النص المفهرس
صفحات 1-20
رَوَائِعُ التّراثُ العَرَبى تاريخ الطبوى تاريخ الأمم والمسُلوكْ لأبِى جَعْفه محمّد بْن جَرِيرُ الطَّبَرَىّ ٢٢٤ - ٣١٠ هـ الجُزْءُ الِحَادِي عَشِرْ تحقیق محمد أبو الفضل إبراهيم دَ اسَوَيَدَانْ بيروت - لبنان ٢٠ Tw. BOXXOD ـد سو 1 تاريخ الطبرى T بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مقدمة ذكرت فى مقدّمة تاريخ الطبرى أنه وقع لهذا الكتاب كثير من الذيول والتكملات والمختصرات . ولعل أول من فعل شيئاً من ذلك هو الطبرى نفسه ، ذكر ذلك ياقوت فى معجم الأدباء والسخاوى فى كتاب الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ، وذكر ياقوت أيضاً أن عبد الله بن أحمد الفرغانى عمل صلة له . وقال ابن النديم : وقد ألحق به - أى بتاريخ الطبرى - جماعة من حيث قطع إلى زماننا هذا. وذكر القفطى فى تاريخ الحكماء أن ممن أكملوا عليه أحمد بن طاهر وولده عبد اللّه ، ثم تلاهما ثابت بن سنان ، ثم هلال بن المحسن الصابى ، ثم تلاه ولده غرس النعمة محمد بن هلال ، ثم ابن الهمذانى ، ثم أبو الحسن الزاغونى ، ثم صدقة الحداد ، ثم أكمل عليه ابن الجوزى ثم ابن القادسى إلى سنة ٦١٦ . وفى مكتبة (( غوطا )) بألمانيا كتاب ينسب إلى عريب بن سعد . وفى مكتبة المتحف البريطانى كتاب يسمى المنتخب من ذيل المذيّل . أما كتاب صلة تاريخ الطبرى ، فمنه كما ذكرنا نسخة وحيدة مخطوطة بمكتبة ((غوطا )، بألمانيا تحت رقم ١٥٥٤، تنقص بعض أوراق من البداية ، ومنها الورقة الأولى، منسوخة بخط يحيى بن يوسف بن يحيى ، انتهى من نسخها فى شهر ربيع الآخر سنة ٦٢٧؛ تبدأ بحوادث سنة ٢٩١ وتنتهى بحوادث سنة ٣٢٠؛ ولكن لضياع الورقة الأولى ، وعليها اسم المؤلف ، وقع الشك حول اسم المؤلف ؛ إلى أن أطلع عليها دوزى المستشرق المعروف ، فرجّح أنها لعريب بن سعد ، ونقل منها ما يختص بأخبار إفريقية والأندلس ، وألحقه بكتاب البيان المغرب فى أخبار المغرب لابن عذارى الذى قام بتحقيقه ونشره. وباقية فى أخبار العراق. وقام المستشرق دى خويه بنشره بعنوان ((صلة تاريخ الطبرى))، وألحقه بتاريخ الطبرى ، الطبعة الأوربية ومن هذا الكتاب نسخة ١ ٦ مقدمة مصورة على الميكروفلم فى معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية . وفى حواشى طبعة أوربا ( حوادث سنة ٣٠٩) نقول كثيرة من كتب التاريخ والتراجم تشتمل على أخبار الحلاج وشعره وآراء العلماء فيه ، وقد أثبت ذلك فى حواشى هذه الطبعة . وعريب بن سعد ترجم له ابن عبد الملك المراكشى فى كتاب الذيل والتكملة لكتابى الموصول والصلة ص ١٤١ - ١٤٣. قال: ((عريب بن سعد، قرطبى، عداده فى الموالى من بيت يعرفون بينى التركى . كان أديباً شاعراً مطبوعاً تاريخيًّا ، تام المعرفة بالأخبار ، ذا حظ من النحو واللغة ، طبيباً ماهراً شديد العناية بكتب الأطباء ، القدماء والمحدثين ، وله مصنفات منها تاريخه الذى اختصره من تاريخ أبى جعفر الطبرى ، وأضاف إليه أخبار إفريقية والأندلس ، وهو كتاب ممتع ، ومنها كتابه فى الأنواء ، ومنها كتابه فى خلق الإنسان وتدبير الأطفال، ومنها كتابه فى عيون الأدوية)). ولم يذكر تاريخ وفاته ، إلا أنه قال: استعمله الناصر على كورة أشونة سنة ٣٣١))." وأما كتاب تكملة تاريخ الطبرى، فهو نسخة تحتوى على الجزء الأول فقط، تبدأ بحوادث سنة ٢٩٥ ، وتنتهى بحوادث سنة ٣٦٧ . وأصله مخطوط محفوظ بالمكتبة الأهلية بباريس ، ومنه أيضاً نسخة مصوّرة بالميكر وفلم بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية . وقد سار المؤلف فى تأليفه على الطريقة الحولية كما فعل الطبرى فى التاريخ ، وابن الجوزى فى كتابه المنتظم وابن كثير فى البداية والنهاية. وأصل المؤلف لهذا الكتاب من أهل همدان ، وسكن بغداد وألف من الكتب عدا كتاب التكملة طبقات الفقهاء وأخبار الوزراء وتوفى سنة ٥٢١ . وقد سبق نشر هذه التكملة فى مجلة المشرق تباعاً سنة ١٩٥٨ م ، ثم فى المطبعة الكاثوليكية سنة ١٩٦١ م )) . وأما كتاب المنتخب من ذيل المذيّل فهو كتاب فى أخبار أزواج الرسول وبناته ووفياتهن، وأخبار بعض الصحابة والتابعين ووفياتهم ، وفيه أيضاً بعض ما روود من الأحاديث . وبعض الأشعار المتعلقة بهم ، والمذيّل والذيل من تأليف أبى جعفر الطبرى وكلاهما مفقود ، وليس لهما ذكر فى فهرس ابن النديم ولا حاجى خليفة ، ولكن ذكرهما ياقوت فى كتابه ، وابن خير فى فهرسه والسخاوى فى كتاب الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ . ويبدو أن المنتخب كتاب لأحد العلماء ، انتخبه من ذيل المذيّل وسار بين ٧ مقدمة الناس بهذا العنوان ، وأصله نسخة مخطوطة محفوظة بمكتبة المتحف البريطانى تحت رقم ٦١٨، كتبت - على ما يرجحه مفهرس مكتبة المتحف - فى آخر القرن العاشر بخط قديم خال من النقط إلا ما ندر منها . ومنه أيضاً نسخة مصورة على الميكر وفلم بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية . وقد قمت بتحقيق هذه الكتب الثلاثة وراجعتها على النسخ المصورة عنها . وكذلك على المطبوع منها فى أوربا وبيروت كما راجعت كتب التاريخ ، كالكامل لابن الأثير والبداية والنهاية لابن كثير وتجارب الأمم لابن مسكويه والمنتظم لابن الجوزى ، ولكن يلاحظ أن هناك تكراراً فى بعض السنوات ؛ إلاّ أن فيها جميعها قدراً وافراً من الأخبار الهامة ، والنصوص النادرة والأشعار الرائقة مما يجعل لهذه الذيول أهمية خاصة. والحمد لله على ما يسر وأعان. محمد أبو الفضل إبراهيم . - صلة تاريخ الطبرى لعريب بن سعد القرطبى بِسْمِ اللهُ الرَّحمَنَّ الرَّحِيمِ ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس [ ذكر أخبار القرامطة وقتل صاحب الشامة ] فيها كتب الوزير القاسم(١) بن عُبيد اللّه إلى محمد بن سليمان الكاتب - وكان المكتفى قد ولّاه حرب القرمطىّ صاحب الشامة ؛ وصيّر إليه أمر القواد والجيوش - فأمره بمناهضة صاحب الشّامة والجِدّ فى أمره. وجمْع القواد والرجال على محار بته . فسار إليه محمد بن سليمان بجميع منْ كان معه وأهل النواحى الَّتِى تليه من الأعراب وغيرهم حتى قُرُبوا من حَمَاة ، وصار بينهم وبينها نحو اثنى عشر ميلا ، فلقُوا أصحاب القرمطيّ هنالك يوم الثلاثاء لستِّ خَلَوْن من المحرّم . 7 وكان القرمطيّ قد قدّم بعض أصحابه فى ثلاثة آلاف فارس وكثير من الرجّالة فى مقدّمته ، وتخلّف هو فى جماعة منهم، بدءاً هم ، وجعل السواد وراءه . وكان معه مال جمعه ، فالتقى رجال السلطان بمن تقدّم من القرامطة لحربهم . والتحم القتال بينهم . وصبر الفريقان . ثم انهزم أصحاب القرمطىّ، وأُسِر من رجالهم بَشَرٌ كثير ، وقُتِل منهم عدد عظيم ، وتفرّق الباقون فى البوادى ، وتبعهم أصحاب السلطان ليلة الأربعاء يقتلونهم ويأسرونهم . فلما رأى القرمطيّ مانزل بأصحابه من الانهزام والتفرّق بالقتل والأسر حمَّل أخاً له يقال له أبو الفضل مالاً، وتقدّم إليه أن يلحق بالبوادى ويستثر بها ؛ إلى أن يظهر القرمطيّ بموضع، فيصير إليه أخوه بالمال ، وركب هو وابن عمه المسمّى بالمدّثر ، وصاحبه المعروف بالمطَوّق، وغلام له رومىٌّ . وأخذَ دليلا وسار يريد الكوفة عرضا فى (١) القاسم بن عبيد اللّه وزير المكتفى ومن قبله كان وزيراً للمعتضد. ١١ ١٢ سنة ٢٩١ البريّة حتى انتهى إلى موضع يعرف بالداليّة من أعمال طريق الفرات، فنفد ماكان معهم من الزاد والعلَف، فوجّه بعض مَنْ كان معه ليأخذ لهم ما احتاجوا إليه فدخل الداليّة لشراء حاجتِه، فأُنكِر زيّه (١)، وسئل عن أمره فاستراب وارتاب، وأعلم المتولى المسلحة تلك الناحية بخبره ، وكان على المعاون رجل يعرف بأبى خليفة بن كُشْرُد(٢) فيركب فى جماعة ، وسأل هذا الرجل عن خيره ، فأعلمه أن صاحب الشامة بالقرب منه ، فى ثلاثة نفر، وعرّفه بمكانه . فمضى صاحب المعاون إليهم بأخذه، ووجّه بهم إلى المكتفى وهو بالرَّقة ، ورجعت الجيوش من طلب القرامطة ، بعد أن أفنوا أكثرهم قتلا وأسراً . وكتب محمد بن سليمان الكاتب إلى الوزير القاسم بن عبيد الله بمحاربته للقراءطة ، وما فتح اللّه له عليهم ، وقتله وأسره لأكثرهم ، وأنه تقدم فى جمع الرءوس وهو باعث منها بعدد عظيم . وفى يوم الاثنين لأربع بَقِين من المحرم أدخِل صاحب الشامة إلى الرّقة ظاهراً للناس على فالج (٣)، وعليه برنس جرير، ودرّاعة ديباج، وبين يديه المدثر والمطوّق على جملين. ثم إنّ المكتفى خلّف عساكره مع محمد بن سليمان ، وشخص هو فى خاصته وغلمانه وحدمه ، وشخص معه القاسم بن عبيد اللّه الوزير من الرَّقة إلى بغداد ، وحمل معه الترمطىَّ والمدثر والمطوق وجماعة من أسِر فى الوقعة. وذلك فى أول صفر ؛ فلما صار إلى بغداد عزم على أن يُدخل القرمطيّ مدينة السلام مصلوباً على دَقَل والذَقَل (٤) على ظهر فيل ، فأمر بهدم طاقات الأبواب التى يجتاز بها الفيل بالدَّقَل . ثم استسمج ذلك ، فعمل له دميانة، غلام يازمان كرسيًا ، وركّبه على ظهر الفيل ، فى ارتفاع ذراعين ونصف ، وأفعَد فيه القرمطيّ صاحب الشامة ، ودخل المكتفى مدينة السلام ، صبيحة يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول . وقد قدّم بين يديه الأسرى مقيَّدين على جمال عليهم دراريع الحرير وبرانس الحرير، والمطوّق وسطهم ، وهو غلام مانبتت لحيته بعْدُ ، قد ◌ُجعل فى فيه خشبة مخروطة وألجم بها فى فمه كهيئة اللّجام. ثم شُدّت (١) ابن الأثير: ((فأنكروا رأيه))، وفى الطبرى: ((فأنكروا زيه)). (٢) فى تاريخ الطبرى: ((يعرف بأبى خبرة خليفة أحمد بن محمد بن كشمرج)) وكذلك فى ابن الأثير. (٣) الفالح : الجمل الضخم ذو السنامين . (٤) الدقل فى الأصل : خشبة طويلة تشدّ فى وسط السفينة يحمل عليها الشراع . i ١٣ سنة ٢٩١ إلى قفاه ؛ وذلك أنه لما دخل الرقة كان يشُم الناس إذا دعوا عليه ، ويبزُق فى وجوههم ، فجعل له هذا لئلا يتكلّم ولا يشُم . ثم أمر المكتفى ببناء ذكّة فى المصلّى العتيق بالجانب الشرقى فى ارتفاعها عشرة أذرع لقتل القرامطة ، وكان خلّف المكتفى وراءه محمد بن سليمان الكاتب بجملة من قوّاد القرامطة وقضاتهم ووجوههم . فقيّد جميعهم ، ودخلوا بغداد بين يديه يوم الخميس لا ثنتي عشرة ليلة خلتْ من ربيع الأول، وقد أمر القواد بتلقَّية والدخول معه . فدخل فى أتم ترتيب حتى إذا صار بالثريا نزل بها وخُلع عليه ، وطُوّق بطوق من ذهب ، وُؤْر بسوارين من ذهب ، وخلع على جميع القواد القادمين معه وطُوقوا وسُوِّروا . ثم صرفوا إلى منازلهم وأمر بالأسرى إلى السجن . وذُكِر عن صاحب الشامة أنه أخَذ وهو فى حبس المكتفى سكرّجة (١) من المائدة التى کانت تدخل علیه وکسرها وأخذ شظية منها،فقطع بها بعض عروقه وخرج منه دم کثیر ؛ حتی شُدّت يده ، وقطع دمه ، وترك أياماً حتى رجعت إليه قوته . ولما كان يوم الاثنين لسبع بقين من ربيع الأول ، أمر المكتفى القواد والغلمان بحضور الدَّكة فى المصلّ العتيق ، وخرج من الناس خلق كثير ، وحضر الواثقى وهو يلى الشُّرْطة بمدينة السلام ومحمد بن سليمان كاتب الجيش ، فقعدوا على الذّكّة فى موضع هيئ لهم ، وحمل الأسرى الذين جاء بهم المكتفى ، والذين جاء بهم محمد بن سليمان ومَنْ كان فى السجن من القرامطة ، وقوم من أهل بغداد ذكر أنهم على مذاهبهم ، وقوم من سائر البلدان من غير القرامطة حبسوا لجنايات مختلفة فأحضر جميعهم الدكّة ووكّل بكل رجل منهم عونان ؛ وقيل إنهم كانوا فى نحو ثلثمائة وستين . ثم أَحْضِر صاحب الشامة والمدثّر والمطوّق ، وأقعدوا فى الذَّكة وقدم أربعة وثلاثون رجلا من القرامطة فقطِعت أيديهم وأرجلهم ، وضُرِبت أعناقهم واحداً بعد واحد . وكانتْ تُرمَى رءوسهم وحثهم وأيديهم وأرجلهم كلّ ماقطع منها إلى أسفل الدكة . فلما فرغ من قتل هؤلاء قدم المدّثرِ فقطِعت يداه ورجلاه ، وضُزِبت عنقه ، ثم المطوّق . ثم قدّم صاحب الشامة فقطعت يداه ورجلاه وأضرمت نار عظيمة ، وأدخل فيها خشب صَليب ، وكانت توضع الخشبة الموقدة فى خواصره وبطنه ، وهو يفتح (١) السكرجة: إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم؛ وأكثر ما يوضع فيه الكوامخ. ١٤ سنة ٢٩١ عينيه ويغمضهما ، حتى خُشِى عليه أن يموت ، فضُرِبت عنقه ورُفع رأسه فى خشبة وكبّر مَنْ كان على الدكة وَكَبَّ سائر الناس فى أسفلها ، ثم ضربت أعناق باقى الأسرى وانصرف القواد ومن حضر ذلك الموضع وقت العشاء. فلما كان بالغد حُملت الرءوس إلى الجسر، وصُلِب بدن القرمطى فى الجسر الأعلى ببغداد ، وحفرت الأبدان القتلى آبار إلى جانب الدكة ، فطرحوا فيها . ثم أمر بعد ذلك بأيام بهدم الدكّة ففعل ذلك . واستأمن على يدى القاسم بن سيما رجلٌ من القرامطة ، يسمّى إسماعيل ابن النعمان ، ويكنى أبا محمد ، لم يكن بقى منهم بنواحى الشأم غيرُه وغير من انضوى إليه ، وكان هذا الرجل من موالى بنى العُلَيص(١) ، فرغب فى الدخول فى الطاعة ، خوفاً على نفسه ، فأومِنَ هِو ومَنْ معه ، وهم نّف وستُّون رجلا ، ووصلوا إلى بغداد . وأُجريت لهم الأرزاق ، وأحسن إليهم. ثم صرفوا مع القاسم بن سيما إلى عمله(٢؛ وأقاموا معه مدّة فهمّوا بالغدر به فوضع السيف فيهم ، وأباد جميعهم . وفى آخر جمادى الأولى من هذه السنة ورد كتاب من ناحية جُبِى بأنّ سيلاً أتاها من الجبل ، غرق فيه نحو من ثلاثين فرسخاً وذهب فيه خَلْق كثير ، وخربت به المنازل والقرى ، وهلكت المواشى والغلّات، وأخرِجَ من الغرِقى ألف ومائتان سوى مَنْ لم یوجد منهم . وفى يوم الأحدِ غرة رجب ، خلع المكتفى على محمد بن سليمان كاتب الجيش وعلى وُجُوه القواد، وأمرهم بالسمع والطاعة لمحمد بن سليمان، وبرز محمد إلى مضربه بباب الشّماسية وعسكر هنالك ، ثم خرج بالجيوش إلى جانب دمشق ، لقبض الأعمال من هارون بن خمارويه إذ تبين ضعفه ، وذهب رجاله فى حرب القرامطة ، ورحل محمد بن سليمان فى زُهاء عشرة آلاف ؛ وذلك لستُّ خلون مِنْ رجب، وأمر بالجدّ فى المسير . ولثلاث بقين من رجب قُرِئ على الناس كتاب لإسماعيل بن أحمد بأن الترك قصدوا المسلمين فى جيش عظيم ، وأن فى عسكرهم سبعمائة قبة تركية لرؤساء منهم خاصة . فنودى فى الناس بالنفير وخرج مع صاحب العسكر خَلْق كثير فوافى (١) ابن الأثير: ((من بنى العليص)). (٢) في ابن الأثير: ((وصاروا إلى رحبة مالك بن طوق مع القاسم بن سيما، وهى من عمله)). : ١٥ سنة ٢٩١ الترك غازين ، فكبسوهم ليلا ، وقُتل منهم خلق كثير ، وانهزم الباقون ، وأَسْتبيح عسكرهم وانصرف المسلمون سالمين غانمين . وورد أيضاً الخبر من الثّغور ، بأنّ صَاحب الروم وجّه إليها عسكراً فيه عشرة صلبان(١) ومائة ألف رجل ، فأغاروا وكبسوا وأحرقوا. ثم ورد كتاب أبى معدّ بأن الأخبار اتصلت من طَرءوس بأن غلام(٢) زرافة خرج إلى مدينة أنطالية (٣) على ساحل البحر، فافتتحها عُنوة ، وقتل بها خمسة آلاف رجل من الروم ، وأسِرَ نحو هذه العدة منهم ، واستنقذ من أسارى المسلمين أربعة آلاف إنسان. ووجد للروم ستين مركباً فغرّقها وأخذ ما كان فيها من الذهب والفضة والمتاع والآنية وأن كل رجل حضر هذه الغزاة أصاب فى فَيْه(٤) ألف دينار، فاستبشر المسلمون بذلك . وحج بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمد . (١) الصليب : ما يتخذه النصارى قبلة. (٢) ابن الأثير : سار إليها المعروف بغلام زرافة . (٣) أحدالية، باللام: بلد من سواحل بحر الشام ، وهى آخر أعمال دمشق من البلاد الساحلية . ياقوت. (٤) الفئ : الغنيمة . ١٦ سنة ٢٩٢ ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائتين ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس ففيها وجّه صاحب البصرة إلى السلطان رجلاً ذكر أنه أراد الخروج عليه ، وصار إلى واسط مخالفاً بها ، فأَقصد إليه مَنْ يقبض عليه وعلى قوم ذكروا أنهم بايعوه ، ووجّه بهم إلى بغداد ، فحُمل هذا الرجل على فالج (١) ، وبين يديه ابن له صبِىٌّ على جمل ، ومعه سبعة وثلاثون رجلاً ، على جمالٍ عليهم برانس الحرير ، وأكثرهم يستغيث ويبكى ، ويحلف أنه برىء فأمر المكتفى بحبسهم وفى هذه السنة أغارت الروم على مرعش ونواحيها ، فنفر أهل الصِّيصة وَطَرسوس ، وأصيبت جماعة من المسلمين فيهم أبو الرّجال بن أبى بكار . وفيها انتهى محمد بن سليمان الكاتب إلى أحواز مصر لحرب هارون (٢)، ووجه إليه المكتفى فى البحر (٣) دميانة، وأمره بدخول النيل، وقطع المواد عمّن بمصر من الجند ، فمضى وقطع عن أهل مصر الميرة ، وزحف إليهم محمد بن سليمان على الظهر ؛ حتى دنا من الفُسطاط ، وكاتب القواد الذين بها ، فخرج إليه بدر الحمامى ، وكان رئيس القوم ، ثم تتابع قواد مصر بالخروج إليه ، والاستثمان له . ، فلما رأى ذلك هارون وَمَنْ بقى معه خرجوا محار بين لمحمد بن سليمان ، وكانت بينهم وقَعات . ثم إنها وقعت بين أصحاب هارون فى بعض الأيام عصبية اقتتلوا فيها ، فخرج إليهم هارون ليسگِّنهم ، فرماه بعضُ المغاربة بسهم فقتله . وبلغ محمد بن سلمان الخبر ، فدخل هو ومَنْ معه الفسطاط ، واحتَووا على دور آل طولون وأموالهم ، وتقبَّض على جميعهم ، وهم بضعة عشر رجلاً ، فقيّدهم وحبسهم ، واستصفى أموالهم ، وكتب بالفتح إلى المكتفى ، وكانت هذه الوقيعة فى صَفَر ، وكتب إلى محمد بن سليمان فى (١) الفالج : الجمل الضخم ذو السنامين . (٢) الطبرى: ((هارون بن خمارويه)). (٣) دميانة: غلام يازمان، وفى ابن الأثير: ((غلام يازمان)). ٠ ١٧ سنة ٢٩٢ إشخاص آل طولون إلى بَغْداد ، وألاّ يُبقى منهم أحداً بمصر ولا الشام ، ففعل ذلك . ولثلاث خَلَوْن من ربيع الأول ، سقط الحائط من الجسر الأوّل على جثة القرمطيّ وهو مصلوب ، فطحنه ولم يبقّ منه شىء . وفى شهر رمضان ورد الخبر على السلطان بأن قائداً من القواد المصريين يُعرف بالخليجىّ ، ويسمى بإبراهيم تخلّف عن محمد بن سليمان فى آخر حدود مصر ، مع جماعة استمالهم من الجند وغيرهم ، ومضى إلى مصر مخالفاً للسلطان ، وكان معه فى طريقه جماعة أحبّوا الفتنة حتى كثر جمعه ، فلما صار إلى مصر أراد عيسى النَّوشرىّ محاربته ، فعجز عن ذلك لكثرة مَنْ كان مع ابن الخليجىّ ، فانحاز عنه إلى الإسكندرية ، وأخلَى مصر ، فدخلها الخليجىّ . وفيها ندب السلطان لمحاربة الخليجىّ وإصلاح أمر المغرب فاتكاً مولى المعتضد ، وضمّ إليه بدراً الحمّامى ، وجعله مشيراً عليه فيما يعمل به ؛ وندب معه جماعة من القوّاد وجنداً كثيراً، وخلع على فاتك وعلى بدر الحمامى لسبع خَلون من شوال ، وأمرا بسرعة الخروج وتعجيل السير فخرجا لاثنتى عشرة ليلة خلت من شوال . والنصف من شوال دخل رستم مدينة طَرسوس والياً عليها وعلى الثغور الشأمية . وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم لست بقين من ذى القعدة ، ففودى من المسلمين ألف ومائتا نفس ، ثم غدر الروم ، وانصرفوا، ورجع المسلمون بمَنْ فى أيديهم من أسارى الروم . وحج بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبدالملك بن عبدالله بن العباس بن محمد . ١٨ سنة ٢٩٣ ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس ففيها ورد الخبر بأنّ الخليجىَّ المتغلّب على مصر واقَع أحمد بن كيغلغ وجماعة من القّاد بالقرب من العريش ، فهزمهم الخليجى ، أقبح هزيمة ، فندب السلطان للخروج إليه جماعة من القواد المقيمين بمدينة السلام فيهم إبراهيم بن كيغلغ وغيره . وفى شهر ربيع الأول من هذه السنة ورد الخبر بأن أخاً للحسين بن زكرويه ، ظهر بالدالية من طريق الفُرات فى نفر من أصحابه ، ثم اجتمع إليه جماعة من الأعراب والمتلصّصة فساربهم نحو دمشق ، فى جمادى الأولى وحارب أهلها ، فندب السلطان للخروج إليه الحسين بن حمدان بن حمدون ، فی جمع کثیر من الجند . ثم ورد الخبر بأنّ هذا القرمطيّ سار إلى طَبريّة ، فامتنع أهلها من إدخاله ، فحاربهم حتى دخلها فقتل عامة مَنْ بها من الرجال والنساء ، ونهبها وانصرف إلى ناحية البادية . وذكر من حضر مجلس محمد بن داود بن الجراح ، وقد أدخِل إليه قوم من القرامطة بعد قتل الحسين بن زكرويه المصلُوب بجسر بغداد فقال الرجل : كانزكرويه أبو حسين المقتول مختفياً عندى فى منزلى، وقد أُعِدَّ له سرداب تحت الأرض ، عليه باب حديد ، وكان لنا تنّور ؛ فإذا جاءنا الطلب ، وضعنا التنور على باب السرداب ، وقامت امرأة تسخّنه . فمكث زكرويه كذلك أربع سنين ، فى أيام المعتضد ، ثم انتقل من منزلی إلى دار قد جعل فيها بيت وراء باب الدار ؛ فإذا فتح الباب انطبق على باب البيت ، فيدخل الداخل ، فلا يرى باب البيت الذى هو فيه ، فلم تزل هذه حالُه حتى مات المعتضد ؛ فحينئذ أنفذ الدعاة ، واستهوى طوائف من أهل البادية ، وصار أهل قرية صَوْءٍ يُتَفِلونه على أيديهم ، ويسجدون له . واعترف لزكرويه جميعُ مَنْ رسخ حُبّ الكفر فى قلبه من عربىُّ ومولّى وَنَبَطَىّ وغيرهم ، بأنه رئيسُهم وكهفهم وملاذهم ؛ وسمَّه السيد والمولى، وساروا به وهو محجوب عن أهل عسكره، والقاسم يتولى الأمور دونه ، يمضيبا على رأيه . , ١٩ سنة ٢٩٣ وذكر محمد بن داود أن زكرويه بن مهرويه هذا أقام رجلاً كان يعلّم الصبيان بقرية تدعى زابُوقة ، من عمل الفلوجة يُسمَّى عبد اللّه بن سعيد ، ويكنى أبا غانم ، فتسمّى بنصر ليعمى أمره، ويحفى خبرُه، فاستهوى طوائف من الأصبغيين والعُلَصيين وصعاليكَ من بطون كلب ، وقصدَبهم ناحية الشأم ، وكان عامل السلطان على دمشق والأردنّ أحمد بن كيغلغ، وكان مقيماً بمصر على حرب الخليجىّ ، فاغتنم ذلك عبد اللّه ابن سعيد المتسمَّى بنصر . وسار إلى مدينة بُصْرى ، فحارب أهلها ، ثم آمنهم . فلما استسلموا له قتل مقاتلتهم وسبىَ ذراريّهم ، واستاق أموالهَم ؛ ثم نهض إلى دمشق ، فخرج إليه مَنْ كان بقى بها مع صالح بن الفضل خليفة أحمد بن كيغلغ فقتل صالحاً ، وفضّ عسكره ولم يطمع فى مدينة دمشق إذ دافعهم أهلها عنها. ثم قصد القرمطىّ ومَنْ معه مدينة طبريّة ، فقتلوا طائفة من أهلها ، وسبوا النساء والذّرية بها، فحينئذ أنفذ السلطان لمحاربتهم الحسين بن حمدان فى جماعة من القوّد والرجال ، فوردوا دمشق ، وقد دخل القرامطة طبرية . فلما اتصل بهم خروجُ القَوَاد إليهم ، عطفوا نحو السّماوة ، وتبعهم الحسين بن حمدان وهم ينتقلون من ماء إلى ماء ويعوّرون (١) ماوراءهم من المياه. فانقطع الحسين عن اتّباعهم لما عُدم الماء ، وعاد إلى الرَّحْبة، وقصدت القرامطة إلى هِيت ، فصبَّحوها ولم يصلُوا إلى المدينة لحصانة سورها لسبع بقين من شعبان ، مع طلوع الشمس ، فنهوا رَبَضها ، وقتلوا مَنْ قدروا عليه من أهلها ، وأحرقت المنازل وَأَنْهَبَت السفن التى فى الفرات ، وقُتِل من أهل البلد نحو مائتى نفس ، وأَوْقُرُوا ثلاثة آلاف بعير بالأمتعة والحنطة ثم رحلوا إلى البادية . ثم شخص بأثرهم محمد بن كنداج إليهم ؛ فلما كان بقُرْبة منهم ، هربوا منه وعَوَّروا المياه بينهم وبينه ، فأنفذت إليه الإبل والروايا والزاد ، وكتبَ إلى الحُسين بن حمدان بالنفوذ إليهم من جهة الرّحبة ، والاجتماع مع محمد بن كنداج على الإيقاع بهم . فلما أحس الكلبيُّون الذين كانوا مع عبد الله بن سعيد القرمطيّ المتسمى بنصر ، وثبوا عليه ، وقتلوه ، وتقرّ بوا برأسه إلى محمد بن كنداج ؛ واقتتلت القرامطة حتى وقعت بينهما الدماء. ثم أنفذ زكرويه داعيةً له يسمّى القاسم بن أحمد ، إلى أكَرة السواد ، فاستهواهم (١) يعوّرون ما وراءهم، أى يفسدون الركابا حتى ينضب ماؤها. ٠٠٠ ٢٠ سنة ٢٩٣ ووعدهم بأن ظهوره قد حضر ، وأنه قد بايع له بالكوفة نحو أربعين ألف رجل وفى سوادها أربعمائة ألف رجل ، وأن يوم موعدهم الذى ذكره الله يومُ الزينة وأن يُحْشَرَ الناس ضُحى . وأمرهم بالمسير إلى الكوفة ليفتَتِحوها فى غداة يوم النَّحر ، وهو يوم الخميس . فإنهم لا يمنعون منها فتوجّه القاسم بن أحمد بأهل السواد ومَنْ يجتمع إليه من الصعاليك، حتى وافوًا باب الكوفة فى ثمانمائة فارس ، عليهم الدروع والجواشن(١) والآلة الحسنة، ومعهم جماعة من الرجّالة على الرواحل، وقد انصرف الناس عن مصلاّهم ، فأوقعوا بمن لحقوه من العوام ، وقتلوا منهم زُهاء عشرين نفساً . وخرج إليهم إسحاق بن عمران عامل الكوفة ومَنْ كان معه من الجند فصاقوا القرامطة الحرب إلى وقت العصر ، وكان شعار القرامطة : يا أحمد يا محمد ، وهم يدعون : يالثارات الحسين ! يعنون المصلوب بجسر بغداد، وأظهروا الأعلام البيض ، وضربوا على القاسم بن أحمد قُبة، وقالوا: هذا ابنُ رسول اللّه. فاقتتلوا قتالاً شديداً . ثم انهزمت القرامطة نحو القادسية ، وأصلح أهل الكوفة سورَهم وخندقهم ، وحرسوا مدينتهم . وكتب إسحاق بن عمران إلى السلطان يستمدّه ، فندب إليه جماعة فيهم طاهر بن علىّ بن وزير ووصيف بن صوارتكين والفضل بن موسى بن بغا وبشر الخادم وجنىّ الصفوانى ورائق الخزَرى ، وضم إليهم جماعة من غلمان الحُجَر ، وأمر القاسم بن سيما ومَن ضمّ إليه من رؤساء البوادى بديار ربيعة وطريق الفرات وغيرهم بالنهوض إلى القرامطة . إذا كان أصحاب السلطان متفرقين فى نواحى الشام ومصر ، فنفذت الکتب بذلك إليهم . وفى يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلَتْ من رجب ، قرئ على المنبر ببغداد كتاب بأنّ أهل صنعاء وسائر أهل اليمن اجتمعوا على الخارجىّ وحاربوه وفُلُّوا جموعَه ، فانحاز إلى بعض النواحى باليمن، فَخلع السلطان على مظفّرِ بن حاجٌ ، وعقد له على اليمن . وخرج إليها لخمس خلّون من ذى القعدة ، فأقام بها حتى مات. ولتسع بقين من رجب أخرجت مضارب المكتفى إلى باب الشماسية ، فضربت هنالك ليخرج إلى الشأم ، ويحاصر ابن الخليجىّ، فورد كتاب من قِبَل فاتك القائد وأصحابه ، يذكرون (١) الجواشن: جمع جوشن ، وهو الدرع. ١