النص المفهرس

صفحات 201-220

سنة ٢٩٩
٢٠١
سنة تسع وتسعين ومائتين
فيها قُبض [ على] ابن الفرات، وهُتِكَتْ حُرَمُه ، ونُبِبَتْ دوره ودور أسبابه ،
فكان صاحب الشرطة مؤنس الخازن المعروف بالفحل تحت يده تسعة آلاف فارس
وراجل ، وإذا كثُر النّهب وعظم الخطب يركب ، فيسكن المنتهيون عند ركوبه ،
ويعودون إلى النّهب عند نزوله . ودام ذلك ثلاثةَ أيام بلياليها .
وتقلّد بعده أبو علىّ محمد بن عبيد بن يحيى بن خاقان الوزارةَ . وكان أبو عليّ
يتقلّد ديوان الضّياع بعد وفاة أبيه فى وزارة الحسن بن مَخْلَد .
وكانت أم موسى القهرمانية تُعْنى بابنى أبى البغل . فولى أبا الحسن منهما أصبهان ،
وولى الآخر الصلح والمبارك (١).
وكان ابنُ الفرات قد نفى أبا الهيثم العباس بن ثوابة إلى الموصل لقرابته من ابن عبدون ، .
فاستدْعَاه ابن الخاقانى ، وقلَّده مصادرة بنى الفرات ، فأسرف فى المكروه بهم وغلب
على الأحوال .
وكان فى أحوال الخاقانى تناقض ، وكان يتقرّب إلى العامة ، فانحدر يوماً
فى زَبْزَبِه (٢) إلى دار السلطان، فرأى جماعة من الملاحين يصلّون على دِجْلة ، فصعد
وصلَّى معهم .
وَوَلَىَ ابْنُهُ عَرْضَ الكتب على الخليفة ، وكان مدمِناً للشرب ، ففسدت الأمور
بذلك. وكان أولاده وكتابه يَرْتفقون (٣) من العمال بما يولّونهم به الولايات، ثم يعزلونهم
إِذَا رَأَوْا مَطْمَعاً . فاجتمع بحلوان فى خانٍ بها سبعة عمال ولاهم فى عشرين يوماً
ماءَ الكوفة . وكان إذا سأله إنسان حاجة قال : نعم وكرامة ! ودقّ صدرَه .
وكتب إلى بعض العمال : الزم وقَّقك اللّه المنهاج ، واحذر عواقب الاعوجاج ، واحمل
ما أمكن من الدّجاج. فحمل العامل دجاجاً كثيراً ، وقال : هذا دجاج وفّره بَركة السجع
(١) الصّلح بالكسر: كورة فوق واسط، والمبارك: نهر فوق واسط أيضاً . ياقوت.
(٢) الزيزب : نوع من السفن الصغيرة .
(٣) يرتفقون: ينالون ويفيدون، وفى الأصل: (( مرتفقون)) تصحيف.

٢٠٢
سنة ٣٠٠
سنة ثلثمائة
طالب القوادُ الخاقانيّ باستحقاقهم ، فقَصّر واعتذر ، فعزم المقتدر باللّه على
ردّ ابن الفرات، فأشار مؤنس أنْ يولَّ علىّ بن عيسى ، وذكر ديانته وثقته ، وقال :
يقبح أن يعلم الناس أن الضرورة قادت إلى ابن الفرات للطمع فى ماله ، فأمر
المقتدر الخاقانيّ أن يكاتب علىّ بن عيسى بالحضور، وأظهر له الإيثار لاستنابته له ،
فكان الخاقانىّ يقول: قد استدعيتُ علىّ بن عيسى لينوب عن عبد اللّه ابنى فى
الدواوين . ثم ركب إلى دار السلطان فقبض عليه وعلى أسبابه .
:٠١٠
.:

سنة ٣٠١
٢٠٣٠
سنة إحدى وثلثمائة
قدِمِ فيها علىّ بن عيسى من مكة، فقلّده المقتدرُ وزارتَه وخلع عليه، وسلّم الخاقانىّ
إليه ، فصادره وأسبابه مصادرةً قريبة ، وصانَ حَرَم الخاقانىّ .
واعتمد على علىّ بن عيسى لما اشتهر عنه من إفاضة المعروف وعمارة الثغور
والجوامع والمارستانات فى سائر الأوقات، وردّ المظالم بها ، وكتب فى ذلك كتاباً أوله:
بسم الله الرحمن الرحيم ، سبيلُ ما يرفعه إليك كل واحد من المتظلّمين قبل النوروز
من مظلمته ، ويدّعى أنه تلف بالآفة من غلّته ، أن تعتمد فى كشف حاله على أوثق
ثقاتك ، وأصْدقِ كفاتك حتى يصحّ لك أمره ، فتزيلَ الظلم عنه ، وترفعه ، وتضع
الإنصاف موضعه ، وتحتسب من المظالم بما يوجب الوقوف عليه حَسَبُه ، وتستوفى الخراج
بعده ، من غير محاباة للأقوياء ، ولا حَيْفٍ على الضعفاء . واعمل بما رُسم لك ما يظهر
ويَذيع وَشتهر وَشيع ، ويكون العدل به على الرعيّة كاملاً، وللإنصاف شاملاً إن شاء الله.
وسَاسَ علىّ بن عيسى الدنيا السياسةَ المشهورة ، التى عمّرت البلاد ؛ حتى
قال له ابن الفرات لمّا ناظره : قد أسقطت من مال أمير المؤمنين خمسمائة ألف
دينار فى السنة ، فقال : لم أستكثرْ هذا المقدارَ فى جَنْب ما خططتُه عن أمير المؤمنين
من الأوزار، لأننى خططت المَكْس(١) بمكه، والتكملة(٢) بفارس، وجباية الخمور
بديار ربيعة ، ولكن انظر إلى نفقاتی ونفقاتك ، وضياعی وضياعك . فأسكته ...
وزادت فى أيامه العمارة وتضاعفت الزراعة ، حين كتب إليه عامله : إن قوماً
بيادوريا لا يُؤَدُّون الخراج ، فإن أمرت عاقبناهم، فكتب إليه : إنّ الخراج دّيْن ،
ولا يجب فيمن امتنع عن أداء الدَّيْن غير الملازمة ، فلا تَتعدّ ذاك إلى غيره . والسلام .
وما استُحسِن من أفعال الخاقانى بعد عَزْله ، أنّ قوماً زوّروا عليه بإطلاقات
ومسامحات ، فأنفذ بها علىّ بن عيسى يسأله عنها ليمضى منها ما اعترف به ، فصادفه
(١) فى القاموس: (المكس دراهم كانت تؤخذ من بائعى السلع فى الأسواق فى الجاهلية أو درهم كان يأخذه
المصدق بعد فراغه من الصدقة )) .
(٢) فى تجارب الأمم ١: ٢٨: ((وكتب بإسقاط التكملة بفارس)).

٢٠٤
سنة ٣٠١
الرّسول يصلّى. فلمّا رأى ابنه يتأمّل التوقيعات ، قطع صلاته وقال : هَذِه توقيعاتى
صحيحة ، الوزير يرى رأيَه فُيُمضِى ما آثر منها ، ويعرض علىّ ما أحبّ منها . والتفت
إلى ابنه حين خرج الرسول فقال : أردتَ أن نتَّغض إلى الناس فتكون السبب فى رد
ما تضمنته ، ويتتّه علىّ بن عيسى من ذلك ، فلم لا نتحبّب بالاعتراف بها ، فإن
أمضاها حُمِدْنا وإنْ رَدّها عُذِرْنَا .
وَقَصَدَ القوّاد علىّ بن عيسى بإسقاطه الزياداتِ الَّتى زادها ابن الفرات ، ووقَعوا
فيه وثَلْبُوه .
وفى هذه السنة ، خُلع على الأمير أبى العباس بن المقتدر - وهو الذى ولىَ الخلافة
ولقِّب بالراضى - واستُخْلِف له مؤنس(١).
وفيها أنفذ علىّ بن أحمد الراسبى الحسينَ بن منصور الحلاج . وقد قَبَض عليه
بالسّوس ، فشُهِر على جمل ببغداد ، وصُلِب وهوحىّ . وظهر عنه بأنه ادّعى أنه اللّه .
ومات الراسيّ بعد قليل ، فأخذ السلطان من ماله ألف ألف دينار.
وفيها ورد الخبر بأن إسماعيل بن أحمد صاحب خُراسان قتله غلمانه على شاطئ
نهربَلْخ ، وقام ابنه أبو الحسن نصر مقامه . وأنفذ إليه الخليفة عهده .
وفيها ورد الخبر بأنّ خادماً صقلابيًّا لأبى سعيد الجنّابِىّ قتله وخرج ، فلم يزل
يستدعى قائداً قائداً ويقتله ، حتى قتل جماعة ، فقطِن به النساء فصحن بالأمر ، فقام
أبو طاهر سليمان بن الحسن مقام أبيه (٢).
وأتى القرامطة فى هذه السنة البصرة فى ثلاثين فارساً ، والناس فى صلاة الجمعة ،
فقتلوا الموكلين بالباب ومن خرج إليهم من المطّوّعة . وبلغ الخبرُ أميرَ البصرة محمد بن
إسحاق بن بنداحيق فغلّق الأبواب .
(١) فى تجارب الأمم ١: ٣١: (( واستخلف له على مصر مؤنس الخادم)).
(٢) توضيح الخبر كما جاء فى تجارب الأمم ١: ٣٣: ((بأن خادماً لأبى سعيد الجنابى الحسن بن بهرام
المتغلّب على هجر قتله . ثم إن ذلك الخادم خرج بعد قتله مولاه ، فدعا رجلاً من رؤساء أصحابه وقال له:
السيد يدعوك ، فلما دخل قتله ، وما زال يفعل ذلك بواحدٍ واحدٍ إلى أن قتَل أربعة من الرؤساء ، ثم دعا بالخامس .
فأحسّ الخامس بالقتل ، فصاح واطّلع النساء عليه وصِحْن ، فقُبض على الخادم قبل أن يقتل الخامس . وفُتِل
الخادم - وكان صقلابيًّا - وقد كان أبوسعيد عهد إلى ابنه سعيد فلم يضطلع بالأمر، فغلبه أخوه الأصغر أبو طاهر
سليمان بن الحسن)) .
٠

٢٠٥
سنة ٣٠٢
سنة اثنتين وثلثمائة
ورد فيها كتاب أبى الحسن نصر بن أحمد صاحب خراسان بأنّه واقع عمّه
إسحاق(١) وأسره .
وفى هذه السنة خرج مؤنس إلى مصر، وضمّ إليه علىَّ بن عيسى أخاه عبد الرحمن ،
وقلّده كتابته ، وذلك عند سماعهم قُرْب الخارج بالقيروان ، وواقعه مؤنس ، فانهزم
من بین یدیه :
وهذا الخارج ، ذكر الصولىّ عن أصحاب النّسب أنه عبيد الله بن عبد الله
ابن سالم ، من أهل عسكر مُكْرَم ، وجدّه سالم قتله المهدىّ رضوان الله عليه على
الَّندقة . وأنفذ أبا عبد الله الصوفىّ إلى المغرب، فأُرَى الناس زهداً وعبادة، وطردَ
زيادة اللّه بن عبد الله بن الأغلب، وأتاه عبيد اللّه، فقال : إلى هذا أدعوكم .
فلما أظهر عبيد اللّه شرب الخمر تبرّأ الصوفىّ منه، فدسّ عليه عبيد اللّه مَنْ
قتله ، وملك بلاد المغرب ، فهزمهُ مؤنس ، وتصدّق المقتدر بالله عند هزيمته بأموال
كثيرة .
وفى هذه السنة صُودر ابنُ الجَصّاص ، قال الصولىّ : وُجِد له بداره بسوق یحیی
خمسمائة سفَطٍ (٢) من متاع مصر، ووُجد فيها جِرار خضر وقماقم مدفونة فيها دنانير ،
وأخِذ منه ألف ألف دينار.
قال الصولىّ : وحضرت مجلساً جرى فيه بين ابن الجصاص وإبراهيم بن أحمد
الماذرائىّ خُلْف ، فقال إبراهيم : مائة ألف دينار من مالى صدقة ، لقد أبطلت فى
الذى حكيتَه عنى ، فقال ابن الجصاص : قَفِيزُ دنانیر من مالی صدقة ، إنّنی صادق
وإِنّك مبطل، فقال ابن الماذرائى : من جهلك أنك لا تعلم أن مائة ألف أكثر من
قَفِيز ، فانصرفتُ إلى أبى بكر بن أبى حامد فأخبرته ، فقال : نعتبر هذا ، فاحضر
(١) فى النجوم الزاهرة ٣: ١٨٤: ((إسحاق بن إسماعيل وأنه أسره، فبعث إليه المقتدر بالخلع واللواء)).
(٢) السفط: وعاء كالجوالق أو القفة.

٢٠٦
سنة ٣٠٢
كيلجة (١)، فملأها دنانير ، ثم وزنها ، فكانت أربعة آلاف ، فنظرنا فإذا القفيز ستة
وتسعون ألف دينار كما قال الماذرائى (٢).
وكان ابنُ الْجَصّاص قد أُنفِذ له من مصر مائة عِدْل (٣) خَيْشاً، فى كلّ عِدْلٍ ألفُ
دينار ، فأُخِذت أيام نكبته وتُركت بحالها ؛ ولما أطلِقٍ سأل فيها ، فُدَّت عليه ،
فأخذ المال منها ، وكان إذا ضاق صدره أخرج جوهراً يساوى خمسين ألف دينار ،
وتركه فى صِينيّة ذهبْ ويلعب به ، فلَمَّا قُبض عليه وكُبِست داره ، كان الجوهر
فى حِجْرُه ، فَرَى به إلى البستان ، فوقع بين شجره ، فلما أطلِقِ فُتَّش عليه فى البستان
وقد جفّ نبته وشجره ، وهو بحاله .
وفى هذه السنة، خُتِن أولاد الخليفة ، ونُثر عليهم خمسة آلاف دينار ، ومائة
ألف درهم . وبلغت نفقة الطُّهر سمائة ألف دينار. وأدخلوا إلى المكتب ، وكان مؤدّبهم
أبو إسحاق إبراهيم بن السرىّ الزجاج .
وفى هذه السنة ، غزا أفسن الأفشينى فأسرمائة وخمسين بِطريقاً ، وألفى فارس(٤).
وفى ذى القعدة ، خُلِع على أبى الهيجاء بن حمدان ، وقُلَّد الموصِل وأعمالها .
وفيها ماتت بِدْعة جارية عريب ، وكان إسحاق بن أيوب قد ضمن لأبى الحسن
علىّ بن يحيى المنجّ عشرين ألف دينار ، إن باعتها عريب منه بمائة ألف دينار ،
فجاء وخاطبها ، فاستدعت بدعة وخيَّتْها بين المقام والبَيْع ، فاختارت المقام ، فأعتقتها ولم
يملكها قطّ رجُل .
وفى هذه السنة توفّى أبو بكر جعفر بن محمد الغريانىّ ، وهو ممن طوّف شرقاً
وغرباً لسماع الحديث ، واستُقْبل لمّا قدم بغداد بالطيّارات والَّبازب . وأملى بشارع
(١) الكيلجة : نوع من المكاييل وجمعه كبالج .
(٢) نقل صاحب النجوم الزاهرة عن مرآة الزمان: ((أن أكثر أموال ابن الجصاص من قطر الندى بنت
خمارويه صاحب مصر، فإنه لما حملها من مصر إلى زوجها المعتضد كان معها أموال وجواهر عظيمة ، فقال لها
ابن الجصاص : الزمان لا يدوم ولا يؤمن على حال ، دعى عندى بعض هذه الجواهر تكن ذخيرة لك فأودعته ،
ثم ماتت فأخذ الجميع)) النجوم الزاهرة ٣ : ١٨٥.
(٣) العدل : بكسر العين نصف الحمل .
(٤) كذا ورد الخبر، وفى ابن الأثير فى حوادث هذه السنة: (( وفيها غزا بشر الخادم والى طرسوس بلاد الروم
ففتح فيها وغنم وسبى وأسر مائة وخمسين بطريقا، وكان السبى نحوا من ألفى رأس)). ومثله فى المنتظم فى حوادث
هذه السنة .
٠
.

٢٠٧
سنة ٣٠٢
المنار بباب الكوفة ، فحُزِر فى مجلسه ثلاثون ألفاً يكتب منهم عشرة آلاف ، وكان
فى مجلسه ثلثمائة وستة عشر يستملون(١)، ومولده سنة سبع ومايتين ودفن بالشّونيزىّ.
وفى هذه السنة ، توفى أحمد بن عبد العزيز بن طوما الهاشمىّ ، نقيب العباسيين ،
وولَّ مكانَه ابنُه محمد ، وتوفى وهو ابن اثنتين وتسعين سنة، وسمعتُ أن له عقباً
. بالحَاذَانية(٢)زبالة البطيحة .
٫٠٠

٢٠٨
سنة ٣٠٣
سنة ثلاث وثلثمائة
فيها أطْلِقِ السّبكرى من الحبس ، وخُلِع عليه خِلَعُ الرِّضا.
ووقع حريق فى سوق النّجارين بباب الشام واحترق، وطار الشّرار فأحرق .
ستارة جامع المدينة .
وعصى الحسين بن حمدان ، واجتمع معه ثلاثون ألف رجل من العرب وهزم
رائقاً الكبير ، وأقام بإزاء جزيرة ابن عمر(١). وورد مُؤنس من مصر، وقد استدعاه
علىّ بن عيسى لحَرَمه . فانهزم أصحاب الحسين ، وأسره مؤنس ، وأدخله إلى بغداد ،
ومعه ابنه عبد الوهاب، فصلبه حيًّا على نقنق(٢) على ظهر فيل، ونقله ابنُه على جمل،
والأمير أبو العباس والوزير علىّ بن عيسى ومؤنس وأبو الهيجاء بن حمدان وإبراهيم
ابن حمدان يسيرون بين يديه ، وحبس عند زيدان القهرمانة . وقُبِض بعد ذلك على
أبى الهيجاء وإخوته .
وطلب الجند الزيادة ، فزيد الفارس ثلاثةَ دنانير، والرَّاجل خمسة عشر قيراطاً .
وفى هذه السنة ، تُوقَّ أبو علىّ الجُبّائِىّ، ومولده سنة خمس وثلاثين ومائتين ،
وكان أبو علىّ شيخ المعتزلة فى زمانه . ومات بعسكر مُكْرَم، وحُمِل إلى منزله بجَّى(٣)،
وما احتُضِر قال أصحابه : مَنْ يلقّنه التوبة ؟ فلم يتجاسرْ أحد على ذلك إعظاماً
له، فقال أصغرهم سنًّا: أنا أُلقّنُه، وتقدّم وقرأ: ( وَتُوبُوا إلى اللّهِ جَمِيعاً أيها المؤمنون
لَعَلَّكُمْ تَفْلحون )، ففتح أبو علىّ عينيه وقال : اللهمّ إنى تائب إليك من كل قولٍ نصرتُه
كانّ الصوابُ عندك غيرَه، واشتبه علىّ أمره، فقال مَنْ حضره : لو كان على
ذنب غير هذا لذكره . وكان يذهب إلى أنّ حكم النجوم صحيح على وجه ، وهو
أنه يجوز أن يكون الله تعالى ، أجرى العادة إذا صار الكوكب الفلانى الذى جعله
(١) جزيرة ابن عمر: بلد فوق الموصل، وأول من عمرها الحسن بن عمر بن الخطاب . ياقوت .
(٢) النقنق : الخشبة يكون عليها المصلوب .
(٣) جُبى، بالضم والتشديد والقصر: من أعمال خوزستان - ياقوت.

٢٠٩
سنة ٣٠٣
اللّه تعالى وخَلَقه سَعْداً إلى الموضع الفلانىّ كان كذا .
وكان ينكِرِ على المنجّمين أن الكواكب تفعل بأنفسها ذلك ، فاجتاز بعسكر
مُكْرَم على دار سمع فيها صَيْحة لأجل امرأة تلد ، فقال : إن صحّ ما يقوله المنجمون ،
فهذا المولود ذو عاهة ، فخرجت امرأة ، فسألت أبا علىّ الدخول وأن يحنّك المولود
ويؤذِّن فى أذنه ، ففعل فإذا به أحنف (١).
(١) الحنف، بالتحريك: الاعوجاج فى الرجل.

٢١٠
سنة ٣٠٤
سنة أربع وثلثمائة
فى فصل الصيف فزع الناس من شىء من الحيوان يسمى الَّبْزَب(١) ذكروا أنهم
كانوا يَرونه على السطوح ليلا ، وربما قَطَع يد النائم وثدى النائمة . فكانوا يضربون
بالهواوين ليفزَّعوه، وارتجّت بغداد فى الجانبين لذلك ، وعمل الناس لأولادهم مكاب
من سعف یکبونها عليهم .
وفى هذه السنة ، قُبِض على علىّ بن عيسى وعلى أهله ، وصودر أخوه عبيد الله
ابن علىّ على ستين ألف دينار ، وصودر أخوه إبراهيم بن عيسى على خمسين ألف دينار.
وسأل أن يُؤذن له فى المقام بدير العاقول ، فأجيب إلى ذلك .
وألزِم أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعىّ أربعة آلاف دينار ، وشفَع القاضى
أبو عمر فيه فأَطلِقِ بعد أدائها . ◌ِمَ ذلك عليهم فى وزارة أبى الحسين بن الفرات
الثانية .
وظهر أبو علىّ بن مقلة من استتاره(٢)، وكان استتارُه فى أيام الخاقانيّ وعلىّ
ابن عيسى، واختصّ بابن الفرات، وتولى كتابة السّيدة (٣) والأمراء أولاد المقتدر باللّه.
وكان يوسف بن أبى السّاج ، قد قاطع على أعمال أبهر وزنجان والرىّ وقَزْوين ،
واستبدّ بالمال ، وأظهر أن علىّ بن عيسى كاتَبه بذلك ، وأنفذ إليه لوائين وخِلَعاً ،
فأنكر علىّ بن عيسى ، وقد عنّفه ابنُ الفرات على ذلك ، وقال : اللواء والخِلَع
والكتاب على حسامله وكاتبه لا من كتم ذلك . فأنفذ المقتدر خاقان المفلحىّ لمحاربته ،
فهزمه يوسف ، وشهر أصحابه بالرَىّ . وقدم مؤنس من الثّغر، فأنفذه المقتدر بالله
(١) الزيزب هنا: دابة كالسنور قصيرة اليدين والرجلين، كما فى حياة الحيوان للدميرى وشرح القاموس.
(٢) هو أبو على محمد بن على بن مقلة ، صاحب الخط الحسن المشهور ، قال ابن طباطبا فى كتابه الفخرى
ص ٢٣٩ : ولما ولى ابن الفرات وزارته الثانية تمكن ابن مقلة فى دولته ونبعت حاله وعرض جاهه. ثم إن الشيطان نزغ
بينهما فكفر ابن مقلة إحسان ابن الفرات ودخل فى جملة أعدائه والسعاة عليه حتى جرت النكبة على ابن الفرات .
فلما رجع ابن الفرات إلى الوزارة قبض عليه وصادره على مائة ألف دينار أدتها عنه زوجته )) .
(٣) هى أم المقتدر وكانت أم ولد واسمها شغب وانظر أخبارها فى ابن كثير ١٠ : ١٧٥ .

٢١١
سنة ٣٠٤
لحربه ، فواصل ابن أبى الساج المكاتبة بالرضًا والسؤال فى المقاطعة عمّا بيده من
الأعمال ، وأن يؤدِّىَ فى كلّ سنة سبعمائة ألف دينار ، فلمْ تقع له إجابة. فسار من الرّى
إلى أذربيجان ، وركب الأشد ، وحارب مؤنساً ، فهزمه ، وقضى مؤنس إلى زنجان ،
وقتِل من أصحابه وقواده عِدّة .
وأنفذ ابنُ أبى الساج يطلب الصّلح ، ومؤنس لا يجيبه ، ولو أراد يوسف أسرَه
لتم ، ولكنّه أبقى عليه . فلما كان فى المحرم سنة سبع وثلاثمائة فى أيام حامد بن العباس
واقعه مؤنس بأردبيل، واستؤسر يوسف مجروحاً، وحُمِل إلى بغداد فى شهر ربيع
الآخر، وشُهِر على الفالج (١)، وهو جمل له سنامان ، يُشْهَر عليه الخوارج على السلطان ،
وتُرك على رأسه برنس، والقُراء يقرءون بين يديه والجيش وراءه .
وحُس عند زيدان القهرمانة . وُلِع على مؤنس وطُوِّق سور، وزِيد فى أرزاق
أصحابه .
ولمّا انكفأ مؤنس إلى بغداد استولى سبك ، غلام يوسف على الأعمال ،
فأنفذ إليه مؤنس قائدَه الفارقى لحربه فهزمه . وسأل سبك أن يقاطَع على الأعمال
فأجيب .
واتّصلت العداوة بين ابن الفرات وبين الحاجب نَصْر القشورىّ وشفيع المقتدرىّ .
وكان ابنُ الفرات قد قلّد ابنَ مقلة كتابة نصر، فاستوحش ابنُ مقلة من ابن الفرات ،
فأطمعه صاحبه وابن الحوارى فى تقلّد الوزارة ، وكان يُهدِى إليهما أخبارَ ابنِ الفُرات .
(١) الفالج : الجمل الضخم ذو السنامين يحمل من السند للفحلة .
:

٢١٢
سنة ٣٠٥
سنة خمس وثلثمائة
فيها مات السبكرىّ بعد إطلاقه من الحبس .
وفيها أطلق أبو الهيجاء وإخوته ، وخُلِع عليهم .
وفيها مات غريب الخال (١) [خال](٢) المقتدر باللّه، وعقَد لابنه مكانه،
وحضر ابن الفُرات جنازته بداره ، بالنجمىّ .
وفيها قُلِّد أبو عمر قضاء الحَرَمِيْن .
(١) هو الأمير غريب خال الخليفة المقتدر بالله، مات بعلة الذرب (وهو داء يعرض للمعدة)، وكان محترماً
فى الدولة، وهو الذى قتل عبد الله بن المعتز؛ حتى قرر جعفرا المقتدر. النجوم الزاهرة ٣: ١٩٢.
(٢) زيادة يقتضيها السياق .
.

سنة ٣٠٦
٢١٣
سنة ست وثلثمائة
فى هذه السنة ، تأخرت أرزاق الجند، واحتجّ ابنُ الفرات بأنّ المال صُرِف
فى نفقة الجيش الذى جهَّزه لمحاربة ابن أبى الساج ، فقُبض عليه . فكانت وزارته
هذه سنة وخمسة أشهر وتسعة عشر يوماً .
ودخل على جَحْظَة بعضُ أصدقائه ، فقال له : ما تتمنى ؟ فقال : لم يبقَ لى منى
غير نكبات الوزراء ! فقال له : قد نُكب ابن الفرات ، فقال جحظة :
تَخَالُها فى إنائها ذهبًا
أحْسَنُ من قهوةٍ معتّقَةٍ
تقسُّم فينا ألحاظُها الوَصَبَا
من كفّ مقدودة منعمةٍ
رجّع فيما تقولُ أو ضَرَبا
ومسمع نهضَ السُّرور إذا
لم يحظَ حرَّ فيها بما طَلَبَا
نعمةُ قومِ أزالَها قدرٌ
وزارة حامد بن العباس
كان حامد يستدعى قَسِيماً الجوهرىّ خادم السيدة ، إذا خرج إلى واسط لمشارفة
أعمالها بها ، ويلاطفه ، فعاد من عنده وقد نُكِب ابن الفرات ، فأشار به ، فوافق
ذلك مشورة ابن الحوارى أيضاً . فوصل وقد كُوتب إلى بغداد فى اليوم الرابع من القبض
على ابن الفُرات . وكان له أربعمائة غلام يحملون السلاح وعدّة حجاب تْرِی مجرى
القواد .
وأشار ابن الحوارى عليه بطلب علىّ بن عيسى، ومساءلة المقتدر باللّه فيه ليخلُفَه
على الدواوين ، ففعل ، فقال المقتدر باللّه : ما أحسب علىّ بن عيسى يرضى أن يكون
تابعاً ، بعد أن كان متبوعاً . فقال حامد : أنا أعامل الوزراء منذ أيام الناصر لدين
الله، فما رأيت أعفّ من علىّ بن عيسى ، ولا أكبر نفساً منه ، ولم لا يستجيب لخلافة
الوزارة ؟ وإنما الكاتب كالخيّاط بخيط يوماً ثوباً قيمته ألف دينار ، ويخيط يوماً

٢١٤
سنة ٣٠٦
ثوباً قيمته عشرة دراهم . فضحك منه من سمع قوله ، وعيب بهذا .
وأزرى عليه ، أن أم موسى القهرمانة ، خرجت إليه برقعة من الخليفة فقرأها ،
ووضعها بين يديه ، وأخذ يتحدث حديث شق الفرن المنفجر أيام الناصر لدين الله
بواسط ، وأم موسى مستعجلة بالجواب ، ولم يُحِب إلى أن استوفى حديث الشقّ .
وحكايته معها فى قوله لها : والتقطى واحذرى أن تغلطى مشهورة .
وكتب أبو الحسن محمد بن جعفر بن ثوابة ، عن المقتدر باللّه كتاباً إلى أصحاب
الأطراف يذكر فيه وزارة حامد. أوله : أما بعد ، فإنّ أحمد الأمور ماعمّ صلاحه
ومنفعته ، وخير التدبير ما رُجِىَ سداده وإصابته ، وأزكى الأعمال ما وصل إلى الكافّة
يمنُه وبركته ، وأفضل الأكوان ما كان اتّباع الحق سبيله وعادته .
وخلع المقتدر بالله على علىّ بن عيسى ، وأنفذ به مع صاحب نصر الحاجب
وشفيع المقتدرى إلى دار حامد على أعمال المملكة .
وكتب إليه علىّ بن عيسى فى بعض الأيام رقعةً خاطبه فيها بعبده ، فأنكر ذلك
حامد وقال : لستُ أقرأ له رقعة إذا خاطبنى بهذا ، بل يخاطبنى بمثل ما أخاطبه به .
وکان یکتب کلّ واحد منهما إلى صاحبه اسمه واسم أبيه ، وشكر له علىّ بن عيسى
هذا الفعل .
٠
وسقطت منزلة حامد ، وتفرّد علىّ بالأمور ، وقيل فيهما ، قال ابن بسام :
قد صارَ أمُرُكَ آيَهْ
يا بنَ الفُرات تعزّى
على وزيرٍ بِدَايَةْ
لمّا عُزِلِتَ حَصَلْنَا
وضمن علىّ بن عيسى الحسينَ بن أحمد الماذرائى ، أعمال مصر والشام بثلاثة
آلاف ألف دينار، فأوصله إلى المقتدر باللّه، فخلع عليه وشخص إلى عمله . وقدم
علىّ بن أحمد بن بسطام من مصر فولاًه أعمال فارس .
قال أبو الفضل العباس بن الحسين وزير معز الدولة : رأيت أبا القاسم بن بسطام
وقد دخل إلينا فارس عاملا ، ومعه أثقالٌ لم يُرَ مثلُها ، ورأيتُ فى جملة أثقاله أربعين
نجيباً مُوقرة أسرّة مشبكة ، ذكروا أنه يستعملها فى الطرقات للمجلس . والتمس
يوماً سجادة للصلاة بعينها ، وكان يألفها، ففتِّشت رُزَمُ الفرش ، فكان فيها نحو
أربعمائة سجادة .
١
!
٠

٢١٥
سنة ٣٠٦
ولما تبين حامد(١) أن منزلته قد وَهَتْ، استأذن فى الانحدار إلى واسط ، فأذن
الخليفة له ، وليس له من الوزارة غير الاسم .
وأقطع المقتدر باللّه ابنَه أبا العباس دار حامد بالمخرّم ، فانتقل حامد إلى داره
فى باب البَصْرة .
ولما انحدر حامد استخلف مكانه صهرَه أبا الحسين محمد بن بسطام وأبا القاسم
الكلوذانىّ ، فظهرت كفاية الكلوذانىّ .
وتقلّد أبو الهيجاء بن حمدان طريقَ خراسان .
(١) فى الأصل: ((ابن حامد))، وهو خطأ. وفى تجارب الأمم: ((ولما تبين حامد اتضاع حاله عند المقتدر ....
استأذنه فى العودة إلى واسط ... )). ص ٦٠ جـ ١ .

٢١٦
سنة ٣٠٧
سنة سبع وثلثمائة
ضجَّت العامة من الغلاء ، وكسروا المنابر ، وقطعوا الصلاة ، وأحرقوا الجسور ،
وقصدوا دار الّوم ونهبوها ، فأنفذ المقتدر بمن قبض على عدّة منهم ، واستدعى حامداً
ليبيع الغلات التى له ببغداد، فأصْعَد(١)، وباعها، ونقص فى كل كر (٢) خمسة
دنانیر .
وركب هارون بن غريب وإبراهيم بن بطحاء المحتسب إلى قطيعة أم جعفر ،
فسعِّرُوا الكُرَ الدقيق بخمسين ديناراً، فرضىَ النّاس وسكتُوا وانحلَ السِّعْرِ.
(١) أصعد فى الأرض: مضى ؛ مثل صعّد بالضعيف.
(٢) الكُرُ ، بالضم : مكيال للعراق .
.

٢١٧
سنة ٣٠٨
سنة ثمان وثلثمائة
ورد الخبر بحركة الخارج بالقيروان إلى مصر، فأخرج مؤنس إلى هناك .
ودخل صاحب السُّند بغداد ، فأسلم على يَدَىِ المقتدر بالله .
وفى هذه السنة ، خُلِع على أبى الهيجاء ، وقُلِّد الدِّينور.
وتحركّت الأسعار فيها فافتتن [ الناس ] (1) ببغداد لذلك.
وبرد الهواء فى تَمّوز، فنزل الناس من السطوح وتدثّروا بالأكسية واللَّحف.
(١) زيادة يقتضيها السياق، وفى النجوم الزاهرة ٣: ١٥٨: ((وفيها غلت الأسعار ببغداد، وشغبت العامة))

٢١٨
سنة ٣٠٩
سنة تسع وثلثمائة
قرئت الكُتب على المنابر بهزيمة المغربىّ (١)، واستباحة عسكره ولقّب مؤنس
بالمظفر(٢).
وخُلِع على محمد بن نصر الحاجب ، وقُلِّد أعمال المعاون بالموصل ، وعُقِد
له لواء وخرج إلى هناك .
وهُدِمِت دار علىّ بن الجهشيار ببغداد فى عَرْصة باب الطاق ؛ وكان هذا الباب
عَلَماً ببغداد فى الحُسْنِ والعلوّ وبُنى موضعه مُسْتَغَلَ(٣).
وُقِد لمؤنس المظفّر على مصر والشام . وخُلِع على أبى الهيجاء بن حمدان ، وقُلِّد
أعمال المعاون بالكوفة وطريق مكة .
وكبس سبعة من اللصوص دارَ ابنِ أبى عيسى الصّيرفىّ ، وأخذوا منه ثلاثين ألف
دينار، ثم عُرِفوا بعد أيام ، فقتِلُوا، واستَرَدّ منهم نَيِّفاً وعشرين ألفاً .
وفى شوال دخل مؤنس المظَفّرِ بغداد قادماً من مصر ، فتلقّاه الأمير أبو العباس
ابن المقتدر، وخلع عليه ، وطُوّق وسُور على مائة واثنى عشر قائداً من قواده .
وأُنفِذ إلى ابن ملاحظ عَقْد على اليمن وخلَع .
ودعا المقتدر فى يوم الاثنين لثمان بَقِين من ذى القعدة مؤنساً(٤) المظفّر ونصرا
الحاجب ، وخَلَع على مؤنس خِلَعَ منادمة . وسأل فى أمر الليث بن علىّ وطاهر بن محمد
ابن عمروبن الليث ، ويوسف بن أبى الساج فُوهِبوا له .
وفى هذه السنة أهدى الوزير حامد بن العباس إلى المقتدر البستان المعروف
بالنّاعورة ، أنفق على بنائه مائة ألف دينار، وفرشه بالُّلُبُود الخُرَاسَانِيّة .
(١) هو عبيد اللّه المهدىّ صاحب القير وان .
(٢) قال صاحب النجوم الزاهرة: ((وهو أول لقب سمعناه من ألقاب ملوك زماننا)).
(٣) فى الأصل: ((مستعل))، بالعين والصواب ما أثبت من كتاب المنتظم ٦ : ١٥٩.
(٤) فى الأصل: ((لمؤنس)).
1
.
٠

٢١٩
سنة ٣٠٩
وبلغت زيادة دجلة فى نيسان(١) ثمانية عشر ذراعاً.
وانتهى إلى حامد بن العباس أمُرُ الحسين بن منصور الحلاج ، وأنّه قد مَوّه على
جماعة من الخدم والحشم والحجّاب ، وعلى خدم نصر ، وأنهم يذكرون عنه أنه
يحيى الموتى ، وأنّ الجنّ تخدمه . وأحضِر السمرىِّ الكاتب ورجلُ هاشمى ، مع جماعة
من أصحاب الحلاّج ، واعترفوا بأنّ الحلاج يدّعى النبوءة، وأنهم صدّقوه ، وكذّبهم
الحَلَّج وقال : إنما أنا رجل أكثر الصلاة والصوم وفعل الخير . واستحضر حامد
ابن العباس القاضىَ أبا جعفر بن البهلول ، فاستفتاهما فى أمره ، فذكرا أنهما لا يُفِيان
فى أمره بشىء ، ولا يجوز أن يُقْبل قوْل مَنْ واجهه بما واجهه إلاَّ بيّنة أو بإقرار منه ،
وتقرّب إلى الله تعالى بكشف أمره رجل يعرف بدبّاس تبع الحلاَّج ثم فارقه ، والحلاج
مقيم عند نصرِ القشورىّ مكَّم هناك . ودافع عنه نصر أشدَّ مدافعة ، وكان يعتقد فيه
أجمل اعتقاد(٢). فتكلّم علىّ بن عيسى، فقال له الحلاج فيما بينه وبينه : قف حيث
انتهيت ، وإلاّ قلبْتُ الأرض عليك ، فعزم حينئذ علىّ بن عيسى على مناظرته .
وحضرت بنت السمرىّ ، فذكرت أن أباها أهداها إلى سليمان بن الحلاج
وهو بنيسابور، وكانت امرأة حسنة الوجه ، عذبة الكلام جيّدة الألفاظ ،
وقال لها الحلاَّج : متى أنكرتِ من ابنى شيئاً فصومى يوماً ، واقعدى فى آخره على
سطحك ، وافطرى على مِلْح ورماد ، (٣ واستقبلى واذكرى ما كرهتِ منه ، فإنىّ
أسمع وأرى ٣) . وحكت أن ابنة الحلاج أمرتْها بالسجود له ، وقالت : هذا إله الأرض ،
وأكثرت فى الإخبار عنه بما شاكل ذلك .
وحكى حامد أنه قَبض على الحلاج بدور الراسيّ فادّعى تارة الصلاح ،
وادّعى أخرى أنه المهدىّ ، ثم قال له : كيف صرت إلاهاً بعد هذا !
وكان السمرىّ فى جملة مَنْ قُبض عليه من أصحابه ، فقال له حامد : ما الذى
(١) نيسان سابع الأشهر الرومية
(٢) فى تجارب الأمم ١: ٧٦: ((وسعى قوم بالسّمرىّ وببعض الكتاب وبرجل هاشمىّ أنه نبيّ الحلاج وأن
الحلاج إله فقبض عليهم وناظرهم حامد فاعترفوا بأنهم يدعون إليه، وأنه قد صح عندهم أنه إله يحبى الموتى وكاشفوا
الحلاج بذلك فجحده وكذبهم » .
(٣ - ٣) فى تجارب الأمم: ((واستقبلينى بوجهك واذكرى منه ما تنكرينه فإنى أسمع وأرى)).

٢٢٠
سنة ٣٠٩
حداك على تصديقه ؟ قال : خرجتُ معه إلى إصطخر فى الشتاء ، فعرَّفته محبّتى
للخيار ، فضرب يده إلى سفح جبل ، فأخرج من الثلج خيارةً خضراء ، فدفعها
إلىّ ، فقال حامد : أفأكلّها ؟ قال : نعم ، قال : كذبت يا بن ألف زانية فى مائة
ألف زانية ، أوجعوا فكَّه، فضربه الغلمان وهو يصيح : من هذا خِفْنًا .
وحدّث حامد، أنه شاهد مِمّن يدعى النّرنجيات (١) أنه كان يُخرج الفاكهة،
وإذا حصلت فى يد الإنسان صارت بَعْراً .
1
ومِنْ جملة مَنْ قُبِض عليه إنسانٌ هاشمى كان يكنى بأبى بكر، فكنّاه الحلاج ،
بأبى مغيث حيث كان يمرّض أصحابه ويُراعيهم . وقُبِض على محمد بن علىّ بن القنائى ،
وأخذ من داره سَفَطٌ مختوم فيه قوارير ، فيها بول الحلاج ورجيعه ، أخذه . ليستشفىَ به .
وكان الحلاّج إذا حضر، لا يزيد على قوله : لا اله إلا أنت ، عملت سوءاً
وظلمت نفسي فاغفرلى ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .
وظُفِرِ من كتب الحلاج بكتاب فيه : إذا أراد الإنسان الحجّ ، فليفرد بيتاً
فى داره طاهراً ويطوف به سبعاً ، ويجمع ثلاثين يتيماً ، ويعمل لهم ما يُمْكِنِه من
الطعام ، ويخدُمهم بنفسه ويكسوهم ، ويدفع إلى كل واحد سبعة دراهم ، فإن ذلك .
يقوم مقام الحجّ .
فالتفت القاضى أبو عمر إلى الحلاج وقال : من أين لك هذا ؟ قال : من كتاب
الإخلاص للحسن البصرىّ ، فقال أبو عمر : كذبت ياحلال الدم ، قد سمعنا (٢)
بكتاب الإخلاص بمكة ، مافيه ما ذكرتَ . فقال حامد لأبى عمر : اكتب هذا .
فتشاغل عنه بكلام الحلاج ، وأقبل حامد يطالِبُ أبا عمر بالكتاب وهو متشاغل
بالخطاب ، حتى قدّم الدواة من بين يديه إلى أبى عمر ، وألحّ عليه إلحاحاً لم يمكنه
الدفع ، فكتب بإحلال دمه . وكتب مَنْ حضر المجلس ، ولما تبيّن الحلاج الصورة قال :
ظَهْرى حمّى ودمى حرام ، وما يحلّ لكم أن تهتكوا منّى مالم يُبِخْه الإسلام ، وکتبی
موجودة فى الوراقين ، على مذهب أهل السنّة .
(١) التيرج: أخذ كالسحر وليس بسحر؛ إنما هو تشبيه وتلبيس، والأخذ: الرقية. المعرب ٣٣٧.
(٢) فى الأصل: ((جمعنا))، وفى تاريخ ابن كثير)): ١١: ١٤١: ((قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن
بمكة ، ليس فيه شىء من هذا)) .
.
!