بخوزستان كثيرة، فلأشقّن بطنَك بهذه الدشنى(٢) العريضة، فقال له : ستعلم أيها الأمير نصحى وأمانتى [ وأنى مستحق لاصطناعك ] ١). . وكانت هذه الفتن نعمة على البريدىّ ، لأنه حصل من الأموال ما لم يُحاسب عليه . وحصّل أبو عبد الله وأبو يوسف أربعة آلاف دينار خرجا بها على السلطان . وأبعد ابنُ مقلة خلقاً من الجند عند ضيق الأموال ، وأحالهم على البريدىّ ، فصاروا إليه ، فقبلهم وأضافهم إلى غلامه إقبال ، فاجتمع معه ثلاثة آلاف رجل . وخرج توقيع الرَّاضى باللّه فى جمادى الأولى بتلقيب أبى الحسن علىّ بن الوزير أبى على بن مقلة بالوزير ، وسنُّ إذ ذاك ثمانى عشرة سنة ، وأن يكون الناظر فى الأمور صغيرها وكبيرها ، وخلَع عليه الوزارة وطرح له مصلَّى فى مجلس أبيه . وركب بدرٌ الخرشنىّ صاحب الشرطة ، فنادى ببغداد ألاّ يجتمع من أصحاب أبی محمد البربهاريّ نفسان . واستتر البربهاريّ . وخرج من الرّاضى توقيع طويل فى معناهم ، وكانت حال البربهاری قد زادتْ ببغداد ، حتى إنه اجتاز بالجانب الغربيّ ، فعطس فشمّته(٣) أصحابُه ، فارتفعت ضجُهم حتى سمعَها الخليفة فى الوقت وهو فى رَوْشنه(٤) ، فسأل عن الحال فأخبر بها فاستهولها . : وأصحابه يذكرون عنه صلاحاً كثيراً ، وأضدادُه يذكرون خلاف ذلك ، حتى (١) من تجارب الأمم ١ : ٣١٧. (٢) الدشتى، لعله من أنواع السلاح، وفى تجارب الأمم ١: ٣١٧: ((فهذا دشنى ترى انبساطه وحده ). (٣) فى الأصل: ((فشتمه)) تحريف. (٤) الّروش: الرف . : ٢٩٥ سنة ٣٢٣ حكوا عنه ، أنه حمل فى درج مقفول له منظر بعرة(١) وجاء إلى بزاز فى الكرخ فقال : هذه بعرة جمل أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها ، وأريد أن أرهنها عندك على ألف دينار فاعتذر الرجل ، فتركه فلما كان من الغد ، اجتاز عليه فصعد وقبّل لحيته وقال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فى المنام ، يقبّلها ، فتركه أصحابه أمردَ ، وحكاياتهم فى أمثال هذا عنه كثيرة . [ وكان ](٢ سعيد بن حمدان [ شرع](٢) فى ضمان الموصل وديار ربيعة سرّاً، ومضى إليها فى خمسين غلاماً ، فقَبض عليه حين وصلَ إليها ابنُ أخيه أبو محمد الحسن ابن عبد اللّه وقتله ، فأنْكَر ذلك الراضى ، فأمر ابن مقلة بالخروج إليه ، فأظهر ابنُ مقلة أنّ علىّ بن عيسى هو الذى كاتبه حتى عصى، وصادر عليًّا على خمسين ألف دينار وأخرجه إلى الصافية . واستخلَف ابنُ مقلة ابنَه بالحضرة ، وصار إلى الموصل ، فتركها أبو محمد ، ورحل إلى بلد الزّوراء، فاستخرج ابنُ مقلة مالَ البلد واستسلف من التّجار على غلاّته ، فحصل معه أربعمائة ألف دينار . فبذَل سهلُ بن هاشم كاتب أبى محمد بن حمدان للوزير أبى الحسين ابن الوزير أبى علىّ عشرة آلاف دينار حتى كاتب أباه : إنّ الأمور بالحضرة مضطربة ، فانزعج واستخلف على الموصل علىّ بن خلف بن طياب ، وانصرف إلى بغداد . وخرج إليه الأمير أبو الفضل ، متلقّاً ، ولقىَ الراضى باللّه وخدمه ، فخلَع عليه وعلى ابنه . وقُبِض على جعفر بن المكتفى ، حين بلغهم أنه دعا إلى نفسه ، ونُهب منزله ؛ وأُخِذ له مال جزيل ، وكانت داره قريباً من الزاهر. وثمّن استجاب له يأنس المرفقىّ ، وكان نزل بقصر عيسى ، فأُبعِد إلى قِنَّسرين والعواصم وجعل إليه أعمالها . وفى شهر رمضان توالى وقوع الحريق بالكرخ ، منها فى صف التَّوْزِيّين أصيب به (١) كذا فى الأصل، ولعل صواب العبارة: ((جمل له درج مقفول فيه بعرة)). (٢٠٢) من تجارب الأمم ١ : ٣٢٣ . ٢٩٦ سنة ٣٢٣ خلق من التجار ، فعوّضهم الراضى مالًا ، وكان العقار لقومٍ من الهاشميّين فأعطاهم عشرة آلاف دينار . واحترق ثمانيةٌ وأربعون صفًّا من أسواقها ، طَرِحِ النّار قومٌ من الحنبلية ، حين قَبَضَ بدر الخرشّى على رجل من أصحاب البربهاريّ يعرف بالدلّاء . واحترق خلق من الرجال والنساء . ووقع حريق ثالثُ احترق فيه الحدّادون والصيارف والعَطّار ون . وقبض الوزير أبو الحسين بن مقلة على أبى الحسين البريدى ، فتوسّط بينهما أبو عبد الله محمد بن عبدوس ، فصادره على خمسين ألف دينار يسلّمها بالأهواز، ومضى معه الكوفىّ ليأخذها فلم يسلِّم إليه شيئًا . وكان الكوفىّ يُحْمِل عشرته ويقول : أقمتُ معه غير متصرف ولا داخل تحت تبعة سنةً ، وحصل لى منه خمسة وثلاثون ألف دينار، وتقلَّدْت هناك أمر ابنِ رائق وكُفِيتُ أمر ابن مقلة . وكاتب ابن مقلة البريدى كتاباً يقول فيه: ويلٌ للكوفىّ ! أنفذته ليصلحك لى فأفسدك علىّ ، واللّه لأقطُّعن يديْه ورجليه . وأتى أبو محمد بن حمدان إلى الموصل ، وبها أصحاب السلطان ، وعلى حربها ماكرْد الكردىّ فهزموه ، ثم هزمهم ، وكتب يسأل الصفح ويقومُ بمال الضمان ، فأجيب إلى ذلك ، ولم يستوف التّجار الغلّات التى طالبهم إياها ابن مقلة ، فتظلّموا ، فأحالهم على عمال السواد ببعض أموالهم ، وباعهم بالباقى ضياعاً سلطانية ، فلم تحصل من سفرته حينئذ فائدة ، وهرب من دار الوزير أبى على القرار يطىّ . وقبض على أبى يوسف عبد الرحمن بن محمد بن دارة بسوق العطش ، وصودر على خمسين ألف دينار . ومات محمد بن ياقوت فى الحبس، وأُخرِج إلى القضاة، فشاهدُوه وسُلّم إلى أهله ، وباع الوزير ضياعه وأملا كه . وغلا السِّعر ببغداد ، حتى بلغ الكُرَ من الحنطة مائة وعشرين ديناراً والشعير تسعين ديناراً . ومات أبو عبد الله محمد بن خلف النيرمانىّ بالأعمال الّتى استولى عليها مزداويج ، وكان قد أنفذ إليها . ٠ ٢٩٧ سنة ٣٢٣ وأقبل غلمان مزداويج يتقدمهم بَحْكَم إلى جسر النَّهروان ، فأُهِرِوا بدخول الحضرة ، وعسكروا بالمصلَّى، واضطرب الحجرية لذلك ، فكاتبهم ابنُ رائق وهو يتقلَّد أعمال المعاون بواسط والبصرة ، فانحدروا إليه، فأسْنَى لهم الرزقَ، وجعل متقدمَهم بَحْكَم الرائعى ، وأتته الأعراب والقرامطة ، فقبلهم واستفحل أمره ٢٩٨ سنة ٣٢٤ سنة أربع وعشرين وثلثمائة فى شهر ربيع الأول ، مات الأمير هارون بن المقتدر بالله ، واغتمَ عليه الراضى غَمَّا شديداً، وأنَّهم بختيشوع بأنه أفسد تدبيره ، فنفاه إلى الأنبار ، ثم سألتْ فيه السيّدة. فأعاده . وأُطلِقِ المظفّر بن ياقوت من الْحَبْس . وقلَّد ابنُ مقلة محمد بن طُغْج الإخشيد أعمال مصر مع ما إليه من الشام وعَزَل عن مصر أحمد بن كيُغَلغ . وقطع ابن رائق مالَ واسط والبصرة ، واحتجّ باجتماع الجيش عنده . ولمّا خرج المظفر بن ياقوت من الحبس عوّل على التشفَّى من ابن مقلة ، وكان قد حلف له على صفاء النّة . واعتضَد ابنُ مقلة ببدر الْخَرْشَنِى. وأوحش المظفّر للساجية والحجرية ، فصارت كلمتهم واحدة ، وأحدثُوا بدار السلطان وضربوا الِخِيمَ . وكانَ المظفّر يظهر للوزير أنه مجتهد فى الصُّلح ، فحلف هم . وحلفوا له ولبدر الخرشنى . ودبّر ابن مقلة انحدار الراضى إلى واسط ، مظهرا أنّه يقصد الأهواز ، حتى يقبض على ابن رائق ، فأخذ معه القاضى أبا الحسين ليسمع من الخليفة وسأله [ أن ] (١). يتقدّم بها إلى ابن رائق . فلما حصل فى دهليز الصَّحْن التّسعينى ، شغب عليه المظفّر بن ياقوت مع الحجرية وقبضوا عليه ، وعرَّفوا الراضى أنه المفسد للأحوال ، وسألوه أن يستوزر غيرَه ، وذكروا علىّ بن عيسى ، فامتنع . واستشاره الراضى ، فأشار بأخيه عبد الرحمن ، فأنفذ الراضى بالمظفّر بن ياقوت إلى عبد الرحمن فأحضره . (١ ) زيادة يقتضبها السياق. 1 سنة ٣٢٤ ٢٩٩ وزارة عبد الرحمن بن عيسى للراضى بالله خُلِع عليه لأربع عشرة ليلة بقيتْ من جمادى الأولى ، وسار الجيش معه إلى داره ، وأحرقوا دار ابن مقلة واستتر أولاده . وحكى أنّ ابنَ مقلة لما شرع فى بناء داره بالزاهر ، جُمِع له المنجمون حتى اختاروا وقتاً لبنائه ، ووضع أساسه بين المغرب وعشاء الآخرة، فكتب إليه بعضهم : واصْبِرْ فإنَّك فى أضغاثِ أحلامِ قل لابن مُقْلَةَ مَهْلاً لاَ تَكُنْ عَجِلاً داراً ستنقضَ أيضًا بَعْدَ أَيَّامٍ تبنى بأنقاض دُورِ النَّاسِ مجتهداً فلمْ توقَّ به من نحسِ بَهْرَامٍ ما زِلْتَ تَخْتَار سعد المشترى(١) لها فی حال نقض ولا فی حال إبرام. إن القِران وَبَطْلَيْمُوس ما اجتمعا وجرى على ابنِ مقلة من المكاره ما يطول شرحُه، وضُرِب بالمقارع، وأُخِذَ خطُّه بألف ألف دينار ، وكان به ضيق النفس لأن الدّستوائى دَهَقَهُ(٢) على صدره . قال ثابت بن سنان : دخلتُ إليه لأجل مرض أصحابه ، فرأيته مطروحاً على حصير خَلَقَ ، على باريّه(٣)، وهو عريان بسراويل، ومن رأسه إلى أطراف أصابعه كلون الباذنجان ، فقلت : إنه محتاج إلى الفصد ، فقال الخصيبىّ : يحتاج أن يلحقه كدٍّ فى المطالبة ، فقلت : إن لم يُفْصَد تلف ، وإن فُصِد ولحقه مكروه تلف ، فكاتبه الخصيبىّ : إن كنت تظنّ أن الفصد يُرَفِّهك فبئس ما تظنّ ، ثم قال: افصدوه ورفّهوه اليوم ، فقُصِد وهو يتوقّع المكروه . فاتفق للخصيبى ما أحوجه للاستتار ، فكُفِى ابنُ مقلة أمرَه . وحضر ابنُ قرابة، وتوسّط أمره ، وضمن حمْلَه إلى داره ، وأطلقه بعد أيام وأنفذه إلى أبيه . وكرهِت الحجَرية مقام بدر الخرشنّى بالحضرة ، فصرفِه الرَّاضى عن الشُّرطة (١) فى الأصل: ((المشترين))، والمثبت من المنتظم ٦: ٣١٠: (٢) دهقه : غمزه . (٣) البارية : نوع من الحضر. ٣٠٠ سنة ٣٢٤ وقلَّده [ أعمال المعاون ](١ بأصبهان وفارس، فاستعفى عبد الرحمن بن عيسى من الوزارة حين عَجَزَ عن تمشية الأمور ، فقبض عليه الراضى فى رجب ، وقبض على أخيه علىّ بن عيسى، وصادر عليًّا على مائة ألف دينار أدَّى منها تسعين ألفاً ، وصادر عبد الرحمن على سبعين ألفاً أدّى منها ثلاثين . ولليلة بقيت من شعبان ، توَّ أبو بكر محمد بن موسى بن مجاهد ، ودُفِن عند داره بسوق العطش ، وكان مولدُه سنة خمس وأربعين ومائتين . قال أبو الفضل الزهرىّ : انتبه أبى فى الليلة التى مات فيها أبو بكر بن مجاهد المقرئ.، فقال: يا بنىَ، تُرِى مَنْ مات الليلة؟ فإنى رأيت فى منامى كأن قائلا يقول : قد مات الليلة مقوِّم وحى اللّه منذ خمسين سنة ، فلما أصبحنا وإذا بابن مجاهد قد مات . ونقلتُ من خطِّ رئيس الرؤساء أبى الحسن بن حاجب النعمان : كان ابنُ مجاهد إذا ختم أحدٌ عنده القرآن عمِل دعوةً ، فختم أحدُ أولاد النّجّارين ، فعمل دعوة فحضر أبو بكر وأصحابه ، وحضر الصوفيّة والقوّلون ، فلمّا قارب ثلث الليل ، استدعى أبو بكر بن مجاهد إزارَه فطرحه على كتفه ، وقال : أمضى فى حاجة وأعود ، فلا يتبعْنى أحد ، قال : فعجبنا من خروجه فى ذلك الوقت ، وظَنَّنا أنه أنكر سوء أدب ، ومكثنا منكرين ، فلمَّا كان بعد ساعتين ، وافى وعاد الانبساط ، فسألناه عن نهضته فقال: أصدقكم، نظرت فإذا أنا فى طيبة ولذّة، وذكرتُ أنّ بينى وبين فلان الضرير مقةٌ وشرَ، ففكرت أنّنى فى هذه اللذة ، وأنّ ذاك واقف بين يدى الله عز وجل يتهجّد ، ولم أحب أن أكون بهذه الصفة وهو على تلك الحال من ثقل القلب ، فخِفْت من الله تعالى فقصدَتْه ودخلت دارَه ، فقبّلت رأسه ، وأصلحت ما بينى وبينه ، وأمِنْت استحكامه ، وعدتُ إلى ما نحن عليه وأنا طيّب القلب . وفى شهر رمضان ورد الخبرُ بقتل ياقوت بعسكرِ مُكْرم ، ودُفِن بها ، وذلك أنّ جنده شغبوا عليه ، ومن جملتهم ثلاثة آلاف أسْوَد ، وانصرف عنه طاهر الجيلى فى ثمانمائة رجل (٢) إلى الكرَج ، وكبسه علىّ بن بلقويه فقلّل رجاله ، ونجا طاهر بنفسه ، (١) زيادة من الكامل (٢) فى الأصل: ((ثمان رجال)) وما أثبته من الكامل ٦ : ٢٥٢.