النص المفهرس
صفحات 101-120
٠١٠١ سنة ٣١١ ١ وكانت عظيمة ، وكانت له ضياع ومستغلاَّت وأمتعة ووطاء وكسوة لا يعرف لشىء منها قدْر ، فقال نصر الحاجب للمقتدر إن يانساً خلّف ضياعاً تُغِلّ ثلاثين ألف دينار إلى ما خلّف من سائر المال ، وأشار عليه بأن يوجّه ابنه أبا العباس إلى دار يانس ، فيصلِّى عليه ويأمر بدفنه ، ويحضر جميع فرسانه وخدمه وحاشيته فيقول لهم : أنا مكان يانس لكم وفوقه، وزائد فى الإحسان إليكم ، والتفقّد لأحوالكم ثم يحصى ما تخلّفه ولا يفوت منه شىء ، فيجمع بذلك الاستحماد إلى الرجال والإحراز للمال . فأصغى المقتدر إلى نصيحة نصر الحاجب ، وظهر له صواب قوله : فلما خرج عنه حوّله ابن الفرات وولديه عن رأيه ، وأمر المحسّن بتحصيل التركة فأذهب أكثرها ، وخان الخليفة فيها . وأخذ أكثر ذلك لنفسه ، حتى لقد كانت الشقاق الدّبيقية (١) الشقيريات التى أقل ثمن كلّ واحدة منها سبعون ديناراً، تحشى بها المخادّ الأرمينيّة والمساور (٢)، وتباع فتشترى للمحسّن (٣) على أن الذى داخلها حشو صوف ، وكذلك فعل بالقصب المرتفع الرشيدى والملحم الشعبى والنيسابورىّ ، ولقد أخذ من الوسائد الرفيعة والمساور المحكمة فحشاها بالنّدُ والعود ، عِيًّا وطغيانا ، وكذلك كان يتكئ عليها . ومما يعتدّ به على ابن الفرات وولده أن أحمد بن محمد بن خالد الكاتب المعروف بأخى أَبى صخرة كان قد وَلَىَ الدواوين وكان من مشايخ الكتاب ورؤسائهم فتُوقٌَّ فى هذا العام وخلّف ورثة أحداثاً، فأنى كثرة ما خلف من المال إلى المقتدر، فأمر بالتوكيل بخزانته وداره ، فسار بعض الورثة إلى المحسِّن (٣) وضمنوا له مالاً على إزالة التوكيل وحلّ الاعتقال ، فكلّم المحسّن أباه فى ذلك ، وركب إلى المقتدر ، فقال له : إن المعتضد والمكتفى قد كانا قطَعا الدخول على الناس فى المواريث ، وأنا أرى لمولاى أن يحيى رسومهما ، وأن يأمر بإثبات عهد ألا يتعرض أحد فى ميراث ، فأجابه المقتدر إلى ذلك إذ ظنّ أنها نصيحة منه ، فسُلمت الدار إلى ورثة الكاتب، وأنشأ ابن الفرات كتاباً عن المقتدر فى اسقاط المواريث نسخته بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد ، فإن أمير المؤمنين المقتدر بالله يؤثر فى الأمور كلها (١) الدبيقية: بلدة كانت بين الفرما وتنيس من أعمال مصر، تنسب إليها الثياب. (٢) المساور : جمع مسور ؛ وهو المتكأ من الجلد . (٣، ٣) هو المحسن بن على بن محمد بن الفرات. ١٠٢ سنة ٣١١ ما قرّ به من اللّه عزّ وجلّ ، واجتلب له جزيل مثوبته ، وواسع رحمته ، وحسنته العائدة على كافة رعيّته . كما جعل الله فى طبعه ، وأولج فى بيته ، من التعطّف عليها وإيصال المنافع إليها، وإبطال رسوم الجور التى كانت تعامل بها ، جارياً مع أحكام الكتاب والسّنة ، عاملاً بالآثار عن الأفاضل من الأئمة، وعلى اللّه يتوكّل أمير المؤمنين ، وإليه یفوّض و به يستعين . وأنهى إلى أمير المؤمنين المقتدر باللّه أبو الحسن علىّ بن محمد الوزير ما يلحق كثيراً من الناس من التحامل فى مواريثهم ، وما يتناول على سبيل الظلم من أموالهم ، وأنه قد كان شكى إلى المعتضد بالله مثل ذلك ، فكتب إلى القاضيين يوسف بن يعقوب وعبد الحميد يسألهما عن العمل فى المواريث ، فكتبا إليه : أن عمر بن الخطاب وعلىّ بن أبى طالب وعبد الله بن العباس وعبد الله بن مسعود ومَن اتّبعهم من الأئمة وعلماء هذه الأمة رحمهم الله رأوا أن يردّ على أصحاب السهام من القرابة ما يفضل عن السهام المفروضة لهم فى كتاب الله عز وجل من المواريث إن لم يكن للمتوفى عَصَبة يرثون ما بقى ، ممتثلين فى ذلك كتاب اللّه عز وجل فى قوله: (وأولُوا الأرحام بعضهُم أوْلى ببعضٍ فى كتاب الله ) (١) ، ومحتملين على سنة رسول الله فی توریث من لا فرض له فى كتاب الله من الخال وابن الأخت والجدّة، وأن تقليد العمال أمر المواريث دون القضاة شىء لم يكن إلّا فى خلافة المعتمد على اللّه ، فإنه خلط فى ذلك ، فأمر المعتضد بإبطال ما كان الأمر جرى عليه أيام المعتمد فى المواريث ، وترك العمل فيها بما روى عن زيد بن ثابت بأن يردّ على ذوي الأرحام ما أوجب الله ردّه وأولو العلم من الأئمة . فأمَر أمير المؤمنين المقتدر باللّه أن يجرى الأمر على ذلك ويعمل به ، وکتب يوم الخميس. لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة إحدى عشرة وثلثمائة ، فلما نفذ كتاب المقتدر بهذا ، وأشهد على ورثة ابن خالد الكاتب بتسليم ما خلّفه وقبضهم له وجّه. المحسِّن ، إليهم مَنْ أخذ جميع مالهم وحبسهم وأخافهم . وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك . (١) سورة الأنفال ٧٥. ! أ : سنة ٣١٢ ١٠٣ ثم دخلت سنة اثنتى عشرة وثلثمائة ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس فيها ورد الخبر فى أول المحرّم على الخليفة ببغداد بقطع الجنَّابىّ والقرامطة على الحاجٌ ، وما حدث فيهم من القتل والأسر ، وذهاب عامة الناس، آل السلطان وغيرهم، وأنّ عبد الله بن حمدان قد قدِّد أمر الطريق . فمضى الناس فى القافلة الأولى فسلّمُوا فى أول مسيرهمْ ، حتى إذا صاروا بفيد اتَّصل بهم خبر القرامطة ، فتوقّفُواء وورد كتاب أبى الهيجاء على نزار بن محمد الخراسانىّ ، وكان فى القافلة الأولى بأن يتوقّف عليه حتى يجتمعوا ، فتوقّف نزار وتلاحقت قوافل الشاريّة والزيريّة والخوار زميّة ، فلمّا صاروا بأجمعهم بالهبير(١) غشيهم الجنَّابىَ وأصحابه القرامطة ، فقتلوا عامّتهم . واتصل الخبر بسائر القوافل ، وقد اجتمعت بفيد ، فتشاوروا فى العدول إلى وادى القرى ، ولم يتفقوا على ذلك . ثم عزموا على المسير ، فقطع بهم الجنّابى وأُسر أبو الهيجاء القائد، وأفلت نزار وبه ضربات أثخنته، وأسِرِ ابنٌ للحسين ابن حمدان وأحمد بن بدر العمّ وأحمد بن محمد بن قشمرد وابنه ، وأسِر مازج الخادم صاحب الشمسة ، وفلفل الفتى ونحرير فتى السيدة ، وكان على القافلة الثالثة ، وقُتِل بدر ومقبل غلاما الطائى ، وكانا فارسيْن مشهورين ممن يسير بالقوافل ويدافع عنها ، ولهما قَدْر وذكر ، وأَسر خَزَرِىُّ وابنه، وكانا من القوّاد ، وقتل سائر الجند ، وأخذت القرامطة الشمسة وجميع ما كان للسلطان من الجواهر والطرائف ، وأخذوا من أموال الناس ما لا يحصى وتحدّث مَنْ أفلت بأنه صار إليهم من الدنانير والورق خاصة نحو ألف ألف دينار ، ومن الأمتعة والطيب وسائر الأشياء ما قيمته أكثر من هذا ، وأن جميع عسكره إنما كان ثمانمائة فارس ، وسائرهم رجّالة وكلٌ مَنْ أفلت من أيدى القرامطة ، (١) الهبير، ذكرها ياقوت وقال: ((رمل زرود فى طريق مكة كانت عنده وقعة ابن أبى سعد الجنابى القرمعطى بالحاج يوم الأحد لاثنتى عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ٣١٢، قتلهم وسباهم وأخذ أموالهم)). ١٠٤ سنة ٣١٢ أكلهم الأعراب، وسلبوا ما بقىَ معهم مما كان تخباه الناس من أموالهم ، ومات أكثر الناس عطشًا وجوعاً . ولما صحَّ عند المقتدرما نال الناس وناله فى رجاله وماله عظُم ذلك عنده وعند الخاصة والعامّة ، وجلَّ الاغتمام به على كل طبقة ، وتقدّم الخليفة إلى ابن الفرات فى الكتاب إلى مؤنس الخادم بأن يقدم من الرِّفَة ليخرج إلى القرمطىّ. وكتب إليه نصر الحاجب بالاستعجال والبَدَار ، فسلك الفرات فى خاصته وأسرع فى مسيره ، ووصل إلى بغداد فى غرة شهر ربيع الأول . ذكر التقبّض على ابن الفرات وابنه وقتلهما وفى يوم الثلاثاء لِتَسْعِ خلوْن من شهر ربيع الآخر ، قُبِضْ على علىّ بن محمد ابن الفرات الوزير ، واختفى المحسّن ابنه ، فاشتدّ السلطان فى طلبته ، وعزم على تفتيش منازل بغداد كلُّها بسببه ، وأمر بالنداء بهدر دم مَنْ وجد عنده وأخذ ماله ، وهدم داره ، وتشدّد على الناس فى ذلك التشدّد الذى لم يُسْمَع بمثله، فجاء مَنْ أعطى نصراً الحاجب خبرَه ، ودلّه على موضعه، فوجّه بالليل مَنْ كَبَسَه(١) وأخذه ، وقد تشبّه بالنساء وحلَقْ لحيته ، وتقنّع، فأتى به على هيئته وفى زيّه لم تغيّر له حال ، وضُرب فى الليل بالدبادب ليعلم الناس أنه قد أخذ ، وغدت العامة إلى دار الخليفة ليروه ، وتکاثر الناس ، وازدحموا للنظر إليه ، وهو فى ذلك الزّى الذى وجد عليه ثم أُحضِر أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبيد اللّه الخاقانيّ فاستوزر ، وأقعد ، وخلع عليه للوزارة ، فاستوزر منه رجل قد تكهّل وفهم وجرّب ، وفارق ما كان عليه فى أيام أبيه من الحداثة ، وغلب عليه الوقار والسكينة . وكان مؤنس الخادم هو الذى أشار به ، وزيّن أمره وحضّ المقتدر على استیزاره ، فأول ما قعد نصب لمناظرة ابن الفرات وولده ، ومحاسبتهما رجلاً يعرف بابن نقد الشر، فتشدّد عليهما فى الأموال فلم يُذعنا إلى شىء ، إذ علما أنهما تالفان ، وكان فى (١) كبسه : هجم عليه . ١٠٥ سنة ٣١٢ أُوَّل ضمّهما قد دسّسا إلى مَنْ تضمَّن عنهما مالا عظماً على أن يحبسا فى دار السلطان ، ولا ينطلق عليهما أيدى أعدائهما، فهمّ المقتدر بذلك ، وأصغى إليه ، فاجتمع الرؤساء : مؤنس وشفيع اللؤلؤى ونصر وشفيع المقتدرى ونازوك وكلّهم عدوّ لابن الفرات ومطالَب له ، فسعوا فى إحالة رأى الخليفة عن ضمّه إلى الدار ، وتقدّموا إلى الغلمان بأن يَشْغَبوا ويحملوا السلاح ويقولوا: قد عزم السلطان أن يستوزر ابنَ الفرات مرة رابعة لا نرضى إلّا بقتله على عظيم ما أحدث فى الملك ، وأفسد من الأمور ، وأتلف من الرجال . ففعلوا، وكتب شفيع اللؤلؤىّ إلى المقتدر ، وكان صاحب البريد والثقة فى إيراد الأخبار يشتِّع عليه قيام الغلمان ، وتشوّف الناس إلى الخلعان ، فأمر المقتدر بقتل ابن الفرات وابنه ، وتقدّم(١) إلى نازوك بأن يضرب أعناقهما فى الدار التى كانت لابن الفرات ، ويوجّه إليه برأسيهما ، فنفذ ذلك من وقته وبعث بالرأسين فى سَفَط ثم رد السَّفَط إلى شفيع اللؤلؤى ، فوضع الرأسين فى مخلاّة وثقَّلهما بالرمل وغَرَقهما فى دجلة . وفى هذا العام قبل القبض على ابن الفرات بأيام تُوُفِىَ محمد بن نصر الحاجب ، وكان خلفاً من أبيه ، قال الصولىّ: عرفته واللّه فَتَّى كريماً عالىَ الهمة ، جميل الأمر ، سرىّ الآلة، كثير المحاسن ، قد اشتهى جَمْع العلم وكتب الحديث ، وتخلّف كتباً بأكثر من ألفی دینار. قال : وكان قد خرج على إمارة الموصل ونواحيها ، فدعانى إلى الخروج معه على أن أقيم شهراً أو شهرين بألف دينار معجَّلاً عند الخروج وألف مؤجّلاً عند الانصراف . قال: فلم ينتظم لى أمرى على الخروج معه ، ففعل قريباً مما قال ، وأنا مقيم بمنزلى . ثم إنَّ أباه لم يصبر عنه فأقدمه بغداد ، فقلت شعراً أذ کر فيه مفارقته وقدومه على عروضٍ كان يعجبه ، وهو هذا اختصرناه : شاءُ من حرّ الفِراقِ حُرَقُ ذابتْ لها الأحـ وأحزانِ بَوَاقى بقيَتْ وقفاً على همٍّ جلبَتْ ماءَ المآفى آه من فجعَةٍ بيْنٍ سباق قلبى للشِّياق وتباريح اشتياق رٍ لَضرْبٌ من نفاقٍ إنّ صبری عن أبى نصـ (١) تقدم إلى نازوك ؛ أى أمره . ١٠٦ سنة ٣١٢ عن أمير جلّ عن إِذ واسعِ الهمةِ فى الإِ نشربُ الصافىَ من جَدْ هو بحْرٌ وأعالى الـ إن أكن عنكَ تأخَّرْ وزمان آخذٍ من فلقد شُدّ سرورى ووجدتُ الماء فى بُعـ فحمدتُ الله إذْ م وعلىّ الحجّ مقرو إنْ تسمّحتُ لنفسى يانِ أفعالِ دِقاق ضالِ ممدودِ الرّواقِ واه فی کأسٍ دِماق(١) ناسٍ فى الجود سَواقِی تُ بِجِدٌّ ذی محاقٍ كلِّ حرّ بالخِناقِ ونشاطى فى وثاق مكَ كالمِلِحِ الزَّعاقِ نّ بقرب وتلاقى ناً يغزوٍ وعَتاق بعد هذا بفراق وفى هذه السنة تُوُفَّىَ محمد بن عبيد الله بن خاقان والد الوزير وعزّى منه ، فكان جميل العزاء ، وملتزماً للصبر . واعتّ الوزير عبد الله بن محمد فى جمادى الآخرة من هذا العام بعد وفاة أبيه ، فكان يتحامل على الجلوس للناس ، فيدخلون عليه ، وهو لقّى (٢) شديد العلّة، فلم يَزَلْ على هذه الحال حتى استهلّ شهر رمضان، ثم صلُحت حاله ونَقَه من عِلّته ، وكان الوزير قد نافر نصراً الحاجب وعمل عليه عند المقتدر ، حتى همّ بالقبض على نصر ، وظنّ الوزير أن ذلك مما يَسُرُّ به مؤنساً فى نصر . إذ كان توهّم أن الذى بينهما فاسد ، وكانا عند الناس متخالفين ، وهما فى الحقيقة كنفس واحدة ، فقدم مؤنس وبعث إليه نصر كاتبه ، فتلقّاه بأسفل المدائن ، وعرّفه خبر نصر كلّه، فوجده لنصر كمنزلة نفسه ، وقال للكاتب : قل له عنى : بحقّى عليك ، إن تلقَّيْتَنِى وأخليت الدار ، فلا مؤنة عليك منى ، فإن كنتَ لا بدَّ فاعلا فبالقرب ، فتلقاه نصر بسوق الأحد ؛ وكان دخول مؤنس فى أول سنة ثلاث عشرة وسيقع خبره فى موضعه إن شاء الله . وفى ذى القعدة من هذه السنة قدم خلق كثير من الخراسانية إلى مدينة السّلام (١) دهاق : ممتلئة . (٢) لقى ، أى مطروحاً . : ١٠٧ سنة ٣١٢ للحجّ، واستعدُّوا بالخيل والسلاح، فأخرج السلطان القافلة الأولى مع جعفر بن ورقاء، وكان أمير الكوفة يومئذ ، فوقع إليه خبرُ القرمطى وتحرّكه مرتصداً للقوافل ، فأمر جعفر الناس بالتوقّف والمقام حتى يتعرّف حقائق الأخبار. وتقدّم جعفر فى أصحابه ، ومَنْ خفّ وتسرع من الحاجّ ، فلمّا قرب من زُبالة (١) اتبعه الناس ، وخالفوا أمره ، فوجدوا أصحاب الجنّابىّ مقيمين ينتظرون موافاة القوافل ، وقد منعوا أن يَجُوزَهم أحد يخبر بخبرهم ؛ فلما رأوه ناوشوه القتال ، ثم حال بينهم الليل ، وخلُّص ابنٍ ورقاء بنفسه ، وقتل خلق كثير ممن كان معه وترك الحاجّ المتسرعة جمالهم ومحاملهم وفرُّوا راجعين إلى الكوفة . وأتبعهم القرمطىّ . وكان بالكوفة جنىّ الصفوانىّ، وثمل الطرسوسي وطريف السبكرىّ فاجتمعوا واجتمع إليهم بنو شيبان ، فحاربوا القرمطىّ عشّة ، فقاموا به وانتصفوا منه . ثم با كرهم بالغدو ، فهزمهم وأسر جنًّّا الصفوانىّ، وقتلَ خَلْقًا من الجند، وانهزم الباقون إلى بغداد ، وأقام القرامطة بالكوفة ، وأخذوا أكثر ما كان فى الأسواق ، وقلعوا أبواب حديد كانت بالكوفة ، ثمّ رحل إلى البحرين ، وبطل الحجّ من العراق فى هذه السنة . وصحّ حجّ أهل مصر والشأم ، وكان معهم بمكة علىّ بن عيسى ، فكتب الوزير عبد الله بن محمد إلى علىّ ابن عيسى بأن يتقلّد أعمال مصر والشام ، وجعل أمر المغرب كلّه إليه ، فمضى علىّ لما تمّ الحج من مكة إلى الشام ومصر ، وندب المقتدر مؤنساً الخادم إلى الكوفة ، فوصل إليها وقد رحل الجنَّابىّ عنها ، فأقام بها أياماً ثم كتب إليه السلطان أن يعدِل إلى واسط ، فيقيم بها ، فرحل إليها ، واستقرّ بها ، ولم يغن شيئاً فى حركته هذه ، على أنه أنفق فى خروجه فيما حكاه نصر الحاجب ومَنْ حصّل ذلك معه نحو ألف ألف دينار . وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك . (١) زبالة: منزل بطريق مكة من الكوفة . ١٠٨ سنة ٣١٣ ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وثلثمائة ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس فيها سعى الوزير عبد الله بن محمد الخاقانيّ على نصر الحاجب عند المقتدر ، وحمله على الفتْك به ، والتقبّض عليه ؛ فكتب المقتدر إلى مؤنس الخادم ، وكان بواسط أن يقدم عليه ، ليكون القبضُ على نصر الحاجب بمشاهدته وعن رأى منه ورضاً، إذ كان المقتدر مصغيًا إليه ، ومحتاجاً إلى رأيه وغَنائه . فلما قدم مؤنس بغداد وشاوره المقتدر فى أمر نصر ، قال له : والله يا سيّدى لا اعتضت منه أبداً ، ولولا مكانه من نصيحتك وخدمتك ما تهيأ لى أن أفارق قصرك ، ولا أغيب من مشاهدة أمرك . وباينه فى أمره مباينةً وقَّفته عنه . ثم أوصل المقتدرُ نصراً إلى نفسه ، وقرّب مكانه ومكان مؤنس ، وأصغى إليهما ، ولقَّب مؤنس بالمظفّر من حين قدومه من الغزاة ، فكان مما قاله نصر للمقتدر وقد علم ما كان ذهب إليه فيه : كم من أمرٍ قد تُقد على أمير المؤمنين ، وأبتغى به إدخال الكلْح فى سلطانه : ولم يعلم به ، فكفاه الله إياه بسعايتنا فى صرفه عنه ، فحلف لهما المقتدر أنه ما همّ بسوء فيهما قطّ، ولا يفعل مكروهاً بأحدهما ما بقيا . فقوىَ أمر نصر وتأيّد بمؤنس، وضعف أمرُ الوزير عبد الله بن محمد، واعتلٌ ولزم بيته ، فكان الناس يدخلون عليه وهو لفَّى، وتولى أعماله ونظره عبيد الله بن محمد الكلواذى صاحب ديوان السّواد . وبنان النصرانىّ كاتبه ، ومالك بن الوليد النصرانىّ . وكان إليه ديوان الدار وابن القنانى النَّصرانى وأخوه . وكان إليه ديوان الخاصة وبيت المال وابنا سعد حاجباه . وتمّا أوهنَ أمرَ الوزير وكرهه إلى الناس غلاء الأسعار فى زمانه ، ولم يكن عنده مادة من حيلة يكثر بها ورود المير(١) إلى بغداد . وكان تما أشار إليه نصر عند مكالمته للمقتدر بما كان يدار عليه ، ويسعى فيه من الوثوب عليه ، ولم يشرح ذلك له أنّ بعض القوّاد واطئوا قوماً من الأعراب على أنّ يقعدوا (١) الميرة : جلب الطعام. ١٠٩ سنة ٣١٣ عند ركوب الخليفة إلى الثريًا(١) بالقرب من طريقه، فإذا وازاهم وثبوا من تُلَم كانت تهدّمت فى سور الحلبة ، وأوقعوا به ، ثم يخرجون ويحكِّمون على أَهم شُراة ، فكأنّ نصر، حينئذ قد أراد كشف ذلك للمقتدر ، وشاور مَنْ وثق به فيه ، فقال له : لا تفعل ، فلست بآمن ألا يتّضح الأمر للخليفة . فتوحشه وترعبه،ثم يصير من أنّهم بهذا عدوًّا لك وساعياً عليك ؛ ولكن امنعه الركوب إلى الثريّا حتى تبنى ثُلَم السور، وإن عزم على الركوب استعددتَ بالغلمان والعِدّة ، وألزمتهم تلك المواضع المخوفة ، وعملت مع هذا فى استئلاف كلّ مَنْ سَمّى لك من هؤلاء القُوَادِ ومَنْ تابعهم على مذهبهمْ ، فمن كان منهم متعطّلاً من ولاية وَلَيْتَه ومن كان مستزيداً زدتَهُ ، ومن كان خائفاً آمنته ، وإن أمكنك تفريقهم فى الأعمال فرقتهم فيها . وكان نصر رجلاً عاقلا ، فعمل برأى مَنْ أشار عليه بهذا وسعى فى ولاية بعض القوم ، فأخرج واحداً إلى سواد الكوفة ، وأخرج آخر إلى ديار ربيعة . ولمّا صفت الحال بين نصر ومؤنس واستألف نصر ثمل القهرمانة ، وكانت متمكّنة من المقتدر . وظهر من أمر الوزير عبد الله بن محمد ما ظهر ، تكلّموا فى عزله ، وشاوروا فى رجل يصلح للوزارة مكانه ، فمالت ثمل برأيها وعنايتها إلى أحمد الخصيبى ، وكان يكتب لأم المقتدر ، وساعدها نصر على ذلك حتى تمّ له ، وصحّ عزم المقتدر عليه . ذكر التقبّض على الوزير الخاقانى وولاية أحمد الخصيبی وقبض على الوزير عبد اللّه بن محمد الخاقانى لإحدى عشرة ليلة خلتْ من شهر رمضان ، ووكّل به فى منزله ، فكانت ولايته ثمانية عشر شهرًا ، وخلع فى هذا النهار على أبى العباس أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن الخصيب للوزارة . وانصرف إلى منزله بقنطرة الأنصار ، ثم جلس من الغد فى دار سليمان بن وهب بمشرعة الصخر ، فهابه الناس لموضعه من الخليفة بالوزارة التى صار إليها ، لمحله من خدمة السيدة وكتابتها . (١) الثريا: أبنية بناها المعتضد قرب التاج ، بينهما مقدار ميلين ، وعمل بينهما سرد نالدبى فيه حظاياه من القصر الحسنىَ .. قال ياقوت: وهو الآن خراب. ١١٠ سنة ٣١٣ ولعناية ثمل القهرمانة به ، وهابه كلّ منكوب من أصحاب الخاقانى وابن الفرات ، فحصل له من ما لهم ألف ألف دينار ، أصلح منها أسبابه ، ثم ركب الوزير الخصيبى إلى القصر ، فرماه الجند بالنّشاب من جزيرة بقرب قصر عيسى ، فلجأ إلى الشطّ ، وتخلّص منهم بجهد، فلمَّا جلس فى مجلسه قال: لعن الله مَنْ أَشار بي لهذا الأمر وحسّن دخولى فيه ، فقد كان كرّهه لى مَنْ أثق به وبرأيه ، وكرهتُه لنفسى، ولكنّ القدَر غالب ، وأمر الله نافذ . وأقرَ الخصيبي عبيد الله بن محمد الكلواذىّ على ديوان السواد وفارس والأهواز. وأقر على الأزمة وديوان الجند أبا الفرج محمد بن جعفر بن حفص ، وقلّد ابن عم له شيخاً يعرف بإسحاق بن أبى الضّحاك ديوان المغرب . ولم يكن للناس فى هذا العام موسم التغلّب القرامطة على البلاد ، وقلّة المال ، وضيق الحال ، فطولب بالأموال قوم لا حجّة عليهم إلاّ لفضل نعمة كانت عندهم، وألحّ الوزير على الناس فى ذلك حتى طلب امرأة المحسّن ودولة أمّ عليّ بن محمد بن الفرات وابنة موسى بن خلف . وامرأة أحمد بن الحجاج بن مخلد بأموال جليلة ، وكثر الناس فى ذلك وأنكر وه غاية الإنكار . سنة ٣١٤ ١١١ ثم دخلت سنة أربع عشرة وثلثمائة ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس فيها اشتدّت مطالبة الخصيبيّ الوزير الأموال عند الناس ، وأكثر التعلّل عليهم فيها ، ولَم يَدِعْ عند أحدٍ مالاً أحسّ به إلّا أخذه بأتعس ما يكون من الأخذ والشدّة ، وكان نصر بن الفتح صاحبَ بيت مال العامة قد توفّىَ فى شهر ربيع الأول من هذا العام ، فطالب الخصيبيُّ جاريته وابنته بالأموال ، وأحضرهما عند نفسه واشتدّ عليهما ، فلم يجد عندهما كثير مال ؛ إذ كان نصر رجلاً صحيح الأمانة ، وكان له معروف عند الناس وأياد حسنة . وفيها أمر المقتدر ابنَ الخصيب وزيره باستقدام ابن أبى الساج من الجبل لمحاربة القرمطيّ ، فاستقدمه ، وأقبل يريد مدينة السّلام ، فاشتدّ على نصر الحاجب وناز وك وشفيع المقتدرى وهارون بن غريب الخال وغيرهم من الغلمان دخولُه بغداد ، فكتب إليه مؤنس بأن يعدل إلى واسط ليكون مقامُه بها وغزوه القرامطة منها ، فسار إليها ثم تأخر نفوذه إلى القرمطىّ ولم يتمّ خروجه إليه لشروط شرطها وأموال طلبها ، وكانت الأموال فى غاية التعذّر فلم يجب إلى ما اشترطه ، وكان ذلك سببًا لتوقُّفه . وفيها اتّخذت أم المقتدر كاتباً يقوم بأمر ضياعها وحشمها وأسبابها لما رأت الخصيبي قد اشتغل بالوزارة والنظر فى أسباب المملكة ، فقالت لثمل القهرمانة : ارتادِى لى كاتباً يقوم مكانه ويحلّ محله ، فاتّخذت لها عبد الرحمن بن محمد بن سهل ، وكان قد لزم بيته ، واقتصر على ضيعة له، فاستخرج من منزله ، وكتب لأم المقتدر وتولى أمورها ، وكانت فيه كفاية وأبوه شيخ من مشايخ الكتّاب ؛ ومن عنى بالعلم ، فصعب أمره على الخصيبيّ الوزير ، وتمنّى أنه لم يكن تولى الوزارة حين فارق خدمة أم المقتدر ، وكانت أنفع له من الخليفة ، فجعل أمره يضعف كُلّما قلّت الأموال التى كان يتقرب بها ویشتد على الناس فيها . ١١٢ سنة ٣١٤ ذكر التقبّض على الوزير الخصبى وولاية علىّ بن عيسى الوزارة ثم إن المقتدر أمر بالتقبّض على الخصيبي(١) أحمد بن عبيد الله الوزير يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة أربع عشرة وثلثمائة وعلى ابنه معه ومن لفَ لفّه، وتولى ذلك فيه نازوك صاحب الشرطة ، واستتر أصحاب دواوينه ومن أفلت من أهلهموكان علىّ بن عيسى بالمغرب (٢) متوليًا للأشراف ، فاستوزر واستخلف له عبيد الله بن محمد الكلواذىّ إلى وقت قدومه، وأنفذ المقتدر سلامة أخا نُجْح الطولونىّ رسولاً إليه ليأخذ به على طريق الرَّقة ، ويتعجّل استقدامه ، فكانت مدة وزارة الخصيبى أربعة عشر شهراً، وضبط عبيد الله بن محمد الأمر وقام به بقية سنة أربع عشرة . وفيها مات أحمد بن العباس أخو أم موسى وماتت أختها أم محمد ، فأظهر المقتدر الرضا عن أم موسى ،ورُدّت عليها دورها وضياعها التى كانت اعتقلت عليها عندما اتهمت به على ما تقدم ذكره . وحجّ بالناس فى هذه السنة أبو طالب عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز. (١) فى ابن الأثير: (( وكان سبب ذلك أن الخصيبى أضاق إضاقة شديدة ، ووقعت أمور السلطان لذلك، واضطرب أمر الخصيبيّ ، وكان حين ولى الوزارة قد اشتغل بالشرب كل ليلة ، وكان يصبح سكران ، لا قصد فيه لعمل وسماع حديث . وكان يترك الكتب الواردة من الدواوين ، لا يقرؤها إلا بعد مدة ، ويهمل الأجوبة عنها ، فضاعت الأموال وفاتت المصالح )). (٢) ابن الأثير: ((وأرسل المقتدر باللّه بالغد إلى دمشق يستدعى علىّ بن عيسى وكان بها)). ١١٣ سنة ٣١٥ ثم دخلت سنة خمس عشرة وثلثمائة ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس فيها قدم علىّ بن عيسى بغداد يوم الأربعاء لخمس خلون من صفر ، بعد أن تلقّاه الناس جميعاً بالأنبار وفوق الأنبار ، ودخل إلى المقتدر باللّه ، فاستوزره وأمر بالخلع عليه فاستعَى فلم يُعْفِه، وسلّم إليه الخبيصتّ ليناظره عن الأموال ، فلم يسْتَبِن عليه خيانة ، ولا علم أنه أخذ من مال السلطان شيئاً . فقال له : ضيّعت ، والمضيّع لا رزق له . فُرُدَّ ما ارتزقتَ وما أقطعتَ من الضياع.، فردّ ذلك . وقال عليّ بن عيسى الوزير للخليفة : ما فعلتْ سُيْحة جوهر أُخِذت من ابن الجصاص قيمتها ثلاثون ألف دينار؟ قال له : هى فى الخزانة ، فسأله أن يأمر بتطلّبها ، فطلبت فلم توجد . فأخرجها علىّ من كُمّه وقال له : عُرِضت علىّ هذه السبحة بمصر فعرفتُها واشتريتها ، فإذا كانت خزانة الجوهر لا تُحفظ ، فما الذى حفظ بعدها ! وأمير المؤمنين يُقْطِع خزَّانه وخَدمته الأموالَ الجليلة والضياعَ الواسعة. فاشتدّ هذا الأمر على السيدة أم المقتدر وعلى غيرها من بطانته وأنّهمت بالسّبحة زيدانُ القهرمانة ، وكان لا يصل إلى خزانة الجوهر غيرها ، وضبط علىّ بن عيسى الأمر جهده ، ونظر ليله ونهاره ، وجلس للمظالم فى كلِّ يوم ثلاثاء . وكان لا يأخذ مال أحد ، ولا يتعلّل على الناس كما كان يفعل غيره ، فأمَّن البراء فى أيامه ، وقطع الزيادات والتعلّل، وتحفّظ من أن تجرِى عليه حيلة ، ودعته الضرورة بقلّة المال إلى الإخلال ببعض الإقامات فى طريق مكة وغيرها ، وخرج إليه توقيعُ المقتدر بألاً يزيل الكلواذىَّ عن ديوان السواد ولا محمد ابن يوسف عن القضاء ، فقال: ما هممتُ بشىء من هذا، وإنّ العهد فيه إلىّ لتخليطٌ علىّ ، وكدحٌ فى نظرى . وأشار علىّ بن عيسى على المقتدر بأن يلزم خمسة آلاف فارس من بنى أسد طريق مكّة بعيالاتهم ويثبت لهم مال الموسم، فإنه يكفيهم ويترك ابن أبى الساج مكانَه ، ويبعث لحرب القرمطىّ خمسة آلاف رجل من بنى شيبان بأقلّ من ربع المال الذى كان يُنفق على ابن أبى الساج . وكان علىّ قد نظر إلى ما طلبه ابن أبى الساج ، ١١٤ سنة ٣١٥ فوجده ثلاثة آلاف ألف دينار ، ووجد مالَ بنى أسد وبنى شيبان ألف ألف دينار. وَأَلْفى كاتب نازوك يرتزق تسعمائة دينار فى النّوبة ، فأسقطها عنه ، وقال : رزقُه على صاحبه ، وأسقط من رزق مفلح الأسود ألف دينار فى جملة الغلمان ، وأقرّه على ألف دينار كان يرتزق فى النّوبة . وأراد مؤنس المظفّر الخروج إلى الثغر فتبعه علىّ بن عيسى وسأله المقام ، وقال له : إنما قويت على نظرى بهيبتك ومقامك ، فإنْ رحلتَ انتقضَ علىّ تدبيرى ، فأقام . وقلّد شيرزاد ما كان يتقّد قلنسوة من أمر الحبس ، وضمّ إليه كاتب نازوك ، وأجرى له مائة وعشرين ديناراً ، ولمن يخلفه ثلاثين ديناراً ، وكان قلنسوة يرتزق لهذه الأعمال ثمانمائة دينار ، وصرف ياقوتاً عن الكوفة ، وولآها أحمد بن عبد الرحمن بن جعفر إلى أن يصير إليها ابنُ أبى الساج . ولما رأى المقتدر اجتهاد علىّ بن عيسى قال : لقد استحييتُ مِنْ ظلمى قبل هذا له ،وأخْذى المال منه، وأمر بأن يردّ عليه ذلك، وأحال به على الحسين بن أحمد الماذَرائى فاشترى علىّ بن عيسى بالمال ضياعاً ، وضمها إلى الضياع التى وقَفها على أهل مكة والمدينة . وكان فى ناحية بنى الفُرات رجل يعرف بأبى ميمون الأنبارىّ ، قد اصطنعوه وأحسنوا إليه ، فوجد له علىّ بن عيسى أرزاقاً كثيرة ، فاقتصر على بعضها ، فهجاه الأنبارىّ . ومن شعره المشهور فيه عند وزارته هذه : يركضُ فى عسكّرِ أبرامٍ قد أقبل الشؤم من الشام. مُدّهُ تقصرُ عن عام مستعجلاً يسعى إلى حتْفِه أيَّامكم أَقصرُ أيام يا وزَراءَ المُلْكِ لا تفرحُوا وكان علىّ بن عيسى قد كتب إلى ابن أبى الساج أن يقيم بالجبل ، فلم يلتفت إلى كتابه ، وبادر بالإقبال إلى حُلوان يريد دخول بغداد ، فكره أصحاب السلطان دخوله لها ، وكتب إليه مؤنس فى العدول إلى واسط ، وعرّفه أن الأموال من ثمَّ ترد عليه فصار إلى واسط ، وعاث أصحابه بها على الناس ، وكثر الضجيج منهم والدعاء عليهم ، فلم يغيِّر ذلك، فقال الناس: مَنْ أراد محاربة عدوّه عمل بالإنصاف والعدل ، ولم يفتتح أمره بالجور والظلم، وانتصحه مَنْ عرفه فلم يقبل النصيحة . وخرج ابنُ أبى الساج ١١٥ سنة ٣١٥ إلى القرمطيّ من واسط ، فأبطأ فى سَيْرِه وسبقه القرمطيّ إلى الكوفة ، ثم التقيا فهزمه القرمطىّ، وأخذه أسيراً ، وسار القرمطيّ يريد بغداد، فعبر جسر الأنبار ، وخرج مؤنس المظفّر ونصر الحاجب وهارون بن غريب الخال وأبو الهيجاء ومَعَهم جيش السلطان يريدون القرمطيّ ، وقد بلغهم رحيله إليهم ، وبادر نصر أصحابه ، واختلف رأيُهُم ، وجزع أصحاب السلطان ، وامتلأت قلوبهم رهبةً للقرمطىّ ، ووقفوا على قنطرة تعرف بالقنطرة الجديدة ، وأرادوا قطعها لئلا يجوز القرمطى إليهم ، وتابعه أكثر أهل العسكرِ ، فقُطِعت القنطرة . فلما صار القرمطىّ وأصحابه إليها رماهم أصحاب السلطان بالنشّاب ، ورأوا كثرة الخلق ، فرجعوا وتبدّدوا فى الموضع ، فعزم نصر على العبور إليهم ومناجزتهم فلم يَدَعْهُ مؤنس ، ووجّه السلطان إلى الفرات بطيارات ، وشميليات فيها جماعة من الناشبة ، وعليهم سبك غلام المكتفى ، فحالوا بين القرامطة وبين العبور . وكان ثقل القرمطى وسواد عسكره بحيال الأنبار ، وابن أبى الساج محبوس عندهم ، فأراد نصر أن يحتال للعبور فى السفن ليلاً ، وأن يكبسوا السواد طمعاً فى تخليص ابن أبى الساج . فحُمّ نصر الحاجب حُمَّى ثقيلة أذهبت عقله يومين وليلتين ، وشاع ما أراد أن يفعله . وقدّم مؤنس غلامَه يَلْبق فى نحو ألفين (١)، فعبروا الفرات ليلا ووافقوا سواد القرمطيّ بالأنبار وكان يلبَق فى جيش عظيم، وسواد القرمطى فى خيل يسيرة، فانهزم أصحاب السلطان، وأسِرَ جماعة منهم، وأسِرَ ابن أبى الأغرّ فى جملتهم . فلما أتاهم القرمطيّ جلس لهم ، وضرب أعناق جميعهم ، ودعا بابن أبى الساج من الموضع الذى كان محبوساً فيه ، فقال له : أنا أكرمك وأنوى الصَّفْح عنك، وأنت تحرّض علىّ أصحابك ! فقال له : قد علمتَ أنى ما أقدر على مكاتبتهم ولا مراسلتهم ، فأىّ ذنب لى فى فعلهم ! فقال له : ما دمتَ حيًّا فلأصحابك طمع فيك ، فأمر به فضُرِبت عنقه . وفيها اتّصل بمؤنس المظفَّرِ أن أمَ المقتدر عاملة على قتله ، وأنها قد نصبت له مَنْ يقتله إذا دخل الدارَ ، فاستوحش واحترس ، وطلب الخروج إلى الثغر ، فأجِيب إلى ذلك ، ثم اضطرب أمُرُه لما حدث من أمر القرمطى . (١) فى ابن الأثير: ( فى ستة آلاف)). ١١٦ سنة ٣١٥ وفيها ورد الخبر بموت إبراهيم بن عبد الله المسمعى أمير فارس ، فخلع على ياقوت ، وقلّد مكانه ، وولى محمد بن عبد الصمد کِرْمان . وحج بالناس فى هذه السنة أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن سليمان من بنى العباس . سنة ٣١٦ ١١٧ ثم دخلت سنة ست عشرة وثلثمائة ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس فيها أوقع سليمان الجنّابىّ القرمطيّ بأهل الرّحْبة، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ووجّه سَريَّةً إلى ديار ربيعة ، فأوقعت ببوادى الأعراب واستباحتها ، ثم عادوا إلى الرَّحبة ، واستاقوا خمسة آلاف جمل ومواشى كثيرة ، وزحف القرامطة إلى الرّقة للإيقاع بأهلها ، فحاربوهم أشدّ محاربة ، ورموهم من أعالى دورهم بالماء والتراب والآجرّ ورموهم بسهام مسمومة ، فمات منهم نحو مائة رجل وانصرفوا عنها مفلولين . ذكر القبض على علىّ بن عيسى الوزير وولاية محمد بن عليّ بن مقلة الوزارة وفى هذه السنة قبض على علىّ بن عيسى ، ووكّل به فى دار الخليفة يوم الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ، وتوجّه هارون بن غريب الخال إلى أبى على محمد بن علىّ بن الحسن بن عبد اللّه المعروف بابن مُقلة ، فحمله إلى دار المقتدر بعد مراسلات كانتْ بينهما وضمانات ، فقلّده المقتدر وزارته ، وقوّض إليه أمورَه ، وخلع عليه الوزارة يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ، فأقرّ عبيد اللّه ابن محمد بن عبد الله الكلواذىّ على ديوان السواد، وأقرّ الفضل بن جعفر بن محمد ابن موسى بن الفرات على ديوان المشرق ، وأنفذه ناظراً على أعمال فارس ، وولى محمد ابن القاسم الكرخىّ ديوان المغرب - وكان قد قدم من ديار مُضر - وقلّد الوزير أخاه الحسن بن علىّ ديوان الخاصة وديوان الدار الأصغر ، الذى تنشأ منه الكتب بالزيادات والنقل ، وقلّد أخاه العباس بن علىّ ديوان الفراتية وديوان الجيش ، وأقرَ عثمان بن سعيد الصيرفىّ على ديوان الجيش الأصل ، وإبراهيم بن خفيف على ديوان النفقات ، ١١٨ سنة ٣١٦ وأجرى الأمور أحسن مجاريها ، وأمر أَلاَ يطالب أحد بمصادرة ولا غُرْم ، ولا يعرض الصنائع أحد ؛ حتى أقر أحمد بن جانى على ما كان يتقلّده من ديوان أقطاع الوزراء، وأجلس إبراهيم بن أيوب النّصرانى كاتب علىّ بن عيسى بين يديه على رسمه ، وأقره على ديوان الجهبذة ، وضمن أمر الرجّالة المصافيّة الملازمين لدار الخليفة ، وقد بلغت نوبتُهم عشرين ومائة ألف دينار فى كل هلال . فاستبشر الناس به ، وسكنوا إليه ، وأمِنُوا وانفسحت آمالهم ، واتّسعت هممهم ، وتباشروا بأيامه . ثم خلع فى غرة جمادى الأولى على أبى القاسم وأبى الحسين وأبى الحسن بنى أبى علىّ محمد بن علىّ الوزير لنقلّد الدواوين ، ثم خلع على محمد بن علىّ بعد ذلك لتكنية أمير المؤمنين إيّاه . قال الصولىّ: ولا أعلم أنه وَلِىَ الوزارة أحدٌ بعد عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان مُدِحٍ من الأشعار بأكثر مما مُدِح به محمد بن علىّ قبل الوزارة ، وفى الوزارة، وبعد ذلك لشهرته فى الشعر ، وعلمه به وإثابته عليه . وظهر من ذكاء ابنه أبى الحسين واستقلاله بالأعمال ، وتصرّفه فى الآداب وحسن بلاغته وخطِّه ما تواصفه الناس ، وكان أكثر ذلك فى وزارته الثانية ، حين انفجر عليه الشباب ، وزالت الطفولة عنه . قال : وما رأينا وزيراً مذ تُوقَِّ القاسم بن عبيد اللّه أحسَن حركة ولا أظرف إشارةً ولا أصلح خطًّا . ولا أكثر حفظاً ، ولا أسلط قلماً ، ولا أقصد بلاغة ، ولا آخذ بقلوب الخلفاء من محمد بن علىّ . وله بعد هذا كلُّه علمٌ بالإعراب وحفظ باللغة وشعر مليح وتوقيعات حسان . وولى الوزير ابنه أبا القاسم ديوان زمام القُوَاد مكان عبيد اللّه بن محمد ، وقلّد ابنه أبا عيسى ديوان الضّياع المقبوضة عن أمّ موسى والموروثة عن الخدم ، وأقرّ إسحاق بن إسماعيل على ما كان ضامناً له من أعمال واسط ، وغير ذلك . وفى هذه السنة رجع القرمطىّ إلى الكوفة ، فخرج إليه نصر الحاجب محتسباً وأنفق من ماله مائة ألف دينار إلى ما أعطاه السلطان ، وأعانه به . واجتهد فى لقاء القرمطىّ ونصحه الجيش الذين كانوا معه ، وحَسُنت نياتهم فى محاربة القرمطىّ . فاعتلّ نصر فى الطريق ، ومات فى شهر رمضان ، فحمل إلى بغداد فى تابوت ووَلىَ الحجابة مكانه أبو الفوارس ياقوت مولى المعتضد ؛ وهو إذ ذاك أمير فارس ، فاستخلف له ابنه أبو الفتوح إلى أن يوافى ياقوت . ١١٩ سنة ٣١٦ ذكر الحوادث التى أحدثها القرامطة بمكة وغيرها وفى هذه السنة سار الجنائىّ القرمطىّ لعنه الله إلى مكّة ، فدخلها وأوقع بأهلها عند اجتماع الموسم وإهلال الناس بالحجّ ، فقتل المسلمين بالمسجد الحرام ، وهمْ متعلّقون بأستار الكعبة ، واقتلع الحجر ، وذهب به ، واقتلع أبواب الكعبة وجَرَّدها من كسوتها ، وأخذ جميع ما كان فيها من آثار الخلفاء التى زيّنُوا بها الكعبة وذهبوا بدّرة اليتيم ، وكانت تزن - فيما ذكر أهل مكة - أربعة عشر مثقالا ، وبقُرْطَىْ مارية ، وقرن كبش إبراهيم ، وعصا موسى ، ملبسين بالذهب مرصّعين بالجوهر ، وطبق ومكبّة من ذهب وسبعة عشر قنديلا ؛ كانت بها من فضة وثلاث محاريب فضّة كانت دون القامة منصوبة فى صدر البيت ، ثم ردّ الحجر بعد أعوام ولم يردّ من سائر ذلك شىء . وقيل إنّ الجنابىّ لعنه الله صعد إلى سطح الكعبة ليقلع الميزاب ، وهو من خشب ملبس بذهب » فرماه بنو هذيل الأعراب من جبل أبى قبيس بالسهام حتى أزالوهم عنه ، ولم يصلوا إلى قلعه . وظهر قرامطة يعرفون بالنفليّة بسواد الفُرات ، ومعهم قوم من الأعراب من بنى رفاعة وذُهْل وعبس فعائوا وأفسدوا ، وكان عليهم رؤساء منهم يقال لهم عيسى بن موسى ابن أخت عبدان القرمطىّ ومسعود بن حُريث من بنى رفاعة ورجُلٌ يعرف بابن الأعمى . فأوقعوا وقائع عظيمة ، وأخذوا الجزية تمن خالفهم على رسوم أحدثوها وجبوا الغلات ، فأنفذ المقتدر هارون بن غريب إلى واسط فأوقع بهم ، وقتل كثيراً منهم ، وحمل منهم إلى مدينة السلام مائتى أسير ، فقُتِلوا وصُلبوا . وورد الخبر فى شعبان بأنَ الحسن بن القاسم الحسنىّ قام بالرىّ ومعه ديلمیّ يقال له ما كان بن كاكى ، وأن العامل عليها هرب إلى خراسان منه ، ثم ورد الخبر فى شوّال بإقبال ديلمىّ يقال له أسفار بن شيرويه من أصحاب الحسن بن القاسم إلى الرىّ أيضاً ، وإن هارون بن غريب لقى أسفار هذا بناحية قُرْوين ، فهزمه أسفار وقتل أكثر رجاله وأفلت هارون وحده ، ثم تلاحق به مَنْ بقى من أصحابه . وفيها وُلَّ إبراهيم بن ورقاء إمارة البصرة وشخص إليها من بغداد ، فما رأى الناس فى هذا العصر أميراً أعفَ منه . ١٢٠ سنة ٣١٦ ولما صار هارون بن غريب إلى الكوفة ، قُلّد كور الجبل كلّها وضم إليه وجوه القوّاد فقلد أبا العباس بن كيغلغ معاونَ هَمَذان ونهاوند مكان محمد بن عبد الصمد ، وقلّد تحريراً الخادم الدِّينور مكان عبد اللّه بن حمدان ، وخلَع عليهما فى دار السلطان ، فاستوحش لذلك عبد الله بن حمدان، وكان هذا سبب معاونة عبد الله بن حمدان لنازوك عندما أحدثاه على المقتدر مما سيأتى ذكره . وفى هذه السنة ولىَ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن يعقوب بن إسحاق البريدى خراج الأهواز بعد أعمال كثيرة تصرّف فيها هو وأخواه أبو يوسف وأبو الحسين ، فحمدت آثارهم ، وشاعت كفايتهم ، وحرص السلطان على اصطناعهم وزيادتهم . فعلتْ أحوالُهم ، وزادت مراتبهم ، وظهر من استقلال أبى عبد الله أحمد بن محمد بالأعمال وقُرْب مأخذها عليه والمعرفة بوجوه النظر والاجتهاد فى إرضاء السلطان ما تعارفه النَّاس وعلموه ، مع تحرَق فى الكريم والسُّدد ، وحسن الرعاية لمَنْ خدمه ، واتّصل به ولمن أمَّله وقصدَه ، حتى إنه لا يرضى لكل واحد منهم إلا بغناه ، فأحبَ السلطان أن يَلىَ هو وأخواه أكثر الأعمال الدنيا ، فلم يحبُّوا ذلك ، واقتصر كلّ واحد منهم على دون ما يستحق من الأعمال . وفيها ولى أبو الحسين عمر بن الحسن الأشنانىّ قضاء المدينة مكان ابن البهلول إذ كبر واختلط عليه أمُرُه، ثم استعفى ابن الأشنانى فأُعنَىَ، وولى الحسين بن عبد الله ابن علىّ بن أبى الشوارب قضاء المدينة ، وقلّد أبو طالب محمد بن أحمد بن إسحاق ابن البهلول قضاءَ الأهواز والأنبار ، عوضاً مما كان يليه أبوه من قضاء المدينة . وفيها توفِّىَ أبو إسحاق بن الضحاك الخصيبيّ والليث بن علىّ بالرقة . وحجّ بالناس فى هذه السنة من تقدم ذكره . ٠