النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١ سنة ٢٦٩ شرقىّ نهر أبى الخصيب ، فحالت النار بينهما وبين الجسر ، فألقوا أنفسهما ومن كان معهما من حُماتهم فى نهر أبى الخصيب ، فغرق منهم خلق کثیر ، وأفلت أنكلاى وسليمان بعد أن أشفيا على الهلاك ، واجتمع على الجسر من الجانبين خلق كثير ، فقطع بعد أن ألقيت عليه سفينة ملوءة قصباً مضروماً بالنار ، فأعانت على قطعه وإحراقه ، وتفرّق الجيش فى نواحى مدينة الخبيث من الجانبين جميعًا ، فأحرقوا مِن دورهم وقصورهم وأسواقهم شيئًا كثيراً ، واستنقذوا من النساء المأسورات والأطفال ما لا يحصى عدده، وأمرَ الموفَّق المقاتلة بحملهم فى سفنهم والعبور بهم إلى الموفقيّة . وقد كان الفاجر سكن بعد إحراق قصره ومنازله الدّار المعروفة بأحمد بن موسى القطوص والدّار المعروفة بمحمد بن إبراهيم أبى عيسى ، وأسكن ابنه أنكلاى الدار المعروفة بمالك ابن أخت القَلُوص ؛ فقصد جماعة من غلمان الموفق المواضع التى كان الخبيث يسكنها فدخلوها (١)، وأحرقوا منها مواضع ، وانتهبوا منها ما كان سلم للفاسق من الحريق الأول ، وهرب الخبيث ولم يوقف (٢) فى ذلك اليوم على مواضع (٣) أمواله. واستنقذ فى هذا اليوم نسوة عكويَّات كنّ محتبسات فى موضع قريب من داره التى كان يسكنها ، فأمر الموفق بحملهنّ إلى عسكره (٤)، وأحسن إليهنّ، ووصلهنّ، وقصد جماعة من غلمان الموفق من المستأمنة المضمومين إلى أبى العباس سجناً كان الفاسق اتّخذه فى الجانب الشرقىّ من نهر أبى الخصيب، ففتحوه وأخرجوا منه خلقًا كثيراً ممّن كان أسير من العساكر التى كانت تحارب الفاسق وأصحابه ، ومن سائر الناس غيرهم . فأخرج جميعهم فى قيودهم وأغلالهم حتى أتِىَ بهم الموفّق ، فأمر بفك" الحديد عنهم وحملهم إلى الموفقيّة ، وأخرج فى ذلك اليوم كل ما كان بقى فى نهر أبى الخصيب من شذاً ومراكب بحرية وسفن صغار وكبار وحَرّاقات وزلآ لات وغير ذلك من أصناف السفن من النهر إلى دِجْلة ، وأباحها الموفق أصحابه وغلمانه مع ما فيها من السلب والنهب الذى حازوا فى ذلك اليوم من ٢٠٦٨/٣ (١) س: ((ودخلوها)). (٣) ب: ((موضع)). (٢) ب: ((فلم يوقف)). (٤) ب: ((معسكره)). ٦٤٢ سنة ٢٦٩ عسكر الخبيث ، وكان ذلك قدر جليل وخطر عظيم . * وفيها كان إحدار المعتمد إلى واسط ، فسار إليها فى ذى القعدة وأنزل دار زيرك . ٢٠٦٩/٣ وفيها سأل أنكلاى ابن الفاسق أبا أحمد الموفّق الأمان ، وأرسل إليه فى ذلك رسولا ، وسأل أشياء فأجابه الموفق إلى كلّ ما سأله ، وردّ إليه رسوله ، وعرض للموفّق بعقب ذلك ما شغله عن الحرب . وعلم الفاسق أبو أنكلاى بما كان من ابنه فعذله - فيما ذكر - على ذلك، حتى ثناه (١) عن رأيه فى طلب الأمان ، فعاد للجدّ فى قتال أصحاب الموفق ، ومباشرة الحرب بنفسه . [ ذكر طلب رؤساء صاحب الزنج الأمان ] وفيها وجه أيضًا سليمان بن موسى الشعرانىّ - وهو أحد رؤساء أصحاب الفاسق - من يطلب الأمان له من أبى أحمد ، فمنعه أبو أحمد ذلك ، 1] كان سلف منه من العبث وسفك الدماء ، ثم اتصل به أنّ جماعة من أصحاب الخبيث (٢) قد استوحشوا لمنعة ذلك الشعرانىّ، فأجابه أبو أحمد إلى إعطائه الأمان ؛ استصلاحًا بذلك غيرَه من أصحاب الفاسق (٣)، وأمر بتوجيه الشَّذَا إلى الموضع الذى واعدهم الشعرانىّ ، ففعل ذلك ، فخرج الشعرانىّ وأخوه وجماعة من قوّاده ، فحملهم فى الشّذا ، وقد كان الخبيث حرسَ به مؤخّر نهر أبى الخصيب، فحمله أبو العباس إلى الموفق، فمنَّ عليه ، ووفّى له بأمانه ، وأمر به فوُصل ووُصل أصحابه ، وخلع عليهم ، وحمل على عدّة أفراس بسروجها وآلتها، ونزَّله وأصحابه أنزالا سنية، وضمه وإياهم إلى أبى العباس ، وجعله فى جملة أصحابه ، وأمره (٤) بإظهاره فى الشَّدًا لأصحاب الخائن ليزدادوا ثقةً بأمانه؛ فلم يبرح الشَّذا من موضعها من نهر أبى الخصيب، حتّى استأمن جمع كثير من قوّاد الزَّنج وغيرهم ، فحملوا إلى أبى أحمد ، فوصلهم (١) س: ((وثناه)). (٢) س: ((الفاسق)). (٤) س: ((وأمر)). (٣) س: ((الخبيث)). ٦٤٣ سنة ٢٦٩ ٢٠٧٠/٣ وألحقهم فى الخلع والجوائز بمن تقدّمهم . ولما استأمن الشعرانيّ اختلّ ما كان الخبيث يضبط به من مؤخر عسكره ، ووهى أمرُه وضعف؛ فقلَّد (١) الخبيث ما كان إلى الشعرانىّ من حفظ ذلك شيل بن سالم ، وأنزله مؤخّر نهر أبى الخصيب ، فلم يُمسِ الموفق من اليوم الذى أظهر فيه الشعرانىّ لأصحاب الخبيث حتى وافاه رسولُ شبْل بن سالم يطلب الأمان ، ويسأل أن يوقف شَذَوات عند دار ابن سمعان ؛ ليكون قصدُه فیمن یصحبه من قواده ورجاله فى الليل إليها . فأعطِىَ الأمانَ، ورُدّ إليه رسوله، ووُقِفَت (٢) له الشَّذا فى الموضع الذى سأل أن توقّف له ؛ فوافاها فى آخر الليل ومعه عياله وولده وجماعة من قوّاده ورجاله ، وشهر أصحابه سلاحهم ؛ وتلقّاهم قوم من الزَّنج قد كان الخبيث وجّههم لمنعه من المصير إلى الشَّذا . وقد كان خبره انتهى إليه ، فحاربهم شبل وأصحابُه ، وقتلوا منهم نفراً ؛ فصاروا إلى الشَّذا سالمين ، فصِير بهم إلى قصر الموفق بالموفقية ، فوافاه وقد ابتلج الصبح ؛ فأمر الموفق أن يوصّل شبل بصلة جزيلة ، وخلع عليه خلعًا كثيرة ، وحمله على عدة أفراس بسروجها وجُمها . وكان شبل هذا من عُدد الخبيث وقدماء أصحابه وذوى الغناء والبلاء فى نُصرته ، ووصل أصحاب شبل ، وخلع عليهم ، وأسنيت له ولهم الأرزاق والأنزال، وضُموا جميعًا إلى قائد من قوّاد غلمان الموفق، ووجّه به وبأصحابه (٣) فى الشَّذا ، فوقفوا بحيث يراهم الخبيث وأشياعه . فعظم ذلك على الفاسق وأوليائه ، لما رأوا من رغبة رؤسائهم فى اغتنام الأمان ، وتبين الموفّق من مناصحة شبل وجودة فهمه ما دعاه إلى أن يستكفيّه بعض الأمور التى يكيد بها الخبيث ؛ فأمره (٤) بتبييت عسكر الخبيث فى جمع أمر بضمتّهم إليه من أبطال الزَّنْج المستأمنة، وأفرده وإيّاهم بما أمرهم به من البيات؛ لعلمهم بالمسالك فى عسكر الخبيث. فنفذ شبل لمَا أمير به ، فقصد موضعًا كان عرفه ، فكبسه فى السَّحَر، ٢٠٧١/٣ (١) ب: ((وقلد)). (٣) ب: ((وأصحابه)). (٢) ب: ((ووقف)). (٤) س: ((وأمر)). ٦٤٤ سنة ٢٦٩ فوافى به جمعًاً كثيفاً من الزَّنْج فى عدّة (١) من قُوّادهم وحماتهم ، قد كان الخبيث رتَّبهم فى الدفع عن الدار المعروفة بأبى عيسى ، وهى منزل الخبيث حينئذ ، فأوقع بهم وهم غارّون ، فقتل منهم مقتلةً عظيمة ، وأسر جمعًا من قوّاد الزَّنج، وأخذ لهم سلاحًا كثيراً، وانصرف ومَنْ كان معه سالمين ، فأتى بهم الموفَّق ، فأحسن جائزتهم (٢)، وخلع عليهم، وسوَّر جماعة منهم. ولما أوقع أصحاب شبل بأصحاب الخائن هذه الوقعة ذعرهم ذلك ذُعْراً شديداً ، وأخافهم ومنعهم النوم ؛ فكانوا يتحارسون فى كلّ ليلة، ولا تزال النَّفْرة تقع فى عسكرهم لما استشعروا من الخوف ، ووصل إلى قلوبهم من الوحشة ؛ حتى لقد كان ضجيجهم وتحارسهم يُسمَع بالموفقيّة . ثم أقام الموفق بعد ذلك ينفذ السرايا إلى الخبثة ليلا ونهاراً من جانبى نهر ٢٠٧٢/٣ أبى الخصيب ، ويكدّهم بالحرب ، ويُسْهر ليلهم ، ويحول بينهم وبين طلب أقواتهم ، وأصحابه فى ذلك يتعرفون (٣) المسالك، ويتدرَّبون بالوغول فى مدينة الخبيث وتقحّمها ، ويصرُّون من ذلك على ما كانت الهيبة تحولُ بينهم وبينه ؛ حتى إذا ظنّ الموفق أن قد بلغ أصحابه ما كانوا يحتاجون إليه ، صحّ عزمه على العبور إلى محاربة الفاسق فى الجانب الشرقىّ من نهر أبى الخصيب ، فجلس مجلسًا عامًّا، وأمر بإحضار قوّاد المستأمنة ووجوه فرسانهم ورجَّالتهم من الزنَّج والبيضان ، فأدخِلُوا إليه ، ووقفوا بحيث يسمعون كلامه . ثم خاطبهم فعرّفهم ما كانوا عليه من الضلالة والجهل وانتهاك المحارم ، وما كان الفاسق ديَّن لهم من معاصى الله ؛ وأن ذلك قد كان أباح له دماءهم ، وأنه قد غفر الزَّلَّة، وعفا عن الهفوة، وبذل الأمان، وعاد على مَنْ لجأ إليه بفضله ، فأجزل الصّلات ، وأسنى الأرزاق ، وألحقهم بالأولياء وأهل الطاعة ؛ وأن ما كان منه من ذلك يُوجب عليهم حقه وطاعته ؛ وأنهم لن يأتوا شيئاً يتعرّضون به لطاعة ربهم والاستدعاء لرضا سلطانهم ، أوْلى بهم من الجدّ والاجتهاد فى مجاهدة عدوّ اللّه الخائن وأصحابه ، وأنهم من الخبرة بمسالك (٢) بعدها فى س: ((وأحسن إليهم)). (١) س: ((عدد)). (٣) ب: ((يعرفون)). ٦٤٥ سنة ٢٦٩ عسكر الخبيث ومضايق طرق مدينته والمعاقل(١) التى أعدّها للهرب إليها على ماليس عليه غيرهم ؛ فهم أحرياء أن يُمْحضُوه(٢) نصيحتهم، ويجتهدوا فى الولوج على ٣/ ٢٠٧٣ الخبيث، والتوغَّل إليه فى حصونه ، حتى يمكنهم اللّه منه ومن أشياعه ، فإذا فعلوا ذلك فلهم الإحسان والمزيد . وإن مَنْ قصّر منهم استدعى من سلطانه إسقاطَ حاله وتصغير منزلته ، ووضع مرتبته . فارتفعت أصواتُهم جميعاً بالدّعاء للموفق والإقرار بإحسانه ، وبما هم عليه من صحة الضمائر فى السمع والطاعة والجدّ فى مجاهدة عدوّه، وبذل دمائهم ومُهجهم(٣) فى كلّ ما يقر بهم منه ، وأن ما دعاهم إليه قد قوّى نيََّهم ، ودلهم على ثقته بهم وإحلاله إياهم محلّ أوليائه ، وسألوه أن يُفردهم بناحية يحاربون فيها ، فيظهر من حسن نيَّاتهم ونكايتهم فى العدوّ ما يعرف به إخلاصَهم وتورّعهم عما كانوا عليه من جهلهم، فأجابهم الموفق إلى ما سألوا ، وعرّفهم حُسن موقع ما ظهر له من طاعتهم ، وخرجوا من عنده مبتهجين بما أجيبوا به من حسن القول وجميل الوعد . ٠ [ خبر دخول الموفق مدينة صاحب الزنج وتخريب داره ] وفى ذى القعدة من هذه السنة دخل الموفق مدينة الفاسق بالجانب الشرقىّ من نهر أبى الخصيب، فخرّب داره ، وانتهب (٤) ما كان فيها . ذكر الخبر عن هذه الوقعة : ذكر أن أبا أحمد لما عزم على الهجوم على الفاسق فى مدينته بالجانب الشرقىّ من نهر أبى الخصيب ، أمر بجمع السفن والمعابر من دِجْلة والبَطيحة ونواحيها ليضيفها إلى ما فى عسكره ؛ إذ كان ما فى عسكره مقصّراً عن الجيش لكثرته ، وأحصى ما فى الشَّذا والسُّميريات والرّقيَّات التى كانت تعبر فيها الخيل ، فكانوا زهاء عشرة آلاف ملاّح ، ممن يجرى عليه الرزق من بيت المال مشاهرة ، سوى سفن أهل العسكر التى يحمل فيها الميرة ، ويركبها الناس فى حوائجهم ، وسوى ما كان لكلّ قائد ومن يحضر من أصحابه من ٢٠٧٤/٣ (١) س: ((والمضايق)). (٣) س ((وهجم)). (٢) س: ((فهو أحق بأن يمحضوه)). (٤) س: ((وأنهب)). ٦٤٦ سنة ٢٦٩ السمكيريات والجريبيات والزّواريق التى فيها الملاحون الراتبة . فلمّا تكاملت له السفن والمعابر ، ورضى عددَها ، تقدّم إلى أبى العباس وإلى قوّاد مواليه وغلمانه فى التأهب والاستعداد للقاء عدوّهم ، وأمر بتفرقة السفن والمعابر إلى حمل الخيل والرّجالة، وتقدّم إلى أبى العباس فى أن يكون خروجه فى جيشه فى الجانب الغربيّ من نهر أبى الخصيب، وضمّ إليه قوّاداً من قُوّاد غلمانه فى زُهاء ثمانية آلاف من أصحابهم ، وأمره أن يعمد مؤخّر عسكر الفاسق حتى يتجاوز دار المعروف بالمهلبىّ، وقد كان الخبيث حصَّنها وأسكن بقربها خَلْقًا كثيراً من أصحابه ؛ ليأمن على مؤخّر عسكره ، وليصعب على من يقصده المسلك إلى هذا الموضع . ٢٠٧٥/٣ فأمر أبو أحمد أبا العباس بالعبور بأصحابه إلى الجانب الغربيّ من نهر أبى الخصيب ، وأن يأتى هذه الناحية من ورائها ، وأمر راشداً مولاه بالخروج فى الجانب الشرقىّ من نهر أبى الخصيب فى عدد كثير من الفرسان والرّجّالة زُهاء عشرين ألفًا، وأمر بعضَهم بالخروج فى ركن دار المعروف بالكرنبائىّ كاتب المهلبيّ، وهى على قرفة نهر أبى الخصيب فى الجانب الشرقىّ منه ، وأمرهم .. أن يجعلوا مسيرهم على شاطئ النهر حتى يوافُوا الدار التى نزلها الخبيث ؛ وهى الدار المعروفة بأبى عيسى. وأمر فريقًا من غلمانه بالخروج على فُوّهة النهر المعروف بأبى شاكر ، وهو أسفل من نهر أبى الخصيب ، وأمر آخرين منهم بالخروج فى أصحابهم على فُوّهة النهر المعروف بجوى كور، وأوعز إلى الجميع فى تقديم الرّجّالة أمام الفرسان، وأن يزحفوا (١) بجميعهم نحو دار الخائن ؛ فإن أظافرهم الله به وبمَنْ فيها من أهله وولده وإلاّ قصدوا دار المهلبيّ ليلقاهم هناك من أمر بالعبور مع أبى العباس ؛ فتكون أيديهم يداً واحدة على الفسقة . فعمل أبو العباس وراشد وسائر قوّاد الموالى والغلمان بما أمِرُوا به ، فظهروا جميعًا ، وأبرزوا سفنهم فى عشيّة يوم الاثنين لسبع ليال خلوْن من ذى القعدة سنة تسع وستين ومائتين ، وسار الفرسان يتلُو بعضهم بعضاً ، ومشت الرّجالة (١) ب، س: ((يرجعوا)). ٠ ٦٤٧ سنة ٢٦٩ ٢٠٧٦/٣ وسارت السفن فى دجلة منذ صلاة الظهر من يوم الاثنين إلى آخر وقت عشاء الآخرة من ليلة الثلاثاء ، فانتهوْا إلى موضع من أسفل (١) العسكر ؛ وكان(٢) الموفق أمر بإصلاحه وتنظيفه وتنقية ما فيه من خراب ودَغل ، وطمّ(٣) سواقيه وأنهاره حتى استوى واتّسع ، وبعدت أقطارُه . واتخذ فيه قصراً وميدانًا لعرض الرجال والخيل بإزاء قصر الفاسق ؛ وكان غرضه فى ذلك إبطال ما كان الخبيث يَعد به أصحابه من سرعة انتقاله عن موضعه ؛ فأراد أن يُعلم الفريقين أنه غير راحل حتى يحكم الله بينه وبين عدُوّه ؛ فبات الجيش ليلة الثلاثاء فى هذا الموضع بإزاء عسكر الفاسق؛ وكان الجميع (٤) زُهاء خمسين ألف رجل من الفرسان والرّجالة فى أحسن زِىُّ وأكمل هيئة، وجعلوا يكبّرون ويهللون، ويقرءون القرآن ، ويصلّون ، ويوقدون النار . فرأى الخبيث من كثرة الجمع والعُدّة والعدد ما بهر عقله وعقول أصحابه ؛ وركب الموفق فى عشية يوم الاثنين الشَّذّا ؛ وهى يومئذ مائة وخمسون شذاة قد شحنها بأنجاد غلمانه (٥) ومواليه الناشبة والرّامحة، ونظمها من أوّل عسكر الخائن إلى آخره ؛ لتكون حصنًا للجيش من ورائه ، وطُرِحت أناجرها بحيث تقرب من الشطّ ، وأفرِد منها شذوات اختارها لنفسه ، ورتّب فيها من خاصّة قوّاد غلمانه ليكونوا معه عند تقحّمه نهر أبى الخصيب ؛ وانتخب من الفرسان والرّجّالة عشرة آلاف ، وأمرهم أن يسيروا على جانبى نهر أبى الخصيب بمسيره، ويقفوا بوقوفه ، ويتصرّفوا فيما رأى أن يصرّفهم فيه فى وقت (٦) الحرب . ٢٠٧٧/٣ وغدا الموفق يوم الثلاثاء لقتال الفاسق صاحب الزَّنْج، وتوجه کلّ رئیس من رؤساء قوّاده نحو الموضع الذى أمر بقصده ، وزحف الجيش نحو الفاسق وأصحابه ، فتلقّاهم الخبيث فى جيشه، واشتبكت الحرب ، وكثر القتل والجراح بين الفريقين ، وحامى الفسقة عما كانوا اقتصروا عليه من مدينتهم أشدّ محاماة ، واستماتوا(٧) ، وصبر أصحاب الموفق، وصدقوا القتال؛ فمنّ الله عليهم بالنصر، (١) س: (( أهل)). (٣) طم سواقيه : ردمها . (٥) ب: ((غلمان قواده)). (٧) س: ((واستمات)). (٢) س: ((وقد كان)). (٤) ب: ((الجمع)). (٦) س: ((عند الحرب)). ٦٤٨ سنة ٢٦٩ وهزم المسقة ، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وأسروا من مقاتلتهم وأنجادهم جمعًا كثيراً . وأتسى الموفق بالأسارى ، فأمر بهم فضربت أعناقهم فى المعركة ، وقصد بجمعه لدار الفاجر فوافاها ، وقد لجأ الخبيث إليها ، وجمع أنجاد أصحابه للمدافعة عنها ؛ فلمّا لم يغنُوا عنها شيئًا أسلمها ، وتفرّق أصحابه عنها ، ودخلها غلمان الموفّق ، وفيها بقايا ما كان سلم للخبيث من ماله وأثاثه ؛ فانتهبوا ذلك كلّه، وأخذوا حرمه وولده الذكور والإناث ؛ وكانوا أكثر من مائة بين امرأة وصبىّ ، وتخلّص الفاسق ومضى هاربًا نحو دار المهلبِيّ ، لا يلوى على أهل ولا مال ، وأحرقت داره وما بقى فيها من متاع وأثاث ، وأتِىَ الموفّق بنساء الخبيث وأولاده، فأمر بحملهم إلى الموفقية والتوكيل(١) بهم، والإحسان إليهم. وكان جماعة من قواد أبى العباس عبروا نهر أبى الخصيب ، وقصدوا الموضع الذى أمِرُوا بقصْده من دار المهلبيّ ، ولم ينتظروا إلحاق أصحابهم بهم ، فوافوْا دار المهلبيّ ، وقد لجأ إليها (٢) أكثرُ الزَّنج بعد انكشافهم عن دار الخبيث ؛ فدخل أصحاب أبى العباس الدّار ، وتشاغلوا بالنهب وأخذ ما كان غلب عليه المهلبيّ من حرم المسلمين وأولاده(٣) منهنّ، وجعل كلّ مَنْ ظفر(٤) بشىء انصرف به إلى سفينته فى نهر أبى الخصيب . ٢٠٧٨/٣ وتبين الزّنج قلة مَنْ بقى منهم وتشاغلهم بالنهب ، فخرجوا عليهم من عدّة مواضع قد كانوا كمنوا فيها ، فأزالوهم عن مواضعهم ؛ فانكشفوا، وأتبعهم الزَّنْج حتى وافوًا نهر أبى الخصيب وقتلوا مِنْ فرسانهم ورجَّالتهم جماعةٌ يسيرة ، وارتجعوا بعض ما كانوا أخذوا من النساء والمتاع. وكان فريق من غلمان الموفق وأصحابه الذين قصدوا دار الخبيث فى شرقىّ نهر أبى الخصيب تشاغلوا بالنَّهب وحمْل الغنائم إلى سفنهم ؛ فأطمع ذلك الزَّنِج فيهم ، فأكبُوا عليهم ، فكشفوهم واتَّبعوا آثارهم إلى الموضع المعروف بسوق الغنم من عسكر الزَّنْج ، فثبتت جماعة من قُوَّاد الغلمان فى أنجاد (١) س: ((والتوكل بهم)). (٣) س: ((وأولادهم)). (٢) س: ((ولقد لجأ إليه)). (٤) س: (( أخذ وظفر)). ٦٤٩ سنة ٢٦٩ أصحابهم وشجعانهم ، فردّوا وجوه الزَّنج حتى ثاب الناس ، وتراجعوا إلى مواقفهم ، ودامت الحرب بينهم إلى وقت صلاة العصر فأمر أبو أحمد عند ذلك غلماته أن يحملوا على الفسقة بأجمعهم حملةً صادقة ، ففعلوا ذلك ، فانهزم الزَّنْج وأخذتهم السيوف حتى انتهوا إلى دار الخبيث ؛ فرأى الموفّق عند ذلك أن يصرف غلمانه وأصحابه على إحسانهم ، فأمرهم بالرجوع ، فانصرفوا على هدوّ وسكون ؛ فأقام الموفق فى النهر ومن معه فى الشَّذًا يحميهم؛ حتى دخلوا سفنهم ، وأدخلوها خيلهم ، وأحجم الزَّنْج عن اتباعهم لما نالهم فى آخر الوقعة . ٢٠٧٩/٣ وانصرف الموفّق ومعه أبو العباس وسائر قوّاده وجميع جيشه قد غنموا أموال الفاسق ، واستنقذوا جمعًا من النساء الدّواتى كان غلب عليهنّ من حرم المسلمين كثيراً ، جعلن يخرجن فى ذلك اليوم أرسالا إلى فوّهة (١) نهر أبى الخصيب ، فيحمكن فى السفن إلى الموفقيّة إلى انقضاء الحرب . وكان(٢) الموفق تقدّم إلى أبى العباس فى هذا اليوم أن ينفذ قائداً من قوّاده فى خمس شَذَوَات إلى مؤخر عسكر الخبيث بنهر أبى الخصيب ، لإحراق(٣) بيادرَ ثمّ جليلٍ قدرها، كان الخبيث يقوت أصحابه منها من الزَّنْج وغيرهم، ففعل ذلك وأحرق أكثرَه . وكان إحراق ذلك من أقوى الأشياء على إدخال الضعف على الفاسق وأصحابه ، إذ لم يكن لهم معوّل فى قوّتهم غيره ؛ فأمر أبو أحمد بالكتاب بما تهيأ له على الخبيث وأصحابه فى هذا اليوم إلى الآفاق ليُقرأ على الناس ، ففعل ذلك . وفى يوم الأربعاء لليلتين خَلَتا من ذى الحجة من هذه السنة وافى عسكر أبى أحمد صاعد بن مخلد كاتبه منصرفًا إليه من سامرًا ، ووافى معه بجيش كثيف قيل إنّ عدد الفرسان والرّجَّالة الذين قدموا كان زُهاء عشرة آلاف، فأمر الموفق بإراحة أصحابه وتجديد أسلحتهم وإصلاح أمورهم ؛ وأمرهم بالتأهب (٤) لمحاربة الخبيث . فأقام أيامًا بعد قدومه لما أمر به . ٢٠٨٠/٣ (١) ب: ((فى فوهة النهر)). (٣) س: ((بإحراق بيادر)). (٢) س: ((وقد كان)). (٤) س: ((والتأهب)). ١٦٥٠ سنة ٢٦٩ فهم فى ذلك من أمرهم ؛ إذْ ورد کتاب لؤلؤ صاحب ابن طولون مع بعض قوّاده، يسأله فيه الإذن له فى القُدوم عليه؛ ليشهد عليه حرب الفاسق . فأجابه إلى ذلك، فأذن له فى القدوم عليه ، وأخّرَ ما كان عزم عليه من مناجزة الفاجر انتظارًا منه قدوم لؤلؤ؛ وكان لؤلؤ مقيماً بالرَّقة فى جيش عظيم من الفراغنة والأتراك والرّوم والبربر والسودان وغيرهم ، من نخبة أصحاب ابن طولون؛ فلما ورد على لؤلؤ کتاب أبى أحمد بالإذن له فى القدوم(١) علیه ، شخصمن ديار مضر حتى ورد مدينة السلام فى جميع أصحابه ، وأقام بها مدّة ، ثم شخص إلى أبى أحمد فوافاه بعسكره يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرم سنة سبعين ومائتين ، فجلس له أبو أحمد ، وحضر ابنه أبو العباس وصاعد والقوّاد على مراتبهم ؛ فأدخِل عليه لؤلؤ فى زىّ حسن ، فأمر أبو العباس أن ينزل معسكراً كان أعدّ له بإزاء نهر أبى الخصيب، فنزله فى أصحابه ، وتقدّم إليه فى مباكرة المصير إلى دار الموفّق ، ومعه قوّاده وأصحابه للسلام عليه. فغدا لؤلؤ يوم الجمعة لثلاث خلوْن من المحرّم، وأصحابُه معه فى السواد، فوصل إلى الموفق وسلَّم عليه فقرّبه (٢) وأدناه ، ووعده وأصحابه خيراً ، وأمر أن يخلع عليه وعلى خمسين ومائة قائد من قُوّاده ، وحمله على خيل كثيرة بالسُّروج واللجُم المحلّة بالذهب والفضّة ، وحمل بين يديه من أصناف الكسى والأموال فى البدُور ما يحمله مائة غلام ؛ وأمر لقوّاده من الصلات والحملان والكُسى على قدر محلّ(٣) كلّ إنسان منهم عنده، وأقطعه ضياعًا جليلة القدر ، وصرفه إلى عسكره بإزاء نهر أبى الخصيب بأجمل حال ، وأعدّت له ولأصحابه الأنزال والعَلُوفات ، وأمره برفع جرائد لأصحابه بمبلغ أرزاقهم على مراتبهم ؛ فرفع ذلك ؛ فأمر لكلّ إنسان منهم بالضُّعف مما كان يجرى له وأمر لهم بالعطاء عند رفع الجرائد، ووفَّوْا ما رسم لهم . ٢٠٨١/٣ ثم تقدّم إلى لؤلؤ فى التأهب والاستعداد للعبور إلى غربىّ دِجْلة لمحاربة الفاسق وأصحابه ؛ وكان الخبيث لما غلب على نهر أبى الخصيب ، وقُطعت (١) س: ((بالقدوم)). (٣) س: ((محمل). (٢): ((فتعرفه)). ٦٥١ سنة ٢٦٩ القناطر والجسور التى كانت عليه أحدث سكراً فى النهر من جانبيه ، وجعل فى وسط السَّكْر باباً ضيقاً ليحتدّ فيه جرية الماء ، فيمتنع الشَّذّا من دخوله فى الجزر، ويتعذّر خروجها منه فى المدّ، فرأى أبو أحمد أنّ حربه لا تتهيأ له إلا بقلع هذا السَّكْر، فحاول ذلك ، فاشتدّت محاماة الفَسَقة عنه ، وجعلوا يزيدون فيه فى كلّ يوم وليلة، وهو متوسط دورهم ، والمؤونة لذلك تسهل عليهم وتغلظ على مَنْ حاول قلعه . فرأى أبو أحمد أن يحارب بفريق بعد فريق من أصحاب لؤلؤ، لِيَضْرَوا(١) لمحاربة الزَّنْج، ويقفوا على المسالك والطرق فى مدينتهم ، فأمر لؤلؤًا أن يحضر فى جماعة من أصحابه للحرب على هذا السَّكْر ، وأمر بإحضار الفعلة لقلعه ، ففعل. فرأى الموفق (٢) من نجدة لؤلؤوإقدامه وشجاعة أصحابه وصبرهم على ألم ٢٠٨٢/٣ الجراح وثبات العدّة اليسيرة منهم، فى وجوه الجمع الكثير من الزَّنْج ماسرّه . فأمر لؤلؤاً بصرْف (٣) أصحابه إشفاقًا عليهم ، وضنًّا بهم ، فوصلهم الموفق ، وأحسن إليهم ، وردّهم إلى معسكرهم، وألحّ الموفَّق على هذا السَّكْر ؛ فكان يحارب المحامين عنه من أصحاب الخبيث بأصحاب لؤلؤ وغيرهم ، والفعلة يعملون فى قتَلْعه ، ويحارب الفاجر وأشياعه من عدّة وجوه، فیحرق مسا کنهم، ويقتل مقاتلتهم ، ويستأمن إليه الجماعة من رؤسائهم . وكانت قد بقيَتْ للخبيث وأصحابه أرَضُون من ناحية نهر الغربىّ ، كان لهم فيها مزارع وختُضَر وقنطرتان على نهر الغربىّ، يعبرون عليها إلى هذه الأرضين، فوقف أبو العباس على ذلك فقصد لتلك الناحية ، واستأذن الموفق فى ذلك ، فأذن له ، وأمره باختيار(٤) الرّجال، وأن يجعلهم شجعاء أصحابه وغلمانه ؛ ففعل أبو العباس ذلك ، وتوجه نحو نهرالغربىّ ، وجعل زِيرك كمينًا فى جمع من أصحابه فى غربىّ النهر، وأمر رشيقًا غلامه أن يقصد فى جمع كثير من أنجاد رجاله ومختاريهم للنهر المعروف بنور العمَيْسيين ؛ ليخرج فى ظهور الزَّنْج وهم غارّون ، فيوقع بهم فى هذه الأرضين . وأمر زيرك أن يخرج فى (١) ابن الأثير: ((ليتمرذوا على قتالهم)). (٣) س: ((فصرف)). (٢) س: ((أبو أحمد)). (٤) س: ((بإحضار)). ٦٥٢ سنة ٢٦٩ ٢٠٨٣/٣ وجوههم إذا أحسَّ بانهزامهم من رشيق . وأقام أبو العباس فى عدة شذوات قد انتخب مقاتلتها واختارهم فى فوّهة نهر الغربىّ ، ومعه من غلمانه البيضان والسودان عدد قد رضيه؛ فلما ظهر رشيق للفجرة فى شرقىّ نهر الغربىّ، راعهم فأقبلوا يريدون العبور إلى غربيه ليهربوا إلى عسكرهم ؛ فلما عاينهم أبو العباس اقتحم النَّهر بالشَّذَوَات، وبث الرّجّالة على حافتَيْه ، فأدركوهم ووضعوا السيف(١) فيهم ، فقتل منهم فى النهر وعلى ضفّتِه خَلْق كثير ، وأسر منهم أسرى ، وأفلت آخرون ، فتلقاهم زيرك فى أصحابه فقتلوهم ، ولم يُفلت منهم إلاّ الشريد، وأخذ أصحاب أبى العباس من أسلحتهم ما ثقل عليهم حمله ؛ حتى ألقوا أكثره . وقطع أبو العباس القنطتيْن، وأمر بإخراج ما كان فيهما من البُدود والخشب إلى دِجْلة وانصرف إلى الموفق بالأسارى والرءوس ، فطيف بها فى العسكر ، وانقطع عن الفسقة ما كانوا يرتفِقُون به من المزارع التى كانت بنهر الغربىّ . وفى ذى الحجة من هذه السنة . أعنى سنة تسع وستين ومائتين - أدخِل عیال صاحب الزنج وولده بغداد . وفيها سُمَّ صاعد ذا الوزارتين . * وفى ذى الحجة منها كانت وقعة بين قائدين وجيش معهما لابن طولون كان أحدهما يسمّى محمد بن السراج والآخر منهما يعرف بالغَنوىّ ، كان ابن طولون وجههما ، فوافيا مكة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذى القعدة فى أربعمائة وسبعين فارسًا وألفى راجل(٢)؛ فأعطوا الجزّارين والحنّاطين (٣) دينارين دينارين ، والرؤساء سبعة سبعة ، وهارون بن محمد عامل مكة إذْ ذاك ببستان ابن عامر، فوافى مكة جعفر بن الباغمردىّ لثلاث خَلَوْن من ذى الحجة فى نحو من مائتى فارس ، وتلقّاه هارون فى مائة وعشرين فارساً ومائتى ٢٠٨٤/٣ (١) س: ((السلاح)). (٣) س: ((والخياطين)). (٢) ب: ((رجل)). ٦٥٣ سنة ٢٦٩ أسود وثلاثين فارسًا من أصحاب عمرو بن الليث ومائتى راجل ممّن قدم من العراق ، فقوىَ بهم جعفر ، فالتقوا هم وأصحاب ابن طولون ، وأعان جعفرًا حاجُّ أهل خراسان ، فقتل من أصحاب ابن طولون ببطن مكة نحو من مائتى رجل ، وانهزم الباقون فى الجبال ، ومسلبوا دوابتهم وأموالهم ، ورفع جعفر السيف. وحوى جعفر مضرب الغَنَوِىّ. وقيل : إنه كان فيه مائتا ألف دينار ، وآمن المصريّين والحنّاطين والجزارين، وقُرئ كتاب فى المسجد الحرام(١) بلعْن ابن طولون ، وسليم الناس وأموال التجار . وحجّ بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمىّ ، ولم يبرح إسحاق بن كنداج - وقد وُلِّىَ المغرب كله فى هذه السنة - سامرًا حتى انقضت السنة . (١) ب: ((الجامع)). ٠۵ ٦٥٤ ثم دخلت سنة سبعين ومائتين ٢٠٨٥/٣٠ ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة ففى المحرّم منها كانت وقعة بين أبى أحمد وصاحب الزّنج أضعفت (١) أركان صاحب الزنج . [ ذكر الخبر عن قتل صاحب الزنج وأسْر من معه ] وفى صفر منها قتل الفاجر، وأسر سليمان بن جامع وإبراهيم بن جعفر الهمدانىّ واستريح من أسباب الفاسق . ذكر الخبر عن هاتين الوقعتين : قد ذكرنا قبل أمر السَّكْر الذى كان الخبيث أحدثه ، وما كان من أمر أبى أحمد وأصحابه فى ذلك . ذكر أن أبا أحمد لم يزل ملحًا على الحرب على ذلك السَّكْرحتى تهيّأ له فيه ما أحبّ ، وسهل المدخل للشَّدا فى نهر أبى الخصيب فى المدّ والجزر ، وسهل لأبى أحمد فى موضعه الذى كان مقيماً فيه كل ما أراده من رُخْص الأسعار وتتابع الميَر وحَمْل الأموال إليه من البلدان ورغبة الناس فى جهاد الخبيث ومن معه من أشیاعه ؛ فکان ممن صار إليه من المطوّعة أحمد بن دينار عامل إيذَج ونواحيها من كُور الأهواز فى جمع كثير من الفرسان والرّجّالة؛ فكان يباشر الحرب بنفسه وأصحابه إلى أن قُتل الخبيث . ثم قدم بعده من أهل البحرين - فيما ذكر - خلق كثير ، زُهاء ألفى رجل ، يقودهم رجل من عبد القيس ، فجلس لهم أبو أحمد، ودخل إليه رئيسهم ووجوههم؛ فأمر أن يُخلع عليهم ؛ واعترض رجالهم أجمعين . وأمر (٢) بإقامة الأنزال لهم، وورد بعدهم زهاء ألف رجل من كُورفارس ، يرأسهم شيخ من المطوّعة يكنى أبا سلمة ، فجلس لهم الموفّق، فوصل إليه هذا الشيْخ ووجوه ٢٠٨٦/٣ (١) ب: ((أضعف)). (٢) س: ((هم)). ٦٥٥ سنة ٢٧٠ أصحابه، فأمر لهم بالخلع، وأقرّ (١) لهم الأنزال، ثم تتابعت المطوّعة من البلدان ؛ فلما تيسر له ما أراد من السَّكْر الذى ذكرنا ، عزم على لقاء الخبيث، فأمر بإعداد السفن والمعابر وإصلاح آلة الحرب فى الماء وعلى الظَّهْر ، واختار مَنْ يثق بيأسه ونجدته فى الحرب فارسًا وراجلاً ؛ لضيق المواضع التى كان يحارب فيها وصعوبتها وكثرة الخنادق والأنهار بها؛ فكانت عِدّة مَنْ تخيّر من الفرسان زُهاء ألفى فارس ، ومن الرَّجالة خمسين ألفاً أو يزيدون ، سوى مَنْ عبر من المطوّعة وأهل العسكر ، ممّن لا ديوان له ، وخلّف بالموفقيّة من لم يتسع السفن بحمله جمًا كثيراً أكثرهم من الفرسان . وتقدّم الموفّق إلى أبى العباس فى القصد للموضع الذی کان صار إليه فى يوم الثلاثاء لعشر خلوْن من ذى القعدة سنة تسع وستين ومائتين من الجانب الشرقىّ بإزاء دار المهلبيّ فى أصحابه وغلمانه ومَنْ ضمتهم إليه من الخيل والرجّالة (٢) والشَّذا. وأمر صاعد بن مخلد بالخروج على النهر المعروف بأبى شاكر فى الجانب الشرقىّ أيضًا، ونظم القوّاد من مواليه وغلمانه من فُوّهة نهر أبی الخصیب إلى نهر الغربى . وکان فیمن خرج من حدّ دار الکرنبائيّ إلى نهر أبى شاكر راشد ولؤلؤ، موليها الموفق، فى جمع من الفرسان والرّجالة زهاء عشرين ألفًا ، يتلو بعضُهم بعضاً ، ومن نهر أبى شاكر إلى النهر المعروف بجوى كور جماعة من قوّاد الموالى والغلمان ، ثم من نهر جوى كور إلى نهر الغربىّ مثل ذلك. وأمر شبلا أن يقصد فى أصحابه ومَن ◌ُضمّ إليه إلى نهر الغربىّ، فيأتى منه مؤازياً لظهر دار المهلبيّ، فيخرج من ورائها عند اشتباك الحرب، وأمر الناس أن يزحفوا (٣) بجميعهم إلى الفاسق؛ لا يتقدّم بعضهم بعضاً ؛ وجعل لهم أمارة الرَّحْف؛ تحريك علم أسود أمر بنصبه على دار الكرنبائى بفُوّهة نهر أبى الخصيب فى موضع منها مشيد عالٍ ، وأن ينفخ لهم ببوق بعيد الصوت ، وكان عبوره يوم الاثنين لثلاث ليال بقين من المحرّم سنة سبعين ومائتين ، فجعل بعض من كان على النهر المعروف بجوى كور يَزْحف قبل ظهور العلامة ؛ حتى قرب ٢٠٨٧/٣ (١) س: ((وأقيمت)). (٣) ب: ((يرجعوا)). (٢) ب: ((الرجل)). ٦٥٦ سنة ٢٦٩ من دار المهلبيّ ، فلقيه وأصحابه الزَّنْج فردُ وهم إلى مواضعهم ، وقَتَّلُوا منهم جمعًا، ولم يشعر سائر الناس بما حدث على هؤلاء المتسرّعين للقتال لكثرتهم وبعد المسافة فيما بين بعضهم وبعض . ٢٠٨٨/٣ فلمّا خرج القوّاد ورجالهم من المواضع التى أمِرُوا بالخروج منها ، واستوى الفرسان والرجّالة فى أماكنهم ، أمر الموفق بتحريك العلم والنفخ فى البوق ، ودخل النهر فى الشَّذًا ، وزحف الناس يتلو بعضهم بعضًا، فلقيهم الزَّنج قد حشدوا وجموا واجترعوا بما تهيأ لهم على من كان تسرّع إليهم ، فلقيهم الجيش بنيّات صادقة وبصائر نافذة ، فأزالوهم عن مواضعهم بعد كرّات كانت بين الفريقين ، صُرِع فيها منهم جمع كثير . وصبر أصحاب أبى أحمد ، فمنّ الله عليهم بالنَّصر (١)، ومنحهم أكتاف الفسقة، فولّوْا منهزمين، وأتبعهم (٢) أصحاب الموفق ، يقتلون ويأسرون . وأحاط أصحاب أبى أحمد بالفجرة من كلّ موضع ، فقتل الله منهم فى ذلك اليوم ما لا يحيط به الإحصاء ، وغرق منهم فى النهر المعروف بجوى كور مثل ذلك ، وحوى أصحاب الموفّق مدينة الفاسق بأسرها، واستنقذوا مَنْ كان فيها من الأسرى(٣) من الرجال والنساء والصبيان ، وظفروا بجميع عيال علىّ بن أبان المهلبيّ وأخويه الخليل ومحمد ابنى أبان وسليمان بن جامع وأولادهم ، وعبر بهم إلى المدينة الموفقية . ومضى الفاسق فى أصحابه ومعه المهلبيّ وابنه أنكلاى وسليمان بن جامع وقوّاد من الزّنْج وغيرهم هُرّابًا، عامدين لموضع قد كان الخبيث رآه لنفسه ومَنْ معه ملجأ إذا غُلبوا على مدينته ؛ وذلك على النهر المعروف بالسفيانيّ .. وكان أصحاب أبى أحمد حين انهزم الخبيث ، وظفروا بما ظفروا به ، أقاموا عند دار المهلىّ الواغلة فى نهر أبى الخصيب، وتشاغلوا بانتهاب ما كان فى الدار وإحراقها وما يليها، وتفرّقوا فى طلب النهب؛ وكُلّ مَا بقى للفاسق وأصحابه مجموعاً فى تلك الدار . وتقدم أبو أحمد فى الشّذا قاصداً للنهر المعروف بالسفيانيّ ، ومعه لؤلؤفى (١) س: ((بالظفر)). (٣) س: ((الأسارى)). (٢) ب: ((وأتبع)). ٦٥٧ سنة ٢٧٠ ٢٠٨٩/٣ أصحابه الفرسان والرجالة ، فانقطع عن باقى الجيش ، فظنُّوا أنه قد انصرف ، فانصرفوا إلى سفنهم بما حَوْوا ، وانتهى الموفّق فيمن معه إلى معسكر الفاسق وأصحابه وهم منهزمون ؛ فأتبعهم لؤلؤ وأصحابُه حتى عبروا النهر المعروف بالسفيانىّ ، فاقتحم لؤلؤ النهر بفرسه ، وعَبَرَ أصحابه خَلْفه ، ومضى الفاسق حتى انتهى إلى النهز المعروف بالقريرىّ، فوصل إليه لؤلؤ وأصحابُه ، فأوقعوا به ويمَنْ معه، فكشفوهم، فولَّوْا هاربين وهم يتبعونهم ، حتى عَبَرُوا النهر المعروف بالقريرىّ ، وعبر لؤلؤ وأصحابه خلفهم وألجئوهم إلى النهر المعروف بالمساوان ، فعبروه واعتصموا بحبل وراءه . وكان لؤلؤ وأصحابه الذين انفردوا بهذا الفعل دون سائر الجيش ، فانتهى بهم الجدّ فى طلب الفاسق وأشياعه إلى هذا الموضع الذى وصفنا فى آخر النهار ، فأمره الموفق بالانصراف محمود الفعل ، فحمله الموفّق معه فى الشَّذًا ، وجدّد له من البرّ والكرامة ورفع المرتبة ، لما كان منه فى أمر الفسقة حسب ما كان مستحقًّا . ورجَعَ الموفق فى الشَّذّا فى نهر أبى الخصيب وأصحاب لؤلؤ يسايرونه . فلما حاذى دار المهلبيّ ، لم ير بها أحدًا من أصحابه ، فعلم أنهم قد انصرفوا ، فاشتدّ غيظه عليهم ، وسار قاصدًا لقصره ، وأمر لؤلؤ بالمضىّ بأصحابه إلى عسكره (١)، وأيقن بالفتح لما رأى من أمارته ، واستبشر الناس جميعًا بما هيأ الله من هزيمة الفاسق وأصحابه وإخراجهم عن مدينتهم ، واستباحة كلّ ما كان لهم من مال وذخيرة وسلاح، واستنفاذ جميع من كان (٢) فى أيديهم من الأسرى . وكان فى نفس أبى أحمد على أصحابه من الغيظ مخالفتهم أمره ، وتركهم الوقوف حيث وقفهم ، فأمر بجمع قوّاد مواليه وغلمانه ووجوههم (٣)؛ فجمعوا له ، فوبّخهم على ما كان منهم وعجزهم، وأغلظ لهم، فاعتذروا بما توهّموا من انصرافه ، وأنهم لم يعلموا بمسيره إلى الفاسق وانتهائه إلى حيث انتهى من عسكره ؛ وأنهم لو علموا ذلك لأسرعوا نحوه ، ولم يبرحوا موضعهم (٤) حتى تحالفوا وتعاقدوا على ألاّ ينصرف منهم أحد إذا توجهوا نحو ٢٠٩٠/٣ (١) س: ((معسكره)). (٣) س: ((ووجوه أصحابه)). (٢) س: ((ما كان)). (٤) س: ((مواضعهم)). ٦٥٨ سنة ٢٧٠ الخبيث حتى يظفرهم الله به ؛ فإن أعياهم ذلك أقاموا بمواضعهم حتى يحكم الله بينهم وبينه . وسألوا الموفق أن يأمر بردّ السفن التى يعبرون فيها إلى الموفقية عند خروجهم منها للحرب ، لتنقطع أطماع الذين يريدون الرجوع عن حرب الفاسق من ذلك ، فجزاهم أبو أحمد الخير على تنصّلهم من خطئهم ، ووعدهم الإحسان، وأمرهم بالتأهّب للعبور، وأن يعظوا أصحابهم بمثل الذى وُعيظوا به. وأقام الموفق بعد ذلك يوم الثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة لإصلاح ما يحتاج إليه ؛ فلما كَمَل ذلك تقدّم إلى من يثق إليه من خاصّته وقُوّاد غلمانه ومواليه، بما يكون عليه عملُهم فى وقت عبورهم . ٢٠٩١/٣ وفى عشىّ يوم الجمعة ، تقدّم إلى أبى العباس وقوّاد غلمانه(١) ومواليه بالنهوض إلى مواضع سماها لهم ؛ فأمر أبا العباس بالقصد فى أصحابه إلى الموضع المعروف بعسكر ريحان ، وهو بين النهر المعروف بالسفيانىّ والموضع الذى لجأ إليه ، وأن يكون سلوكه بجيشه فى النهر المعروف بنهر المغيرة ؛ حتى يخرج بهم فى معترض نهر أبى الخصيب ، فيوا فى بهم عسكرَ ريحان من ذلك الوجه، وأنفذ قائداً من قوّاد غلمانه السودان ، وأمره أن يصير إلى نهر الأمير فيعترض فى المنصف (٢) منه، وأمر سائر قواده وغلمانه بالمبيت فى الجانب الشرقىّ من د جلة بإزاء عسكر الفاسق متأهبين للغدوّ على محاربته . وجعل الموفق يطوف فى الشَّذّا على القُوّاد ورجالهم فى عشىّ يوم الجمعة وليلة السبت، ويفرقهم فى مراكزهم والمواضع التى رتَّبّهم فيها من عسكر الفاسق، ليباكروا المصير إليها على ما رسم لهم . وغدا الموفّق يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين ، فوافى نهر أبى الخصيب فى الشذا ، فأقام بها حتى تكامل عبورُ الناس وخروجهم عن سفنهم ، وأخذ الفرسان والرجّالة مراكزهم، وأمر بالسفن والمعابر فُردّت إلى الجانب الشرقىّ ، وأذن للناس فى الزّحف إلى الفاسق ، وسار يقدمهم حتى وافى الموضع الذى قدّر أن يثبت الفسقة فيه لمدافعة الجيش عنهم . وقد كان الخائن وأصحابه الخبثهم رجعوا إلى المدينة يوم الاثنين بعد انصراف (١) ب: ((وقواده)). (٢) س: ((النصف)). ٦٥٩ سنة ٢٧٠ ٢٠٩٢/٣ الجيش عنها ، وأقاموا بها، وأمّلوا أن تتطاول بهم الأيام، وتندفع (١) عنهم المناجزة ، فوجد الموفّق المتسرعين من فرسان (٢) غلمانه ورجّالتهم قد سبقوا أعظم الجيش ، فأوقعوا بالفاجر وأصحابه وقعةً أزالوهم بها عن مواقفهم ؛ فانهزموا وتفرَّقُوا لا يلوى بعضهم على بعض، وأتبعهم الجيش يقتلون ويأسرون مَنْ لحقوا منهم، وانقطع الفاسق فى جماعة من حُماته من قُوّاد الجيش ورجالهم ، وفيهم المهلبيّ . وفارقه ابنه أنكلای وسليمان بن جامع ، فقصد لكل فريق ممّن (٣) سمّينا جمع كثيف من موالى الموفق وغلمانه الفرسان والرَّجّالة، ولَقِىَ مَنْ كان رتبه الموفق من أصحاب أبى العباس فى الموضع المعروف بعسكر ريحان المنهزمين من أصحاب الفاجر ، فوضعوا فيهم السلاح . ووافى القائد المرتب فى نهر الأمير ، فاعترض الفجرة ، فأوقع بهم . وصادف سليمان بن جامع فحاربه ، فقتل جماعة من حُماته ، فظفر بسليمان فأسره ، فأتى به الموفق بغير عهد ولا عقد ، فاستبشر الناس بأسر سليمان، وكَثُر التكبير والضجيج ، وأيقنوا بالفتح إذ كان أكثر أصحابه غناء عنه . وأسر بعده إبراهيم بن جعفر الهمدانى - وكان أحد أمراء جيوشه ـــ وأسر نادر الأسود المعروف بالحفار ، وهو أحد قدماء أصحاب الفاجر فأمر الموفّق بالاستيثاق منهم وتصيرهم فى شذاة لأبى العباس. ففُعل ذلك . ثم إن الزَّنْج الذين انفردوا مع الفاسق عطفوا على الناس عطفة أزالوهم بها عن مواقفهم ، ففتروا لذلك ، وأحسّ الموفّق بفتورهم، فجدّ فى طلب الخبيث، وأمعن فى نهر أبى الخصيب ، فشدّ ذلك من قلوب مواليه وغلمانه، ٢٠٩٣/٣ وجدُّوا فى الطلب معه . وانتهى الموفّق إلى نهر أبى الخصيب ، فوافاه البشير بقتل الفاجر ؛ ولم يلبث أن وافاه بشير آخر ومعه كفّ زعم أنها كفه ، فقوى الخبر عنده بعض القُوّة . ثم أتاه غلام من أصحاب لؤلؤ يركض على فرس ، ومعه رأس الخبيث، (١) س: ((تتدافع)). (٣) س: ((فريق منهم)). (٢) س: ((قواد)). ٦٦٠ ١ سنة ٢٧٠ فأدناه منه ، فعرضه على جماعة ممن كان بحضرته من قوّاد المستأمنة ، فعرفوه . فخرّ لله ساجدًا على ما أولاه وأبلاه، وسجد أبو العباس وقُوّاد موالى الموفق وغلمانِه شكرًا لله، وأكثروا حمد الله والثناء عليه، وأمر الموفَّق برفع رأس الفاجر على قناة ونصبه بين يديه ، فتأمَّله الناس وعرفوا صحة الخبر بقتله ، فارتفعت أصواتهم (١) بالحمد لله. وذكر أن أصحاب الموفق لما أحاطوا بالخبيث ، ولم يبقَ معه من رؤساء أصحابه إلا المهلِىّ، ولَى عنه هاربًا وأسلمه . وقصد النهر المعروف بنهر الأمير ، فقذف نفسه فيه يريد النجاة ، وقبل ذلك ما كان ابن الخبيث(٢) أنكلای فارق أباه ، ومضى يؤمّ النهر المعروف بالدينارىّ، فأقام فيه متحصّناً بالأدغال والآجام ، وانصرف الموفق ورأس الخبيث منصوب (٣) بين يديه على قناة فى شذاة ، يخترق بها نهر أبى الخصيب ، والناس فى جنبتى النهر ينظرون إليه حتى وافى دِجْلة ، فخرج إليها (٤) فأمر بردّ السفن التى كان عبر بها ٢٠٩٤/٣ فى أول النهار إلى الجانب الشرقى من دِجْلة، فرُدّت ليعبر الناس فيها. ثم سار ورأسُ الخبيث بين يديه على القناة، وسليمان بن جامع والهمدانىّ مصلوبان فى الشَّدًا ، حتى وافى قصره بالموفقيَّة . وأمَر أبا العباس بركوب الشذا وإقرار الرأس وسليمان والهمدانىّ على حالهم والسير بهم إلى نهر جَطَّى، وهو أوّل عسكر الموفق ، ليقع عليهم عيون الناس جميعًا فى العسكر ، ففعل ذلك وانصرف إلى أبيه أبى أحمد . فأمر بحبس سليمان والهمدانىّ وإصلاح الرأس وتنقيته . وذكر أنه تتابع مجىء الزَّنج الذين كانوا أقاموا مع الخبيث وآثروا صحبته ، فوافى ذلك اليوم زُهاء ألف منهم ، ورأى الموفق بذل الأمان ، لما رأى من كثرتهم وشجاعتهم ، لئلا تبقى منهم بقية تُخاف معرّتها على الإسلام وأهله ، فكان من وافى من قُوّاد الزَّنج ورجالهم فى بقية يوم السبت وفى يوم الأحد (١) س: ((الأصوات)). (٣) س: ((منصوبا)). (٢) س: ((من ابن الخبيث)). ( ٤) ب: ((إليه)).