النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ سنة ٢٩٣ محاربتهم له وظفرهم به ، وأنهم موجّهون له إلى مدينة السلام ، فُرُدّت مضارب المكتفى ، وصرفت خزائنه ، وقد كانت جاوزت تكريت ، ثم أدخل مدينة السلام للنصف من شهر رمضان ابن الخليجىّ وأحد وعشرون رجلاً معه على جمال ، وعليهم برانس ودراريع حرير ، فحبسوا ثم خلع المكتفى على وزيره العباس بن الحسن خلعاً لحسن تدبيره فى أمر هذا الفتح . ثم لخمس خَلَوْن من شوال ، أدخِل بغداد رأسُ القرمطيّ المتسمى بنصر الذى انتهب مدينة هِيت منصوباً فى قناة ولسبع خَلَوْن من شوال ورد الخبر مدينة السلام ، بأن الروم أغاروا على قورس وقتلوا مقاتلَتهم ، ودخلوا المدينة، وأخربوا مسجَدها، وسبَوْا مَنْ يِقِىَ فيها ، وقتلوا رؤساء بني تميم المنضوين إليها وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمى . ١ ٢٢ سنة ٢٩٤ ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائتين ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس ففيها دخل ابن كيغلغ طرسوس غازياً فى أول المحرم ، وخرج معه رستم، وهى غزاة رستم الثانية ، فبلغوا حصن سلندوا)، وافتتحوه وقتلوا من الروم مقتلة عظيمة ، وأسروا وسبوا نحواً من خمسة آلاف رأس ، وانصرفوا سالمين . ولإحدى عشرة ليلة خلتْ من المحرم ، ورد الخبر بأنّ زكرويه القرمطىّ ، ارتحل من نهر المثنية يريد الحاجّ وأنه وافى موضعاً بينه وبين بعض مراحلهم أربعة أميال . وذكر محمد بن داود أنهم مضوا فى جهة المشرق ؛ حتى صاروا بماء سليم ، وصار مابينهم وبين السواد مفازة ، فأقام بموضعه ينتظر قافلة الحاجّ حتى وافتْه لسبع خلّون من المحرم ، فأنذرهم أهل المنزل بارتصاد القرامطة لهم ، وأنّ بينهم وبين موضعهم أربعة أميال . فارتحلوا ولم يقيموا ، وكان فى هذه القافلة ابن موسى وسيما الإبراهيمىّ فلمّا أمعنت القافلة فى السير ، صار القرمطىّ إلى الموضع الذى انتقلت عنه القافلة . وسأل أهلَ القيروان (١) عنها فأخبروه أنها تنقّلت ولم تُقِم، فأتهمهم بإنذار القافلة وقتل من العلّافين بها جماعة ، وأحرق العلف . ثم ارتصد أيضاً زكرويه قافلة خُراسان ، فأوقع بأهلها وجعل أصحابه ينخسون الجمال بالرّماح ، ويبعَجُونها بالسيوف ، فنفرت واختلطت القافلة ، وأكبّ أصحاب زكرويه على الحاجّ ، فقتلوهم كيف شاءوا، وسنبوا النساء ، واحتووا على ما فى القافلة . ثم وافى عليهم أهل القافلة الثانية ، وفيها المبارك القمىُّ وأحمد بن نصر العقيلىّ وأحمد ابن على بن الحسين الهمذانى ، وقد كان رحل القرامطة عن محلّتهم ، وعوّروا مياهها وملأوا بركها بحيف الإبل والدوابَ التى كانت معهم ، وانتقلوا إلى منزل العقبةفوافاهم بها أهلُ القافلة الثانية ، ودارت بينهم حرب شديدة ، حتى أشرفَ أهلُ القافلة على الظفر بالقرامطة ، وكشفوهم . ثم إنّ الفجرة تمكنوا فى ساقتهم من غَرَة ، فركبوها ووضعوا (١) القيروان : القافلة . F . ۔ ! ٢٣: سنة ٢٩٤ رماحهم فى جنوب إبلهم وبظونها، فطرحتهم الإبل وتمكنوا منهم ، فقتلوهم عن آخرهم إلا من استفدوه، وسبوا النساء واكتسحوا الأموال والأمتعة، وقتُل المبارك القمى والمظفر ابنه ، وقتل أبو العشائر، ثم قُطعت يداه ورجلاه ثم ضُربت عنقُه، وأفلت من الجرحى قوم وقعوا بين القتلى ، فتحاملوا فى الليل ومضوا . فمنهم مَن مات فى الطريق ، ومنهم مَنْ نجا ، وهم قليل . وكان نساء القرامطة وصبيانهم يطرفون بين القتلى ويعرضون عليهم الماء، فمن كان فيه رَمق، أو طلب الماء أجهزُوا عليه. وقيل إنه كان فى القافلة من الحاج نحو عشرين ألف رجل فقتل جميعهم غير نفر يسير . وذكر أن الذى أخذوا من المال والأمتعة فى هذه القافلة قيمة ألفى ألف دينار ، وورد الخبر على السلطان بمدينة السلام ، عشيّة يوم الجمعة لأربع عشر ليلة بقيت من المحرم بما كان من فعل القرامطة بالحاجّ ، فعظم ذلك عليه ، وعلى الناس ، وندب السلطان محمد ابن داود بن الجراح الوزير للخروج إلى الكوفة ، والمقام بها ، وإنفاذ الجيوش إلى الفرمطىّ، فخرج من بغداد لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم ، وحمل معه أموالاً كثيرة لإعطاء الجند . ثم صار زكويه إلى زُبالة فهوَّها وبثَ الطلائع أمامه ووراءه خوفاً من أصحاب السلطان وارتصاداً لورود القافلة الأخرى التى كانت فيها الأثقال وأموال التجاز وجوهر نفيس للسلطان، وبها من القواد نفيس المؤلّدى وصالح الأسود ، ومعه الشمسة والخزانة ، وكان المعتضد قد جَعَل فى الشمسة جوهراً نفيساً ، ومعهم أيضاً إبراهيم بن أبى الأشعث ، قاضى مكة والمدينة ، وميمون بن إبراهيم الكاتب والفُرات بن أحمد بن الفرات والحسن بن إسماعيل وعلىّ بن العباس النّهيكىّ . فلمّا صارت هذه القافلة بفيد، بلغهم خَبرُ القرامطة فأقاموا أياماً ينتظرون القوة من قبَل السلطان ، وأقبل القرامطة إلى موضع يعرف بالخليج ، فلقوا القافلة ، وحاربوا أهلها ثلاثة أيام . ثم عطش أهل القافلة وكانوا على غير ماء ، فلم يتمكّنوا منها ، فاستسلموا . فوضع القرامطة فيهم السيف ، ولم يفلتْ منهم إلا اليسير، وأخذ القرامطة جميعَ ما فى القافلة ، وسبَوا النساء ، واكتسحوا الأموال. ثم توجه زكرؤيه بمن معه إلى فيد،وبها عامل السلطان فتحصّن منه، وجعل زكرويه يراسل أهلَ فَيْد بأن يسلموا إليه عاملهم فلم يجيبوه إلى ذلك ثم تنقل إلى النّباج . ثم إلى حُفير أبى موسى الأشعرى . : ٢٤ سنة ٢٩٤ وفى أول شهر ربيع الأول أنهض المكتفى وصيف بن سوارتكين ومعه جماعة من القوّاد إلى القرامطة فنفذوا من القادسيّة على طريق خَفَّان ، والتقى وصيف بالقرامطة ، يوم السّبت لثمان بقين من ربيع الأول ، فاقتتلوا يومهم ذلك ؛ حتى حجز بينهم المساء ، ثم عاودهم الحرب فى اليوم الثانى ، فظفر جيش السلطان بالقرامطة ، وقتلوا منهم مقتلةً عظيمةٍ ، وخلصوا إلى زكرويه ، فضربه بعضُ الجند ضربةً بالسيف ، اتّصلت بدِماغه ، وأُخذ أسيراً، وأخذ معه ابنه وزوجته وكاتبه وجماعة من خاصته وقرابته واحتوى الجند على جميع مافى عسكره، وعاش زكرويه خمسة أيام ثم مات . فشُقّ بطنه،وحمل كذلك وانطلق مَنْ کان بقی فی یدیه من أسرى الحاجّ . وفيها غزا ابن كَيْغَلغ من طَرَسوس ، فأصاب من العدو أربعة آلاف رأس سنى ، ودوابّ ومواشتى كثيرة ومتاعاً ، وأسلم على يده بِطْريق من البطارقة .: وفيها كتب أندرو نفس البطريق ، وكان على حرب أهل الثّغور من قِبل صاحب الروم إلى السلطان يطلُب الأمان ، فأجِيب إلى ذلك ، وخرج بنحو مائتى نفس من المسلمين كانوا عنده أسرى ، وأخرج ماله ومتاعه إلى طَرَسوس . وفى جمادى الآخرة ظفِر الحسين بن حمدان بجماعة من أصحاب زكرويه كانوا هربوا من الوقعة ، فقتل أكثرهم وأسر نساءهم وصبيانهم . وفيها وافى رسلُ ملك الروم بابَ الشماسية بكتاب إلى المكتفى يسأله الفداء بمن معهم من المسلمين لمن فى أيدى الإسلام من الّوم ، فدخلوا بغداد ومعهم هذّية كبيرة وعشرة من أسارى المسلمين . وفيها أَخذ قوم من أصحاب زكرويه أيضا ووجّهدا إلى باب السلطان . وفيها كانت وقعة بين الحسين بن حمدان وأعراب كلْب والنمِر وأسد وغيرهم كانوا خرجوا عليه فهزموه حتى بلغوا به باب حلب . وفيها هزم وصيف بن سوارتكين الأعراب بفيد ثم رحل سالما بمن معه من الحاجٌ . وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك . ١ ٢٥ سنة ٢٩٥ ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس فمن ذلك ما كان من خروج عبدالله بن إبراهيم المِسْعى عن مدينة أصبهان إلى قرية من قراها على فراسخ منها، وانضمام نحو من عشرة آلاف كردىّ إليه، مظهراً الخلاف على السلطان، فأمر المكتفى بدراً الحمامى بالشَّخوص إليه، وضمَ إليه جماعة من القوّد فى نحو من خمسة آلاف من الجند . وفيها كانت وقعة للحرّ بن موسى على أعراب طيئ ، فواقعهم على غِرّة منهم ، فقتل من رجالهم سبعين ، وأسر من فرسانهم جماعة وفيها تُوُقِّىَ إسماعيل بن أحمد فى صفر؛ لأربع عشرة ليلة خلت منه، وقام ابنُه أحمد ابن إسماعيل فى عمل أبيه مقامه. وذُكر أنّ المكتفى قعد له وعقد بيده لواءه ، ودفعه إلى طاهر بن علىّ ، وخلع عليه ، وأمره بالخروج إليه باللواء . وفيها ◌ُجِّه منصور بن عبدالله بن منصور الكاتب إلى عبدالله بن إبراهيم المسمعىّ وكتب إليه يحوّفه عاقبة الخلاف ، فتوجّه إليه . فلما صار إليه ناظره ، فرجع إلى طاعة السلطان ، وشخص فى نفر من غلمانه ، واستخلف بأصبهان خليفة له ومعه منصور بن عبدالله . حتى صار إلى باب السلطان،فرضى عنه المكتفى ووصله وخلع عليه وعلى ابنه . وفيها أوقع الحرّ بن موسى بالكردىّ المتغلّب على تلك الناحية، فتعلّق بالجبال فلم يُدرَك . . وفيها فتح المظفر بن حاج ما كان تغلّب عليه بعض الخوارج باليمن، وأخذ رئيساً من رؤسائهم يعرف بالحكيمىّ . وفيها لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة أمر خاقان المفلحىّ بالخروج إلى أذر بيجان لحرب يوسف بن أبى الساج ، وضمّ إليه نحو أربعة آلاف رجل من الجند . ولثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان دخل بغداد رسول أبى مُضربن الأغلب ، ومعه فتح الأنجحىّ وهدايا وجّه بها معه إلى المكتفى . ---- ٢٦ سنة ٢٩٥ وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم فى ذى القعدة فقدى ممن كان عندهم من الرجال ثلاثة آلاف نفس . ذكر علّة المكتفى بالله وما كان من أمره إلى وقت وفاته وكان المكتفى علىّ بن بن أحمد يشكو علّة فى جوفه ، وفساداً فى أحشائه ، فاشتدّت العلّة به فى شعبان من هذا العام، وأخذه ذَرَبٌ (١) شديد أفرط عليه ، وأزال عقله ؛ حتى أخذ صافى الحُرمى خاتمه من يده ، وأنفذه إلى وزيره العباس بن الحسن وهو لا يعقل شيئاً من ذلك ، وكان العباس يكره أن يَلِىَ الأمر عبد اللّه بن المعتز ، ويخافه خوفاً شديداً، فعمل فى تصيير الخلافة إلى أبى عبد الله محمد بن المعتمد على اللّه ، فأحضره داره ليلاً، وأحضر القاضى محمد بن يوسف وحدَه ، وَكلّمه بحضرته ، وقال له : مالى عندك إن سقتُ هذا الأمر إليك ؟ فقال له محمد بن المعتمد : لك عندى ما تستحقّه من الجزاء والإيثار وقرب المنزلة ، فقال له العباس : أريد أن تحلف لى ألا تخلََّنِى من إحدى حالتين ؛ إما أن تريد خدمتى فأنصح لك وأبلغ جهدى فى طاعتك وجَمْع المال لك ؛ كما فعلته بغيرك ، وإمّا أن تؤثر غيرى فتوقّنى وتحفظنى ، ولا تبسط علىّ يداً فى نفسى ومالى ، ولا على أحد بسبى ، فقال له محمد بن المعتمد - وكان حسنَ العقل ، جميل المذهب : لو لم تَسُقْ هذا إلىّ مَا كان لى مَعْدلُ عنك فى كفايتك وحسن أَثْركَ فكيف إذا كنت السَّبَبَ له ، والسبيلَ إليه ! فقال له العباس : أريد أن تحلفَ لى على ذلك . فقال : إن لم أوفِّ لك بغير يمين لم أوف لك بيمين ، فقال القاضى محمد بن يوسف للعباس : ارْضَ منه بهذا ؛ فإنه أصلح من اليمين . قال العباس : قد قنعت ورضيت. ثم قال له العباس : مُدّيدَك حتى أبايعك . فقال له محمد : وما فعل المكتفى ؟ قال : هو فى آخر أمره ، وأظنه، قد تلف . فقال محمد: ما كان الله ليرانى أمد يدى لبيعة وروح المكتفى فى جَسَدِه ؛ ولكن إن مات فعلت ذلك . فقال محمد بن يوسف : الصواب ماقال ، وانصرفوا على هذه الحال . (١) الغرب : داء يكون فى الكبد ١ . ٢٧ سنة ٢٩٥ ثم إنّ المكتفى أفاق وعقل أمرَه، فقال له صافى الحرمى : لورأى أمير المؤمنين أن يوجّه إلى عبداللّه بن المعتز ومحمد بن المعتمد ، فيوكّل بهما فى داره ويحبسهما فيها ، فإن الناس ذكروهما لهذا الأمر، وأرجفوا بهما ، فقال له المكتفى : هل بلغك أن أحدهما أحدث بيعة علينا ؟ فقال له صافى : لا ، قال له : فما أرى لهما فى إرجاف الناس ذنباً فلا تعرضْ لهما ، ووقع الكلام بنفسه ، وخاف أن يزولَ الأمر عن ولد أبيه ، فكان إذا عرض له بشىء من هذا الأمر استجرّ فيه الحديث . وتابع المعنى واهتبل به جدًّا . وعرض لمحمد بن المعتمد فى شهر رمضان فالج فى مجلس العباس بن الحسن الوزير من غيظ أصابه فى مناظرة كانت بينه وبين ابن عمروبه صاحب الشرطة ، فأمر العباس أن يُحمل فى قُبَة من قبابه على أفرَه بغاله، فحمل إلى منزله فى تلك الصورة ، وانصرفتْ نفسه إلى تأميل غيره . ثم اشتدّت العلة بالمكتفى فى أول ذى القعدة ، فسأل عن أخيه أبى الفضل جعفر فصحّ عنده أنه بالغ ، فأحضر القضاة وأشهدهم بأنه قد جعل العهد إليه من بعده . ذكر وفاة المكتفى ومات المكتفى بالله علىّ بن أحمد ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين ، ودفن يوم الاثنين فى دار محمد بن عبد الله بن طاهر . وكانت خلافتهُ ستّ سنين وتسعة عشر يوماً ، وكان يوم تُوفّىَ ابنَ اثنتين وثلاثين سنة . وكان وُلد سنة أربع وستين ومائتين. وكنيته أبو محمد، وأمه أمّ ولد تركية ، وكان جميلاً رقيق اللون حسن الشَّعر ، وافرَ اللحية . وولد أبا القاسم عبد الله المستكفى ، ومحمدا أبا أحمد ، والعباس ، وعبد الملك ، بوعيسى ، وعبد الصمد ، والفضل، وجعفرا ، وموسى ، وأم محمد ، وأم الفضل ، وأمَ سلمة، وأمَ العباس ، وأمَة العزيز، وأسماءَ ، وسارة وأمَة الواحد . قال : وكان جعفر بن المعتضد بدار ابن طاهر التى هى مستقرّ أولاد الخلفاءِ فتوجّه فيه صافى الحرمى لساعتين بَقِيتَا من ليلة الأحد وأحضره القصر . وقد كان العباس ٢٨ سنة ٢٩٥ ابن الحسن فارق صافياً على أن يجىء بالمقتدر إلى داره التى كان يسكنها على دِجْلة ، لينحدر به معه إلى القصر ؛ فعرّج به صافى عن دار الغباس إذ خاف خيلة تستعمل عليه ، وعُدَّ ذلك من حزم صافى وعقله . ذكر خلافة المقتدر وفيها بويع جعفر بن أحمد المقتدر يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين وهو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وأحد وعشرين يوماً ، وكان مولده يوم الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان من سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وكنيته أبو الفضل وأمّه أم ولد يقال لها شغب . وكانت البيعة للمقتدر فى القصر المعروف بالحَسنىّ، فلما دخله ورأى السرير منصوباً أمر بحصير صلاة فُبسط له ، وصلّى أربع ركعات . وما زال يرفع صوته بالاستخارة ثم جلس على السرير ، وبايعه الناس ودارت البيعة على يدى صافى الحُرمىّ وفاتك المعتضدى ، وحضر العباس بن الحسن الوزير وابنه أحمد حتى تمت البيعة ثم غُسِّل المكتفى ، ودُفِن فى موضع من دار محمد بن عبد الله بن طاهر . وذكر الطبرى أنه كان فى بيت المال يوم بويع المقتدر خمسة عشر ألف ألف دينار ، وذكر ذلك الصولىّ ، وحكى أنه كان فى بيت مال العامة ستمائة ألف دينار ، وخلَع المقتدر يوم الاثنين الثانى من بَيعته على الوزير أبى أحمد العباس بن الحسن خِلَعاً مشهورة الحسن ، وقلّده كتابته وأمر بتكنيته ، وأن تُجرى الأمور مجراها على يده . وقّد ابنه أحمد بن العباس العرْض عليه ، وكتابة السيدة أمّه وكتابة هارون ومحمد أخويه ، وكتب العباس إلى الكُوَر والأطراف بالبيعة كتاباً على نسخة واحدة وأعطى الجند مال البيعة ، للفرسان ثلاثة أشهر ، وللرجّالة ستة أشهر . وأمَّر أصحاب الدواوين على ما كانوا عليه ، وخلع المقتدر على سوسن مولى المكتفى الذى كان حاجبه ، وأقره على حجابته ، وخلع على فاتك المعتضدى ، ومؤنس الخازن . ويمن غلام المكتفى ، وابن عمرويه ، صاحب الشّرطة ببغداد ، وعلى أحمد بن كيغلغ ، وكان قد قدم ٢ ٢٩ سنة ٢٩٥ مبايعة المقتدر بقوم حاولوا فتق سجن دمشق ، وإقامة فتنة بها ، فحيلوا على جمال ، وطُوَفوا ، وخلع على كثير من الخدم ، فمن كان إليه منهم عمل جعلت الخلعة عليه لإقراره على عمله ، ومن لم يكن إليه عمل كانت الخلعة تشريفاً له، وردّ المقتدر رُسوم الخلافة إلى ما كانت عليه من التوسّع فى الطعام والشراب ، وإجراء الوظائف ، وفرّق فى بنى هاشم خمسة عشر ألف دينار وزادهم فى الأرزاق ، وأعاد الرسوم ، فى تفريق الأضاحى على القوّاد والعمال وأصحاب الدواوين والقضاة والجلساء، ففرِّق عليهم يوم التروية ويوم عرفة من البقر والغم ثلاثون ألف رأس ، ومن الإبل ألف رأس ، وأمر بإطلاق مَنْ كان فى السجون ممن لاخصم له ولا حقّ لله عز وجلَ عليه ، وبعد أن امتحن محمد بن يوسف القاضى أمورهم . ورُفع إليه أن الحوانيت والمستغلّت التى بناها المكتفى فى رحبة باب الطاق أضرّت بالضعفاء، إذ كانوا يقعدون فيها لتجاراتهم بلا أجرة لأنها أفنيةُ واسعة ، فسأل عن غَلّتها فقيل: لهُ تُغِلّ ألف دينار فى كلّ شهر ، فقال: وما مقدار هذا فى صلاح المسلمين واستجلاب حسن دعائهم ! فأمر بهدمها وإعادتها إلى ما كانت عليه . ولم يلِ الخلافة من بنى العباس أصغُرُ سنًّا من المقتدر ؛ فاستقلّ بالأمور ، ونهض بها ، واستصلح إلى الخاصة والعامة وتحبّب إليها، ولولا التحكم عليه فى كثير من الأمور لكان الناس معه فى عيش رَغد ؛ ولكن أمه وغيرها من حاشيته كانوا يُفْسِدون كثيراً من أمره . وفى هذه السنة ، كانت وقعة عجّ بن حاجّ مع الجند بمنِّى فى اليوم الثانى من أيام منى ، وقُتِل بينهم جماعة ، وهرب الناس الذين كانوا بمنَّى إلى بستان ابن عامر ، وانتهب الجند مضرب أبى عدنان ، وأصاب المنصرِفين من الحاج فى منصرَفهم ببعض الطريق عطش ، حتى مات منهم جماعة . قال الطبرىّ : سمعت بَعْض من يحكى أن الرجل کان یبول فی کفه ثم یشربه . وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبدالملك . ٣٠ سنة ٢٩٦ ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائتين ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس فمن ذلك ما كان من اجتماع جماعة من القوّاد والكتَّاب والقضاة على خلع جعفر المقتدر ، وكانوا قد تناظروا وتآمروا عند موت المكتفى على مَنْ يقدِّمونه للخلافة ، وأجمع رأيهم على عبدالله بن المعتز ، فأحضروه وناظروه فى تقلّدها، فأجابهم إلى تولى الأمر ، على ألا يكون فى ذلك سفك دماء ولاحرب ، فأخبروه أن الأمر يُسلَّم إليه عفواً، وأنّ من وراءهم من الجند والقواد والكتاب قد رضوا به، فبايعهم على ذلك سرًّا، وكان الرأس فى هذا الأمر العباس بن الحسن الوزير ، ومحمد بن داود ابن الجراح ، وأبو المثنى أحمد بن يعقوب القاضى وغيرهم ، فخالفهم على ذلك العباس ، ونقض ما كان عقده معهم فى أمرابن المعتز ، وأحب أن يختبر أمر المقتدر ، وإن كان فيه محمِل للقيام بالخلافة مع حداثة سنه ، وكيف يكون حاله معه، وعلم أن تحكّمه عليه سيكون فوق تحكّمه على غيره ؛ فصدّهم عن ابن المعتز، وأنفذ عقد البَيعة للمقتدر على ماتقدم ذكره . ثم إن المقتدر أجرى الأمور مجراها فى حياة المكتفى، وقلّد العباس جميعها، وزاده فى المنزلة والحظوة وصيّر إليه الأمر والنهى ، فتغيّر العباس على القواد ، واستخفّ بهم واشتد كبره على الناس واحتجابه عنهم واستخفافه بكلّ صنف منهم ، وكان قبل ذلك صافىَ النية لعامّة القواد والخدم منصفاً لهم فى إذنه لهم ولقائه . ثم تَجَّر عليهم ، وكانوا يمشون بين يديه فلا يأمرهم بالركوب ، وترك الوقوف على المتظلمين ، والسماع منهم، فاستثقله الخاصة والعامة ، وكثر الطعن عليه ، والإنكار لفعله والهجاء له ، فقال بعض شعراء بغداد فيه : سِنْ بِأيامِكَ ظَنَّا يا أبًا أحمدَ لَا تُحْـ لَّكَ أملاكاً وأفَى واحْذَرِ الدَّهْرَ فكم أَهـ صارَ فى الأجْدَاث رَهنا كَمْ رَأيْنَا مِنْ وِزِير : سنة ٢٩٦ ٣١ دَرَجُوا قَرْناً فَقَرْنا أينَ مَنْ كنتَ تَرَاهُمْ ـرٍ وقلْ للناسِ حُسنَا فَتَجَّنَّبْ مَرْكَبَ الِكْـ مَنْ بِإِصْباحٍ يُهنّا رُبْمَّا أَمْسَى بِعَزل أمرٍ ألاَّ يَتَأَى وقبيحٌ بمطاعِ الـ مُكَ فِيهِمْ تُتَمَنَّى اتْرُكِ الناسَ وأيّا وكان مما يشنَ به الحسين بن حمدان على العباس ، أنه شرب يوماً عنده ، فلما سكر الحسين ، استخرج العباس خاتمه من إصبعه ، وأنفذه إلى جاريته مع فَّى له ، وقال لها : يقول لك مولاك: اشتهى الوزير سماع غنائك، فاحضرى الساعة ولا تتأخَّرِى ، فهذا خاتمى علامة إليك . قال الحسين: وقد كنت خفت منه شيئاً من هذا لبلاغات بلغتنى عنه ، وكتب رأيت له إليها بخطه ، فحفظت الجارية وحذّرتها ، فلم تُصِغ إلى قول الفتى ولا إجابته . وكان الحسين يحلف مجتهداً أنه سمعه يكفُر ويستخفّ بحق الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه قال فى بعض ماجرى من القول : قد كان أجيراً لخديجة، ثم جاء منه مارأيت . قال : فاعتقدتُ قتلَه من ذلك الوقت ، واعتقد غيرُه من القواد فيه مثل ذلك ، واجتمعت القلوب على بغضته ، فحينئذ وثب به القوم فقتلُوه ، وكان الذى تولّى قتله بدر الأعجمى والحسين بن حمدان ووصيف بن سوارتكين ، وذلك يوم السبت لأحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول من العام المؤرخ . ذكر البيعة لابن المعتز وفى غد هذا اليوم خُلِع المقتدر ، خلعه القواد والكتاب وقضاة بغداد ، ثم وجّهوا فى عبدالله بن المعتز، وأدخل دار إبراهيم بن أحمد الماذَرائى الّتى على دجلة والصَّراة ثم حُمِل منها إلى دار المكتفى بظهر المخِّم ، وأحضر القضاة، وبايعوا عبد الله بن المعتز فحضرهم . ولقّبوه المنتصف باللّه ؛ وهو لقب اختاره لنفسه . واستوزر محمد بن داود بن الجرّاح ، واستحلفه على الجيش ؛ وكان الناس ٣٢ سنة ٢٩٦ يحلفون بحضرة القضاة ، وكان الذى يأخذ البيعة على الناس وعلى القواد ويتولى استحلافهم والدعاء بأسمائهم محمد بن سعيد الأزرق كاتب الجيش ، وأحضر عبد الله بن عليّ بن أبى الشوارب القاضى وطُولب بالبيعة لابن المعتزّ فلجلج ، وقال : ما فعل جعفر المقتدر ! فدُفِع فى صدره . وقتل أبو المثنى لما توقف عن البيعة ، ولم يشكّ الناس أن الأمر تامَ له إذ اجتمع أهل الدولة عليه ، وكان أجلّ مَنْ تخلّف عن سوسن الحاجب، فإنه بقى بدار المقتدر مثبتاً لأمره وحامياً له . وفى هذا اليوم كانت بين الحسين بن حمدان وبين غلمان الدار التى كان بها المقتدر حربٌ شديدة من غدوة إلى انتصاف النّهار ، وثبت سوسن الحاجب به وحامى عنه ، وأحضر الغلمان ووعدهم الزيادة ، وقوّى نفس صافى ونفس مؤنس الخادم ومؤنس الخازن ؛ فكلّهم حماه ودافع عنه ؛ حتى انفضت الجموع التى كان محمد بن داود جمعها لبيعة ابن المعتز ؛ وذلك أن مؤنساً الخادم حمل غلماناً من غلمان الدار إلى الشّذَوات (١)، فصاعد بها فى دَجْلة . فلما جازوا الدار التى كان فيها ابن المعتز ومحمد ابن داود صاحوا بهم ، ورشقُوهم بالنشّاب ، فتفرقوا وهرب مَنْ كان فى الدار من الجند والقواد والكتّاب، وهرب ابن المعتز ومَنْ كان معه، ولحق بعض الذين كانوا بايعوا ابن المعتّ بالمقتدر ، فاعتذروا إليه بأنهم مُنعوا من المصير نحوه ، واختفى بعضهُم ، فأخذوا وقتلوا وانتهبت العامة دور محمد بن داود والعباس بن الحسن ؛ وأخذ ابن المعتزّ فقِتُل وقُتِل معه جماعة، منهم أحمد بن يعقوب القاضى،ذبح ذبحاً ، وقالوا له : تبايع للمقتدر ! فقال : هو صبىّ ولا يجوز المبايعة له . وقال الطبرىّ، ولم يَرَ الناس أعجبَ من أمر ابن المعتز والمقتدر ؛ فإنّ الخاصة والعامة اجتمعت على الرضا بابن المعتز وتقديمه ، وخلع المقتدر لصِغَر سنه ؛ فكان أمر الله قدراً مقدوراً ؛ ولقد تحيّر الناس فى أمر دولة المقتدر وطول أيامها على وهى أصلها وضعف ابتنائها . ثم لم ير الناس ولم يسمعوا بمثل سيرته وأيامه وطول خلافته . وقال محمد بن يحيى الصولىّ : وفى يوم الاثنين لتسع ليال بقين من ربيع الأول خلع المقتدر على علىّ بن محمد بن الفرات للوزارة، وركب النّاس معه إلى داره بسوق العطش ، وتكلّم فى إطلاق جماعة ممنّ كان بايع ابن المعتز ، فأذن له المقتدر فى ذلك، (١) الشذوات : نوع من السفن. ٣٣ سنة ٢٩٦ فخلّى سبيلَ طاهر بن علىّ ونزار بن محمد وإبراهيم بن أحمد الماذَرائى والحسين بن عبدالله الجوهرىّ المعروف بابن الجصاص ، ووضع العطاء للغلمان والأولياء الذين بقوا مع المقتدر صلة ثانية للفرسان ثلاثة أشهر وللرجّالة ست نوائب، ووَلَى مؤنساً الخادم شرطة جانبى بغداد ومايليها ، وتقدم إليه بالنّداء علىّ محمد بن داود ويُن ومحمد الرقّاص ، وأن يبذل لمن جاء بمحمد بن داود عشرة آلاف دينار ، وخلع على عبد الله بن علىّ بن محمد بن أبى الشوارب لقضاء جانبى بغداد ، وقلَّد الوزير علىّ بن محمد أخاه جعفر بن محمد ديوان المشرق والمغرب. وأشاع أنه يخلِّقُه عليهم . وقَلَد نزارً الكوفة وطساسيجها(١)، وعزل عنها المسمعىّ، ثم عزل نزاراً وولّى الكوفة نجحاً الطولونىّ، وخلع على أبى الأغرّ خليفة بن المبارك السّلمىّ لغزاة الصائفة (٢). وعظم أمر سوسن الحاجب وتجبّ وطغى ، فاتّهمه المقتدر ولم يأمنه ، وأدار الرأى فى أمره مع ابن الفرات، فأوصى إليه المقتدر : خذ من الرجال مَنْ شئت ومِن المال والسلاح ماشئت ، وتولّ من الأعمال ما أحببت ، وخلّ عن الدار أُوِّا مَنْ أريد . فأبى عليه ، وقال : أمرٌ أخذته بالسيف لا أتركه إلا بالسيف . فأحكم المقتدر الرأى مع ابن الفرات فى قتله فلما دخل معه الميدان فى بعض الأيام أظهر صافى الحُرَمىّ العلّة ، وجلس فى بعض طرق الميدان متعاللاً . فنزل سوسن ليعوده، فوثب إليه جماعة فيهم تكين الخاصة وغيره من القواد، فأخذوا سيفه ، وأدخلوه بيتاً ، فلما سمع مَنْ كان معه بذلك من غلمانه وأصحابه تفرقوا ، ومات سوسن بعد أيام فى الحبس . وقّد الحجابة نصراً الحاجب المعروف بالقُشورىّ ، وكان موصوفاً بعقل وفضل . وكان النصارى فى آخر أيام العباس بن الحسن قد علا أمرهم، وغلب عليهم الكتّاب منهم، فرفع فى أمرهم إلى المقتدر، فعهد فيهم بنحو ما كان عَهد به المتوكّل من رفضهم واطّراحهم وإسقاطهم عن الخدمة،ثم لم يَدُمْ ذلك فيهم . وفى يوم السبت لأربع بقين من ربيع الأول سقط ببغداد الثلج من غدوة إلى العصر ، حتى صار فى السطوح والدّور منه نحو من أربعة أصابع ؛ وذلك أمْر لم يُرَ مثله ببغداد . وفى يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول سلّم محمد بن يوسف القاضى ومحمد (١) الطساسيج: جمع طسوج؛ وهو الناحية . (٢) الصائفة: غزو الروم لأنهم كانوا يغزونهم صيفا لمكان البرد بالثلج ١ ٣٤ سنة ٢٩٦ ابن عمرويه وابن الجصاص والأزرق كاتب الجيش فى جماعة غيرهم إلى مؤنس الخازن ، فقتَل بعضهم، وشُفِّع فى بعض فأطلق . وفيها وجّه القاسم بن سما فى جماعة من القوّد والجند فى طلب الحسين بن حمدان . فشخص لذلك حتى صار إلى قَّرْقيسيا والرّحْبة، وكتب إلى أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان بأن يطلب أخاه ويتبعه فخرج فى أثره ، والتقى بأخيه بين تكريت والسودقانية ، بموضع يعرف بالأعمى ؛ فانهزم عبد الله عن أخيه الحسين . ثم بعث الحسين إلى السلطان يطلب الأمان لنفسه فأعطى ذلك . ولسبع بقين من جمادى الآخرة خلع على ابن دُليل النصرانى كاتب ابن أبى الساج ورسوله، وعقد ليوسف على أذر بيجان والمراغة وحُمِلت إليه الخلع، وأمر بالشخوص إلى عمله . والنصف من شعبان خُلِع عَلَى مؤنس الخادم ، وأمِر بالشخوص إلى طرسوس لغزو الروم ، فخرج فى عسكر كثيف وجماعة من القواد . وكان مؤنس قد ثَقُل على صافى الحُرمىّ ، وأحب ألاَّ يجاوره ببغداد ، فيسعَى مع الوزير ابن الفرات فى إبعاده ، فَأَغْزِىَ فى الصائفة ، وضُمّ إليه أبو الأَغْرَ خليفة بن المبارك فلم يرضه مؤنس ، وكتب إلى المقتدر يذمّه ، فكتب إليه فى الانصراف فانصرف ، وحُبِس . واجتمع قول الناس بلا اختلاف بينهم ، أنه لم يكن فى زمن أبى الأغرَ فارس للعرب ولا للعجم أشجعَ منه ولا أعظم أيْداً وجلَداً . وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك . ! ٣٥ سنة ٢٩٧ ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائتين ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس فى المحرّم من هذا العام ، ولد للمقتدر ابنٌ، فأمر أن يكتب اسمه على الأعلام والتّراس والدنانير والدراهم والسّمات ولم يعش ذلك المولود . وفيها ورد كتاب مؤنس الخادم على السلطان لستُّ خلوْن من المحرّم بأنه ظهر على الروم فى غزاته إليهم التى تقدم ذكرها فى سنة ستُّ وتسعين ، وهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر لهم أعلاجاً كثيرة ، وقرئ كتابُه بذلك على العامّة ببغداد ، ثم قَفَل مؤنس منصرفاً . وفى صفر من هذه السنة أخّر طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث الصفار إيراد ما كان يلزمه من المال الموظف عليه من أموال فارس ، ودافع به ، فكتب سُبْكَرَى ، غلام عمرو بن الليث ، يتضمن حمل المال وإيراده ، واستأذن فى توجيه طاهر وأخويه أسرى إلى باب السلطان ، فأجيب إلى ذلك ، فاجتمع سبكرى ومَنْ والاه عليهم ، ودارت بينهم حرب شديدة ، حتى استولى سبكرى على فارس وكرمان ، وبعث بطاهر وأخويه إلى السلطان فأدخلوا فى عمَّاريَّات مكشوفة ، وخلع على رسول سبکری . ثم إن الليث بن علىّ بن الليث لمّا بلغه فعلُ سبكرى بطاهر ويعقوب ابنى محمد ، غَضِب لذلك، وسار يريد فارس ، فتلقاه سُبْكَرى ، واقتتلا قتالاً شديداً، فانهزم سُبْكَرَى ، وقدم على السلطان يستمدّه، فُدب مؤنس الخادم إلى فارس ، وضمّ إليه زهاء خمسة آلاف من الأولياء والغلمان ، وكتب إلى أصحاب المعاون بأصبهان والأهواز والجبل فى معاونة مؤنس على محاربة الليث بن علىّ، وأشخص معه الوزير ابن الفرات محمد بن جعفر العَبَرتاىّ ، وولآه الخراج والضياع بفارس ، فاحتاج الجند إلى أرزاقهم ، فوعدهم بها محمد بن جعفر فلم يرضوا وعدَه، ووثبوا عليه ونهبوا عسكره ، وأصابته ضربة ، وزعم بعض أصحاب مؤنس أنه أخذ له مائة ألف دينار . ---- ٣٦ سنة ٢٩٧ وفى ليلة الأربعاء لخمس خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ولد للمقتدر أبو العباس محمد الراضى باللّه بدير حَنيناء قبل طلوع الفجر . وفی ذی الحجة من هذا العام کانت بین مؤنس الخادم وبین الليث بن علىّ حرب بناحية النّوبندَجان، فهزم الليث وأصحابه ، وأسَر مؤنس الليث وأخاه إسماعيل وعلىّ بن حسين بن درهم والفضل بن عنبر ، وصاروا فى قبضته ، فحملهم بین یدیه إلى بغداد ، وأدخل الليث على فيل ، ومَن كان معه على جمال مشهورين ، قد البسوا البرانس ثم حبسوا . وفيها وجّه المقتدر القاسم بن سيما غازياً فى الصائفة إلى الروم فى جمع كثيف من الجند فی شوال فغنم سَبَى . وفيها ◌َلَِ وَرقاء بن محمد الشيبانىّ أمرَ السواد بطريق مكّة فرفع المؤن عن الناس ، وحسم عنها ضرّ الأعراب وما كانوا يفعلونه فى الطريق من السلب والقتل، وحَسُن أثر ورقاء هنالك ؛ ولم يزل مقيماً بتلك الناحية إلى أن رجع الحاجّ مسلّمين شاكرين لفعله فيهم . ولجمادى الأولى من هذا العام ورد الخبر بأن أركان البيت الأربعة غرقت فی سیول كانت بمكّة وغرق الطواف وفاضت بئر زمزم، وإنه كان سيلاً لم يُرَ مثله فى قديم الأيام وحديثها . وفى شوال منها تُوُلَِّ محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر المعروف بالصناديقى ، ودفن فى مقابر قريش ، وصلّى عليه القاضى أحمد بن إسحاق بن البهلول . وفى شهر رمضان منها تُوفّىَ يوسف بن يعقوب القاضى ومحمد بن داود الأصبهانى الفقيه . وورد الخبر بوفاة عيسى النَّوشريّ عامل مصر ، فولى السلطان مكانه تكين الخاصة ، وتوجّه من بغداد إلى مصر . وفى شوال من هذه السنة تُوٌّ جعفر بن محمد بن الفرات أخو الوزير ، وكان يَلى ديوان المشرق والمغرب ، فولى الوزير ابته المحسِّن ديوان المغرب وولى ابنه الفضل ديوان المشرق . وفى هذا العام توقّ القاسم بن زرزور المغنِّى ، وكان من الحذاق المجيدين ، وُسنَّ حتى قارب تسعين سنة . وحج بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمىّ . ٠ ! سنة ٢٩٨ ٣٧ ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائتين ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس فيها قدم القاسم بن سيما من غزاة الصّائفة إلى الروم ، ومعه خلق كثير من الأسرى ، وخمسون عِلْجاً قد حُمِلوا على الجمال مشهورين ، بأيدى جماعة منهم أعلام الرّرم ، عليها صلبان الذهب والفضة؛ وذلك يوم الخميس لأربع عشر ليلة بقیت من شهر ربيع الأول . وفيها خالف سبكرى والتَّوى بماعليه ، فنُدب لمحاربته وصيف كامه غلام الموفق ، وشخص معه وجُوه القواد ، وفيهم الحسين بن حمدان وبدْر غلام النوشرى وبدْر الكبير المعروف بالحمامى ، فواقعوا سُبْكَرى فى باب شيراز وهزموه ، وأسرُوا القتّالَ صاحبه وهرب بعض قوّاده عنه وفَتَقَ عسكره بماله وأثقاله إلى ناحية كِرْمان ، وورد الخبر بأن سبكرى أُسِر ؛ وكان الذى أسره سيمجور غلام أحمد بن إسماعيل ، ثم قدِم وصيف كامه بالقتّال صاحب سبكرى، فأدخل على فِيلٍ وعليه برنس طويل ، وبين يديه ثلاثة عشر أسيراً على الجمال ، وعليهم دَرَاريع وبرانس من ديباج ، فخلع على وصيف وسوّر وطوّق بطوق ذهب منظوم بجوهر ، ثم دخل سُبُكْرى وحضر دخوله الوزير ابن الفرات وسائر القوّاد يوم الاثنين لإحدى عشر ليلة بقيت من شوال ، وكان قد حمِل على فيل وشهر ببرنس طويل ، وبين يديه الكُرْك ومن يضرب بالصُنوج ، وخلفه الليث بن علىّ على فيل آخر ، فخلع على ابن الفرات وحمل وكان يوماً مشهوداً . وحدّث محمد بن يحيى الصوفىّ أنه شهد هذا اليوم قال : فتدكّرت فيه حديثاً كان حدّثناه صافى الحُرُمى يوم بويع فيه المقتدر باللّه ، قال صافى: رأيتُ الخليفة المقتدر باللّه وهو صبىّ فى حجر المعتضد ، والمعتضد ينظر فى دفتر كان كثيراً ماينظر فيه ، وهو يضرب على كتف المقتدر ، ويقول له : كأنى بملوك فارس قد أُدخلوا إليك على الفيلة والجمال ، عليهم البرانس ، وكان صافى يوم بيعة المقتدر يحدّث بهذا، ويدعو إلى الله أن يحقّق هذا القول . ٣٨ سنة ٢٩٨ . وفيها وردتْ على المقتدر هدايا من خراسان أنفذها إليه أحمد بن إسماعيل بن أحمد ، فيها غلمان على دوابهم وخيولهم وثياب ومِسْك كثير وبزاة وسمّور وطرائف ؛ لم يعهد بمثلها فيما أُهدى من قبل . وفيها جلس ابنُ الفرات الوزير لكتّاب العطاء ، فحاسبهم وأشرف لهم على خيانة نحو مائة ألف دينار ، فورّى عن الأمر قليلاً إذا كان كتّابه منهم ، واستخرج ماوجد من المال فى رفق وَسَتْر . وفى جمادى الآخرة من هذا العام فُلِح عبد الله بن علىّ بن أبى الشوارب القاضى ، فأمر المقتدر ابنه محمد بن عبدالله يتولى أمور الناس خليفة لأبيه ، حتى يظهر حاله وما يكون من علّته . فنظر كما كان ينظر أبوه ، وأنفذ الأمور مثل تنفيذه . سنة ٢٩٩ ٣٩ ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائتين ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس 1 فمن ذلك غزوة رستم الصائفة من ناحية طَرسوس ، وهو والى الثغور ، فحاصر حصن مَلِيح الأرمينى ، ثم دخل عليه وأحرق أرباض ذى الكلاع . وفيها ورد رسول أحمد بن إسماعيل بكتاب منه إلى السلطان بأنه فتح سجستان ، وأن أصحابه دخلوها وأخرجوا مَنْ كان فيها من أصحاب الصفّار ، وأن المُعَدَّل بن علىّ ابن الليث صار إليه بمن معه من أصحابه فى الأمان ، وكان المعدّل يومئذ مقيما معهم بزرنج ، وصار إلى أحمد بن إسماعيل وهو مقيم بُيُسْت والرخْج ، فوجّه به أحمد وبعياله ومَنْ معه إلى هراة ، ووردت الخريطة بذلك على السلطان يوم الاثنين لعشر خَلَوْن من صفر . وفيها واَى بغدادَ العُطير صاحب زكرويه ومعه الأغرُّ ، وهو أحد قواد زكروبه مستأمناً . ذكر القبض على ابن الفرات وفى ذى الحجّة غضب المقتدر على وزيره علىّ بن محمد بن الفرات الأربع خَلَوْن منه ، وحبس ووَكّل بدوره ، بِأُخذ كلّ ما وجد له ولأهله ، وانتُهبت دوره أقبح نَهْب، وفَجَر الشُّرط بنسائه ونساء أهله ، وكان ادّعى عليه أنه كتب إلى الأعراب بأن يكبسوا بغداد فى خبر طويلٍ . واستوزر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان فكانت وزارة ابن الفرات ثلاث سنين وثمانية أشهر واثنى عشر يوماً ، وطولب ابن الفرات بأمواله وذخائره ، فاجتمع منها مع ودائع كانت له سبعة آلاف ألف دينار - فيما حكى عن الصولى - وكان مشاهداً ومشرفاً على أخبارهم . ٤٠ سنة ٢٩٩ قال : وما سمعنا بوزير جلس فى الوزارة وهو يملك من العين والورق والضياع والأثاث ما يحيط بعشرة آلاف ألف غير ابن الفرات . قال : وكانت له أيادٍ جليلة وفضائل كثيرة قد ذكرتها فى كتاب الوزراء . قال ولم يُرَوزير أودع وجوه الناس من الأموال ما أودع ابن الفرات من قبل ولايته الوزارة ، وكانت غُّته تبلغ ألف ألفٍ دينار ولم يُسك الناس ببغداد عن انتقاص ابن الفرات وهجوه مع حسن آثاره ، وأحضر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان دار المقتدر فى الوقت الذى ضمّ فيه على ابن الفرات ، فقلّد الوزارة ، وانصرف إلى منزله بباب الشمّاسية فى طيّار ، وركب يوم الخميس بعده، فخلع عليه وحمل وقُلِّد سيفاً . وقيل إن السّبب فى ولايته كان بعناية أم ولد المعتضد بأمره على أن ضمن لها مائة ألف دينار ، وقوَّى أمره عندها رياءٌ كان يظهره . وكان الخدم من الدار يأتونه بالكتب ، فلا يكلّم الواحد منهم إلا بعد مائة ركعة يصلّيها ، فكانوا ينصرفون بوصفه وما رأوا منه ، وخلع على ابنه عبدالله بن محمد لخلافة أبيه ، واستبدل بالعمال ، وعَزَّل كلَّ مَنْ كان خطوطه إلى علىّ بن الفرات وآله. وفى هذه السنة مات وصيف موشْجِير يوم الخميس لأربعَ عشرةَ ليلة بقيت من شهر رمضان . وفيها مات الخِرَفىّ المحدِّث . وحج بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبدالملك . ١ ١