النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سنة ٣١١ الدار، فقال له ابنُ الفرات : أخْبِرْنى عن حالك ، فقال : لا أخاطب غير الخليفة ، فضُرِب وهو يقول (( ندائم))(١) حتى قتل بالعقوبة. وخاطب ابن الفرات [ نصراً الحاجب ] (٢) بحضرة المقتدر ، وقال : كيف ترضى بهذا لأمير المؤمنين ، وما يجوز أن ترضى به لنفسك ، وما سمعنا أن هذا تم على خليفة قطّ ، وهذا الرجل صاحب أحمد بن على أخى صعلوك(٣) الّذى قتله ابن أبى الساج ، وإما أن يكون قد دسَسْتَه ليفتك بأمير المؤمنين ، لتخوّفك على نفسك منه ، وعداوتك لابن أبى الساج ، وصداقتك لأحمد بن علىّ ، فقال له نصر : ليت شعرى ، أدبّر على أمير المؤمنين لأنه أخذ أموالى ، ونَكَبَتِى وهَتَك حَرَمی ، وحبسنى عشرسنين (٤)! ولم يزل أمُرُ نصر يضعُف والسَّيدة مدافعةٌ عنه . وكان يوسف بن أبى الساج ، حين قُلِّد أعمال الرىّ ، قتل بها أحمد بن علىّ ، أخا صعلوك ، وأنفذ برأسه إلى مدينة السلام . ولليلتين خلتا من شعبان ، قُرئت الكتب على المنابر بمدينة السلام بفتح مؤنس المظهر فى بلد الّوم ، وأمرَ فيه المقتدر برفع المواريث الحشريّة ، كما فعل ذلك المعتضد بالله رحمه الله . (١) فى الكامل لابن الأثير ٤٦: ١٦٧: ندائم، وقال: «كلمة فارسية معناها لا أدرى)). (٢) زيادة من تجارب الأمم ١ : ١١٨. (٣) كذا فى تجارب الأمم ١: ١١٨، وهو الصواب، وفى الأصل: ((أحمد بن على بن صعلوك. (٤) فى ابن الأثير: ((لم أقتل أمير المؤمنين وقد رفعنى من الثرى إلى الثريا، وإنما يسعى فى قتله من صادره وأخذ أمواله)). ٢٤٢ سنة ٣١٢ سنة اثنتى عشرة وثلثمائة ورد الخبرُ بأن أبا طاهر بن أبى سعيد الجَنّابىّ، ورد الهَبِير(١) لتلقِّى حاج سنة إحدى عشرة وثلثمائة فى رجوعهم ، فأوقع بقافلة بغدادية ، وأقام بقية القوافل بعيداً ، فلمَّا فَنِيت أزوادُهم، ارتحلوا، فأشار أبو الهيجاء بن حمدان (٢)، وإليه [ طريق] (٣) الكوفة وطريق مكة ، أن يعدِل بهم إلى وادى القرى ، فامتنعوا وساروا ، فسار معهم مخاطراً حتى بلغ الهبير، فلقيّهم أبو طاهر ، فقتل منهم خَلْقًا ، وأسر أبا الهيجاء وأحمدَ بن بدر عمّ السيدة أم المقتدر، وجماعة من خَدَم السلطان وحَرَمِه . وسار أبو طاهر إلى هَجَر ، وسنُّه إذ ذاك سبع عشرة سنة ، ومات من استأسره بالحفاء والعطش . فنال أهل بغداد منالاً عظيماً ، وخرج النّساء منشرات الشعور مسودّات الوجوه فى الجانبين ، فانضاف، إليهنّ من حَرَم الّذين نكبهَم ابنُ الفرات ، فانبسط لسان نصر عليه ، وأشار على المقتدر بمكاتبة مؤنس . ورجمت العامة طيّار ابن الفرات ، وامتنعوا من الصَّلَوَات فى الجماعات . وأنفذ المقتدر بياقوت وابنيه محمد والمظفّر إلى الكوفة ، ورجعوا حين علموا انصرافَ القرمطيّ إلى بلَده . وجمع المقتدر باللّه ابن الفرات ونصر وأمرهما بالتظافر. وقدم مؤنس إلى بغداد ، فركب إليه ابنُ الفرات ، ولم تَجْرِ له عادة بذلك، فخرج مؤنس إلى باب داره ، وسأله أن ينصرف ، فلم يفعل ، وصعد إليه من طيّاره حتى هنّأه بمقدمه ، وخرج معه مؤنس حتى نزل الطّيار. (١) الهبير: رمل فى طريق مكة ، ذكره ياقوت وقال: «كانت عنده وقعة ابن أبى سعد الجنابى بالحاج سنة ٣١٢، قتلهم وسباهم وأخذ أموالهم)). (٢) هو عبد الله بن حمدان التغلبى ولاء المكتفى بالله الموصل ثم عزله المقتدر سنة ٣٠١، ثم عاد فقلده طريق خراسان والدينور، فكان يتولى ذلك وهو فى بغداد ثم قتله رجال المقتدر سنة ٣١٧. ابن الأثير حوادث سنة ٣١٧. (٣) من تجارب الأم ١ : ١٢٠ ٢٤٣ سنة ٣١٢ وأنفذ المقتدر بنازوك وبُلَيق فهجما على ابن الفرات ، وهو فى دار حرمه ، فأخرجاه حاسراً ، فأعطاه نازوك رداء قَصَب ، فقال له مؤنس : الآن تخاطبنى بالأستاذ وبالأمس نفيتَنى إلى الرّقة والمطريصبّ على رأسى ، ثم تذكر لأمير المؤمنين سَعْبى فى فساد مملكته ! ورجمت العامّة طيّارَ مؤنس، لكون ابن الفرات فيه، وسُلّم إلى نَصْر ، وقبض على ولدِهِ وأسبابه . فكانت مدةُ ابن الفرات فى هذه الوزارة الثالثة عشرة أشهر وثمانية عشر يوماً . وأجمع وجوه القّد فقالوا : إنْ حُبِس ابنُ الفرات فى دار الخلافة خَرَجْنا بأسْرِنا ، فسُلِّم إلى شفيع واعتُقِل عنده. وأشار مؤنس بتولية أبى القاسم عبد الله بن محمد بن عبيد اللّه الخاقانىّ، فأنفذَ ابنُ الفرات إلى المقتدر بمائة ونيّف وستين ألف دينار ، وقال لشفيع : فعلتُ ذلك حتى لا يُوهم الخاقانيّ للمقتدر أنه استخرجها . قال الجمل كاتب شفيع : ولم أُرَ قَلْباً أقوى من قلْب ابن الفرات ، سألنى : مَنْ قَلَّد الخليفة وزارته ؟ فقلت : الخاقانيّ . فقال: الخليفةُ نُكِب ولم أُنْكب أنا . وسألنى عمّن استخلَف فى الدواوين ؟ فقلت : فى ديوان السواد ابنُ حفص (١)، فقال: القدرُ رَمَى بحجره، وسَّيْت له جماعة ، فقال: لقد أيد اللّه هذا الوزير بالكفاءة . وأقرّ ابن الفرات بمائة وخمسين ألف دينار أخرى ، وطولب بالمكاره ، فلم يستجبْ بمال ، وكان لا يستجيب بمكروه ، وأنفذ إلى الخاقانى: أيّا الوزير، لست غيرّا جاهلا فتحتال علىّ ، وأنا قادر على مال ، إذا كتب الخليفة إلىّ أماناً على نفسِى لأفديها بالمال ، ويشهدَ عليه القضاةُ فيه ، فقال الخاقانىّ : لو قدرتُ على ذلك فعلت ، ولكن إن تكلّمت عادَانى خواصُّ الدولة . وردّ الخليفة أمره إلى هارون بن غريب ، فأخذ يُدارِيه ، وقال له : أنت أعرفُ بالأمور وإنّ الوزراء لا يلاجّون الخلفاء ، فلم يزل به حتى أخذ خطَّه بألفى ألف دينار ، يعجِّل منها الرّبْع ، وأن يطلِقٍ له بيعَ ضياعه ، وأذِن له فى إحضار دواةٍ، ليكتب (١) تجارب الأمم: ((محمد بن جعفر بن حفص)، فقال: ((بحجره رمی)). • ٢٤٤ سنة ٣١٢ إلى مَنْ يرى ، أو أن يُنفِذ إلى دار شفيع اللؤلؤىّ، ويطلق الكِلْوذانىّ ليتصرّف فى أمواله . وكانت حماة المحسّن تخرجه(١) فى زىّ النساء إلى مقابر قريش، فأمستْ ليلةً عن المصير إلى الكّرْخ ، فصارت إلى منزل امرأة أخبرتها أن معها بنتاً لم تتزوّج، وسألتْ أن تُفْرِد لها بيتاً ، ففعلت ، وخلع المحسِّن ثيابه ، فجاءتٍ جارية سوداء بسراجٍ ، فوضعتْه فى الضَّفة ، فرأت المحسِّن ، فأخبرت مولاتها فأبصرت ، وكانت مولاتُها زوجةَ محمد بن نصر وكيل علىّ بن عيسى ، مات حين طالبه المحسّن من الفزع ، فمضت المرأة إلى دار السّلطان وشرحت الصّورة لنصر، فأركب نازوك وقبض عليه ، وضُرِبت الدَّبادب لأجل الظَّفَر به عند انتصاف الليل ، فظن النّاس أنّ القرمطيّ قد كسر٢) بغداد . وحُمِل إلى دار مستخرج ، يعرف بابن بعد شر( ٣)، فى المخرِّم بدار الوزارة، فأجرى عليه المكاره ، وأخَذَ خطه بثلاثة آلاف ألف دينار ، ثم ابتلع رقعته ، وأقام على الامتناع من كَتْب شىء ، فضُرِب بالدّبابيس على رأسه وعُذِّب .. وأحْضِر ابنُ الفرات مجلسَ الخاقانىّ ، فناظره أشد مناظرة، فَلجَّ ابنُ الفرات فيها ، فقال له الخاقانىّ : إنّك استغللت ضياعك التى استغلّها علىّ بن عيسى ، أربعمائة ألف دينار وقال : كان ذلك بعمارتى البلاد واعتمادِى ما جَلَبِ الرّيع .. ونُوظر فيمن قتله ابنُه ، وقيل له : أنت قتلتَهم، فقال هذا غير حكم اللّه ، قال الله تعالى: ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى)(٤) والنبيّ صلى الله عليه وسلم قال لرجل معه ابنه: (( لا يَخْنِى عليك ولاَجْنى عليه ))؛ ومع هذا فإنّ ابنى لم يباشرْ قَتْلاً ولا سَفَك دماً ، وأجاب مؤنساً حين قال: أخرجْتَنِى من بغداد فقال: إنما أخرجك مولاك حين كتب إلىّ يشكوما يلاقيه من تَبَسّط ، وفتحك البلدان بالمؤن الغليظة ، وإغلاقك إياها بسوء التدبير. وسئل إحضار سَفَط فيه المهمّات فأحضَرَ وطلب الرقعة ، فُوُجِدت فأخذها مؤنس ، وحملها إلى (١) فى الأصل: ((لخروجه)). وفى تجارب الأمم ١: ١٣٠(( كان المحسن استتر عند حماته حنزابة، وهى حماته ووالدة الفضل بن جعفر بن الفرات فكانت تحمله كل يوم إلى المقابر فى زى النساء وترده إلى المنازل التى تثق بها بالليل ». (٢) تجارب الأمم ١ : ١٣٢: (( كبس بغداد)). (٣) فى الأصل: ((ابن بعد سر)) بالسين، وما أثبته من تحفة الأمراء ١٦١ وتجارب الأمم ١: ١٢٨. (٤) سورة فاطر ١٨ . ٠ ٢٤٥ سنة ٣١٢ المقتدر بالله وأقرأه الرقعة، فزاد غيظُه وأمر بضرْ به، فضُرب خمس دِرَرِ فقط وسُلِّم وابنُه إلى نازوك، فضُرِبا حتى تدوّدت (١) لحومُهما وحمل الخاقانيّ القوّادَ على خلع الطاعة إن حُمِلا إلى دار الخليفة . ولما توقف الخاقانيّ فى قتلهما ، وقال: لست أدخل فى سفك الدماء ، ولا أَسهُل على الخلفاء قتلَ خواصّهم . وحُمِل إلى ابن الفرات مَا يُفْطِر عليه ، فقال : رأيتُ أخى أبا العباس فى المنام يقول : إفطارُك عندنا ، وما أخبرنى بشىء إلاّ وصَحّ ، وأنا مقتول . فأخرج القوَّد توقيع المقتدر إلى نازوك ، بضرب أعناقهما، فقال : هذا أمر عظيم لا أعمل فيه بتوقيع ، فشافهه المقتدر بذلك . وجاء نازوك، فأَمَرَ السُّودان فَضَرَبوا عنقَ المحسِّن، وأَنِىَ برأسه إلى أبيه، فجزع وقال : يا أبا منصور ، راجعْ أمير المؤمنين ، فإنّ عندى أموالاً جمَّة ، فقال له : جَلّ الأمرُ عن هذا، وأمر به فضرب عنقه، وحُمِل رأسه ورأسُ ابنه إلى المقتدر باللّه، فأمر بِتَغْرِيقهما .. وكان سنّ الحسن بن الفرات ، يوم قُتل، إحدى وسبعين سنة وشهوراً، وسنّ ابنه ثلاثاً وثلاثين سنة . وقال التنوخى (٢) : كان من عادة ابن الفُرات أن يقول لكلّ مَنْ يخاطبه: بارك الله فيك ، ولم يكُنْ يفارق هذه اللفظة . وكان علىّ بن عيسى يقول فى كلامه : وال واليك (٣) فكان الناس يقولون: لو لم يكن بين الرَّجلين إلاّ ما بين الكلاميْن من الخشونة واللطف ، لكان من أعظم فرق . ويقال إن علىّ بن عيسى خاطب الرّاضِىَ يوماً بوال. وكان ابن الفرات إذا ولَّىَ، غلا معذاذ(٤) الشمع والكاغد(*)، لكثرة استعماله لهما فيعرف الناس ولايته لغلائهما . (١) فى الأصل: ((تودّت)). وفى تحفة الوزراء: (( حتى تدوّد بدنه)). (٢) فى الأصل: (( والشوحى)) تحريف. (٣) فى الأصل: ((والك)). (٤) كذا فى الأصل. " (٥) فى الأصل: ((الكاعظ)). تحريف. ٢٤٦ سنة ٣١٢ قال الصولىّ : أبو الحسن علىّ بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات من قرية يقال لها بايك (١) قريبة من صريفين ، وكان أبوه محمد بن موسى ، تولّى أعمالاً جليلة ، وأكبر أولاده أبو العباس أحمد وأبو عبد الله وأبو عيسى ، من خيار المسلمين والزهاد ، جاور بمكّة وواصَلَ بها الصوم والصلاة ، ومات فى وزارة أخيه . وقد ذكرنا أسْرَ القرمطيّ لألفى رجل ومائتين وعشرين وخمسمائة امرأة ، فأطلق منهم أبا الهيجاء وأحمد بن بدر عمّ السيدة ، وأنفذ رسلا يسأل أن يُفْرِج له عن البصرة والأهواز فلم تقع إجابة . وكان سليمان بن الحسن بن مخلد ، وأبو علىّ بن مقلة ، وأبو الحسن محمد بن محمد بن أبى البغل ، مُعْتَقلِين بشيراز ، فأطلقهم أبو عبد اللّه الكرخىّ ، حين وقف على مَثَل ابن الفرات فكتب أبن أبى البغل على جانب تَقْوِيمه . وفى هذا اليوم ، ولد أحمد بن يحبى ، وله إحدى وثمانون سنة ، واتفق أنّ سليمان هرب فى زِىّ الفيوجىّ(٢)، فاشتدّ الأمر على الخاقانىّ، وأرْجَف له بالوزارة ، ودخل بغداد مُسْتَيِراً ، وصار ابن مقلة إلى الأهواز ، وأجرَى له فى كلّ شهر مائتى دينار ، وأذِن له فى المصیر إلى بغداد . وسأل موسى فى علىّ بن عيسى ، فگُوتب صاحب اليمن بإنفاذه إلى مكة ، وحَمَل إليه كسوة ومالاً نحو خمسين ألف دينار ، ولما وصَلها قلّده الخاقانيّ الإشراف على الشام ومصر . وتولى أبو العباس بن الْخَصِيبى استخراجَ سبعمائة ألف دينار من زَوْجة المحسّن . وشَغَب الجندُ على الخاقانىّ ، فَلم يكنْ عنده ما يدفعُه إليهم ، وبقىَ شهوراً لا يركب إلى الموكب . وكان مؤنس بواسط ، وأشار عند قدومه بعلىّ بن عيسى ، وأشارت السيدة والخالة بأبى العباس بن الخَصيبىّ، وهو أحمد بن عبدالله، فولَّاه المقتدر ، وقبضَ على الخاقانىّ ، وكانت وزارته سنة وستة أشهر . (١) كذا فى الأصل، وفى ياقوت: ((بابلى صريفين)). (٢) فى المعرب: ٢٤٣: ((الفيج: رسول السلطان على رجليه)). . ٠ ٢٤٧ سنة ٣١٢ وزارة أبى العباس الخَصيبىّ استحضره المقتدر يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلتْ من شهر رمضان ، فقلَّده وخلع عليه ، وكان قبلُ كاتبَ الْقَهْرمانة ، واستكتبَ مكانه أبا يوسف عبد الرحمن ابن محمد ، وكان تائباً من العمل ، فسمّاه النّاس المرتدّ . واستدرك أموالاً ، كان الخصيبيّ أضاعها ، فتنكّرت القهرمانة للخَصِيبى ، وضاعت الأمور بوزارته حين كان مواصلا للشّرب ليلاً ونهاراً ويبيتُ مخموراً . فصادر الخاقانيَّ على مائتى ألف وخمسين ألف دينار . وصادر جعفر بن القاسم الكرخىّ ، عَلَى مائة وخمسين ألف دينار. وتوجّه جعفرُ بن ورقاء الشيبانىّ بالحاجّ فى ألفٍ من بنى عمّه، وكان فى القوافل الَّذين يبذرقون (١) الحاجّ ستة آلاف رجل، فلقيهم الجنّابىّ فهزمَهم بالعقَبة وولّوْا إلى الكوفة ، فخرج قوّد السلطان فهزمهم ، وأقام بالكوفة ستة أيام ، وحمل منها أربعة آلاف ثوب وشيٍ وثلثمائة راوية زيت ، وانصرف إلى بلده . واضطرب الناسُ ببغداد ، وعَبَر أهلُ الغربيّ منها إلى الجانب الشرقى . وأتى موسى الكوفة ، فاستخلَف عليها ياقوت . وسار مؤنس إلى واسط . وقُرِئت الكتب بفتح ابن أبى الساج طَرِسْتَان . ووردت خريطة الموسم لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة ، بأنّ النّحر كان بمگّة يوم الثلاثاء ، ونحر النّاس ببغداد يوم الاثنين . وحجّ علىّ بن عيسى [ ثم ](٢) ورد مكة من مصر . · يخفرون))، وفى الأصل: (( يندرقون)). تصحيف (١) ( بـ ( ٢) زي ٢٤٨ سنة ٣١٣ سنة ثلاث عشرة وثلثمائة فيها فتح إبراهيم المِسْمَعِىّ ناحية القَفْص (١)، وأسَرَ منهم خمسة آلاف رجل، وحملَهم إلى فارس وكثرت الأرطاب ببغداد ، حتى عملوا منها التمور ، وجهَّزوا بذلك إلى البصرة ، فنُسبوا إلى البغى. وأتى القرمطىّ النَّجف ، فخرج مؤنس ، فانصرف من بين يديه وفيها مات الخاقانىّ وفيها دخل الرُّوم مَلَطْية وفى هذه السّنه، تُوُفى أبو الحسن علىّ بن محمد بن بشار الزاهد، وقَبْرُه ظاهر بالعقبة عند النَّجْمى يُتبرك به، وكان القادر باللّه رضى الله عنه يزورُه دائماً، وقال فى بعض الأيام : إنى لأعرِف رجلاً ماتكلم منذ ثلاثين سنة بكلمةٍ يُعْتَذَر منها ، فعلم الحاضرون أنه أرادَ نَفْسَه .. وجاءته امرأةٌ ، فقالت : إن ابنى قد غاب ، وقد طالت غيبتُه ، فقال لها : عليكِ بالصَّبْر ، فظّنت أنه يأمرها بأكل الصَّبِر ، وكانت عندها برنّة مملوءة صبراً ، فمضتْ وأكلت نصفها فى مدّة ، على مرارة من العيش ، وشدَّةٍ من الحال ، ثم رجعت إليه فشَكت إليه غيبته ، فقال لها : عليك بالصبر، فقالت : قد وفى من البرنّة ، قال لها : وأكلتِهِ ! قالت: نعم. قال : اذهبى فابنك قد وَرَد ، فرجعتْ إلى إلى منزلها فَوَجَدت ابنَها هناك . وسمع ابنُ بشّار من تاج المقتدر باللّه غناء ، فلمّا أصبح قال : هذا الإمام ولا يُمكننا الإنكار على الإمام، ولكن ننتقل ، فبلغ ذلك المقتدر باللّه فأنفذ إليه : أيّها الشيخ لاتنزعج فتزعجنا ، ونحن أولى بالانتقال منك. فكان هذا من عمل خادم وقد أدّبناه وصرفْنَاه عن دارنا ، ولن تَرى بعدها ولا تسمَعُ ما تَكْره . (١) القفص : قرية بين بغداد وعكبرا . . سنة ٣١٤ ٢٤٩ سنة أربع عشرة وثلثمائة فيها مات الخاقانى(١). ودخل الروم مَلَطية ، فأخربوا سورها ، وأقاموا ستة عشر يوماً ، فدخل أهلها مستغیثین . وبلغ أهلَ مكة مسير القرْمطىّ نحوهم ، فنقلوا حرمَهم وأموالَهم . واستدعى ابنُ أبى السباج إلى واسط ، وقُلِّد أعمال المشرق ، وكنَّاه الخليفة أبى القاسم يتكَنَّى بذلك على جميع القّواد ، إلّا على الوزير ، ومؤنس المظفر ، وحمل إليه المقتدر خلعاً سلطانية ، وخيلاً بمراكب ذهبٍ وطيباً وسلاحاً . ودعِىَ إلى الرّى ، واضطرب أمرُ الخصيبِىّ لإحدى عشرة ليلةً خلتْ من ذى القعدة . وأشار مؤنس بعلىّ بن عيسى ، فاستدعَى المقتدر أبا القاسم عبدالله بن محمد الْكَلْواذِى واستخلفه لعلىّ، واستحضر سلامة الطّولونىّ ، فتقدّم إليه بالنفوذ فى البريّة إلى دمشق ليحضر عليًّا . وظهر فى ذلك اليوم ابنُ مقلة وجماعة من الكتاب ، وسلَّموا على الْكَلْواذى وتمكنت هيْبة علىّ بن عيسى فى الصدور . ووصلت حمول من البلدان مَشَی بها الكلواذى الأمور . وأُطلقت فى شهر رمضان أمّ موسى الهاشمية من حَبْسها وأُلْزِمت منزلَها . ولم يحجّ أحد من العراق(٢). أ (١) كذا ورد، وقد سبق أن ذكره فى وفيات ٣١٣، وذكره ابن الأثير فى الكامل فى وفيات ٣١٤ وكذلك ابن مسكويه فى تجارب الأمم . (٢) فى ابن كثير: ((خوفاً من القرامطة)). ١ ٢٥٠ سنة ٣١٥ سنة خمس عشرة وثلثمائة وزارة علىّ بن عيسى الثانية فى صفر ، وصلَ علىّ بن عيسى. إلى بغداد، وأنَفذ إليه المقتدر فى ليلته فَرْشاً. وثياباً بعشرين ألف دينار ، وخلع عليه ، وسار من الغدِ بين يديه كافّة القُواد إلى دار بباب البستان ، فاعتقد العفو عمّن أساء إليه . واشتغل بالعمل ليلا ونهاراً ، فاستقامت الأمور . وكان إلى عبدالله البريدىّ الضُّياع الخاصّة ضماناً. وأَقطاع الوزارة إلى أبى يوسف أخيه الخراج برامَهُرمزٍ . وأحضر علىّ بن عيسى الخصيبيَّ، وناظره مناظرة جميلة ، وأخذ خطَّه بأربعين ألف دينار . ٠ ومات إبراهيم المسمعى بالنُّوبندجان ، فقلّد علىُّ بن عيسى مكانه ياقوتاً ، وقلّد أبا طاهر محمد بن عبدالصمد كِرْمَان . وقلَّد أعمالَ الأهواز أبا الحسن أحمد بن محمد بن مانِيْداذ . فقال أبو عبد الله البريدىّ: تُقَلِّد هؤلاء هذه الأعمال، وتقصّر بأخى أبى يوسف علىّ بن مهرمز وبي على ضياع الوزراء! وكان قد كتب له بذلك منشوراً: خُذْ يا بُنَىّ هذا الكتاب فمثّل عليه فى الكتب فإنّ لطبلى(١) صوتاً تسمعه بعد أيام . وأنفذ أبو عبد الله البريدىّ أخاه أبا الحسين إلى الحضرة ، لمَّا بلغه اضطرابُ أمرِ عليّ بن عيسى، وقال له : اضمن أعمال الأهواز ، إذا وَلِىَ الوزارة مَنْ يرتفق ، فإنّ عليًا عفيف . فلما ولَّ ابنُ مقلة الوزارة أعطاه عشرين ألف دينار ، حتى ولَاه الأهواز ، ثم صرفه بأبى محمد الحسين بن أحمد الماذرائىّ، فبانَ من تَخَلّفه(٢) ماصار به حديثاً . (١) وكذا فى تجارب الأمم ١: ١٥٨، وفى الأصل: ((لطلبى)). (٢) فى تجارب الأمم ((تجلفه)). ! : . ٢٥١ سنة ٣١٥ وأخذ عليه البريدىّ الطرقات ، فكان كلّ كتاب يكتبه یؤخذ[ من رسُلِه ](١) فما قُرِئ له كتاب منذ دخل الأهواز إلى أن خرج عنها ، فصرفه أبو علىٌّ بأبي عبد الله البريدىّ، واعترف باحترازه بطَلَلِ الماذرائى (٢). وكان أقطاع الوزارة مائة وسبعين ألف دينار ، بعد نفقاتهم ، فلم يأخذ ذلك علىّ بن عيسى وقال : ضَيْعَتِی تكفينى . ودخل الُّوم شمَيشَاط، وضرب ملكُهم فى الجامع النّواقيس [ وصلّى فيه الّوم صلواتهم ](٣). ووقعت وحشة بين المقتدر باللّه ومؤنس، سببها : أنّه حُكىٍ له ، أنّ المقتدر تقدَّم إلى خواصّ خدمه بحفْر زُبْية تُغطّى بالقصب ، فإذا اجتاز مؤنس وقع فيها ، فهلك ، فامتنع من المضىّ إلى دار السلطان ، وركب إليه القوّاد ، فيهم عبدالله بن حمدان وإخوته وقال له [عبد اللّه](٣) بن حمدان : نقاتل بين يديْك أيُّها الأستاذ حتى تنبتَ لحيتُك ، فكاتَبه المقتدر باللّه على يَدَىْ نسيم الشرابى، على بُطْلان(٤) ذلك، فجاء وقبّل الأرض ، وحلف له المقتدر ، على صفاء نيَّته ، وأمره بالخروج إلى الروم ، فخرج وشيَّعه الأمير أبو العباس ، وعلىّ بن عيسى ونصر الحاجب وهارون بن غريب . وفى هذه السنة كان ظهورُ الدّيْلِم، لمَّا خرج ابنُ أبى الساج عن الرَّىّ ، غَلَب عليها ليلَى بن النعمان ، ثم ما كان بن كاكى ، ودخل هذا الرجل فى طاعَةِ صاحب خراسان . وغَلَب بعده أسفار بنُ شيرويه ، وكان مزداويج أحدَ قُواده ، فلمّا ظلَم أسفار أهلَ قِزْوين، خرج رجالهم ونساؤهم مستغيثين إلى المصلّى داعين الله عليه ، فخرج عليه مزداويج ، فهزمه وألجأه مزداويج ، حين رأى آثار حوافر الفرس فدخل عليه فاحتَّ رأسه ، وعاد إلى قزوين ، ووعدهم الجميل وأظهر الخوف من دعائهم . (١) زيادة من تجارب الأمم . (٢) فى تجارب الأمم ١: ١٥٩: ((وقال: اغتررْتَ بطلل ذلك الشيخ، وما كلّ من يصلح للكتابة ينفذ فى العمالة )). (٣ ٣) زيادة من كتاب تجارب الأمم ١: ١٦٠، ١٦١. (٤) تجارب الأمم ١ : ١٦٠: ((على بطلان ما بلغه)). ٢٥٢ سنة ٣١٥ ثم تغلّب(١) على الرّىّ وأصبهان، وأساء السِّيرة بأصبهان حاجبُه وعظمتْ هَيْبته، وجلس على سرير ذهب، وكان يتنقّص (٢) الأتراك، وكان يقول: أنا سلمان وهؤلاء الشَّياطين . وكان إذا سار انفرد عنه عسكره خوفاً منه ، فاشتق العسكر شيخٌ على دابّة وقال: زاد أمُرُ هذا الكافر، واليوم تكفونه (٣)، وتأخذه اللّه إليه قبل تصرّم النهار ، فدهشوا واتبعوه فلم يجدوه . وعاد مزداويج إلى داره ، فنزع ثيابه ، ودخلَ الحمّام وأطال ، فهجم عليه الأتراك ، فقاتَلَهُم بكرنيب فضة ، فحزُّوا رأسَه بعد أن شقُّوا بطَنه ، وظَنَّوا أنهم قتلوه ، فلما دخلوا عليه ثانياً رأوه ردّ حَشَوْبَطْنِه ، وأمسكها بيده ، وكسر جامة الحمام وهمّ بالخروج. وقبض ابنُ أبى الساج على كاتبه أبى عبدالله بن خلف البرقانىّ لمّا عرَفْ سعايتَه به ، وسلّمه إلى كاتبه حسن بن هارون وقيّده وأخذ خطَّه بستمائة ألف دينار . وكاتب المقتدرُ ابنَ أبى الساج لحرب القَرْطِىّ، لمّا عرف خروجَه من هَجَرَ لثلاث بقين من شهر رمضان ، وأطلق له من بيت مال الخاصة فيما ينصرف إلى علوفه (٤) بين واسط والكوفة ، فحمل ذلك إليه سلامة الطُّولونىّ، وأمر علىَّ بن عيسى عمَّال الكوفة بإعداد الميرة لابن أبى الساج . وسار ابنُ أبى الساج من واسط طالباً الكوفة لليلةٍ بِقيتْ من شهر رمضان . وأطلَق أبو طاهر القرمطيّ أسارَى الحاجّ ، ووصَل الكوفة ، فأخذ ما أُعِدّ ليوسف وهو مائةُ كُرّدقيقاً(٥)، وألف كُرَّ شعيراً . ووافَى يوسفُ الكوفَة بعد وصول أبى طاهر إليها بيوم ، وكان قد تقاربَ عسكرا بنِ أبى السّاج، وعسكرُ أبى طاهرٍ فى يوم ضباب وأحسّ به أبو طاهر وَكَفَّ عنه، فالتقوا يوم السبت لتسع خلون من شوال على باب الكوفة ، فاحتقر ابنُ أبى الساج عسكرَ أبى طاهر، وأزْرَى عليهم ، وتقدّم يكتب كتابَ الفتح قبل اللَّقاء ، تهاوناً بأمره . والتفتَ أبو طاهر إلى رفيق له ، وقد سمع صوت البوقات والدبادب ، وكانت (١) تجارب الأمم ١: ١٦٢: ((ثمّ أنّ مزدا ويجٍ تغلب)). (٢) تجارب الأمم: ((وكان يغضّ من الأتراك غضًّا شديدًا)). (٣) تجارب الأمم ١: ١٦٣: ((تكفنونه)). (٤) كذا فى الأصل . (٥ ) الكرّ : مكيال لأهل العراق . ٢٥٣ سنة ٣١٥ عظيمةً جدًّا فقال: ما هذا الزَّجَل (١)؟ فقال له صاحبه: فشل ، فقال: أجَلْ . وعبّأ ابنُ أبى الساج رجالَه، وكان القتالُ من ضُحَى النَّار إلى غروب الشمس ، فَثَبَت يوسفُ ثباتاً حسناً ، وجُرح من أصحاب أبي طاهر بالنّشّاب خَلْق ، وكان أبو طاهر فى عمارية مع مائتى فارس من أصحابه ، فَتَزَل حينئذ وركب ، فسار وحملَ بنفسه ، وحمل يوسف بنفسه ، واشتبكت الحرب ، فأسِرٍ يوسفُ بن أبى الساج بعد أن ضُرِبَ على جنبه ضربة ، وقد اجتهد به أصحابه فى الانصراف فأبى، وقُتِل من أصحابه خَلْقُ وانهزم الباقون . وحُمِل يوسف إلى عسكر أبى طاهر فضُرِب له خيْمَةٌ وفُرشت، ووكِّل به ، واستُدْعِىَ بطبيب يعرف بابن السَّعى (٢) ليعالجه، فقال: قد جَمَد الدّمُ على وجهه، وأريد ماء حارًّا. قال : فلم أجِدْ عندهم ما أسخن فيه الماء ، فغسله بالماء البارد وعالجه (٣). قال الطبيب: وسألنى يوسف عن اسمى وأهلى، فأخبرته فوجدتهُ بهم عارفاً أيّام تقلده الكوفة ، فعجبتُ من فهمه وقلّة اكتراثه بما هو فيه . ١ ولما وصل الخبر بغداد دخل الناسَ كآبةٌ عظيمة وعوَّلوا على الانحدار إلى واسط . ثَم وَرد الخبرُ بأنّ أبا طاهر رحَل يوم الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة خلَتْ من شوال، قاصداً عَيْنِ الثَّمر ، فاستأجر علىَّ بن عيسى خمسمائة سميريَّة (٤)، وجعل فيها ألف رجل ، وأنفذ الطيارات والشذَآت وحوّلها إلى الفرات وأقعد فيها الحجريّة ، لمنع القرمطىّ من عُبور الفرات، وتقدّم إلى القوّاد بالمسير إلى الأنبار لحفظها . فلما كان يوم الجمعة ، رأى أهلُ الأنبار خيلَ أبى طاهر مقبلةً فى الجانب الغربىّ ، فقطعوا الجسر(٥)، وعَبَر أبوطاهر فى مائة رجل، ونَشَبت الحرب بينه وبين أصحاب (١) الزجل ، أى الصوت . (٢) تجارب الأمم ١ : ١٧٥: ((ابن السّبيعى)). (٣) العبارة فى تجارب الأمم ١ : ١٧٥: ((فقال لى بعض أصحاب أبى طاهر: والله ما ذاك عندنا ولا عندنا ما يسخن فيه )) . (٤) السميرية: نوع من السفن وكذلك الشذآت . (٥) تجارب الأمم ١: ١٧٦: ((فبادروا إلى قطع جسر الأنبار)). ٢٥٤ سنة ٣١٥ السلطان، وعُقِد الجسر وخالف (١) سوادُ الّذين فى السفن إلى الجسر، فأحرقوه، فبقى أبوطاهر فى الجانب الشرقىّ وعسكرُه وسوادُه فى الغربى، وحالتِ السفن بينهما . وورد الخبر إلى بغداد بقتل أبى طاهر القوّاد ، فخرج نصر الحاجب ، ومعه الحجرية والرَّجالة ومَنْ ببغداد من القوّاد، وبين يديه علمُ الخلافة ومعه أبو الهيجاء [عبد الله ](٢ )بن حمدان وإخوته . فاجتمع مع نصر مايزيدُ على الأربعين ألف رجل ، فنزل على قنطرة النهر المعروف . بَزَبارا ، بناحية عقرقوف ، على فَرْسخين ، ولِحق به موسى ، وأشار أبو الهيجاء على نصر الحاجب وعلى مؤنس بقطع نهر زبارا ، وألحَّ عليه فى ذلك ، فلما رآه متثاقلاً عن قبول رأيه ، قال له : أيُّها الأستاذ اقطعها واقطع لحيتى معها ، فقطعها حينئذ. وسار أبو طاهر ، ومَنْ معه من أصحابه فى الجانب الشرقىّ من الفرات قاصدين نهر زبارا ، فلما صار على فرسخ واحد من عسكر السلطان آخر يوم الاثنين لعشر خلون من ذى القعدة بات موضعه . وباكر المسيرَ إلى القنطرة، فوجدها مقطوعة، وتقدَّم أحدُ رجاله أسودُ يقال له صُبْح ، فما زال النَّشاب يأخذه حتى صار كالقنفذ وهو مقدِمِ ، فرأى القنطرةَ مقطوعةً . فرجع ولما علم أصحاب أبي طاهر أن النهر لا يُخيضر (٣)، عادوا القهقرى من غير أن يولُّوا ظهرهم، وعادوا إلى الأنبار ولم يجسر أحَدٌ على اتّباعهم . وكان الرأى فيما أشاربه أبو الهيجاء من قطع القنطرة ، ولولاها لعَبَرَ القرمطىُّ غير ! مُسْتَهُولٍ لجمع أصحاب السّلطان . وطمع مؤنسُ المظفَّر فى سواده وتخليص ابن أبى الساج من أقياده ، فأنفذ بليق حاجبه وجماعة من القواد ، وستة آلاف من غلمان يوسف ، فبلغ ذلك أبا طاهرٍ، فانفرد من أصحابه ماشياً ، وعبر فى زَوْرقِ صيّاد ، دفع إليه ألف دينار ، فاجتمع مع قومه فلم يثبت له بليق ، وبَصُر أبو طاهر بابن أبى الساج وقد خرج من الخيمة لما ناداه (١) فى الأصل: ((فحالف)). (٢) زيادة من ابن الأثير ٦ : ١٨٧. (٣) فى الأصل: (( يحيض))، وما أثبته من تجارب الأمم . : ٢٥٥ سنة ٣١٥ غلمانه ، فقال له القرمطى : طمعت فى تخليصهم لك ! وأمر به فضُرِبت عنقه وأعناق مَنْ كان معه من الأسرى . واحتال أبوطاهر فى عُبُور أصحابه من الجانب الشرقىّ إلى الجانب الغربى ، وكان مع أبى طاهر سبعمائة فارس وثمانمائة راجل . وتقدم علىّ بن عيسى إلى نازوك بالطواف ببغداد ليلاً ونهاراً ، لكثرة العيّارين ، وأباح · دم من ظهر منهم ، ونقل الناسُ أمتعتَهم إلى منازلهم خوفاً منهم ، واكترى وجوه الناس السفن. وقصد القرمطى هِيت ، وبها هارون بن غريب وسعيد بن حمدان ، فقاتلا مَنْ علا سورها بالمنجنيقات ، بعد أن قتلوا من أصحابه عدّة فسكنتْ نفوس مَنْ ببغداد . وتصدّق المقتدر بمائة ألف درهم . وبادر علىّ بن عيسى إلى المقتدر باللّه وقال له : إنما جمع: الخلفاءُ الأموال لُيُقمعوا بها الأعداء ، ولم تلحق المسلمين مضرّة كهذه من هذا الكافر الذى أوقع بالحاجّ سنة اثنتى عشرة وثلثمائة، ولم يبق فى بيت مال الخاصَّة شىء ، فاتّق اللّه يا أميرَ المؤمنين. وخاطب السيدة حتى تُطلق ماعندها من مال ادّخرته الشديدة ، فهذه أمها (١)، وإن لم يكن هناك شىء فالحقْ خراسان . فدخل إلى السيدة ، فأعطته خمسمائة ألف دينار ، وكان فى بيت مال الخاصّة مثلها . وأخبر علىّ بن عيسى ، بحال رجل شيرازىّ يكاتب القرمطىّ وأتباعه ، فأحضره فأقرّ أنه من أصحابه ، لم يتبعه إلاّ لحقٌّ رآه معه وقال له : لسنا كالرافضة الحمقى ، الذين يدّعون إماماً منتظراً ، وإمامنا فلان ابن فلان ابن إسماعيل بن جعفر ، فأمربه فحُبس بعد الضرب ، فامتنع فى حبسه من الطعام والشراب فمات بعد ثلاثة أيام . وكتب القرمطيّ إلى مؤنس كتاباً ، فى آخره : واستتبع الرَّحَ سُرْناياً ومِزْمارا قولوا لمؤنسكم بالراح كن أنساً بيتاً من الشعر للماضين قد سارًا إنّ الكريم إذا لم يُسْتَزَرْ زارا )) مَنْ عالج الشَّوْقَ لم يستْبعِد الدار وقد تمثلت عن شوق تقاذفَ بِی ((نَزُورَكمْ لا نؤاخذ كم بجنوتِكُمْ ولا نكون کأنتم فی تخلّفکمْ وله أشعار كثيرة تركناها لشياعتها . (١) أى أم الشدائد ؛ يريد تهويل الأمر. ٥٢٥٦ سنة ٣١٦. سنة ست عشرة وثلثمائة دخل مؤنس المظفر بغداد ، وبعده نَصْر . ونُدِب مؤنس للخروج إلى الرقّة ، لما وصل الخبرُ باستيلاء القرمطيّ على الرّحْبة . حرباً وقتله أهلَها ورَهِبت الأعراب أبا طاهر ، حتَّى كانوا يتطايرون عند سماع ذكرِهِ ، وجعَل على كلّ بيت منهم ديناراً بعد أن نَبهم . وعاود القرمطىّ هِيتَ، فلم يقدِرْ عليها، فأتى الكوفة، وجاء إلى قصر ابن هبيرة (١) فخرج إلیه نصر،فحُمّ نصر حمى شديدة حادّة ، فسار مع ذلك إلى شورا وبينه وبين القرمطىّ نهرُها ، واستخلَف على الجيش أحمد بن كيغلغ ، وأنفذ معه الجيش. وانصرف القرمطيّ من غير لقاء . واشتَّدتْ علّة نصر، وجَفّ لسانه من شدّة الحُمّى، فأعيد إلى بغداد ، فمات فى الطريق فى عمارية(٢)، فأنفذ المقتدرُ على الجيش هارون بن غريب ، فدخل بهمْ بغداد . وأقام علىُّ بن عيسى حين رأى تنكُّرَ الأمور على الاستعفاء من الوزارة ، والمقتدر يجلبه ، ويستوقفه حتى أعفاه . واستوزر المقتدر أبا علىّ بن مُقْلة ضرورة ، وذلك بمشورة نصر ، فلمّا كان فى النِّصف من شهر ربيع الأول ، أنفذ المقتدر هارونَ بن غريب ، ومعه أبو جعفر بن شيرزاد للقبض على علىّ بن عيسى ، فاستحيا هارون من لقائه بذلك ، فأنفذ أبا جعفر ، فوجده مستعدًا قد لبس خفًّا وعمامة وطيلساناً ، واستصحب مصحفاً ومقراضاً ، وسأل هارونَ صيانةَ حَرَمَه ، ففعل وحُمِل مع أخيه أبى علىّ إلى دار السلطان ، فاعتقله فى دار زيدان القَهْرمانة ، وكانت وزارته هذه سنةً وأربعة أشهر ويومين . (١) فى الأصل: ((هبرة)). وقصر ابن هبيرة ينسب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة، وانظر معجم البلدان ٧ : ١١٢ وتجارب الأمم ١ : ١٨٣. (٢) العمارية : هودج يجلس فيه . ٢٥٧ سنة ٣١٦ وزارة أبى علىّ بن مُقْلة وقد كان محمد بن خلف النّيرمانىّ بذل فى الوزارة ثلثمائة ألف دينار، فلم تُقبل منه ، لمّا عُرِف منه الجهل بالكتابة والنّهور فى الأفعال . وأُحْضِر ابنُ مقلة يوم الخميس سادس عشر ربيع الأول، وقلَّد الوزارة ، ووصل إلى الخليفة وخُلِع عليه ، وحُمِل إليه طعامٌ على العادة التى جرت الوزارة إذا خُلِع عليهم . ودسَّ نصرُ الحاجب على علىّ بن عيسى مَن ادَّعى مكاتبته القرمطيّ على يده ، وذلك لعداوة بينه وبينه ، ولمُمايلة على لمؤنس . وعزم الخليفة على ضرب علىّ بن عيسى بالسياط على باب العامّة ، فوقفت السيدة على بطلان الأمر فأزالت من نفس المقتدر تصديق ذلك، وثنتْه عن رأيه فى معاقبته . واتّفق لابن مقلة مامشَى به الأمور، إنفاذُه البريدى له - وكان بينهما مودّة - سفاتجا(١) بثلثمائة ألف دينار، وغير ذلك من وجوهٍ أخر . وتَغَاير سُوَاس هارون بن غريب على غلام أمرد ، فوقع الحرب بينهم ، فأخَذ نازوك سُؤَّاس هارون وحبسهم ، فسار أصحاب هارون إلى مجلس الشرطة وضربوا خليفة نَازُوك ، وأخذوا أصحابه فلم ينكر ذلك المقتدر. فجمعَ نازوك رجالَه وزحَف إلى دار هارون ، فقتل من أصحابه قوماً ، ووقعت الحرب ، فجاء ابن مقلة ومفْلح الأسود فأدَّيا رسالةً إليهما عن المقتدر حتى كَفَّا . وأقام مؤنس فى داره مستوحشاً ، فأظهر أنّ ذلك لمرضٍ فى ساقه ، وصار إليه هارون لابساً دُرَاعة فاصطلحا . وأقام هارون بيستان النّجمى ، قاصداً للبعد من الفتن ، فکتب أصحاب مؤنس (١) فى القاموس: السُّفتجة أن يعطى مالاً لآخر وللآخر مال فى بلد المُعطى فيوفيه إياه ثم يستفيدُ أمْنَ الطريق)) . ٢٥٨ سنة ٣١٦ إليه وهو بالرَّقة، بأنّ الأمر قد تمَّ لهارون فى إمْرةِ الأمراء ، فأسرع إلى بغداد ولم ينحدر إلى المقتدر . وصعد إليه الأمير أبو العباس والوزير أبو علىّ فسلّما عليه . وقدِمٍ عليه أبو الهيجاء من الجَبّل ، وقُلَّد أحمد بن نصر الحجْبَة ، وأخذ منه ستين ألف دينار ، وذلك فى شهر رمضان ، وصُرِف فى ذى الحِجّة . وقَبَض ابنُ مقلة على أبى محمد عبد الله كاتب نصر ، وألزَمَهُ خمسين ألف دينار . سنة ٣١٧ ٢٥٩ سنة سبع عشرة وثلثمائة فى يوم السبت ثالث المحرّم ، خرج مؤنس إلى باب الشماسية ، وخرج الجيش معه ، وعبر إليه نازوك فى أصحابه ، وخرج إليه أبو الهيجاء وسائر القوّاد ، ثم انتقلوا إلى المصلّى . وشحن المقتدر دارَه بهارون بن غريب وأحمد بن كيغلغ والحجرية والرّجّالة المصافية . فما كان آخر النهار حتَّى مضوا إلى مؤنس . وراسل مؤنس المقتدرَ أنّ الجيش عاتب بما يصير إلى الخدم والحرم ودخولهم فى الرأى ، وهم يطالبون بإخراجهم عن الدار ، فأجابه المقتدر برقْعة طويلة فيها : أمتعنى الله بك ولا أخلانى منك، ولا أرانى سوءاً فيك ، تأملت الحال التى خرج أولياؤنا وصنائعنا وشيعتنا إليها وتمسّكوا بها ، وأقاموا عليها ، فوجدتهم لم يريدوا إلا صيانة نفسى وولدى ، وإغْزَاز أمرى ومُلْكى، بارك الله عليهم ، وأحسن إليهم وأعاننى على صالح ما أنويه لهم . وأما أنت يا أبا الحسن المظفر - لاخلونا منك - فشيخى وكبيرى، ومَنْ لا أزول ولا أحول عن الميل إليه والتوفّر عليه والتحقّق به ، اعترض مابيننا هذا الحادث ألم يعترض. وانتقض هذا الأمر الّذى لحقنا أو لم ينتقض، وأرجو ألاّ تشكَّ فى ذلك إن [ صدقْتَ نفسَك](١) وحاسبتها، وأزلت الظنون السّئة (٢) عنها، أدام الله حراستها . والذى ذكره أصحابنا من أمر الحرَم والخدم قول إذا تبيَّنُوه حقّ تبيّنه، وتصفّحوه حقّ تصفّحه ، علموا أنه قول جافٍ ، والبغى فيه على غير مستترٍ ولا خافٍ . ولإيثارى موافقتَهم واتّباعى مصلحتَّهم أجبتُهم إلى المتيسّر فى أمر هذه الطبقة ، وأتقدّم بقبض إقطاعاتهم وحظر تسويغاتهم ، وإخراج من يجوز إخراجه من دارى ، ولا أطلق للباقين الدّخولَ فى تدبيرى ورأبى . وأوعز بمكاتبة العمال فى استيفاء حقّ بيت المال من (١) من تجارب الأمم ١ : ١٩٠. (٢) فى الأصل: ((السبيّة )) وما أثبته من تجارب الأمم. ٢٦٠ سنة ٣١٧ ضياعهم الصحيحة الملك ، دون ما يقال إنه [قد ](١ لابسه الريّب والشك، وأنظر بنفسى فى أمر الخاصّة والعامة وأبلُغ فى إنصافها والإحسان إليها الغايةً . وأما أنتم ، فمعظم نِعَمكم مِنِّى ، وما كنت لأعود عليكم فى شىء سمحت به ورأيتُه فى وقته ، وأراه الآن زهيداً، فى جنب استحقاقكم، وأنا بتثميره أوْلى وبتوفيره أخْرَى. [ أمّا ] ١) نازوك، فلست أدرى لأىّ شىء عتب، ولا لأىّ حال استوحش واضطرب ؟ فما غيّرت له حالاً ، ولاحزْت له مالاً . [وأمّا ](١) عبد الله بن حمدان، فالذى أحفظَه صرفُه عن الدينور وتهيّؤْ إعادته إليها إن كان راغباً فيها ، وما عندى له ولنازوك والعصاة كلّها إلا التجاوز. والإبقاء (٢) وبعد هذا وقبلَه ، فلى فى أعناقكم بيعة قد وكّدٌتموها على أنفسكم دفعة بعد أخرى . ومَنْ بايعنى فإنما بايع اللّه سبحانه ، ومَنْ نكث فإنما نَكَث عهد اللّه ، ولى عندكم أيضاً نِعَمٌ وأيادٍ وعندكم صناتُع وعوارف، آملُ أن تعترفوا بها وتلتزموها وَتَشْكُروها ، فإنْ راجعتم هذا الجميل ، وتلقيتم هذا الخطب الجليل ، وفرّقتم جموعكم ومزقتموها وعدتُم إلى منازلكم واستوطنتموها، [ وأقبلتم على شئونكم فلم تقصروا فيها ](٣) كنتم بمنزلة مَنْ لم يبرحْ من موضعه ، ولم يأت بما يعود بتشعث محلّه وموقعه ، وإن أبيُم إلاّ مكاشفة ومخالفة ، فقد ولّتكم ما تولّيتم ، وأغمدت سيفى عنكم ، ولجأت فى نصرتى ومعونتى إلى الله سبحانه ، ولم أسلّم الحق الذى جعله الله تعالى لى ، واقتديتُ بعثمان بن عفان رضى الله عنه ، حين لم يخرج من داره ، ولم يسلّم حقَّه لمّا خذله عامة ثقاته وأنصاره(٤)، واللّه تعالى بصيرٌ بالعباد وللظالمين بالمِرْصاد)). ولمَّا وقف مؤنس ونازوك وأبو الهيجاء على الرّقعة، طالبوه بإخراج هارون ، فأخرجه من يومه إلى التُّغور الشاميّة والجَزْريّة . وعاد مؤنس والجيش إلى بغداد فى يوم عاشوراء وزحفوا إلى دار السلطان ، فهرب المظفر بن باقوت والخدم والحُجَّاب وابنُ مُقلة . (١) زيادة يقتضيها السياق . (٢) فى الأصل: ((الاتفاء)) تحريف، صوابه ما أثبته من تجارب الأمم. (٣) من تجارب الأمم. (٤) بعدها فى تجارب الأمم: (( وكان ذلك حجة فيما بين الله عز وجل وبينى وسبباً بإذن الله لما أوصله من الفوز فى الدنيا والآخرة، والله بصير بالعباد وللظالمين بالمرصاد وحسبى الله ونعم الوكيل)). 1