النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ سنة ٣٠٩ من آل محمد ، ويُظهر أنه سنّى لمن كان من أهل السنّة ، وشيعى لمن كان مذهبه التشيّع ، قالتْ: وأصبحتُ يوماً وأنا أنزل من السطح إلى الدار ، ومعی ابنته، وكان قد نزل هو ، فلمّا صرنا على الدَّرج بحيث يرانا ونراه قالت لى ابنته : اسجدى له فقلت : أو يسجد أحد لغير اللّه ! قالت : فسمع كلامى لها فقال : نعم إله فى السماء وإله فى الأرض ، لا إله إلا الله وحده . قالت: ودعانى إليه يوماً وأدخل يده فى كمه وأخرجها مملوءة مسكاً ، ودفعه إلىّ ثم أعادها ثانية إلى كمه وأخرجها مملوءة مسكاً ، ودفعه إلىّ ، وفعل ذلك مرات ثم قال : اجعلى هذا فى طِيبك فإنَّ المرأة إذا حصلت عند الرجال ، احتاجت إلى الطِّيب . قالت : ثم دعانى وهو جالس فى بيت ، على بوارى ، فقال : ارفعى جانب الباريّة(١) من ذلك الموضع ، وخذى مما تحته ما أردت، وأومى إلى زاوية البيت ، فجئت إليها ، ورفعتُ الباريّة فوجدتُ تحتها الدنانير مفروشة ملء البيت ، فبهرنى ما رأيتُ من ذلك . فأقيمت المرأة ، وحصلت فى دار حامد إلى أن قُتِل الحلّاج ، وجدًّ حامد فى طلب أصحاب الحلّاج ، وأذكَى العيون عليهم ، وحصل فى يده منهم حيدرة والسّمّرى ومحمد بن على القُنّائىُّ والمعروف بِأبِى المُغِيث الهاشمى . واستتر ابنُ حماد وكُبس دار له ، فأخذت منه دفاتر كثيرة ، وكذلك من منزل القنّئى فكانت مكتوبة فى ورَق صينىّ وبعضها مكتوب بماء الذهب مبطّنة بالدّيباج والحرير ، مجلّدة بالأدَم الجيّد، ووجد فى أسماء أصحابه ابن بشر وشاكر (٢)، فسأل حامد : مَنْ حصل فى يده من أصحاب الحلّاج عنهما ؟ فذكروا أنهما داعيان له بخراسان . قال أبو القاسم بن زنجى : فكتبنا فى حملهما إلى الحضرة أكثر من عشرين كتاباً ، فلم يَرِد جوابُ أكثرهما . وقيل فيما أجيب عنه منها: إنهما يُطلبان،ومتى حصلا حُملا ، ولم يُحملا إلى هذه الغاية . وكان فى الكتب الموجودة له عجائب من مكاتبات أصحابه النافذين إلى النواحى ، وتوصيته إياهم بما يدعون إليه الناس ، وما يأمرهم (١) البارية : نوع من الحصر. (٢) شاكر الصولى خادم الحلاج . : ٨٢ سنة ٣٠٩ ومعتزلى لمن كان مذهبه الاعتزال . وكان مع ذلك خفيف الحركات شعوذًّا قد حاول به ، من نقلهم من حال إلى حال أخرى ، ومرتبة إلى مرتبة حتى يبلغوا الغاية القصوى ، وأن يخاطبوا كلّ قوم على حسَبَ عقولهم وأفهامهم ، وعلى قدر استجابتهم وانقيادهم وجواباتهم لقوم كاتبوه بألفاظ مرموزة ، لا يعرفها إلا مَنْ كتبها إليه ، ومَنْ كِتِبت إليه . وحکی أبو القاسم بن زنجیّ قال : کنت أنا وأبى يوماً بین یدی حامد ، إذ نهض من مجلسه ، وخرجنا إلى دار العامّة ، وجلسنا فى رواقها ، وحضر هارون بن عمران الجِهْبذ بين يدى أبى ، ولم يزل يحادثه . فهو فى ذلك إذ جاء غلام حامد الذى كان موكَّلاً بالحلّاج ، وأومى إلى هارون أن يخرج إليه ، فنهض مسرعاً ، ونحن لا ندرى ما السبب ، فغاب عنّا قليلا ثم عاد وهو متغيّر اللون جدًّا ، فأنكر أبى ما رأى منه ، فسأله عن خبره فقال : دعانى الغلام الموكّل بالحلاج ، فخرجت إليه ، فأعلمنى أنه دخل إليه ومعه الطََّق الذى رسمُه أن يقدَّم إليه فى كلّ يوم ، فوجده قد ملأ البيت بنفسه من سقفه إلى أرضه وجوانبه حتى ليس بيه موضع ، فهاله ما رأى ، ورمى بالطبق من يده وعاد مسرعاً وأنّ الغلام ارتعد وانتفض وحُمَّ ، فبينا نحن نتعجّب من حديثه إذ خرج إلينا رسول حامد ، وأذن فى الدخول إليه ، فدخلنا وجرى حديث الغلام فدعا به ، وسأله عن خبره ، فإذا هو محموم ، وقصَّ عليه قِصَّته ، فكذّبه وشتمه ، وقال : فزعتَ من نيرنج الحلّاج ، وكلاماً فى هذا المعنى ، لعنك اللّه ، اغُرُبْ عنى ! فانصرف الغلام وبقى على حالته من الحقى مدة طويلة . وحكىَ أنّ المقتدر أرسل إلى الحلاج خادماً ومعه طائر ميّت ، وقال : إن هذه البيغاء لولدى أبى العباس ، وكان يحبها وقد ماتت ، فإن كان ما تدّعى صحيحاً ، فأحى هذه الببغاء. فقام الحلاج إلى جانب البيت الذى هو فيه ، وبال ، وقال : من يكن هذه حالته لا يُحبى ميتاً ، فَعُدْ إلى الخليفة وأخبره بما رأيتَ وبما سمعت منى ، ثم قال : بلى، لى مَنْ إذا أشرتُ إليه أدنى إشارة ، أعاد الطائر إلى حالته الأولى . فعاد الخادم إلى المقتدر ، وأخبره بما رأى وسمع ، فقال : عد إليه وقل له : المقصود إعادة هذا الطائر إلى الحياة ، فأشِرْ إلى من شئتَ ، قال فعلىّ بالطائر ، فأُحضر الطائر إليه وهو میت ، فوضعه على ركبتيه وغطاه بکمه ، ثم تكلم بكلمات ، ثم رفع كمَّه ، وقد ٨٣ سنة ٣٠٩ الطبّ ، وجرّب الكيميا ، فلم يزل يستعمل المخاريق حتى استهوى بها من لا تحصيل عاد الطائر حيًّا ، فأعاده الخادم إلى المقتدر وخبره بما رأى. فأرسل المقتدر إلى حامد ابن العباس ، وقال له : إن الحلاج فعل كذا وكذا ، فقال حامد : يا أمير المؤمنين الصوابُ قتله ، وإلاّ افتتن الناس به ، فتوقّف المقتدر فى قتله . وقال بعض أصحابه : صحبته سنة إلى مكة قال : وأقام بمكة بعد رجوع الحاج إلى العراق ، وقال : إن شئت أن تعود فعُدْ، فإنّى قد عوّلت أن أمضى من هنا إلى بلاد الهند . قال : وكان الحلّاج كثير السياحة كثير الأسفار ، قال : ثم إنه نزل فى البحر يريد الهند ، قال : فصحبتُّه إلى بلد الهند ، فلما وصلنا إليها استدلّ على امرأة ، ومضى إليها وتحدّث معها ووعدته إلى غدٍ ذلك اليوم ، ثم خرجت معه إلى جانب البحر ، ومعها غَزْل ملفوف ، وفيه عقد شبه السَّلَم ، قال : فقالت المرأة كلمات ، وصعدتْ فى ذلك الخيط ، وكانت تضع رجلها فى الخيط وتصعد حتى غابت عن أعيننا ، ورجع الحلاج وقال لى : لأجل هذه المرأة كان قصدِى إلى الهند . ثم وجد حامد كتاباً من كتبه فيه. إنّ الإنسان إذا أراد الحجّ فلم يمكنه أفرد فى بيته بناء مربّعا لا يلحقه شىء من النجاسات ، ولا يتطرّقه أحد ، فإذا حضرتْ أيام الحج طاف حَوْلَه وقضى من المناسك ما يُقْضَى بمكة . ثم يجمع ثلاثين يتيماً ، ويعمل لهم ما يمكنه من الطعام ويحضرهم ذلك البيت ، ويقدّم لهم ذلك الطعام ، ويتولى خدمتهم بنفسه، ثم يغسل أيديهم ، ويكسو كلَّ واحد منهم قميصاً ، ويدفع إلى كل واحد سبعة دراهم أو ثلاثة دراهم - الشك من أبى القاسم بن زنجى - وأن ذلك يقوم له مقام الحج . قال : وكان أبى يقرأ هذا الكتاب ، فلمّا استوفى هذا الفصل التفت أبو عمر القاضى إلى الحلّج ، وقال له : من أين لك هذا ؟ قال من كتاب الإخلاص للحسن البصرىّ ، قال له أبو عمر : كذبت يا حلال الدم ، قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن لبصرى بمكة ، وليس فيه شىء مما ذكرت ، فكما قال أبو عمر یاحلال الدم ، قال له حامد: اكتب بما قلت ((يعنى حلال الدم))، فتشاغل أبو عمر بخطاب الحلّاج ، فلم يدعُهُ حامد يتشاغل ، وألحّ عليه إلحاحاً لا يمكنه معه المخالفة ، فكتب بإحلال ٨٤ سنة ٣٠٩ عنده ، ثمّ ادّعى الُّبوبية، وقال بالحلول، وعَظُم افتراؤه على اللّه عز وجلّ ورسُلُه، دمه، وكتب بعده ، مَنْ حضر المجلس ، فلما تبيّن الحلاج الصورة ، قال : ظهرى حِمَّى ، ودمى حرام ، وما يحلّ لكم أن تتأولوا علىّ بمالا يبيحه اعتقادى الإسلام ومذهبى السنّة، ولى كتب فى الوراقين موجودة فى السنّة فاللّه اللّهَ فى دمى! ولم يزل يردّد هذا القول والقوم يكتبون خطوطهم حتى كمل الكتاب بخطوط من حضر من العلماء ، وأنفذه حامد إلى المقتدر بالله ، فخرج الجواب : إذا كان فتوى القضاة فيه بما عرضت ، فأحضره مجلس الشرطة واضربه ألف سوط ، فإن لم يُمت فتقدم بقطع يديه ورجليه ، ثم اضرب رقبته وانصب رأسه ، واحرق جثته. فأحضر حامد صاحب الشرطة وأقرأه التوقيع ، وتقدم إليه بتسلّم الحلاج وإمضاء الأمر فيه ، فامتنع من ذلك وذكر أنه يتخوّف أن يُنتزع منه . فوقع الاتفاق على أن يحضر بعد العتمة ومعه جماعة من غلمانه ، وقوم على بغال يُجرون مجرى الساسة ، ليُجعل على بغل منها ، ويدخل فى غمار القوم ، وأوصاه بألًا يسمع كلامه وقال له : لو قال لك: أجرى لك دجلة والفرات ذهباً وفضة فلا ترفع عنه الضرب حتى تقتله ، كما أمرتَ ، ففعل محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة ذلك ، وحمله تلك الليلة على الصورة التی ذُكرت ، ورکب غلمان حامد معه ، حتى أوصلوه إلى الجسر ، وبات محمد بن عبد الصمد ورجاله حوّل المجلس ، فلما أصبح يوم الثلاثاء لستُّ بقين من ذى القعدة، أُخرِج الحلاج إلى رحبة المجلس ، واجتمع من العامة خلق كثير لا يُحْصَى عددهم، وأمر الجلّادَ بضربه ألف سوط، فضُرب وما تأوّه ولا استعفى . قال : فلما بلغ ستمائة سوط ، قال لمحمد بن عبد الصمد : ادُ بی إليك ، فإن عندى نصيحة تعدل عند الخليفة فتح قسطنطينّة ، فقال : قد قيل لى: إنك ستقول ذلك وما هو أكثر منه ، وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل ، فسكت حتى ◌ُرِب ألف سوط ، ثم قطعت يده ثم رجله ، ثم ضرب عنقه وأحرقت جثته ، ونُصب رأسه على الجسر ، ثم حمل رأسه إلى خراسان . وادّعى أصحابه أن المضروب كان عدوًّا للحلاج ألقى شبهه عليه، وادّعى بعضُهم أنه رآه وخاطبه، وحُدّث فى هذا المعنى بجهالات لا يكتب مثلها ، وأحضِر الوراقون وأحلفوا ألّا يبيعوا من كتب الحلّاج شيئاً ولا يشتروها ٠ ٨٥ سنة ٣٠٩ ووُجدت له كتب فيها حماقات ، وكلام مقلوب وكفر عظيم . وكان فى بعض كتبه : إنّى المغرق لقوم نوح والمهلك لعاد وثمود ، وكان يقول لأصحابه : أنت نوح وأنت موسى ، وكانت مدته منذ ظُفِرِ به إلى أن قتل ثمانى سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام. وحكى حامد أنه قبض على الحلاج بدور الراسبى فادّعى تارة الصلاح ، وادعى أخرى أنه المهدىّ ، ثم قال له : كيف صرت إلهاً بعد هذا ؟ وكان السمرىّ فى جملة مَنْ قُبض عليه من أصحابه ، فقال له حامد: ما الذى حداك على تصديقه ؟ قال : خرجت معه إلى إصطخر فى الشتاء ، فعرّفته محبتى للخيار ، فضرب يده إلى سفح جبل ، فأخرج من الثلج خيارة خضراء ، فدفعها إلىّ ، فقال حامد: أفأ كلتَها ؟ قال: نعم ، قال : كذبت يا بن ألف زانية فى مائة ألف زانية ، أوجعوا فكّه . فضربه الغلمان وهو يصيح : من هذا خفنا . وحدّث حامد أنه شاهد ممن يدّعى النيْرنجِيَّات ، أنه كان يخرج الفاكهة ، وإذا حصلت فى يد الإنسان صارت بعراً . ومن جملة مَنْ قُبض عليه إنسان هاشمى ، كان يكنى بأبى بكر، فكناه الحلاج بأبى مغيث ، حين كان يمرّض أصحابه ويراعيهم ، وقبض علَى محمد بن علىّ بن القناتى، وأخذ من داره سَفَط مختوم فيه قوارير فيها بول الحلاج ورجيعه ، أخذه ليستشفى به . وكان الحلاج إذا حضر لا يزيد على قوله: لا إله إلا أنت ، عملت سوءاً وظلمت نفسى فاغفرلى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، وزادتْ دجلة زيادة عظيمة،فادّعى أصحابه أن ذلك لأجل ما ألقى فيها من رماد جثته . وادّعى قوم من أصحابه أنهم رأوه راكب حمار فى طريق المزوان ، وقال لهم : إنما حُوّلت دابة فى صورتى ، ولستُ المقتول كما ظن هؤلاء البقر . وكان نصر الحاجب يقول إنما قتل ظلماً . ومن شعر الحلاج : وما وجدتُ لقلبى راحة أبدًا وكيف ذاك وقد هُيِّئْتُ للكدَرِ ٨٦ ٣٠٩ وأنت محمد ، قد أعدْت أرواحهم إلى أجسادكم . ويزعم بعض الجهلة المتّبعين له بأنه كان يغيب عنهم ثم ينزل عليهم من الهواء ، أغفل ما كانوا ، وحرّك لقوم يده فنثر منها دراهم ، ممن يريد النجا فى المسلك الخطر لقد ركبت على التغرير واعَجَبَا مقلّبُ بين إصعاد ومنحَدرٍ كأننى بين أمواج تقلّبنى والدمع يشهد لى فاستشهدوا بَصَرى الحزن فی مهجتی والنار فی کبدِی ومن شعره : وما على الكاس من شرّابها دركُ الكأسُ سهّل لى الشكوى مُتتابكمْ فما لمضجع جنبى كلّه حَسَكُ مالى يدورُ بما لا أشتهى الفَلكُ كأننى شمعةٌ تبكى فتنسِكُ هبْنِی ادّعيتُ بأنى مدنف سقم هجرٌ يسوء، ووصلٌ لا أُسَرّ به فكلّما زاد دمعى زادنى قلقًا ومن شعره : النَّفْس بالشىء الممنّع مولعه والنفس للشىء البعيد مُديدة كلَّ يحاول حيلةً يرجو بها وله : والحادثاتُ أصولها متفرّعَهْ والنفس للشىء القريب مضيّعَهْ دُفْع المضرّة واجتلاب المنفَعَهْ فليتنى قد أُخِذتُ عنّى كل بلاء علىّ مِنى وقد علمتَ المرادَ منّى فکیفما شئتَ فاختبرنى أردتَ مِّی اختبارَ سرِّى وليس لى فى سواك حظّ وفى الصوفية من يدّعى أن الحلاج كوشف حتى عرف السّ وعرف سرّ السّ، وقد ادعى ذلك لنفسه فى قوله : وأسرار أهل السّ مكشوفة عندى مواجید أهل الحق تصدقعنوجدى وله : إلا وذكرك فيها نيلُ ما فيها الله يعلمُ ما فى النفس جارحةٌ ولا تنفّسْتُ إلا كنتَ فِى نَفَسى تجری بك الروح منی فی مجاريها إلى سواك فخانتها مآقيها إن كانت العين مذْ فارقتها نظرت : 1 ٨٧ سنة ٣٠٩ 1 وكان فى القوم أبو سهل بن نويخت النوبحتى فقال له : دَعْ هذا وأعطنى درهماً واحداً عليه اسمك واسم أبيك ، وأنا أومن بك ، وخلق كثير معى فقال له : كيف وهذا لم يُصنع ؟ ، أو كانت النفس بعد البعد آلفةً خلقاً عداك ، فلا نالتْ أمانيها وحكى أنه قال : إلهى إنّك تتودد إلى من يؤذيك ، فكيف لا تتوقّد إلى من يؤذَی فيك . وأنشد ويح قلبى وما جنّ نظرى بَدْوَ عِلّتى يا معين الضَّنَا علـ ىّ أعنّى على الضَّنَا وكان ابن نصر القشورىّ قد مرض ، فوصف له الطبيب تفاحة ، فلم توجد ، فأومَى الحلاج بيده إلى الهواء وأعطاهم تُفّاحة ، فعجبوا من ذلك وقالوا : من أين لك هذه ؟ قال : من الجنّة ، فقال له بعض مَنْ حضر: إنَّ فاكهة الجنة غير متغيّرة وهذه فيها دودة ، قال : لأنها خرجت من دار البقاء إلى دار الفناء ، فحلَّ بها جزء من البلاء . فاستحسنوا جوابه أ کثر من فعله . ويحكون أنَّ الشبلىّ دخل إليه إلى السجن ، فوجده جالساً يخطّ فى التراب ، فجلس بين يديه حتى ضجِر ، فرفع طرفه إلى السماء ، وقال : إلهى لكلّ حق حقيقة ، ولكل خلق طريقة ، ولكلّ عهد وثيقة ، ثم قال : يا شبلىّ مَنْ أخذه مولاه عن نفسه ، ثم أوصله إلى بساط أنسه ، كيف تراه ؟ فقال : وكيف ذاك ؟ قال : يأخذه عن نفسه ، ثم يرده على قلبه ، فهو عن نفسه مأخوذ ، وعلى قلبه مردود . فأخذُه عن نفسه تعذيب ، ورده إلى قلبه تقريب . طوبى لنفس كانت له طائعة ، وشموس الحقيقة فى قلوبها طالعة ! ثم أنشد : فاستضاءت فما لها من غروبٍ طلعتْ شمس من أحبَّك ليلاً إنّ شمس النهار تطلع بالليـ وشمسُ القلوب لیس تغيب ويذكرون أنه سُمِّىَ الحلاج ، لأنه اطلع على سر القلوب، وكان يخرج لبّ الكلام كما يخرج الحلاج لتَّ القطن بالحلج. وقيل كان يقعد بواسط بدكان حلّاج فمضى الحلاج فى حاجة ورجع فوجد القطن محلوجاً مع كثرته ، فسماه الحلاج . ٨٨ سنة ٣٠٩ فقال له : مَنْ أحضر ما ليس يحاضر صنع غير مصنوع ، قال محمد بن يحيى الصولى : أنا رأيت هذا الرجل مرَات، وخاطبته ، فريته جاهلاً يتعاقل ، وَعِيًّا وفى الصوفية من يقبله ويقول: إنه كان يعرف اسم الله الأعظم، ومنهم من يردّه ، ويقول : كان ممّهاً، ويذكرون أن الشّبلى أنفذ إليه بفاطمة النيسابورية ، وقد قطعت يده ، فقال لها: قولى له إن اللّه ائتمنك على سرّ من أسراره ، فأذعتَه فأذاقك حدّ الحديد ، فإن أجابك فاحفظى جوابه ، ثم سليه عن التصوّف ما هو ، فلما جاءت إليه أنشأ يقول : لمّا غلب الصبر تجاسرت فكاشفتك(١) ك أن ينهتك الستر وما أحسن فى مِثْد ففى وجهك ◌ِ عُذْرُ وإن عنّفنى الناسُ إلى وجهك يا بدر کأن البدر محتاجٌ - وهذا الشعر للحسين بن الضحاك الخليع الباهلى - ثم قال لها : امضى إلى أبى بكر وقولى له : يا شبلىّ، والله ما أذعت له سراً، فقالت له : ما التصوف ؟ فقال : ما أنا فيه ،. والله ما فرقت بين نعمة وبلوى ساعةً قطّ، فجاءت إلى الشبلىّ ، وأعادت عليه ، فقال : يا معشر الناس الجواب الأول لكم ، والثانى لى ، وذكروا أنه لما قطعت بده ورجله صاح وقال : يطمع فى إفساده الدهرُ وحرمةِ الودّ الذى لم يكن باسُ ولا مسّنىَ الضرّ ما نالتى عند هجوم البلا إلا وفيه لكم ذكرُ ما قُدَّلى عضوٌ ولا مِفْصَلٌ وكتب بعض الصوفية على جذع الحلاج : ليكن صدرك للأسـ رار حصْنا لا يُرامُ مر ويُفْشيه اللئامُ إنما يَنطقُ بالسـ فى كتاب المنتظم (٢) لابن الجوزى حوادث سنة ثلثمائة: ( ٩) هذا الشطر تكملة من ديوان الحلاج . ( ٢) المنتظم : ٦ : ١٦٠. ٨٩ سنة ٣٠٩ يتفصِح ، وفاجراً يظهر التنسّك ، ويلبس الصوف ، فأول من ظفر به علىّ بن أحمد الراسي ، لما اطّلع منه على هذه الحال ، فقيّده وأدخله بغداد على جمل قد شهره ، وفيها صلب الحسين بن منصور الحلاج ، وهو حى فى الجانب الشرقى يوم الأربعاء والخميس ، وفى الجانب الغربى يومى الجمعة والسبت لاثنتى عشرة بقيت من ربيع الآخر. وفيها : قبض بالسوس على الحسين بن منصور الحلاج،وحصل فى يد عبد الرحمن ابن خليفة علىّ بن أحمد الراسبىّ ، وأخذت له كتب ورقاع فيها أشياء مرموزة ، ثم حُمل فأدخل إلى مدينة السلام على جمل ومعه غلام له على جمل آخر مشتهرَيْن ، ونودى عليه : هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه ، فحبس ثم أحضره الوزير علىّ بن عيسى وناظَرَه ، فلم يجده يقرأ القرآن ولا يعرف من الفقه شيئاً ، ولا من الحديث ولا من الأخبار ولا الشعر ولا اللغة ، فقال له علىّ بن عيسى : تَعلّمك الطهور والفروض أجْدَى عليك من رسائل لا تدرى ما تقول فيها كم تكتب ، ويلك إلى الناس تبارك النور الشعشعانى ، ما أحوجك إلى الأدب ، ثم أمر به فصُلِبَ حيًّا فى الجانب الشرقى فى مجلس الشرطة ، ثم فى الجانب الغربىّ حتى رآه الناس، ثم حُمل إلى دار السلطان فحبس بها فاستمال بعض أهلها بإظهار السّنة ، حتى مالوا إليه وصاروا يتبّكون به ، ويستدعون منه الدعاء وستأتى أخباره إن شاء الله . ذكر من توفى فى هذه السنة ، سنة تسع وثلثمائة الحسين بن منصور بن محمى الحلاج ويكنى (١) أبا مغيث من الأكابر ، وقيل أبا عبد الله كان جدُّه محمى مجوسيًّا من أهل بيضاء فارس، ونشأ الحسين بواسط وقيل: يُتُسْتر ، ثم قدم بغداد ، وخالط الصوفية، ولقى الجُنيد والثورىّ(٢) وغيرهما، وكان مخلّطا، ففى أوقات يلبس المُسوح ، وفى أوقات يلبس الثياب المصبغة ، وفى أوقات يلبس الدّاعة (١) المنتظم ٦ : ١٦٠ (٢) المنتظم ((النورى)). ٩٠ سنة ٣٠٩ وكتب بقصته وما ثبت عنده فى أمره ، فأحضره علىّ بن عيسى أيام وزارته فى سنة إحدى وثلثمائة ، وأحضر الفقهاء ، ونوظر فأسقط فى لفظه ، ولم يحسن من القرآن شيئاً والعمامة ، ويمشى بالقَباء على زىّ الجند ، وطاف البلاد ، وقصد الهند وخُراسان وما وراء النهر وتركستان، وكان أقوامٌ يكاتبونه بالمغيث، وأقوام بالمقيت ، وتسمية أقوام : المصطلم وأقوام: المجبر. وحجّ وجاور، ثم جاء إلى بغداد فاقتنى العقار، وبنى داراً . واختلف الناس فيه ، فقوم يقولون إنّه ساحر ، وقوم يقولون : له كرامات ، وقوم يقولون : منمّس . قال أبو بكر الصولى : قد رأيت الحلاَّج وجالسته ، فرأيت جاهلا يتعاقل ، وغبيًّا يتبالغ ، وفاجراً يتزهّد ، وكان ظاهره أنه ناسك صوفىٌّ ، فإذا علم أن أهل بلدة يرون الاعتزال ، صار معتزليًّا، أو يرون الإمامة صار إماميًّا، وأراهم أن عنده عِلْماً بإمامهم ، أو رأىَ أهل السنة صار سنّيًا ، وكان خفيفَ الحركة، مفتنًّا، قد عالج الطب ، وجرّب الكيميا ، وكان مع جهلهِ خبيثاً ، وكان ينتقل فى البلدان . أنبأنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، أنبأنا أحمد بن علىّ الحافظ ، حدثنى . أبو سعيد السُّجزى ، أخبرنا محمد بن عبد الله الشيرازيّ ، قال : سمعت أبا الحسن ابن أبى بُوَيه يقول : سمعت علىّ بن أحمد الحاسب ، يقول : سمعت والدى يقول : وجّهنى المعتضد إلى الهند ، وكان معى فى السفينة رجل يدعى بالحسين بن منصور ، فلمّا خرجنا من المركب ، قلت له : فى أىّ شىء جئت إلى هاهنا؟ قال: لأتعلّم السحر ، وأدعوَ الخلق إلى اللّه تعالى . أخبرنا القزّاز، أنبأنا أحمد بن علىّ ، أخبرنا علىّ بن أبى علىّ ، عن أبى الحسن أحمد ابن يوسف ، قال : كان الحلاج يدعو كل وقت إلى شىء على حسب ما يستنكه ، طائفة طائفة . وأخبرنى جماعة من أصحابه أنه لما افتتن الناس بالأهواز وكُورها بالحلاج ، وما يخرجه لهم من الأطعمة والأشربة فى غير حينها ، والدراهم التّى سماها دراهم القدرة ، محدّث أبو علىّ الجَّائى فقال لهم : هذه الأشياء محفوظة فى منازل تمكن الحيل فيها ، ولكن أدخلوه بيتاً من بيوتكم لا من منزله ، وكلّفوه أن يخرج منه جَررتين شوكاً ، فإن فعل ٩١ سنة ٣٠٩ ولا من الفقه ولا من الحديث ولا من الشعر ، ولا من اللغة ، ولا من أخبار الناس فسحفه وصفعه ، وأمر به فصُلِب حيًّا فى الجانب الشرقىّ ثم فى الجانب فصدّقوه . فبلغ الحلاج قوله ، وإنّ قوماً قد عملوا على ذلك ، فخرج عن الأهواز . أخبرنا القزّار أنبأنا الخطيب ، قال حدثنى مسعود بن ناصر ، أخبرنا ابن باكويه ، قال : سمعت أبا زرعة الطبرى يقول : سمعت محمد بن يحيى الرازىّ يقول: سمعت عمرو بن عثمان ، يلعن الحلاج ويقول : لو قدرت عليه لقتلته بيدى ، قرأت آية من كتاب الله فقال : يمكننى أن أؤلف مثله أو أتكلم . قال أبو زرعة: وسمعت أبا يعقوب الأقطع يقول: زوجت ابنتى من الحلّاج الحسين ابن منصور لما رأيت من حسن طريقته ، فبان لى بعد مدة يسيرة أنه ساحر محتال خبیث کافر . قال المصنف : أفعال الحلاج وأقواله وأشعاره كثيرة،وقد جمعت أخباره فی کتاب سميته: القاطع لمجال اللجّاج القاطع بمحال الحلاج ، فمن أراد أخباره فلينظر فيه ، فقد كان هذا الرجل يتكلّم بكلام الصوفية فيندر له كلمات حسان ، ثم يخلطها بأشياء لا تجوز ، وكذلك أشعاره ، فمن المنسوب إليه : سرّ سَنَا لا هوته الثاقبِ سبحان مَنْ أظهر ناسوتَه فى صورة الآ كل والشاربِ ثم بدا فى خلقه ظاهراً كلحظةالحاجب بالحاجب حتى لقد عاينه خلقُه فلمّا شاع خبره ، أخِذ وحُبس ونوظر ، فاستغوى جماعة ، وكانوا يستشفُون بشرب بوله ، وحتى إن قوما من الجهال قالوا : إنه إله وإنه يحيى الموتى . ل قال أبو بكر الصولى: أول مَنْ أوقع بالحلّاج أبو الحسين على بن أحمد الراسبى ، فأدخله بغداد وغلاماً له على جملين قد شهرهما ، وذلك فى ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثمائة ، وكتب معهما كتاباً يذكر فيه أنّ البينة قامت عنده بأن الحلّاج يدّعى الربوبية ، ويقول بالحلول ، فأحضره علىّ بن عيسى فى هذه السنة ، وأخضر الفقهاء فناظروه ، فَأُسْقِط فى لفظه ، ولم يجده يحسن من القرآن شيئاً ، ولا من غيره ، ثم حُبس ثم حُمِل إلى دار الخليفة ، فحُبس . ٩٢ ١ سنة ٣٠٩ الغربىّ ، ليراه الناس، ثم حبس فى دار الخليفة، فجعل يتقرَّب إليهم بالسُّنة، فظنُّوا ما يقول حقًّا . ثم انطلق، وقد كان ابن الفرات كبسه فى وزارته الأولى وُنِى بطلبه موسى ابن خلف فأفلت هو وغلام له، ثم ظفر به فى هذه السنة ، فسُلَّم إلى الوزير حامد ، قال الصولىّ : وقيل إنه كان يدعو فى أول أمره إلى الرضا من آل محمد، فسُعِىَ به فَضُرب ، وکان یُری الجاهل شيئاً من شعبذته ، فإذا وثق دعاه إلى أنه إله ، فدعا فيمن دعا أبا سهل بن نونخت ، فقال له : أنبت فى مقدم رأسى شعراً . ثم ترقت به الحال إلى أن دافع عنه نصر الحاجب لأنه قيل له. هو سَنَّى ، وإنما يريد قتله الرافضة ، وكان فى كتبه : إنى مغرّق قوم نوح ومهلك عاد وثمود . وكان يقول لأصحابه : أنت نوح ، ولآخر أنت موسى ، ولآخر أنت محمد . قد أعيدت أرواحهم إلى أجسامكم . وكان الوزير حامد بن العباس قد وجد له كتباً وفيها أنه إذا صام الإنسان ثلاثة أيام بلياليها ولم يفطر ، وأخذ فى اليوم الرابع ورقات هند باء فأفطر عليها أغناه عن صوم رمضان . وإذا صلّى فى ليلة واحدة ركعتين من أول الليل إلى الغداة أغنتاه عن الصلاة بعد ذلك ، وإذا تصدق فى يوم واحد بجميع ملكه فى ذلك اليوم أغناه عن الزكاة ، وإذا بنى بيتاً وصام أياماً ثم طاف حوله عُرياناً أغناه عن الحجّ ، وإذا صار إلى قبور الشهداء بمقابر قريش فأقام فيها عشرة أيام يصلّى ويدعو ويصوم ولا يفطر إلاَّ على يسير من الخبز الشعير والملح الجريش أغناه ذلك عن العبادة فى باقى عمره . فأحضر الفقهاء والقضاة بحضرة حامد فقيل له : أتعرف هذا الكتاب ؟ قال : هذا كتاب السّنَن الحسن البصرى ، فقال له حامد : ألست تدين بما فى هذا الكتاب ؟ فقال : بلى ، هذا كتاب أدين اللّه بما فيه ؛ فقال له أبو عمر القاضى : هذا نقض شرائع الإسلام ثم جاراه فى كلام إلى أن قال له أبو عمر : يا حلال الدم ، وكتب بإحلال دمه وتبعه الفقهاء ، فأفتوا بقتله وأباحوا دمه . وكتب إلى المقتدر بذلك ، فكتب : إذا كانت القضاة قد أفتوا بقتله ، وأباحوا دمه فليحضر محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة ، وليضربه ألف سوط ، وإن تلف ، وإلا ضربت عنقه ، فأحضر بعد العشاء الآخرة ، ومعه جماعة من أصحابه على بغال مولّية يجرون مجرى الساسة ، ليُجعل على واحد منها ويدخل فى غمار القوم ، فحمل وباتوا مجتمعين حوله ، فلما أصبح يوم ٠ ٩٣ سنة ٣٠٩ وکان عنده يخرجه إلى من حضره فيصفع وينتف لحيته . وأُحضِر يوماً صاحب له يعرف بالسّمرىّ فقال له حامد الوزير : أما زعمت بأن صاحبكم هذا كان ينزل عليكم من الهواء ، أغفل ما كنتم ؟ قال : بلى ، فقال له : فلم لا يذهب حیث شاء ، وقد تركته فى داری وحده ، غير مقيّد، ثم أحضر حامد الوزير الثلاثاء لست بقين من ذى القعدة أخرج ليُقتل فجعل يتبختر فى قيده ويقول : إلى شىء من الحيف نديمى غير منسوب كفعل الضّيف بالضيف سقانى مثل ما يشرب دعا بالنِّطع والسَّيْف فلما دارت الكاش مع التِّنين فى الصيف كذا من يشرب الرَّاح فِضُرب ألف سوط ثم قُطعت بده ثم رجله ، وحزّ رأسه ، وأحرقت جثته وألقى رماده فی دجلة . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، أخبرنا أحمد بن علىّ بن ثابت ، حدثنا عبيد الله ابن عثمان الصيرفى قال : قال لنا أبو عمرو بن حَيَّويه : لما أخرج الحلاج ليُقتل مضيتُ فى جملة الناس، ولم أزل أزاحم حتى رأيته ، فقال لأصحابه: لا يهولنكم هذا، فإنى عائد إليكم بعد ثلاثين يوماً ، وهذا إسناد صحيح لا شك فيه وهو يكشف حال هذا الرجل ، أنه كان ممخرَقاً يستخفُّ عقول الناس إلى حالة الموت . أنبأنا القزاز أنبأنا أحمد بن علىّ أنبأنا القاضى أبو العلاء قال : لما أخرج الحسين ابن منصور ليقتل أنشد : طلبتُ المستقرَّ بكل أرضِ فلم أر لى بأرضٍ مستقرًا ولو أنى قنعتُ لكنت حُرًّا أطعتُ مطامعی فاستعبدتنِی ومن الحوادث فى سنة اثنتى عشرة وثلثمائة أن نازوك جلس فى مجلس الشرطة ببغداد فأحضر له ثلاثة نفر من أصحاب الحلاج وهم حيدرة والشعرانى وابن منصور فطالبهم بالرجوع عن مذهب الحلاج ، فأبوا فضربت أعناقهم ثم صلبهم فى الجانب الشرقى من بغداد ووضع رءوسهم على سور السجن فى الجانب الغربى . ٩٤ سنة ٣٠٩ عـ القاضى والفقهاء واستفتاهم فيه ، فحصلت عليه شهادات بما سمع منه أوجبت قتله ، فعرف المقتدر بما ثبت عليه ، وما أفتى به الفقهاء فيه ، فوقّع إلى صاحب شرطته محمد ابن عبد الصمد بأن يخرجه إلى رحبة الجسر ، ويضربه ألف سوط ، ويقطع يديه ورجليه ، ففعل ذلك به، ثم أحرقه بالنار . وذلك فى آخر سنة ثلثمائة وتسع . وأقام الحج للناس فى هذه السنة أحمد بن العباس . وفى تاريخ الإسلام للذهبى حوادث سنة تسع وثلثمائة : وجمعت أخباره فى كتاب . وكان قد صحب الجنيدَ وعمرو بن عثمان المكىّ،وتمزق فى بدايته وجاع وتجرّد، لكن فى رأسه رئاسة وكبر، فسلّط اللهُ عليه لما تمَّد وخرج عن دائرة الإيمان مَن انتقم منه ، فأفتى العلماءُ بكفره ، وقد افتتن به خلق من الرعاع الجهّال وأتباع كلّ ناعق عندما رأوا من سحره وشعْوذته وحاله وإشارته التى يستعملها متأخرو الصوفية بحيث إنهم تألهوه ودانوا بربوبيته ، وقد اعتذر الإمام أبو حامد عنه فى مشكاة الأنوار ، وأخذ يتأوَّل أقواله على محامل حسنة بعيدة من الخطاب العربىّ الظاهر . قال أبو سعيد النقاش فى تاريخ الصوفية : منهم مَن نسبه إلى السّحر ومنهم من نسبه إلى الزندقة . وحكى أبو عبد الرحمن السُّلمىُّ اختلاف الطائفة فيه ، ثم قال: هو إلى الرّد أَقْرِبُ . وكذا حطَ عليه الخطيبُ وأوضح سحره وضلاله. وضلّله ابن الجوزى . وقال ابن خلكان : أفتى أكثر علماء عصره بإباحة دمه . وقال أبو بكر بن أبى سعد : إن الحلاج ممّه ممخرق ، وعن عمرو بن عثمان المكى قال : سمعنى الحلاج وأنا أقرأ القرآن فقال: يمكننى أن أقول مثله ، فقلت إن قدرتُ عليك لأقتلنّك . وقال أبو يعقوب الأقطع وجعفر الخلدى : الحلاج كافر خبيث. : ! سنة ٣١٠ ٩٥ ثم دخلت سنة عشر وثلثمائة : ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس وفى هذه السنة اعتلَ المقتدر باللّه علّة شديدةً، فزعموا أنّ أم موسى القهرمانة أرسلت إلى بعض أهله برسالة تقرّب عليه ولاية الأمر ، وانكشف ذلك له ولأمه وجميع خاصته ، وقَبضُوا عليها وعلى أختها أم محمد وأخيها أحمد بن العباس ، وأخِذَتْ منهم أموال ، وأخذت لهم ودائع عند قوم. وكثر الإرجاف بحامد بن العباس ، والطعن عليه، وسُمِّيت الوزارة لأقوام ، فقيل يخرج علىّ بن محمد بن الفرات فيولاًها ، وقيل يجبر علىّ بن عيسى على ولايتها ، وقيل ابن أبى الحوارى ، وقيل ابنُ أبي البغل ، فكتبت رقعة وطرحت فى الدار التى فيها السلطان ، وفيها : قل للخليفةِ قُلْ لِ مَنِ الوزيرُ علينا أحامدٌ فهو شَيخٌ أمِ البخيلُ ابنُ عيسى أمِ الذى عند زيدًا أم الفتى المتأنى أم ابنُ بِسطام أعجِلْ أمْ طاِئٌ ليس نَدِی - الفتى المتأنى ابن الخصيبى ، والشيخ المعقّف ابن أبى البغل . إن كنتَ فى الحكم تُنْصِفْ حتى نُقِرَّ ونَعَرفْ واهِى القُوِى مُتُخلّفْ فهو المُنُوعُ المطَفّفْ نَ للمشورةِ يَعْلِفْ أَمِ الظريفُ المغَلِّفْ أُمِ الشُّْخُ المَعَقَّفْ مِنْ أَىّ وجهٍ يُلَقَّفْ وفى هذه السنة استضعف السلطانُ صاحب شرطة بغداد فيما كان من العامّة، فعزله ووَى شرطته نازوك المعتضدّى ، فبانت صرامته فى أول يوم ، وقام بالأمر قياماً لم يقم مثله أحد . وفلّ من حدّ الرجَّالة ، وكانت نارهم موقدة ، وحاربهم حتى أذعنوا وتناولوا حوائجهم منه بخضوع له بعد أن قصدوا داره ليحرقُوها، وهو فى وقته الذى مُلَّ فيه نازل : ٩٦ سنة ٣١٠ على دجلة وعلى الزاهرية ، فاستعان بالغلمان فشرّدهم وأعانه نصر الحاجب عليهم ، وهو كان سبب توليته، لأنه بلغه أن عروساً زُقَّتْ إلى زوجها بناحية سوق الشتاء ، فخرج بعضُ أولاد الرّجالة، ومعه جماعة منهم ، فأخذها وأدخلها إلى داره ، وفجر بها . ثم صرفها إلى أهلها ، فأظهر الناس شدة الإنكار لهذا ، وعظَّموه بحسب عظمه ، وكلّ ما قدر عليه نصر الحاجب أن أسقط رزق هذا الرجل ، ونفاه ، ثم أشار بولاية نازوك . فاشتدَ عليهم، وصلب فى أمرهم وشكر له فعله فيهم . وحج بالناس فى هذه السنة إسحاق بن عبد الملك . ٠٠٠ ۔ ٠ ستة ٣١١ ٩٧ ثم دخلت سنة إحدى عشرة وثلثمائة ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس كانت هذه السنة ببغداد وما والاها شديدة الوطأة على الناس ؛ حتى سُمِّيَتْ سنة الدّمار . وذلك أن علىّ بن محمد بن الفرات وُلَّ فيها الوزارة المرة الثالثة ، وتقبض على الوزير حامد بن العباس وعلى علىّ بن عيسى(١) . وذلك يوم الخميس لتسع ليال بقين من شهر ربيع الآخر ، فدخل الجنّابىَ والقرامطة البصرةَ ليلة الاثنين بعد ولايته بأربعة أيام . وكان خبر ولاية ابن الفرات والقبض على حامد وعلىّ بن عيسى قد وصل إلى الجنّابِىّ وأصحابه من وقته من قِبَل مَنْ كان يكاتبهم ؛ لأن بعض البصريين الثَّقات حكوا أن القرامطة كانوا يقولون لهم يوم دخولهم: ويلكم ما أرَّ(٢) سُلَيْطِينكم فى إبعاد ذلك الشيخ عن نفسه ، ولَيَعلَمَّن ما يلقى بعده . قالوا : ونحن لا ندرى ما يقولون حتى وردنا الخبر بعد ذلك بالقبض على حامد وعلىّ وولاية ابن الفرات ، فعلمنا ما أرادت القرامطة ، وأنّ الخبر أتاهم من وقته فى جناح طائر على ما أزكَن الناس آلته ، واعتقدوا صحته. فعائت القرامطة فى البصرة ، ودخلت الخيل المِرْبد ، وكان سْبُك المفلحىّ القائد بها ، فلما سمع الصيحة وقت الفجر . فخرج وهو يظنّ أنها لفزعةٍ دارت . فلما توسّط المربد يريد الدَّرْب رأته القرامطة وهم وقوف بجانبى الشارع، فشدُّوا عليه فقتلوه ، وقتلوا بعض مَنْ كان معهُ، وركض الباقون فأفلتوا ، وقاتلهم أهل البصرة فى شارع المِرْبد إلى عشىّ ذلك اليوم ، ولا سلطان معهم . فلم يظفروا بهم إلا بالنّار فإنهم كانوا كلّما حَوَوْا موضعاً أحرقوه ، وانهزم أهل البصرة وجال القرامطة فى شارع (١) فى ابن الأثير: ((وكان سبب ذلك أن المقتدر ضجر من استغاثة الأولاد والحرم والخدم والحاشية من تأخير أرزاقهم ، فإن علىّ بن عيسى كان يؤخرها، فإذا اجتمع عدة شهور أعطاهم البعض وأسقط البعض الآخر وحط من أرزاق العمال فى كل سنة شهرين وغيرهم ممن له رزق ، فزادت عداوة الناس له )) . (٢) الركاكة : ضعف العقل ... ---------- ٩٨ سنة ٣١١ المِرْبد، ومُرُّوا بالمسجد الجامع وسكّة بنى سَمُرة حتى انتهوا إلى شطِّ نهر البصرة المعروف بنهر ابن عمر الّذى كان أنفذ حفره عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ، وكانوا يخرجون من البصرة ليلا إلى معسكرهم بظهر البصرة ، ولا يبيت بها منهم أحد فَرَقاً ، فأقاموا أياماً على ذلك ، ثم انصرفوا ، وقد كان السلطان أنفذ إلى البصرة حين بلغه ذلك بُنىّ بن نفیس وجعفر بن محمد الزرنجی فی جیش . ثم ولى شرطة البصرة محمد بن عبد اللّه الفارقى وأنفذه فی جیش ثانٍ . وخرج ابن الفرات فى هذه الوقعة مغيظًا على الناس ، وأطلق يد ابنه المحسّن ، فقتل الناس ، وأخذ أموالهم ، وغَلبا على أمّ المقتدر باللّه وملكا أمرها . وكان الذى سفر لهما فى ذلك مُفْلحٌ الخادم الأسود ، وكان الأمر كلّه إليه وإلى كاتبه النّصرانى المعروف ببشر بن عبد الله بن بشر، وكان محبوباً ، فاحتالوا على مؤنس المظفّر ، حتى أخرجوه إلى الرَّقة وأزعجوه من باب الشمآسيّة فكان كالنفى له . وكان حامد بن العباس قد استتر وعليه من المال الذى عقده على نفسه ألف ألف دینار ، فاحتال حامد إلى أن وصل إلى باب السلطان ، فدخل إلى نصر الحاجه،، فقال له : قد تضمَّنى بألف ألف دينار ، فخذُوا منى ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار واحبسونى عندكم ، واحتسبوا لابن الفرات بألف ألف دينار التى تضمّنَنى بها ولا تطلقوا أيديهم علىَ. فأخبر بذلك الخليفة ، وأشار به عليه، وقال: هاهنا فضل مال، ويكون فى حبسنا رجل هو بيت مال للسلطان ، فتلوَّموا فى ذلك وقال المحسّن لمفلح الخادم . يفسد علىّ أمرى كلّه ، ولا بدّ من تسليمه إلىّ ، فلم يزل مُفْلح بالمقتدر والسيدة حتى زالا عن الصواب ، وسلّما حامدًا إلى ابن الفرات فكان يُصفَع ويُضرب ، ويخرجه المحسّن إذا شرب فيلبسه جلدٍ قُرْد ، له ذنّب ، ويقيم مَنْ يرقّصه ويصفعُه ، ويشرب على ذلك ، وأجرى على حامد أفاعيل قبيحة ليست من أفاعيل الناس ، ولا يستجيزها ذو دين ولا عقل ، ولم يصل من ماله كثير شىء إلى السلطان، وضاع ما كانَ بذلَه، وحُدر إلى واسط سُلَّم إلى البَزَ وْفَرَىّ العامل ، فقتله ، وأخرجه إلى أهل واسط، وسلّمه إلى من يجنَّه. فاجتمع الناس ، وصلوا عليه وعلى قبره أياماً متوالية . وزعم ابن الفرات للسلطان أن علىّ بن عيسى خائن ممالى للقرمطىّ ، فصادره على مال استُخْرِج بعضه من قِبَله ، ثم نفاه إلى اليمن ووكّل به رجلا من أصحابه ، وأمره ٩٩ سنة ٣١١ بالاحتيالِ لَقَتْله ، فقبض اللّه يده عن ذلك بصاحب لشفيع اللؤلؤى صاحب البريد ، كان قد وثَّله به . فلمّا خرج عن مكة لقيه أصحاب ابن يعفُر ، فحالوا بينه وبين الموكلين به ، وأرادوا قتل الموگّل به لأنه كان أضجعه بمكة ليذبحه ، فخالفه عونٌ كان معه ، ودفع عنه ، فمنع علىَّ بن عيسى مَنْ قتل الموكّل به . ولما بلغ ابنَ يعفر تلقّاه أخوه ومعه هدايا عظيمة القدر ، فأكرمه وأنزله فى دار عظيمة ، وأنزل الموكّل به فى دار غيرها ، ولم يزل علىّ بن عيسى يُجرى بعد ذلك على العَوْن المخالف فى قتله ، وعلى عياله الجرايات دهراً طويلاً . ووجّه المحسّن ابنَ أبى الحواريّ إلى الأهواز ، فقُتِل بموضع یعرف بحصن مهدىّ ، وكان نصر الحاجب يدارى المحسّن وأباه ، ويطيل عنده إلى نصف الليل القعود ، وينصرف عنه حتى اتّصل به أن المحسّن ضمن لعشرين غلاماً عشرين ألف دينار ؛ على أن يقتلوا نصراً إذا خرج من عند أبيه فى بعض الممرات . فتحفّظ منه ، وكان لا يركب إلا فى غلمان كثيرة وسلاح عتيد ؛ واحتال فى إزالة نصر بكلٌ حيلة ؛ فما قدر على ذلك ، واحتال على شفيع المقتدرى ، فدسّ مَنْ يقع فيه ويقول : إنه إن خرج إلى الثغر يحصل عنده مالٌ عظيم ، فلم يجب إلى ذلك ، ونفى أبا القاسم سليمان ابن الحسن وأبا علىّ محمد بن علىّ بن مقلة إلى شيراز ، وكتب إلى إبراهيم بن عبد اللّه المسمعىّ فى إتلافهما فسلّمهما اللّه، ونفى النُّعمان بن عبد الله الكاتب ، وكان رجل صِدْق، وقد اعتزل الأعمال ، ولزم بيته وَغّة ضيعة له ، فغرَّبه إلى واسط ، ووجّه المحسّن رجلا كان يصحب ابن أبى العذافر خلفه ، فذبحه بواسط ، ونفى إبراهيم بن عيسى وعبد الله ابن ما شاء اللّه إلى واسط، ودسَ إليهما مَنْ قتلهما ، وطالب ابن حمّاد الموصلىّ الكاتب فقال له نصر الحاجب : سَلّمْه إلىّ وعلىّ مائة ألف دينار من قِبله، وأُسلِّمه بعد هذا إليكم على أن تلزموه بيته ، فلم يفعل المحسّن ذلك وعَنْف به وشتمه ، فردّ عليه ابن حماد القول فقتله . وكان أبو بكر أحمد بن محمد بن قرابة يتكلّف للمحسّن نفقاته كلّها من ماله أيام نكبة أبيه وخموله ، فلمّا ولى الوزارة أكرمه أبوه ، وأقبل عليه فحسده المحسّن ، وجعل يحتال فى تلفه ، وعزم على أن يركبه معه ليلاً فى طيّارة من داره التى يسكنها المحسّن إلى دار أبيه بالمخرِّم ، فإذا توسط دجلة أمر مَنْ يرمى بابن قرابة فيها، وكانت أيام مدود . ١٠٠ سنة ٣١١ قال الصّولىّ : فعرَّفى بذلك سرّاً خادم للمحسّن يقال له مريث(١) لمودة كانت بينى وبينه فأشعرت ابن قرابة بما ذهب إليه فيه ، فلم يدخل له داراً ولا جلس معه فى طيّار إلى أن فرج الله أمرهم، ولم تطل المدة . قال الصولىّ : وكان المحسّن مقماً عندى أيام نكوبهم ، وكنت كثير الانحراف إليهم ، فلما عادوا إلى المنزلة التى كانوا بُعِّدُوا عنها اختصّنى علىّ بن الفرات وأمرنى بملازمة مجلسة وزاد فى رزقى سبعين ديناراً وقال لى : انظر ما تريد من الأعمال أقلّدك إياه ، فسعى بى المحسّن إلى أبيه بفعل واشٍ وشى بى إليه ، فتقُل جانبى على الوزير ، حتى قلت فى ذلك قصيدة فأصغى إليها وقبل اعتذارى فيها ، وزال ما كان فى نفسه ، وبقى المحسِّن على غِلّه ، ومن الشعر إذا اختصرناه ... قل لِرَحَا مُلكِنا وللقُطُِب وللوزير البعيدِ هِمَّتُهُ لا والذى أنتَ من فواضله ما كان شىءٌ ممّا وشى لكُمُ هل علّةٌ أوجبتْ علىَّ سوَى أكفُرُ نعْماكُمُ ويَشكُرُها فسائِلوا علمَ ذاك أنفسَكُم مَى سمعتم من السُّعاةِ أرا وأوطنَ الحتفَ فى ديارهمُ وليسكُم رأس مالكم أبداً وسيدٍ وابنِ سادةٍ نُجْبٍ البالغِ المجدِ غايةَ الرتب يا منقِذَ الملك من يد النُّوب ذو حَسَدٍ مفتَرِ وذو كَذِب مَدْحی شکری فیالجدّ واللعب عدُكُمْ إِنَّ ذا مِنَ العجب فليس رأيى عنكمْ بمحتجِب فى اللهُ أشلاءَهُمْ على الخشب حتى يبادُوا بالويلِ والحَرَبِ والرأسُ إِن ضاعَ ليس كالذنَبِ وفى هذه السنة تُوُفِّىَ يانس الموقّقىّ ، وكان رفيعَ المكانة عند السلطان ، عظيمُ الغَناء عنه ، ولقد عُزُىَ به نصر الحاجب يوم وفاته ، فجعل يبكى ولا يتعزّى، وقال: لقد أصيب الملكُ مصيبة لا تنجبر ، وقال : من أين للخليفة رجل مثله ! شيخ ناصح مطاع ينزل عند سور داره من خيار الفرسان والغلمان والخدم ألف مُقاتل ، فلو حزب السلطانَ أمُرُ وصاح به صائح من القصر لوافاه من ساعته فى هذا العدد قبل أن يعلم بذلك غيرهم من جِنْسه . فلما تُوفَّى يانس انتصح نصر الحاجب الخليفة فى أمواله (١) فى الأصل من غير نقط