النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سنة ٢٨٧
من أهل الثغور واجتماع كلمتهم عليه، ورحل المعتضد - فيما قيل - من المصِّيصة
فنزل فُندُق الحسين ، ثم الإسكندرية ، ثم بَغْراس ثم أنطاكية، لليلتين خلتا
من ذى الحجة . فأقام بها إلى أن نحَر، وبكر فى ثانى النحر بالرحيل ، فنزل
أرتاحَ ثم الأتارب ثم حلب، فأقام بها يومين، ثم رحل إلى الناعورة، ثم إلى خُساف
وصفِّن هناك فى الجانب الجَزَرِى، وبيت مال أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب
رضى الله عنه فى الجانب الآخر ، ثم إلى يالس ، ثم إلى دَوْسر ، ثم إلى بطن
دامان ، ثم إلى الرّقة ، فدخلها لثمان بقين من ذى الحجة، فأقام بها إلى أن
بقىَ ليلتان منه .
#
*
[ ذكر الخبر عن مقتل محمد بن زيد العلوىّ ]
ولخمس بقين من شوّال ورد الخبر على السلطان بأن محمد بن زيد العلوىّ قتِل.
* ذكر الخبر عن سبب مقتله :
٢٢٠١/٣
ذُكر أن محمد بن زيد خرج لمّا اتصل به الخبر عن أسر إسماعيل بن أحمد
عمرو بن الليث فى جيش كثيف نحو خراسان ، طامعًا فيها ، ظنا منه أنّ
إسماعيل بن أحمد لا يتجاوز عمله الذى كان يتولاه أيام ولاية عمرو بن الليث
الصفّار خراسان ، وأنه لا دافع له عن خراسان ، إذ كان عمرو قد أسِر ،
ولا عامل للسلطان به ؛ فلما صار إلى جُرجان واستقرّ به ، كتب إليه يسأله
الرجوع إلى طَبرستان، وترك جرجان له ، فأبى ذلك عليه ابنُ زيد، فندب
إسماعيل - فيماذكرلى -خليفةً كان لرافع بن هرثمة أيام ولاية رافع خراسان يُدعى
محمد بن هارون ، لحرب محمد بن زيد، فانتدب له، فضمّ إليه جمعًاً كثيراً
من رجاله وجنده، ووجّهه إلى ابن زيد لحربه ، فشخص محمد بن هارون نحو
ابن زيد ، فالتقيا على باب جُرجان ، فاقتتلوا قتالا شديداً ، فانهزم عسكر
محمد بن هارون .
ثم إن محمد بن هارون رجع ، وقد انتقضت صفوف العلوىّ ، فانهزم
عسكر محمد بن زيد، وولّوا هاربين، وقُتِل منهم - فيما ذكر - بشر كثير ،

٨٢
سنة ٢٨٧
وأصابت ابن زيد ضربات، وأسر ابنه زيد، وحوى محمد بن هارون عسكره
وما كان فيه . ثم مات محمد بن زيد بعد هذه الوقعة بأيام من الضَّربات التى
كانت فيه، فدُفن على باب جرجان، وحُمل ابنه زيد إلى إسماعيل بن أحمد،
وشخص محمد بن هارون إلى طبرستان .
٢٢٠٢/٣
وفى يوم السبت لاثنتى عشرة خلتْ من ذى القعدة أوقع بدر غلام الطائىّ
بالقرامطة على غِرّة منهم بنواحى روذميستان (١) وغيرها، فقتل منهم - فيما ذكر -
مقتلة عظيمة، ثم تركهم خوفًا على السواد أن يخرب؛ إذ كانوا فلاّ حيه وعماله،
وطلب رؤساءهم فى أماكنهم ، فقتل مَنْ ظفر به منهم ؛ وكان السلطان قد
قوَّى بدراً بجماعة من جنده وغلمانه بسببهم للحدث الذى كان منهم .
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن عبد الله بن داود .
(١) ط: ((رود ميسان))، وأثبت ما فى التصويبات.

٨٣
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من ورود الخبر على السلطان فيما ذكر-بوقوع الوباء
بأذْرَبيجان، فمات منه خلْق كثير إلى أن فقد الناس ما يكفّنون به الموتى ،
فكفِّنْوا فى الأكسية واللبود ، ثم صاروا إلى أن لم يجدوا مَن يدفن الموتى ، فكانوا
يتركونهم مطروحين (١) فى الطرق .
وفيها دخل أصحاب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث فارس ، وأخرجوا
منها عمّال السلطان ، وذلك لاثنتى عشرة بقيت من صفر منها .
وفيها تُوقِّىَ محمد بن أبى الساج الملقب بأفشين بأذْرَ بيجان، فاجتمع غلمانه ٢٢٠٣/٣
وجماعة من أصحابه، فأمّروا عليهم ديوداد بن محمد، واعتزلهم يوسف بن أبى
الساج على الخلاف لهم .
ولليلتين بقيتا من شهر ربيع الآخر ورد كتاب صاحب البريد بالأهواز ،
يذكر فيه أن أصحاب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث صاروا إلى سَنبيل
يريدون الأهواز .
وفى أول جمادى الأولى أدخل عمرو بن الليث عبدُ اللّه بن الفتح - الموجّه
كان إلى إسماعيل بن أحمد - بغداد وأشناس غلام إسماعيل بن أحمد. وذُكر
لى أنّ إسماعيل بن أحمد خيَّره بين المقام عنده أسيراً وبين توجيهه إلى باب
أمير المؤمنين ، فاختار توجيهه فوجهه .
وللیلتين خلتا من جمادى الآخرة، ورد ۔ فما ذُ کر - کتاب صاحب بريد
الأهواز منها ، يذكر أن كتاب إسماعيل بن أحمد ورد على طاهر بن محمد بن
عمرو يعلمه أن السلطان ولاه سجستان ، وأمره بالخروج إليها ، وأنه خارج
إليه إلى فارس ليوقِع به ، ثم ينصرف إلى سجستان، وأنّ طاهراً خرج لذلك ،
(١) س: ((مطرحين).

٨٤
. سنة ٢٨٨
وكتب إلى ابن عمّه وكان مقيمًا بأرّجان فى عسكره يأمره بالانصراف إليه
إلى فارس بمن معه .
وفيها ولّى المعتضد مولاه بدراً فارس ، وأمره بالشخوص إليها لمّا بلغه من
٢٢٠٤/٣ تغلّب طاهر بن محمد عليها ، وخلع عليه لتسع خلوْن من جمادى الآخرة ،
وضمّ إليه جماعةً من القوّاد ، فشخص فى جيش عظيم من الجند
والغلمان .
ولعشر خلوْن من جمادى الآخرة منها خرج عبد الله بن الفتح وأشناس
غلام إسماعيل إلى إسماعيل بن أحمد بن سامان بخلع من المعتضد حملها
إلیه وببد نة وتاج وسیف من ذهب، مركّب علی جمیع ذلك جوهر وبهدايا
وثلاثة آلاف ألف درهم، يفرّقها فى جيش من جيوش خُراسان، يوجَّه إلى
سجِسْتان لحرب من° بها من أصحاب طاهر بن محمد بن عمرو .
وقد قيل: إن المال الذى وجّهه إليه المعتضد كان عشرة آلاف ألف درهم،
وجّه ببعض ذلك من بغداد، وكتب بباقيه على عمّال الجبل ، وأمِرُوا أن
يدفعوه إلى الرُّسل .
وفى رجب منها وصل بدر مولى المعتضد إلى ما قرب من أرض فارس ،
فتنحّى عنها مَنْ كان بها من أسباب طاهر بن محمد بن عمرو ، فدخلها
أصحاب بدر ، وجبى عمّالُه الخراج بها .
وليلتين خَلَتًا من شهر رمضان منها ، ذكر أنّ كتاب عجّ بن حاجٌ عامل
مكة ورد يذكر فيه أن بنى يعفر أوقعوا برجل كان تغلّب على صنعاء ، وذكر
أنه عِدَوَىّ وأنهم هزموه ، فلجأ إلى مدينة تحصّن بها ، فصاروا إليه فأوقعوا به ،
فهزموه أيضًا ، وأسروا ابنًا له ، وأفلت هو فى نحو من خمسين نفساً ، ودخل
بنو يعفر صنعاء وخطبوا بها للمعتضد .
٢٢٠٥/٣
وفيها أوقع يوسف بن أبى الساج وهو فى نفر یسیر بابن أخيه دیوداد بن
محمد ، ومعه جيش أبيه محمد بن أبى الساج ، فهرب عسكره، فبقى ديوداد فى
جماعة قليلة ، فعرض عليه يوسف المقام معه ، فأبى وأخذ طريق الموصلَ فوافى

٨٥
سنة ٢٨٨
بغداد يوم الخميس لسبع بقين من شهر رمضان من هذه السنة ، فكانت
الوقعة بينهما بناحية أذْرَبيجان .
وفيها غزا نزار بن محمد عامل الحسن بن علىّ كورة الصائفة ، ففتح
حصونًا كثيرة للرّوم، وأدخل طَرَسُوس مائة عِلْج وَيَفًا وستين عِلْجًا
من القوامسة والشمامسة وصلبانًا كثيراً وأعلامًا لهم ، فوجّهها كوره
إلى بغداد .
ولاثنتى عشرة خلتْ من ذى الحجّة وردت كتب التجار من الرَّقة أن
الرُّومِ وافتْ فى مراكب كثيرة، وجاء قومٌ منهم على الظهر إلى ناحية كيْسُون،
فاستاقوا من المسلمين أكثر من خمسة عشر ألف إنسان؛ ما بين رجل وامرأة
وصبِىّ ، فمضوا بهم ، وأخذوا فيهم قومًا من أهل الذمة .
وفيها قرب أصحاب أبى سعيد الجنابىّ من البصرة ، واشتدّ جَزع أهل
البصرة منهم حتى همّوا بالهرب منها والنقلة عنها ، فمنعهم من ذلك واليهم .
وفى آخرذى الحجّة منها قُتِل وصيف خادم ابن أبى الساج، فحملت جثته
فصلبت بالجانب الشرقىّ . وقيل إنه مات ولم يقتَل ، فلما مات احتُزّ رأسه .
وحجّ بالناس فيها هارون بن محمد المكنى أبا بكر .

٨٦
٢٢٠٦/٣
ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عن الكائن فيها من الأمور
فمن ذلك ما كان من انتشار القرامطة بسواد الكوفة ، فُوجّه إليهم شبل
غلام أحمد بن محمد الطائىّ، وتُقدِّم إليه فى طلبهم، وأخذٍ مَن ظفر به منهم
وحملهم إلى باب السلطان . وظَفِر برئيس لهم يُعرف بابن أبى فوارس ،
فوجّه به معهم ، فدعا به المعتضد لثمان بقين من المحرّم ، فساءله، ثم أمر به
فقِلعتْ أضراسه، ثم خُلِع بمدّ إحدى يديه - فيما ذكر - ببكثرة ، وعُلّق
فى الأخرى صخرة ، وتُرِك على حاله تلك من نصف النهار إلى المغرب ، ثم
قُطعت يداه ورجلاه من غِد ذلك اليوم ، وضُرِبتْ عنقه ، وصليب بالجانب
الشرقىّ، ثم حملت جثْته بعد أيام إلى الياسرية، فُصلب مع من صُلب هنالك
من القرامطة .
ولليلتين خَلَتَا من شهر ربيع الأول ، أخرِ ج مَنْ كانت له دار وحانوت
باب الشماسيّة عن داره وحانوته ، وقيل لهم: خذوا أقفاصكم واخرجوا ؛ وذلك
أنّ المعتضد كان قد قدّر أن يبنىَ لنفسه داراً يسكنها، فخطّ موضع السور،
وحفر بعضه ، وابتدأ فى بناء دكّة على دِجْلة، كان المعتضد أمر ببنائها لينتقل
فيقيم فيها إلى أن يفرغ من بناء الدار والقصر .
٢٢٠٧/٣
وفى ربيع الآخر منها فى ليلة الأمير تُوفِّىَ المعتضد ، فلما كان فى
صبيحتها أحضر دار السلطان يوسف بن يعقوب وأبوخازم عبد الحميد بن
عبد العزيز وأبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب ، وحضر الصلاة عليه الوزير
القاسم بن عبيد الله بن سليمان ، وأبو خازم وأبو عمرَ والحرَم والخاصّة ، وكان
أوصى أن يُدفن فى دار محمد بن عبد الله بن طاهر، فحفر له فيها، فحمل
من قصره المعروف بالحسنىّ ليلا ، فدفن فى قبره هناك.

٨٧
سنة ٢٨٩
ولسبع بقين من شهر ربيع الآخرمن هذه السنة - وهى سنة تسع وثمانين ومائتين-
جلس القاسم بن عبيد الله بن سليمان فى دار السلطان فى الحسنىّ، وأذن للناس،
فعزَّوْه بالمعتضد، وهنئوه بما جدّد له من أمر المكتفى، وتقدّم إلى الكتاب والقوّاد
فى تجديد البيعة للمكتفى بالله، فقبلوا .

٨٨
سنة ٢٨٩
خلافة المكتفى بالله
ولما تُوفّىَ المعتضد كتب القاسم بن عبيدالله بالخبر إلى المكتفى كتبًا، وأنفذها
من ساعته؛ وكان المكتفى مقيمًا بالرّقة، فلمّا وصل الخبر إليه أمر الحسين بن
عمرو النصرانىَّ كاتبه يومئذ بأخذ البيعة على من فى عسكره، ووضع العطاء لهم ،
ففعل ذلك الحسين ، ثم خرج شاخصًا من الرّقة إلى بغداد، ووجه إلى النواحى
بديار ربيعة وديار مضر ونواحى المغرب من يضبطها.
وفى يوم الثلاثاء لثمان خَلَوْن من جمادى الأولى دخل المكتفى إلى داره
بالحسنىّ؛ فلما صار إلى منزله، أمر بهدم المطامير التى كان أبوه اتّخذها لأهل
الجرائم.
وفى هذا اليوم كنّى المكتفى بلسانه القاسم بن عبيد الله وخلع عليه .
وفى هذا اليوم مات عمرو بن الليث الصفار ، ودُفن فى غد هذا اليوم بالقرب
من القصر الحسنىّ، وقد كان المعتضد - فيما ذكر - عند موته بعد ما امتنع
من الكلام أمر صافيا الحُرَمىّ بقتل عمرو بالإيماء والإشارة، ووضع يده على رقبته
وعلى عينه، أراد ذبح الأعور فلم يفعل ذلك صافى لعلمه بحال المعتضد وقرب
وفاته، وكره قتل عمرو، فلما دخل المكتفى بغداد سأل - فيما قيل - القاسم بن
عبيد اللّه عن عمرو: أحىٌّ هو؟ قال: نعم، فسرّ بحياته. وذُكر أنه يريد
أنّ يحسن إليه، وكان عمرو يهدى إلى المكتفى ويبرّه برًّا كثيراً أيام مقامه بالرّىّ
فأراد مكافأته ، فذكروا أن القاسم بن عبيد الله كره ذلك، ودسّ إلى عمرو
مَنْ قتله .
وفى رجب منها ورد الخبر لأربع بقين منه أنّ جماعة من أهل الرّىّ كاتبوا
محمد بن هارون الذى كان إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان استعمله على
طَبَرَستان بعد قتله محمد بن زيد العَكَوٍىّ، فخلع محمد بن هارون وبيض ،
فسألوه المصير إلى الرّىّ ليدخلوه إليها؛ وذلك أن أوكر تُمُش التركىَّ المولَّى
٢٢٠٨/٣

٨٩
سنة ٢٨٩
علیھم کان ۔ فما ذ کر- قد أساء السيرة فیهم، فحاربه، فهزمه محمد بن هارون
وقتله، وقتل ابنين له وقائداً من قوّاد الساطان يقال له أبرون أخو كيْغلغ، ودخل ٢٢٠٩/٣
محمد بن هارون الرّىّ واستولى عليها .
وفى رجب من هذه السنة زلزلت بغداد ، ودامت الزلزلة فيها أيامًا وليالى
كثيرة .
[ ذكر الخبر عن مقتل بدر غلام المعتضد ]
وفى هذه السنة كان مقتل بدر غلام المعتضد .
* ذكر سبب قتله :
ذُكر أنّ سبب ذلك كان أنّ القاسم بن عبيد اللّه كان هَمّ بتصبير
الخلافة من بعد المعتضد فى غير ولد المعتضد، وأنه كان ناظر بدراً فى ذلك ،
فامتنع بدر علیه وقال : ما كنتُ لأصرفتها(١) عن ولد مولای الذى هو ولىُ نعمتى.
فلما رأى القاسم ذلك وعلم أنه لا سبيل إلى مخالفة بدر ؛ إذ كان بدْرٌ صاحب
جيش المعتضد ، والمستولِى على أمره ، والمطاعَ فى خدمه وغلمانه ، اضطعنها
على بدر . وحدث بالمعتضد حدثُ الموت وبدر بفارس ، فعقد القاسم
للمکتفی عَقْد الخلافة، وبابع له وهو بالرَّقة، لما كان بین المکتفی وبین بدر
من التباعد فى حياة والده. وكتب القاسم إلى المكتفى لمّا بايع غلمان أبيه له
بالخلافة، وأخذ عليهم البَيْعة بما فعل من ذلك، فقدم بغداد المكتفى وبدْر بعد
بفارس ، فلمَّا قدمها عمل القاسم فى هلاك بدر؛ حذراً على نفسه - فما
ذكر(٢) - من بدر أن يقدم على المكتفى، فيطلعته على ما كان القاسم همّ به، وعزم
عليه فى حياة المعتضد من صرف الخلافة عن ولد المعتضد إذا مات . فوجّه ٢٢١٠/٣
المكتفى - فيما ذكر - محمد بن كُمُشْجور وجماعة من القوّاد برسائل، وكتب إلى
القوّاد الذين مع بدر يأمرهم بالمصير إلى ما قبله ومفارقة بدر وتركه ، فأوصلت
الكتب إلى القوّاد فى سرّ ، ووجّه إليه يانس خادم الموفّق ، ومعه عشرة آلاف
(١) ب: ((لأصرفه))، س: ((بالذى أصرفها)).
(٢) س: ((مما ذكر)).

٩٠
سنة ٢٨٩
ألف درهم ليصرفها(١) فى عطاء أصحابه لبيعة المكتفى ، فخرج بها يانس .
فذكر أنه لما صار بالأهواز، وجّه إليه بدر مَنْ قَبَض المال منه،
فرجع يانس إلى مدينة السلام ؛ فلمّا وصلت كتب المكتفى إلى القوّاد المضمومين
إلى بدر ، فارق بدراً جماعة منهم، وانصرفوا عنه إلى مدينة السلام ؛ منهم
العباس بن عمرو الغَنَّوِىّ وخاقان المفلحىّ ومحمد بن إسحاق بن كُنْداج
وخفيف الأذكوتكينىّ وجماعة غيرهم. فلما صاروا إلى مدينة السلام دخلوا
على المكتفى، فخلع - فيما ذكر- على نيّف وثلاثين رجلاً منهم، وأجاز جماعة"
من رؤسائهم؛ كلّ رجل منهم بمائة ألف درهم ، وأجاز آخرين بدون ذلك ،
وخلَعَ على بعضهم ، ولم يجزه بشىء. وانصرف بدر فى رجب ؛ عامداً المصير
إلى واسط . واتَّصل بالمكتفى إقبالُ بدر إلى واسط ، فوكل بدار بدر ، وقبض
على جماعة من غلمانه وقوّاده ؛ فحُبِسُوا ، منهم نحرير الكبير، وعَريب
الجبلىّ، ومنصور، ابن أخت عيسى النُّوشرىّ. وأدخل المكتفى على نفسه القوّاد ،
وقال لهم: لست أؤمِّر عليكم أحداً، ومَنْ كانت له منكم حاجة فليلق
٢٢١١/٣ الوزير، فقد تقدّمتُ إليه بقضاء حوائجكم . وأمر بمحو اسم بدر من التراس
والأعلام ، وكان عليهنا أبو النجم مولى المعتضد بالله، وكتب بدرٌ إلى المكتفى
كتابًا دفعه إلى زيدان السعيدىّ ، وحمله على الجمّازات . فلما وصل
الكتاب إلى المكتفى أخذه ، ووكّل بزيدان هذا ، وأشخص الحسن بن
علىّ كوره فى جيش إلى ناحية واسط . وذُكر أنه قدّمه المكتفى على
مقدمته .
ثم أحدر محمد بن يوسف مع المغرب لليلة بقيت من شعبان من هذه السنة
برسالة إلى بدر ، وكان المكتفى أرسل إلى بدر حین فصل من عمل فارس يعرض
عليه ولاية أىّ النواحى شاء؛ إن شاء أصبهان وإن شاء الرىّ ، وإن شاء
الجبال ، ويأمره بالمصير إلى حيث أحبّ من هذه النواحى مع مَنْ أحبّ من
الفرسان والرّجالة، يقيم بها معهم والياً عليها. فأبى ذلك بدر، وقال: لا بدّ لى
من المصیر إلى باب مولای.
(١) س: ((إيفرقها)).

٩١
سنة ٢٨٩
فوجد القاسم بن عبيد اللّه مساغدًا للقول فيه، وقال للمكتفى: يا أميرَ المؤمنين،
قد عرضنا عليه أن نقدّده أىَّ النّواحى شاء أن يمضىَ إليها، فأبى إلاّ المجىء إلى
بابك ، وخوّفه غائلته، وحرّض المكتفى على لقائه ومحاربته ، واتصل الخبر
ببدر أنه قد وُكُل بداره، وحبس غلمانه وأسبابه، فأيقن بالشرّ، ووجّه(١)
مَنْ يحتال فى تخليص ابنه هلال وإحداره إليه، فوقف القاسم بن عبيد الله
على ذلك، فأمر بالحفظ (٢) به ، ودعا أيا خازم القاضى على الشرقية وأمره بالمضىّ
إلى بدر ولقائه وتطييب نفسه وإعطائه الأمان من أمير المؤمنين، على نفسه وماله
وولده ، فذُكر أن أبا خازم قال له : أحتاج إلى سماع ذلك من أمير المؤمنين
حتى أؤدّيه إليه عنه، فقال له : انصرفْ حتى أستأذن لك فى ذلك أميرَ
المؤمنين.
٢٢١٢/٣
ثم دعا بأبى عمر محمد بن يوسف ، فأمره بمثل الذى أمر به أبا حازم ، فسارع
إلى إجابته إلى ما أمره به، ودفع القاسم بن عبيد اللّه إلى أبى عمر كتاب أمان عن
المكتفى، فمضى به نحو بدر، فلمّا فصل بدر عن واسط ارفضّ عنه أصحابه
وأكثر غلمانه ؛ مثل عيسى النُّوشرىّ وخَتَّنه يانس المستأمن وأحمد بن
سمعان ونحرير الصغير ، وصاروا إلى مضرب المكتفى فى الأمان . فلما كان بعد
مضىّ لياتين من شهر رمضان من هذه السنة، خرج المكتفى من
بغداد إلی مضربه بنهر دیالی،وخرج معه جمیع جیشه، فعسکر هنالك،وخلع
على مَنْ صار إلى مضربه من الجماعة الذين سَمّيتُ، وعلى جماعة من القوّاد
والجند . ووكّلَ بجماعة منهم ، ثم قيّد تسعة منهم ، وأمر بحملهم مقيّدين إلى
السجن الجديد؛ ولقى-فيما ذكر - أبو عمر محمد بن يوسف بدراً بالقرب من واسط،
ودفع إليه الأمان وخبّره عن المكتفى بما قال له القاسم بن عبيد الله، فصاعد معه
فى حَرَّاقة بدر، وكان قد سيّره فى الجانب (٣) الشرقىّ وغلمانه الذين بُقوا معه
فى جماعة من الجند وخلق كثير من الأكراد وأهل الجبل يسيرون معه بمسيره على شط
د جلة، فاستقرّ الأمر بين بدر وأبى عمر على أن يدخل بدر بغداد سامعًا مطيعاً،
٢٢١٣/٣
(١) ب: ((وأمر))، ابن الأثير: ((وأرسل)).
(٣) ب: ((بالجانب)).
(٢) س: ((التحفظ)).

٩٢
سنة ٢٨٩
وعَبر بدرد جلة، فصار إلى النعمانيّة، وأمر غلمانه وأصحابه الذين يقُوا معه
أن ينزعوا سلاحهم، وألاّ يحاربوا (١) أحداً، وأعلمهم ما ورد به عليه أبو عمر
من الأمان ؛ فبينا هو يسير إذ وافاه محمد بن إسحاق بن كنْداج فى شَذًا، ومعه
جماعة من الغلمان ، فتحوّل إلى الحرَّاقة، وسأله بدر عن الخبر، فطيّب نفسه،
وقال له قولاً جميلا ، وهم فى كلّ ذلك يؤمّرونه ؛ وكان القاسم بن عبيد
اللّه وجهه، وقال له : إذا اجتمعتَ مع بدر، وصرت معه فى موضع واحد ؛
فأعلْسى . فوجّه إلى القاسم ، وأعلمه، فدعا القاسم بن عبيد الله لؤلؤاً أحد
غلمان السلطان ، فقال له : قد ندبتُك لأمر ، فقال : سمعا وطاعة ؛ فقال
له : امض وتسلّمْ بدراً من ابن كنداجيق، وجثنى برأسه. فمضى فى طيّار
حتى استقبل بدراً ومَنْ معه بين سيب بنى كوما وبين اضطربد ، فتحوّل من
الطيار إلى الحرّاقة، وقال لبدر: قم، فقال: وما الخبر؟ قال: لا بأس عليك ،
فحوّله إلى طيّاره، ومضى به حتى صار به إلى جزيرة بالصافية، فأخرجه إلى
الجزيرة ، وخرج معه، ودعا بسيف كان معه فاستلّه ، فلمّا أيقَن بدر بالقتل
سأله أن يُمهله حتى يُصَلِّىَ ركعتين ، فأمهله، فصلاً هما، ثم قدّمه فضرب
عنُقَه، وذلك فى يوم الجمعة (٢) قبل الزّوال لستّ خلوْن من شهر رمضان، ثم
أخذ رأسه ورجع إلى طيّاره، وأقبل راجعاً إلى معسكر المكتفى بنهر ديالى ورأس
بدر معه ، وتُركت جُثّته مكانها، فبقيت هنالك . ثم وجّه عياله من أخذ
جثّته سرًّا، فجعلها فى تابوت، وأخفوْها عندهم، فلما كان أيام الموسم حملوها.
إلى مكة ، فدفنوها بها - فيما قيل - وكان أوصى بذلك، وأعتق قبل أن يقتل
مماليكه كلّهم ، وتساسم السلطان ضياع بدر ومستغلاته ودوره وجميعَ ماله بعد
قتله . وورد الخبر على المكتفى بما كان من قَتْل بدر ، لسبع خلوْن من شهر
رمضان من هذه السنة، فرحل منصرفًا إلى مدينة السلام، ورحل معه مَنْ
كان معه من الجند، وجىء برأس بدْر إليه ، فوصل إليه قبل ارتحاله من
موضع معسكره، فأمر به فنظّف ، ورُفع فى الخزانة، ورجع أبو عمر القاضى
٢٢١٤/٣
(١) س: ((ولا يحاربوا)).
(٢) ب: ((جمعة)).

٩٣
سنة ٢٨٩
إلى داره يوم الاثنين كئيبًا حزينًا، لِما كان منه فى ذلك، وتكلّم الناس فيه ،
وقالوا : هو كان السبب فى قتل بدر، وقالوا فيه أشعاراً ، فمما قيل فيه منها :
قلْ لقاضِى مَدينةِ الْمنصُورِ
بعدَ إِعطائهِ المواثيقَ والعهـ
أَينَ أَيْمَانُكَ التى شهدَ الا
أَنَّ كفيِك لا تفارِقُ كَفّـ
ياقليلَ الحياءِ يا أَكَذَبَ الأَ
ليسَ هذا فِعل القضاةِ ولايُحـ
أَىّ أَمرِ رَكِبْتَ فى الجُمْعةِ الزهـ
قد مضى من قتلتَ فى رمضانٍ
یاہی يوسف بن يعقوبأَضْحَی
بَدّدَ اللهُ شملكمْ وَأَرانى
فأَعِدّ الجوابَ للحَكَمِ العا
كلّكمْ فِدًا لأبى خا
أَنتمُ
بمَ أَحللتَ أَخذَ رأس الأميرِ !
دَ وعقدِ الأَيْمانِ فى منشورِ
على أَنها يمينُ فَجُورٍ
هِ إِلى أَن ترَى مَلِيكَ السَّرِيرِ
مّةٍ يا شاهِدًا شهادةَ زورِ ٢٢١٥/٣
سِنُ أَمثالهُ وُلاة الجُسُورِ
راءٍ من شهرٍ خيرِ خيرِ الشّهورِ
صائماً بعد سجدة التعْضِيرِ
أَهلُ بغدادَ منكمُ فى غرورٍ
ذلَّكْم فى حياةِ هذا الوزير
دِلِ من بعدِ منكَرٍ ونكيرٍ
كلّ الأُمورِ
زِمٍ المستقيمِ
ولسبع خلوْن من شهر رمضان ، حمل زيدان السعيدىّ الذى كان قُدِّمَ
رسولا من قبَل بدر إلى المكتفى مع التسعة الأنفس الذين قيدوامن قوّاد بدر،
وسبعة أنفس أخَرَ من أصحاب بَدْر قُبض عليهم بعدهم فى سفينة مطبقة
عليهم، وأحْدروا مقيّدين إلى البصرة، فحبسوا فى سجنها .
وذكر أنّ لؤلؤاً الذى ولِىَ قتل بدر كان غلامًا من غلمان محمد بن هارون
الذى قتل محمد بن زيد بطَبِرِسْتان وأكرتمُش بالرّىّ ، قدم مع جماعة من
غلمان محمد بن هارون على السلطان فى الأمان .
وفى ليلة الاثنين لأربع عشرة بقيتْ من شهر رمضان منها قتل ٢٢١٦/٣
عبد الواحد بن أبى أحمد الموفق - فيما ذكر - وكانت والدته - فيما قيل -
وجّهت معه إلى دار مؤنس لما قُبض عليه دايةً له، ففُرِق بينه وبين الداية

٩٤
سنة ٢٨٩
فمكثت يومين أو ثلاثة ، ثم صُرفت(١) إلى منزل مولاتها، فكانت والدة
عبد الواحد إذا سألت عن خبره قيل لها : إنه فى دار المكتفى ؛ وهو فى عافية .
وكانت طامعة فى حياته ، فلما مات المكتفى أيستْ منه وأقامت عليه مأتمًا .
*
*
#
ذكر باقى الكائن من الأمور الجليلة فى سنة تسع وثمانين ومائتين
فمما كان من ذلك فيها لتسع بقين من شعبان منها ، ورد كتاب من
إسماعيل بن أحمد صاحب خُراسان على السلطان بخبر وقعة كانت بين
أصحابه وبين ابن جُسْتان الديلمىّ بطبرستان ، وأن أصحابه
هزموه ، وقرئ بذلك كتابه بمسجدی الجامع ببغداد .
وفيها لحق رجل يقال له إسحاق الفرغانىّ من أصحاب بَدْر لمّا قُتِل
بدر إلى ناحية البادية فى جماعة من أصحابه على الخلاف على السلطان ؛
فكانت بينه هنالك وبين أبى الأغرّ وقعة ، هْزِم فيها أبو الأغرّ ، وقتِل من
أصحابه ومن قوّاده عدّة ، ثم أشخِص مؤنس الخازن فى جمع كثيف إلى
الكوفة لحرب إسحاق الفَرْغانىّ .
٢٢١٧/٣
ولسلخ ذى القعدة خُلِع على خاقان المفلحىّ، وَوُلِّىَ معونة الرىّ، وضمّ"
إليه خمسة آلاف رجل .
وفيها ظهر بالشام رجل جمع جموعًا كثيرة من الأعراب وغيرهم ، فأتى
مهم دمشق، وبها طُغْج بن جُفّ من قِبَل هارون بن خمارويه بن أحمد بن
طولون على المعونة ، وذلك فى آخر هذه السنة ، فكانت بين طُغْج، وبينه
وقعات كثيرة قُتل فيها - فيما ذكر - خلق كثير .
٠ ٠
#
ذكر خبر هذا الرجل
الذى ظهر بالشام وما كان من سبب ظهوره بها
ذكر أن زكروَيْه بن مهرويه الذى ذكرنا أنه كان داعية قرمط لمّا تتابع (٢)
من المعتضد توجيه الجيوش إلى من بسواد الكوفة من القرامطة ، وألحّ فى
طلبهم ، وأثخن فيهم القتلى ، ورأى أنه لا مدفع عن أنفسهم عند أهل السواد
(١) س: ((انصرفت)).
(٢) ب: ((تتابعت)).

٩٥
سنة ٢٨٩
ولا غَناء، سعى فى استغواء من قَرُّب من الكوفة من أعراب أسد وطيّئ وتميم
وغيرهم من قبائل الأعراب ، ودعاهم إلى رأيه ؛ وزعم لهم أنّ مَنْ بالسواد
من القرامطة يطابقونهم على أمره إن استجابوا له . فلم يستجيبوا له ، وكانت
جماعة من كلْب تخفُر الطريق على البرّ بالسماوة فيما بين الكوفة ودمشق على
طريق تَدُمر وغيرها، وتحمل الرُّسل وأمتعة التجار على إبلها ، فأرسل زكرويه
أولاده إليهم، فبايعوهم وخالطوهم، وانتموا إلى علىّ بن أبى طالب وإلى ٢٢١٨/٣
محمد بن إسماعيل بن جعفر ، وذكروا أنهم خائفون من السلطان ، وأنهم
ملجئون إليهم ، فقبلوهم على ذلك ، ثم دبّوا فيهم بالدعاء إلى رأى القرمطة ؛
فلم يقبل ذلك أحدمنهم-أعنى من الكلبيّين - إلا الفخذ المعروفة ببنى العُلَيَص
ابن ضمضم بن عدىّ بن جناب ومواليهم خاصة ، فبايعوا فى آخر سنة تسع
وثمانين ومائتين بناحية السماوة ابنَ زكريه المسمى بيحيى والمكنى أبا القاسم ،
ولقّبوه الشيخ، على أمر احتال فيهم، ولقب به نفسه، وزعم لهم أنه أبو عبد اللّه
ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد .
وقد قيل : إنه زعم أنه محمد بن عبد الله بن يحيى. وقيل إنه زعم أنه محمد
ابن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على"
ابن أبى طالب . وقيل إنه لم يكن لمحمّد بن إسماعيل ابنٌ يسمى عبد الله،
وزعم لهم أن أباه المعروف بأبى محمود داعيةٌ له، وأنّ له بالسَّواد والمشرق والمغرب
مائة ألف تابع ، وأن ناقته التى يركبها مأمورة ، وأنهم إذا اتبعوها فى مسيرها
ظفروا. وتكهّن لهم ، وأظهر عضداً له ناقصة ، وذكر أنها آية ، وانحازت ٢٢١٩/٣
إليه جماعة من بنى الأصبغ، وأخلصوا له وتسمَّوْا بالفاطميّين، ودانوا بدينه،
فقصدهم سبْك الديلمىّ مولى المعتضد بالله بناحية الرُّصافة فى غربّ الفرات من
ديار مُضَر ، فاغترُّوه وقتلوه ، وحرقوا مسجد الرُّصافة، واعترضوا كلّ قرية
اجتازوا بها حتى أصعدوا إلى أعمال الشأم التى كان هارون بن خمارويه
قوطع عليها ، وأسند أمرها هارون إلى طُغْج بن جُفّ ، فأناخ عليها ، وهزم
كلّ عسكر لقيه لطغْج حتى حصره فى مدينة دمشق ، فأنفذ المصريون إليه
بدراً الكبير غلام ابن طولون ، فاجتمع مع طُغْج على محاربته ، فواقعهم قريباً
من دمشق ، فقتل اللّه عدوًّ الله يحيى بن زکرويه .

٩٦
سنة ٢٨٩
وكان سبب قتله - فما ذُكر - أن بعض البرابرة زرقه بمزراق (١) واتبعه نفّاط ،
فزرقه بالنار فأحرقه ؛ وذلك فى كبد الحرب وشدّتها، ثم دارت على المصريّين
الحرب، فانحازوا، فاجتمعت موالى بنى العُليَص إلى بنى العليص ومَنْ معهم
من الأصبغيّين وغيرهم على نصب الحسين بن زكرويه أخى الملقب بالشيخ
فنصبوا أخاه ، وزعم لهم أنه أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر
ابن محمد ، وهو ابن نَيّف وعشرين سنة، وقد كان الملقّب بالشيخ حمل موالى
٢٢٢٠/٣ بنى العليص على صريحهم، فقتلوا جماعةً منهم ، واستذلُوهم ، فبايعوا الحسين
ابن زكرويه المسمى بأحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بعد
أخيه، فأظهر شامة فى وجههذكر أنها آيته، وطرأ إليه ابن عمّه عيسى بن مِهْروبه
المسمى عبد الله ، وزعم أنه عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن
محمد، فلقّبه المدثِّر، وعَهد إليه ؛ وذكر أنه المعنىّ فى السورة التى يذكر
فيها المدَّر، ولقّب غلامًا من أهله المطوّق، وقلّده قتل أسرى المسلمين، وظهر
على المصريّين، وعلى جند حِمْص وغيرها من أهل الشام، وتسمَّى بإمرة المؤمنين
على منابرها ، وكان ذلك كله فى سنة تسع وثمانين، وفى سنة تسعين .
*
وفى اليوم التاسع من ذى الحجّة من هذه السنة صلّى الناس العصر فى
قُمُص الصيف ببغداد، فهبّت ريح الشمال عند العصر ، فبرد الهواء حتى
احتاج الناس بها من شدّة البرد إلى الوقود والاصطلاء بالنّار ، ولبس المحشوّ
والجباب ، وجعل البرد يزداد حتى جمد الماء .
وفيها كانت وقعة بين إسماعيل بن أحمد بالرىّ ومحمد بن هارون وابن
هارون - فيما قيل - حينئذ فى نحو من ثمانية آلاف، فانهزم محمد بن هارون
٢٢٢١/٣ وتقدم ... (٢) أصحابَه، وتبعه من أصحابه نحومن ألف، ومضْوا نحو الدَّيلم ،
فدخلها مستجيراً بها ، ودخل إسماعيل بن أحمد الرّىّ ، وصار زهاء ألف
رجل - فيما ذكر - ممّن انهزم من أصحابه إلى باب السلطان.
وفى جمادى الآخرة منها لأربع خلوْن منها ولىَ القاسم بن سيما غزو
الصائفة بالثغور الجزرية، وأطلِق له من المال اثنا وثلاثون ألف دينار .
وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمىّ .
(١) زرقه بالمزراق، طعنه أورماه به. والمزراق: رمح قصير. (٢) بياض فى أصل ط.

٩٧
ثم دخلت سنة تسعين ومائتين
ذكر الخبر عن الأحداث التی کانت فيها
فممّا كان فيها من ذلك توجيه المكتفى رسولاً إلى إسماعيل بن أحمد لليلتين
خلتا من المحرّم منها بخلع، وعقد ولاية له على الرّىّ، وبهدايامع عبد الله
ابن الفتح.
ولخمس بقین من المحرّم منها ورد - فیما ذکر - کتاب علىّ بن عيسى من
الرّقة، يذكر فيه أن القرمطيّ بن زكرويه المعروف بالشيخ، وافَى الرَّقة
فى جَمْع كثير ، فخرج إليه جماعة من أصحاب السلطان ورئيسهم سُبْك
غلام المكتفى، فواقعوه، فقتل سُبْك ، وانهزم أصحاب السلطان .
ولستّ خلوْن من شهر ربيع الآخر ورد الخبر بأن طغج بن جفٌ أخرج ٢٢٢٢/٣
من دمشق جيشًا إلى القرمطىّ ، عليهم غلام له يقال له بَشِير، فواقعهم
القرمطيّ، فهزم الجيش وقتل بشيراً .
ولثلاث عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر خُلع على أبى الأغرّ ووُجّه به
الحرب القرمطيّ بناحية الشأم ، فضى إلى حلب فى عشرة آلاف رجل .
ولإحدى عشرة بقيت من شهر ربيع لآخر خُلع على أبى العشائر أحمد بن
نصر ووِلِىَ طَرسوس، وعزِل عنها مظفَّر بن حاجٌ لشكاية أهل الثغور إياه ..
والنصف من جمادى الأولى من هذه السنة، وردت كتب التجار إلى بغداد من
دمشق مؤرّخة لسبع بقين من ربيع الآخر يخبرون فيها أن القرّمطىّ الملقب
بالشيخ قد هزم طغج غير مرة ، وقتل أصحابه إلا القليل ، وأنه قد بقى فى قلة ،
وامتنع من الخروج ، وإنما تجتمع العامة ، ثم تخرج للقتال ، وأنهم قد

٩٨
سنة ٢٩٠
أشرفوا على الملكة ، فاجتمعت جماعة من تجار بغداد فى هذا اليوم ، فمضوا
إلى يوسف بن يعقوب ، فأقرءوه كتبهم، وسألوه المضىّ إلى الوزير ليخبره خبر
أهل دمشق، فوعدهم ذلك .
ولسبع بقين من جمادى الأولى أحضر دار السلطان أبو خازم ويوسف وابنه
محمد ، وأحضر صاحب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث، فقوطع على مال
٢٢٢٣/٣ فارس، ثم عقد المكتفى لطاهر على أعمال فارس، وخلع على صاحبه، وحُمِلت
إليه خلع مع العقد .
وفى جمادى الأولى هرب من مدينة السلام القائد المستأمين المعروف بأبى
سعيد الخُوارزمىّ، وأخذ نحو طريق الموصل ، فكتِب إلى عبد اللّه المعروف
بغلام نون، وكان يتقلّد المعاون بتكريت والأعمال المتّصلة بها إلى حدّ سامرًا وإلى
الموصِل(١) فى معارضته وأخذه ، فزعموا أن عبد اللّه عارضه، فاختدعه
أبو سعيد حتى اجتمعا جميعاً على غير حرب ، ففتك به أبو سعيد فقتله ،
ومضى أبو سعيد نحو شهرزور ، فاجتمع هو وابن أبى الربيع الكردىّ ،
وصاهره، واجتمعا على عصيان السلطان. ثم إنّ أبا سعيد قُتِل بعد ذلك، وتفرّق
مَنْ كان اجتمع إليه .
٠
ولعشر خلوْن من جمادى الآخرة، شخص أبو العشائر إلى عمله بَطَرسوس،
وخرج معه جماعة من المطّوّعة للغزو ، ومعه هدايا من المكتفى إلى ملك
الروم .
ولعشر بقين من جمادى الآخرة خرج المكتفى بعد العصر عامداً سامُرًا ،
مريداً البناءبها للانتقال إليها ، فدخلها يوم الخميس لخمس بقين من جمادى
الآخرة ، ثم انصرف إلى مضارب قد ضُربت له بالجوسق ، فدعا القاسم بن
عبيد اللّه والقوّام بالبناء، فقدّروا له البناء وما يحتاج إليه من المال للنفقة(٢)
عليه ، فكثرُوا عليه فى ذلك، وطَوّلوا مدّة الفراغ (٣) مما أراد بناءه، وجعل
القاسم يصرفه عن رأيه فى ذلك ، ويعظِّم أمَرَ النفقة فى ذلك وقدر مبلغ المال ،
(١) س: ((والموصل)).
(٢) ب: ((والنفقه)).
(٣) س: ((المدة لفراغه)).

٩٩
سنة ٢٩٠
فثناه عن عزمه ، ودعا بالغداء ، فتغدّى ثم نام ، فلما هبّ من نومه ركب ٢٢٢٤/٣
إلى الشطّ، وقعد فى الطيّار، وأمر القاسم بن عبيد الله بالانحدار.
ورجع أكثر الناس من الطريق قبل أن يصلوا إلى سامُرًا حين تلقّاهم
الناس راجعين .
ولسبع خلوْن من رجب خُلع على ابنى القاسم بن عبيد اللّه، فوُلَّىَ الأكبر
منهما ضياع الولد والحرم والنفقات ، والأصغر منهما كتبة أبى أحمد بن
المكتفى؛ وكانت هذه الأعمال إلى الحسين بن عمرو النصرانىّ ، فعُزل بهما،
وكان القاسم بن عبيد اللّه اتَّهم الحسين بن عمرو أنه قد سعى به إلى
المکتفى .
ثم إن الحسين بن عمرو كاشفَ القاسم بن عبيد اللّه بحضرة المكتفى ، فلم
يزل القاسم يدبّر عليه، ويغلظ قلب المكتفى عليه، حتى وصل إلى ما أراد من
أمره .
۔۔
وفى يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شعبان قرئ كتابان فى الجامعين
بمدينة السلام بقتل يحيى بن زكرويه الملقَّب بالشيخ، قتله المصريون على باب
دمشق ؛ وقد كانت الحرب اتّصلت بينه وبين مَنْ حاربه من أهل دمشق
وجندها ومددهم من أهل مصر ، وكسر لهم جيوشًا ، وقتل منهم خلْقًا كثيراً ،
وكان يحيى بن زكرويه هذا يركب جملا برحاله، ويلبس ثيابًا واسعة ويعتمّ عمة ٢٢٢٥/٣
أعرابية، ويتلثّم، ولم يركب دابّةً من لدن ظهر إلى أن قُتِل، وأمر أصحابه ألا
يحاربوا أحداً؛ وإن أتى عليهم حتى يبتعث الجمل من قبل نفسه؛ وقال لهم :
إذا فعلتم ذلك لم تهزموا .
وذُكر أنه كان إذا أشار بيده إلى ناحية من النّواحى التى فيها محاربوه ،
انهزم أهل تلك الناحية ، فاستغوَى بذلك الأعراب . ولمّا كان فى اليوم الذى
قُتِل فيه يحيى بن زكرويه الملقب بالشيخ ، وانحازوا إلى أخيه الحسين بن زکرويه،
فطلب أخاه الشيخ فى القتلى، فوجده، فواراه وعقد الحسين بن زكرويه لنفسه ،
وتَسمّى بأحمد بن عبد الله، وتكنَّى بأبى العباس .

١٠٠
سنة ٢٩٠
وعلم أصحابُ بدر بعد ذلك بقتل الشيخ ، فطلبوه فى القتلى فلم يجدوه ،
ودعا الحسين بن زكرويه إلى مثل ما دعا إليه أخوه، فأجابه أكثر أهل البوادى
وغيرهم من سائر الناس ، واشتدّت شوكته وظهر . وصار إلى دمشق ، فذكر
أن أهلها صالحوه على خراج دفعوه إليه ، ثم انصرف عنهم ، ثم سار إلى أطراف
حِمْص ، فتغلّب، عليها، وخُطب له على منابرها ، وتسمّى بالمهدىّ ،
ثم سار إلى مدينة حِمْص ، فأطاعه أهلها ، وفتحوا له بابها خوفًا منه على
أنفسهم فدخلها ، ثم سار منها إلى حماة ومعرّة النعمان وغيرهما ، فقتل
أهلها ، وقتل النساء والأطفال ثم سار إلى بعلبك فقتل عامة أهلها حتى لم يبق منهم-
٢٢٢٦/٣ فيما قيل - إلا اليسير، ثم سار إلى سَكَمْة فحاربه أهلها ومنعوه الدخول، ثم
وادعهم وأعطاهم الأمان ، ففتحوا له بابها ، فدخلها ، فبدأ بمَن فيها من
بنى هاشم، وكان بها منهم جماعة فقتلهم، ثم ثنى بأهل سَلَمْة فقتلهم أجمعين.
ثم قتل البهائم ، ثم قتل صبيان الكتاتيب(١)، ثم خرج منها ؛ وليس بها عين
تطرف - فيما قيل - وسار فيما حوالىْ ذلك من القرى يقتل ويَسْبِى ويحرق
ويُخيف السبيل .
فذكر عن متطبّب بباب المحوّل يُدعى أبا الحسن أنه قال: جاءتِْى
امرأة بعد ما أدخل القرمطيّ صاحب الشامة وأصحابه بغداد ، فقالت لى : إنى
أريد أن تعالج شيئًا فى كتفى ، قلتُ : وما هو ؟ قالت : جرح ، قلت :
أنا كحّال؛ وها هنا امرأة تعالج النساء ، وتعالج الجراحات، فانتظرى مجيئها ..
فقعدت ، ورأيْتها مكروبة كئيبة باكية ، فسألتُها عن حالها ، وقلت :
ما سبب جراحتك ؟ فقالت : قصّتى تطول ، فقلت: حدّثينى بها وصادقينى ,
وقد خلا مَنْ كان عندى ، فقالت : كان لى ابن غاب عنّى ،
وطالت غيبته، وخلّف علىّ أخوات له ، فضقتُ واحتجت . واشتقتُ إليه،
وكان شخص إلى ناحية الرّقة، فخرجتُ إلى الموصِل وإلى بَلَد وإلى الرّقة ؛
كلّ ذلك أطلبه، وأسأل عنه ؛ فلم أدلّ عليه، فخرجتُ عن الرّقة فى طلبه ،
فوقعت فى عسكر القرمطىّ ، فجعلت أطوف وأطلبه ؛ فبينا أنا كذلك إذْ
رأيتُه فتعلقت به ، فقلت : ابنى! فقال : أمى! فقلت : نعم ، قال :
(١) س: ((الكتاب)).