النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
سنة ٢٦٧
ذلك على ما دبّر الجُبائىّ، فحذروا ذلك، وتنكَّبوا سلوك ذلك الطريق، وألحّ
الزَّج فى مغاداة العسكر فى كلّ يوم للحرب، وعسكروا بنهر الأمير فى جمع
كثير ؛ فلمّا لم يجد ذلك عليهم أمسكوا عن الحرب قَدْر شهر.
١٩٥٣/٣
وكتب سليمان إلى صاحب الزّنج يسأله إمداده بسُميرّيات؛ لكلّ واحدة
منهنّ أربعون مجدافًا، فوافاه من ذلك فى مقدار عشرين يوماً أربعون ◌ُميريَّةً،
فى كل سُميريّة مقاتلان، ومع ملاحيها السيوف والرماح والتّراس، وجعل الجُبائىّ
موقفه حيال عسكر أبى العباس ، وعاودُوا التعرّض للحرب فى كلّ يوم؛ فإذا
خرج إليهم أصحاب أبى العباس انهزموا عنهم ، ولم يثبتوا لهم ؛ وخلال ذلك
ما تأتى طلائعهم ، فتقطع القناطر ، وترمى ما ظهر لها من الخيل بالنّشاب ،
وتضرم ما وجدت فى النوبة من المراكب التى مع نصير بالنار ؛ فكانوا كذلك
قدر شهرين .
ثم رأى أبو العباس أن يكمِّن لهم كمينًا فى قرية الرمل، ففعل ذلك ، وقدّم
لهم سمير يّات أمام الجيش ليطمعوا فيها، وأمر أبو العباس فأعدّت له ◌ُسميريّة
ولز يرَك سميريّة وحمل جماعة من غلمانه الذين اختارهم ، وعرفهم بالنجدة
فى السميرّيات، فحمل بدراً ومؤنساً فى سُميريّة ورشيقاً الحجّاجىّ وَيُمْناً
فى سميريّة وخفيفاً ويُسراً فى سميريّة، ونذيراً ووصيفاً فى ◌ُميريّة ؛
وأعدّ خمس عشرة ◌ُميريّة، وجعل فى كلّ سميريّة مقاتلين، وجعلها أمام
الجيش .
*
قال محمد بن شعيب الاشتيام : وكنتُ فيمن تقدّم يومئذ ، فأخذ الزّنج
من السميريّات المتقدّمة عدّة، وأسروا أسرى، فانطلقتُ مسرعًا، فناديتُ
بصوت عال: قد أخذ القوم سُميريّاتنا . فسمع أبو العباس صوتى وهو يتغدّى،
فنهض إلى سميريّته التى كانت أعدّت له ؛ وتقدّم العسكر، ولم ينتظر لحاق ١٩٥٤/٣
أصحابه ، فتبعه منهم من خف لذلك .
قال : فأدركنا الزّنج، فلمّا رأونا قذف اللّه الرّعب فى قلوبهم ، فألقوا

٥٦٢
سنة ٢٦٧
أنفسهم فى الماء ، وانهزموا فتخلّصنا (١) أصحابنا ، وحوينا يومئذ إحدى وثلاثين
سميرّيّة من سُميْريّات الزنج، وأفلت الجبائىّ فى ثلاث ◌ُسميريّات ، ورمى
أبو العباس يومئذ عن قوس كانت فى يده حتى دميت إبهامه ؛ فانصرف ؛
ولو أنا جددنا فى طلب الجبائىّ فى ذلك اليوم ظننتُ أنا أدركناه، فمنعنا من ذلك
شدّة اللغوب . ورجع أبو العباس وأكثر أصحابه بمواضعهم من فُوّهة بردودا
لم يُرْمَ أحد منهم ؛ فلمّا وافتى عسكره أمر لمن كان صحبه بالأطواق والخلع
والأسورة ، وأمر بإصلاح السميريّات المأخوذة من الزَّنج، وأمر أبا حمزة أن
يجعل مقامه بما معه من الشَّذا فى دِجْلة بحذاء خُسْرُ سابور .
ثم إنّ أبا العباس رأى أن يتوغّل فى مازروان حتى يصير إلى القرية المعروفة
بالحجّاجيّة، وينتهى إلى نهر الأمير، ويقف على تلك المواضع، ويتعرّف
الطرق التى تجتاز فيها سُميريّات الزّنج، وأمر نصيراً فقدّمه بما معه من الشَّذا
والسميريّات ، فسار نصير لذلك ؛ فترك طريق مازروان ، وقصد ناحية نهر
الأمير ، فدعا أبو العباس ◌ُسميريّته ، فركبها ومعه محمد بن شعيب ، ودخل
مازروان وهو يرى أن نصيراً أمامه ، وقال لمحمد: قدّمنى فى النهر لأعرف خبر
نُصير . وأمر الشذا والسميريّات بالمصير خلفه .
١٩٥٥/٣
قال محمد بن شعيب : فمضينا حتى قاربنا الحجّاجية، فعرضت لنا فى
النهر صلْغة (٢) فيها عشرة زنوج؛ فأسرعنا إليها، فألقى الزَّنوج أنفسهم فى الماء،
وصارت الصلغة فى أيدينا، فإذا هى مملوءة شعيراً، وأدركنا فيها زنجيًا فأخذناه ،
فسألناه عن خبر نصير وشذواته فقال : ما دخَل هذا النهر شىء من الشَّذّا
والسُّميريّات . فأصابتنا حيرة ، وذهب الزنج الذين أفلتوا من أيدينا فأعلموا
أصحابهم بمكاننا، وعرض للملاحين الذين كانوا معنا غمٌ فخرجوا لانتهابها.
قال محمد بن شعيب : وبقيتُ مع أبى العباس وحدى ، فلم نلبث أن وافانا
قائد من قوّاد الزنج ، يقال له مُنتاب، فى جماعة من الزَّنج من أحد جانبى
(١) يقال : خلصته من كذا ، أى نجيته ، مثل تخلصته .
(٢) الصلغة : السفينة الكبيرة.

٥٦٣
سنة ٢٦٧
النهر ، ووافانا من الجانب الآخر عشرة من الزَّنج ، فلما رأينا ذلك خرج
أبو العباس ، ومعه قوسه وأسهمه، وخرجتُ برمح كان فى يدى، وجعلتُ أحميه
بالرّمح وهو يرمى الزّنج، فجرح منهم زنجيّين، وجعلوا يثوبون ويكثرون،
وأدركنا زيرك فى الشَّذًا ومعه الغلمان؛ وقد كان أحاط بنا زُهاء ألفى زنحىّ
من جانبى مازروان، وكفى الله أمرهم، وردّ هم بذلةٍ وصغار، ورجع أبو العباس
إلى عسكره ، وقد غنم أصحابه من الغنم والبقر والجواميس شيئًا كثيراً، وأمر
أبو العباس بثلاثة من الملاّحين الذين كانوا معه، فتركوه(١) لانتهاب الغنم ،
فضربت أعناقهم، وأمر لمن بقى بالأرزاق لشهر ، وأمر بالنداء فى الملاّحين
ألا يبرح أحدٌ من السمير يات فى وقت الحرب؛ فمن فعل ذلك فقد حلّ دمه. ١٩٥٦/٣
وانهزم الزَّنج أجمعون حتى لحقوا بطَهينا، وأقام أبو العباس بمعسكره فى العُمر،
وقد بثّ طلائعه فى جميع النواحى . فمكث بذلك حيناً ، وجمع سليمان بن جامع
عسكره وأصحابه، وتحصّن بطهِيثا ، وفعل الشعرانىّ مثل ذلك بسوق الخميس ؛
وكان بالصّينيّة لهم جيش كثيف أيضاً، يقود أهله رجل منهم يقال له نصر السُّندىّ،
وجعلوا يُخربون كَّل مَا وجدوا إلى إخرابه سبيلا، ويحملون ما قدروا على حمله
من الغلاّت ، ويعمرون مواضعهم التى هم مقيمون بها . فوجّه أبو العباس
جماعة من قوّاده ، منهم الشاه وكمُشْجُور والفضل بن موسى بن بغا ، وأخوه
محمد على الخيل إلى ناحية الصّينيّة ، وركب أبو العباس ومعه نصير وزيرك
فى الشَّذَا والسميريّات، وأمر بخيلٌ فعبرَ بها من بَرْ مساور إلى طريق الظهر.
وسار الجيش حتى صار إلى الهُرْث ، فأمر أبو العباس بتعبير الدواب
إلى الهُرْث، فعبرت، فصارتْ إلى الجانب الغربىّ من دِجْلة، وأمَر بأن يُسلك
بها طريق دير العمال . فلما أبصر الزّنج الخيل دخلتهم منها رهبة شديدة ،
فلجئوا إلى الماء والسفن ، ولم يلبثوا أن وافتهم الشَّذَا والسميريّات ، فلم يجدوا
ملجأ واستسلموا ، فقتل منهم فريق ، وأسر فريق ، وألقى بعضهم نفسه
فى الماء . فأخذ أصحاب أبى العباس سفنهم ؛ وهى مملوءة أرزًا، فصارت فى ١٩٥٧/٣
(١) س: ((تركوه وخرجوا)).

٥٦٤
سنة ٢٦٧
أيديهم ، وأخذوا سُميريّة رئيسهم المعروف بنصر السندىّ ، وانهزم الباقون ،
فصارت طائفة منهم إلى طَهيئا وطائفة إلى سوق الخميس ، ورجع أبو العباس
غانمًا إلى عسكره ، وقد فتح الصينيّة وأجلى الزّنج عنها.
قال محمد بن شعيب : وبينا نحن فى حرب الزَّنج بالصينيّة إذ عرض
لأبى العباس كُرْكىّ طائر، فرماه بسهم، فشكّه فسقط بين أيدى الزَّنج،
فأخذوه ، فلما رأوا موضع السهم منه ، وعلموا أنه سهم أبى العباس زاد ذلك
فى رعبهم ؛ فکان سببًا لانهزامهم يومئذ .
وقد ذُکر عمن لا يُتّھم أن خبر السهم الذی رمی به أبو العباس الکرکیّ
فى غير هذا اليوم ، وانتهى إلى أبى العباس أنّ بَعْبدَسِى جيشًا عظيمًا يرأسهم
ثابت بن أبى دلف ولؤلؤ الزنجيّان، فصار أبو العباس إلى عَبْدَسى قاصدًا
للإيقاع بهما ومَنْ معهما فى خيل جريدة ، قد انتخبت من جُلد غلمانه وحماة
أصحابه ، فوافى الموضع الذى فيه جمعهم فى السَّحَر ، فأوقع بهم وقعة غليظة،
قُتِل فيها من أبطالهم، وجُلد من رجالهم خلق كثير، وانهزموا . وظفر أبو العباس
برئيسهم ثابت بن أبى دلف، فمنّ عليه واستبقاه، وضمّه إلى بعض قوّاده ،
وأصاب لؤلؤاً سهم فهلك منه ، واستنقذ یومئذ من النساء اللواتی کنّ فی أیدی
الزَّنْج خلق كثير، فأمر أبو العباس بإطلاقهن" وردّهن إلى أهلهنّ، وأخذ
كلَّ ما كان الزنج جمعوه .
ثم رجع أبو العباس إلى معسكره، فأمر أصحابه أن يُريحوا أنفسَهم ليسير
بهم إلى سوق الخميس، ودعا نصيرًا فأمره بتعبئة أصحابه للمسير إليها ، فقال
له نصير: إنّ نهر سوق الخميس ضيق، فأقم أنت وائذن لى فى المسير (١)
إليه حتى أعاينَه، فأبى أن يدّعه حتى يعاينه، ويقف على علم مايحتاج إليه منه
قبل موافاة أبيه أبى أحمد ؛ وذلك عند ورود کتاب أبى أحمد عليه بعزمه على
الانحدار.
١٩٥٨/٣
(١) من: ((لنا فى المصير)).

٥٦٥
سنة ٢٦٧
قال محمد بن شعيب : فدعانى أبو العباس ، فقال لى : إنه لا بدّ لى من
دخول سوق الخميس ، فقلت : إن كنتَ لا بدّ فاعلا ما تذكر فلا تكثر عدد
مَنْ تحمل معك فى الشَّذًا، ولا تزد على ثلاثة عشر غلاماً عشرة رماة وثلاثة
فى أيديهم الرماح ؛ فإنى أكره الكثرة فى الشَّذّا مع ضيق النهر ، فاستعدّ
أبو العباس لذلك، وسار إليه ونُصير بين يديه حتى وافَى فم بَرْمساور ، فقال
له نُصير: قدّمنى أمامك، ففعل ذلك، فدخل نُصير فى خمس عشرة شَذَاة.
واستأذنه رجل من قوّاد الموالى يقال له موسى دالجويه فى التقدّم بين يديه ،
فأذن له ، فساروسار أبو العباس حتى انتهى به مسيره إلى بَسامى ، ثم إلى فوّهة
براطق ونهر الرّق والنهر الذى ينفذ إلى رواطا وعَبْدَسى؛ وهذه الأنهار الثلاثة
تؤدّى إلى ثلاث طرق مفترقة ، فأخذ نصير فى طريق نهر براطق وهو النهر
المؤدى إلى مدينة سليمان بن موسى الشعرانىّ التى سمّاها المنيعة بسوق الخميس .
وأقام أبو العباس على فُوّهة هذا النهر، وغاب عنه نُصَير حتى خفىَ عنه خبره.
وخرج علينا فى ذلك الموضع من الزّنج خلق كثير ، فمنعونا من دخول النهر ،
وحالوا بيننا وبين الانتهاء إلى السور - وبين هذا الموضع الذى انتهينا إليه والسور
المحيط بمدينة الشعرانىّ مقدار فرسخين - فأقاموا هناك يحاربوننا ، واشتدّت
الحرب بيننا وبينهم وهم على الأرض ؛ ونحن فى السفن من أوّل النهار إلى وقت
الظهر، وخفىَ علينا خبرُ نُصَير، وجعل الزّنج يهتفون بنا: قد أخذنا نُصيرًا
فماذا تصنعون ؟ ونحن تابعوكم حيثما ذهبتم. فاغتمّ أبو العباس لما سمع منهم هذا
القول ، فأستأذنه محمد بن شعيب فى المسير ليتعرّف خبر نصير ، فأذن له،
فمضى فى ◌ُسميريّة بعشرين جذّافاً حتى وافى نصيراً أبا حمزة ، وقد قرب من
سَكْر كان الفسقة سكروه ، ووجده قد أضرم النار فيه وفى مدينتهم ، وحارب
حربًاً شديداً ورزق الظفر بهم، وكان الزّنج ظفروا ببعض شذوات أبى حمزة ،
فقاتل حتى انتزع ما كانوا أخذوا من أيديهم ، فرجع محمد بن شعيب إلى
أبى العباس، فبشره بسلامة نصير ومَنْ معه، وأخبره خبره. فسرّ بذلك وأسَرَ
نصير يومئذ من الزنج جماعة كثيرة ، ورجع حتى وافى أبا العباس بالموضع
الذى كان واقفًا به. فلمّا رجع نصير قال أبو العباس: لستُ زائلا عن موضعى ١٩٦٠/٣
١٩٥٩/٣

٥٦٦
سنة ٢٦٧
هذا حتى أراوحهم القتال فى عشىّ هذا اليوم ؛ ففعل ذلك ، وأمر بإظهار
شَذَاة واحدة من الشّذوات التى كانت معه لهم ، وأخفى باقيها عنهم ، فطمعوا
فى الشَّذّاة التى رأوها، فتبعوها، وجعل مَنْ كان فيها يسيرون سيراً ضعيفًا
حتى أدركوها ، فعلقوا بسكانها، وجعل الملاحون يسيرون حتى وافتوا المكان الذى
كانت فيه الشَّذَّوَات المكمّنة .
وقد كان أبو العباس ركب ◌ُسميريّة، وجعل الشذا خلفه ، فسار نحو
الشذاة التى علق بها الزّنج لما أبصرها، فأدركها ، والزّنج ممسكون بسكانها يحيطون
بها من جوانبها، يرمون بالنُّشاب والآجر، وعلى أبى العباس كيز تحته درع .
قال محمد : فنزعنا يومئذ من كيز أبى العباس خمساً وعشرين نُشابة ،
ونزعتُ من لُبَادَةٍ كانت علىّ أربعين نشابة، ومن لبابيد سائر الملاحين الخمس
والعشرين والثلاثين . وأظفر اللّه أبا العباس بستّ ◌ُسميريّات من ◌ُمِريّات
الزّنج ، وتخلص الشذا من أيديهم ، وانهزموا ، ومال أبو العباس وأصحابه
نحو الشّط، وخرج من الزّنج المقاتلة بالسيوف والتراس ، فانهزموا لا يلوون على
شىء للرهبة التى وصلت إلى قلوبهم ، ورجع أبو العباس سالماً غائماً ، فخلع على
الملاحين ووصلهم، ثم صار إلى معسكره بالعُمر ، فأقام به إلى أن وافى الموفّق .
٠
ولإحدى عشرة ليلةً خلت من صفر منها ، عسكر أبو أحمد بن المتوكل
بالفِرْك، وخرج من مدينة السلام يريد الشخوص إلى صاحب الزَّنْج لحربه ؛
وذلك أنه - فيما ذكر - كان اتصل به أنّ صاحب الزنج كتب إلى صاحبه على
ابن أبان المهلبيّ يأمره بالمصير بجميع من معه إلى ناحية سليمان بن جامع ،
ليجتمعا على حرب أبى العباس بن أبى أحمد ، وأقام أبو أحمد بالفِرْك أيامًا ؛
حتى تلاحق به أصحابه ومَنْ أراد النهوض به إليه ، وقد أعدّ قبل ذلك الشذا
والسُّميريّات والمعابر والسفن، ثم رحل من الفِرْك - فيما ذكر - يوم الثلاثاء
لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول فى مواليه وغلمانه وفرسانه ورجّالته فصار إلى
رومية المدائن، ثم صار منها، فنزل السِّيب ثم دَيْر العاقول ثم جَرْجَرَايا، ثم
قُنَّى، ثم نزل جَبُّل، ثم نزل الصِّح ، ثم نزل على فرسخ من واسط ، فأقام
١٩٦١/٣
٠

٥٦٧
سنة ٢٦٧
هنالك يومه وليلته، فتلقّاه ابنه أبو العبّاس به فى جريدة خيل فيها وجوه قوّاده
وجنده ، فسأله أبو أحمد عن خبر أصحابه ، فوصف له بلاءهم ونصحهم ،
فأمر أبو أحمد له ولهم بيخلع فخُلِعت عليهم ، وانصرف أبو العباس إلى معسكره
بالعُمْر، فأقام يومه . فلمّا كانت صبيحة الغد رحل أبو أحمد منحدراً فى الماء،
وتلقّاه ابنه أبو العباس بجميع مَنْ معه من الجند فى هيئة الحرب والزّىّ الذى
كانوا يلقون به أصحاب الخائن ، فجعل يسير أمامه حتى وافى عسكره بالنهر
المعروف بشيرزاد ؛ فنزل به أبو أحمد ، ثم رحل منه يوم الخميس لليلتين بقيتا
من شهر ربيع الأول ؛ فنزل على النهر المعروف بسنْداد بإزاء القرية المعروفة
بعبد اللّه، وأمرابنه أبا العباس ، فنزل شرقىّ دِجْلة بإزاء فُوّهة بردودا، وولاه
مقدّمّته ، ووضع انعطاء فأعطى الجيش ، ثم أمر ابنه بالمسير أمامه بما معه من
آلة الحرب إلى فُوّهَة بَرْ مساور . فرحل أبو العباس فى المختارين من قواده
ورجاله، منهم زِيرَك التركىّ صاحب مقدمته ، ونُصَير المعروف بأبى حمزة
صاحب الشّذا والسُّميريّات .
١٩٦٢/٣
ورحل أبو أحمد بعد ذلك فى الفرسان والرجّالة المنتخبين ، وخلّف سواد
عسكره وكثيراً من الفرسان والرّجالة بمعسكره ؛ فتلقّاه ابنه أبو العباس بأسرى
ورءوس وقتلى قتلهم من أصحاب الشعرانىّ ؛ وذلك أنه وافى عسكره الشعرانىُّ
فى ذلك اليوم قبل مجىء أبيه أبى أحمد ؛ فأوقع به وأصحابه ؛ فقتل منهم
مقتلة عظيمة ، وأسر منهم جماعة ؛ فأمر أبو أحمد بضرب أعناق الأسرى
فضُربت، ونزل أبو أحمد فوّهة بَرْ مساور، وأقام به يومين، ثم رحل يريد المدينة
التى سماها صاحب الزّنج المنيعةَ من سوق الخميس فى يوم الثلاثاء لثمانى ليال
خلوْن من شهر ربيع الآخر من هذه السنة بمن معه من الجيش وما معه من آلة
الحرب ، وسلك فى السفن فى برمساور ، وجعلت الخيل تسير بإزائه شرقىّ برمساور،
حتى حاذى النهر (١) المعروف ببراطق الذى يوصل إلى مدينة الشعرانىّ.
وإنما بدأ أبو أحمد بحرب سليمان بن موسى الشعرانىّ قبل حرب سليمان بن
جامع من أجل أن الشعرانىَّ كان وراءه ، فخاف إن بدأ بابن جامع أن يأتيه
١٩٦٣/٣
(١) ابن الأثير: ((جاوزوا)).

٥٦٨
سنة ٢٦٧
الشعرانىُّ من ورائه ، ويشغله عمّن هو أمامه ؛ فقصده من أجل ذلك ؛ وأمر
بتعبير الخيل وتصييرها على جانبى النهر المعروف بيراطق ، وأمر ابنه أبا العباس
بالتقدّم فى الشذّا والسُّميريّات، وأتبعه أبو أحمد فى الشَّذَا بعامة الجيش.
فلمّا بصر سليمان ومَنْ معه من الزّنج وغيرهم بقصد الخيل والرجّالة سائرين
على جنبى النهر ومسير الشذا والسميريّات فى النهر ، وقد لقيهم أبو العباس
قبل ذلك ، فحاربوه حربًا ضعيفة ، انهزموا وتفرَّقوا .
وعلا أصحاب أبى العباس السور ، ووضعوا السيوف فيمن لقيهم وتفرّق
الزَّنج وأتباعهم ، ودخل أصحاب أبى العباس المدينة، فقتلوا فيها خلقًا كثيراً ،
وأسروا بشراً كثيراً، وحوَّوْا ما كان فى المدينة، وهرب الشعرانىّ ومَنْ أفات
منهم معه.، وأتبعهم أصحاب أبى أحمد حتى وافَوْا بهم البطائح ، فغرق منهم
خلق كثير ، ونجا الباقون إلى الآجام ، وأمر أبو أحمد أصحابَه بالرجوع إلى
معسكرهم قبل غروب الشمس من يوم الثلاثاء ، وانصرف وقد استنقذ من
المسلمات زُهاء خمسة آلاف امرأة؛ سوى مَنْ ظَفر به من الزنجيات اللواتى
كنّ فى سوق الخميس. فأمر أبو أحمد بحياطة النساء جميعاً، وحملهنّ إلى
واسط ليُدفعن إلى أوليائهنّ . وبات أبو أحمد بحيال النهر المعروف ببراطق ،
ثم باكر المدينة من غد ، فأذن للناس (١) فى حياطة ما فيها من أمتعة الزّنج،
وأخذ ما كان فيها أجمع ، وأمر بهدم سورها وطمّ خندقها وإحراق ما كان بقىَ
فيها من السفن ، ورحل إلى معسكره ببرمساور بالظفر بما بالرساتيق والقرى
التى كانت فى يد الشعرانىّ وأصحابه من غلاّت الحنطة والشعير والأرزّ ، فأمر
يبيع ذلك ، وصرف ثمنه فى أعطيات مواليه وغلمانه وجنده وأهل عسكره .
وانهزم سليمان الشعرانىّ وأخواه ومَنْ أفات، وسُلب الشعْرانىّ ولده وما كان
بيده من مال ، ولحق بالمذار ، فكتب إلى الخائن بخبره وما نزل به واعتصامه
بالمذار .
فذكر محمد بن الحسن ، أن محمد بن هشام المعروف بأبى واثلة الكرمانىّ
(١) ابن الأثير: ((وأمر الناس)).
١٩٦٤/٣

١
٥٦٩
سنة ٢٦٧
قال : كنتُ بين يدى الخائن وهو يتحدَّث ، إذ ورد عليه كتاب سليمان
الشعرانىّ بخبر الوقعة وما نزل به ، وانهزامه إلى المذار ، فما كان إلاّ أن فضّ
الكتاب ، فوقعت عينُه على موضع الهزيمة حتى انحلّ وكاءُ بطنه ، ثم نهض
حاجته، ثم عاد. فلمّا استوى به مجلسه أخذ الكتاب وعاد يقر ؤه، فلما انتهى إلى
الموضع الذى أنهضه ، نهض حتى فعل ذلك مراراً . قال : فلم أشك فى عظم
المصيبة، وكرهتُ أن أسأله ، فلمّا طال الأمر تجاسرتُ ، فقلت : أليس هذا
كتاب سليمان بن موسى ؟ قال : نعم ، ورد بقاصمة الظَّهْر، أنّ الذين أناخوا
عليه أوقعوا به وقعة لم تبق منه ولم تَذْر؛ فكتب كتابه هذا وهو بالمَذار، ولم ١٩٦٥/٣
يسلم بشىء غير نفسه . قال : فأكبرتُ ذلك، واللّهُ يعلم مكروه ما أخفى من
السرور الذى وصل إلى قلبى، وأمسكُ مُبشراً بدنوّ الفرج. وصبرَ الخائنُ على
ما وصل إليه ، وجعل يظهر الجلد، وكتب إلى سليمان بن جامع يحذّره مثل
الذى نزل بالشعرانىّ ، ويأمره بالتيقظ فى أمره وحفظ ما قبله .
وذكر محمد بن الحسن أن محمد بن حماد قال : أقام الموفّق بعسكره
ببر مساوريومين، لتعرّف أخبار الشعرانىّ وسليمان بن جامع والوقوف على مستقرّه،
فأتاه بعضُ مَنْ كان وجّهه لذلك، فأخبره أنه معسكر بالقرية المعروفة بالحوانيت.
فأمر عند ذلك بتعبير الخيل إلى أرض كتَسْكّر فى غربىّ دِجْلة، وسار على
الظهر، وأمر بالشّذا وسفن الرجّالة فحُدّرت إلى الكثيثة، وخلّف سواد عسكره
وجمعًا كثيراً من الرجال والكُراع بفوّهة برمساور، وأمر بُغْراج بالمقام هناك ؛
فوافى أبو أحمد الصينيّة، وأمر أبا العباس بالمصير فى الشذا والسميريّات إلى
الحوانيت مخفًّا لتعرّف حقيقة خبر سليمان بن جامع فى مقامه بها ، وإن وجد
منه غِرّة أوقع به . فسار أبو العياس فى عشىّ ذلك اليوم إلى الحوانيت ، فلم
يلفِ سليمانَ هنالك، وألفتى من قوّاد السودان المشهورين بالبأس والنجدة شِبْلاً
وأبا النداء وهما من قدماء أصحاب الفاسق الذین کان استتبعهم فى بدء مخرجه .
وكان سليمان بن جامع خَلْف هذين القائدين فى موضعهما لحفظ غلات كثيرة
كانت هناك ، فحاربهما أبو العباس، وأدخل الشّذًا موضعًا ضيقاً من النهر،
فقتل مِنْ رجالهما، وجرح بالسهام خلقًا كثيراً- وكانوا أجلد رجال سليمان بن
١٩٦٦/٣

٥٧٠
سنة ٢٦٧
جامع ونخبتهم الذين يعتمد عليهم - ودامت الحرب بينهم إلى أن حجز الليل
بين الفريقين .
قال : وقال محمد بن حماد : فى هذا اليوم كان من أمرٍ أبى العباس فى
الكركىّ الذى ذكره محمد بن شعيب فى يوم الصّينيّة، وقد مرّ به سانحاً ،
قال : واستأمن فى هذا اليوم رجلٌ إلى أبى العباس ، فسأله عن الموضع الذى
فيه سليمان بن جامع ، فأخبره أنه مقيم بطهيِيثا ، فانصرف أبو العباس حينئذ
إلى أبيه بحقيقة مقام سليمان بمدينته التى سماها المنصورة ، وهى فى الموضع الذى
يعرف بطَهِيثا، وأن معه هنالك جميع أصحابه غير شبل وأبى النداء ؛ فإنهما
بموضعهما من الحوانيت لما أمِروا بحفظه . فلما عرف ذلك أبو أحمد ، أمر
بالرّحيل إلى بردودا؛ إذ كان المسلك إلى طهييثا منه ؛ وتقدّم أبو العباس فى
الشَّذَا والسمسيريّات، وأمر من خلّفه ببرمساور أن يصيروا جميعًا إلى بردودا.
ورحل أبو أحمد فى غد ذلك اليوم الذى أمر أبا العباس فيه بما أمره به إلى بردودا،
وسار إليها يومين ؛ فوافاها يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع
الآخر سنة سبع وستين ومائتين، فأقام بها يصلح ما يحتاج إلى إصلاحه(١)
من أمر عسكره ، وأمر بوضع العطاء وإصلاح سفن الجسور(٢) ليحدرها معه ،
واستكثر من العمال والآلات التى تُسَدّ بها الأنهار ، وتُصلح بها الطرق
للخيل، وخلّف ببردودا بُغْرَاج التركىّ، وقد كان لمّا عزم على الرجوع إلى
بردودا أرسل إلى غلام له يقال له جعلان وكان مخلّفًا مع بغراج فى عسكره ،
فأمر بقلع المضارب وتقديمها مع الدواب المخلّفة قَِّله والسلاح إلى بردودا، فأظهر
جعلان ما أمر به فى وقت العشاء الآخرة ، ونادى فى العسكر والناس غارّون ،
فألقِى فى قلوبهم أنّ ذلك لهزيمة كانت. فخرجوا على وجوههم، وترك الناس
أسواقتَهم وأمتعتَّهم، ظنًّا منهم أن العدوّ قد أظلّهم، ولم يلوِ منهم أحد على
أحد ، وقصدوا قصد الرجوع إلى عسكرهم ببردودا ، وساروا فى سواد ليلتهم
تلك ، ثم ظهر لهم بعد ذلك حقيقة الخبر ، فسكنوا واطمأنّا .
١٩٦٧/٣
(١) ب: ((صلاحه)).
(٢) س: ((السفن الجسور)).

٥٧١
سنة ٢٦٧
وفى صفر من هذه السنة كان بين أصحاب كَيْغَلغ التركىّ وأصحاب
أحمد بن عبد العزيز بن أبى دلف وقْعة بناحية قَرْماسين، فهزمهم كَيْغَلَغ،
وصار إلى همذان ، فوافاه أحمد بن عبد العزيز فيمن قد اجتمع من أصحابه
فى صفر ، فحاربه فانهزم كيغتَلَغ، وانحاز إلى الصّيْمرة .
٠
وفى هذه السنة لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر دخل أبو أحمد وأصحابه
طَهِيشا ، وأخرجوا منها سليمان بن جامع، وقُتِل بها أحمد بن مهدىّ الجبّائىّ.
ذكر الخبر عن سبب دخول
أبى أحمد وأصحابه طَهِيثا ومقتل الجبائىّ
١٩٦٨/٣
ذكر محمد بن الحسن أن محمّد بن حماد حدّثه أن أبا أحمد لما أعطى
أصحابه ببردودا، فأصلح ما أراد إصلاحه من عُدّةِ حرب مَنْ قصد
لحربه فى مخرجه ، سار متوجها إلى طهِيثا ؛ وذلك يوم الأحد لعشر بقين من
شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين ومائتين، وكان مسيره على الظهر فى خَيْله .
وحُدِّرت السفن بما فيها من الرّجّالة والسلاح والآلات، وحُدِّرت
المعابر والشّذوات والسُّميريّات، إلى أن وافى بها النهر المعروف
بمَهْرُوذ بحضرة القرية المعروفة بقرية الجوزيّة، فنزل أبو أحمد هناك،
وأمر بعقد الجسر على النهر المعروف بمتَهْروذ، وأقام يومه وليلته . ثم غدا فعبَّر
الفرسان والأثقال بين يديه على الجسر، ثم عبر بعد ذلك ، وأمر القوّاد والناس
بالمسير إلى طَهِيئا ، فصاروا إلى الموضع الذى ارتضاه أبو أحمد لنفسه
منزلاً على ميلين من مدينة سليمان بن جامع ، فأقام هنالك بإزاء أصحاب الخائن
يوم الاثنين والثلاثاء لثمان بقين من شهر ربيع الآخر، ومطر السماء مَطَراً
جَوْدا، واشتدّ البرد أيام مقامه هنالك ، فشغيل بالمطر والبرد عن الحرب ،
فلم يحارب هذه الأيام وبقية الجمعة . فلما كان عشية يوم الجمعة ركب أبو أحمد
فى نفر من قوّاده وموالیه لارتیاد موضع مجال الخیل ، فانتهى إلى قريب من سور

٥٧٢
١٩٦٩/٣
١٩٧٠/٣
سنة ٢٦٧
سليمان بن جامع ، فتلقّاه منهم جمع كثير . وخرج عليه كُمناء من مواضع
شتى ، ونشبت الحرب واشتدّت ؛ فترجّل جماعة من الفرسان ، ودافعوا حتى
خرجوا عن المضايق التى كانوا وغاوها ، وأسير من غلمان أبى أحمد وقوّاده
غلام يقال له وصيف عَلْمدار وعدّة من قوّاد زِيرَك ، ورمى أبو العباس
أحمد بن مهدىّ الجبائىّ بسهم فى إحدى منخریه، فخرق كلّ شيء وصل
إليه حتى خالط دماغه ، فخرّ صريعاً ، وحُميل إلى عسكر الخائن وهو
مآبه، فعظُمت المصيبة به عليه؛ إذ كان أعظَمَ أصْحابه غِنَّىّ عنه، وأشدّ هم
بصيرةً فى طاعته، فمكث الجبائىّ يعالج أيامًا، ثم هلك ، فاشتدّ جزع الخائن
عليه، فصار إليه، فوليسِىَ غسله وتكفينه والصلاة عليه والوقوف على قبره إلى أن
دفن ، ثم أقبل على أصحابه فوعظَهم ، وذكر موت الجبائىّ . وكانت وفاته
فى ليلة ذات رعود وبروق . وقال فيما ذكر : علمتُ وقت قَبْض روحه قبل
وصول الخبر إليه بما سمع من زّجَل الملائكة بالدّعاء له والترحُم عليه .
قال محمد بن الحسن : فانصرف إلىّ أبو واثلة - وكان فيمن شهده -
فجعل يُعجّبنى مما سمع ، وجاءنى محمد بن سمعان فأخبرنى بمثل خبر محمد
ابن هشام ، وانصرف الخائن من دفن الجبائىّ منكسراً عليه الكآبة .
قال محمد بن الحسن : وحدثنى محمد بن حماد أنّ أبا أحمد انصرف من
الوقعة التى كانت عشيّة يوم الجمعة لأربع ليال بقين من شهر ربيع الآخر ،
وكان خبره قد انتهى إلى عسكره ، فنهض إليه عامة الجيش ، فتلقوْه منصرفًا ،
فردّ هم إلى عسكره ؛ وذلك فى وقت المغرب؛ فلمّا اجتمع أهلُ العسكر أميروا
بالتحارس ليلتّهم والتأهّب للحرب ، فأصبحوا يوم السبت لثلاث بقِين من
شهر ربيع الآخر ؛ فعبّأ أبو أحمد أصحابه ، وجعلهم كتائب يتلُو بعضُها
بعضًا؛ فرسانًا ورجّالة، وأمر بالشَّذَا والسميريَّات أن يُسار بها معه فى النهر
الذى يشقّ مدينة طَهِيئا المعروف بنهر المُنذر، وسار نحو الزَّنْج حتى انتهى
إلى سور المدينة ، فرتّب قُوّاد غلمانه فى المواضع التى يخاف خروج الزَّنج
عليه منها ، وقدّم الرحّالة أمام الفرسان، ووكّل بالمواضع التى يخاف خروج
الكُمنَاء منها ، ونزل فصلى أربع ركعات، وابتهل إلى الله عزّ وجلّ فى النصر

٥٧٣
سنة ٢٦٧
له وللمسلمين . ثم دعا بسلاحه فلبسه، وأمر ابنه أبا العباس بالتقدّم إلى السور
وتحضيض الغلمان على الحرب ، ففعل ذلك ؛ وقد كان سليمان بن جامع أعدّ
أمام سور مدينته التى سماها المنصورة خندقًا ، فلمّا انتهى إليه الغلمان تهيبوا
عبورَه، وأحجموا عنه، فحرّضهم قوّادُهم وترجلوا معهم، فاقتحموه متجاسرين
عليه ، فعبروه ، وانتهوا إلى الزَّنْج وهم مشرفون من سور مدينتهم ، فوضعوا
السلاح فيهم ، وعبرت شِرْذمة من الفرسان الخندق خوضًا .
١٩٧١/٣
فلمّا رأى الزَّج خبر هؤلاء القوم الذين لقوهم وكرّهم (١) عليهم ولّوْا
منهزمين ، وأتبعهم أصحاب أبى أحمد ، ودخلوا المدينة من جوانبها . وكان
الزَّنج قد حصنوها بخمسة خنادق ، وجعلوا أمام كلّ خندق منها سورًا يمتنعون
به ، فجعلوا يقفون عند كلّ سور وخندق إذا انتهوا إليه ، وجعل أصحاب
أبى أحمد يكشفونتَهم فى كلّ موقف وقفوه، ودخلت الشَّذا والسميريّات
مدينتهم من النهر المشقق لها بعد انهزامهم ، فجعلت تغرق كلَّ مامرّت لهم به
من شذاة وُسميرّيّة، وأتبعوا مَنْ بحافتى النهر، يُقتلون ويُؤسرون ، حتى
أجدُوا عن المدينة وعمّاً اتصل بها ، وكان زهاءُ ذلك فرسخًا ، فحوى أبو أحمد
ذلك كله ، وأفلت سليمان بن جامع فى نفر من أصحابه ، فاستحرّ القتل فيهم
والأسر ، واستنقَذ أبو أحمد من نساء أهل واسط وصبيانهم ومما اتصل بذلك
من القُرى ونواحى الكوفة زُهاء عشرة آلاف . فأمر أبو أحمد بحياطتهم
والإنفاق عليهم، وحملوا إلى واسط، ودُفعوا إلى أهليهم. واحتوى أبو أحمد وأصحابه
على كلّ ما كان فى تلك المدينة من الذخائر والأموال والأطعمة والمواشى،
وكان ذلك شيئاً جليل القدر ، فأمر أبو أحمد ببيع ما أصاب من الغلاّت وغير
ذلك ، وحمله إلى بيت ماله ، وصرفه فى أعطيات من فى عسكره من مواليه
وجنوده ، فحملوا من ذلك ما تهيّأ لهم حمله ، وأسر من نساء سليمان وأولاده
عدّة، واستُنقِذ يومئذ وصيف عَلْمدار ومَنْ كان أسِر معه عشيّة يوم
الجمعة ، فأخرجوا من الحبس ، وكان الأمر أعجل الزَّنج عن قتلهم ، ولجأ
١٩٧٢/٣
(١) س: ((وجرأتهم)).
1

٥٧٤
سنة ٢٦٧
جمع كثير ممن أفلت إلى الآجام المحيطة بالمدينة . فأمر أبو أحمد فعُقد جِسرٌ
على هذا النهر المعروف بالمنذر ، فعبر الناس إلى غربيه ، وأقام أبو أحمد
بطهِيثا سبعة عشر يومًا ، وأمر بهدم سور المدينة وطمّ خنادقها ، ففعل ذلك ،
وأمر بتتبع مَنْ لجأ إلى الآجام، وجعل لكل مَنْ أتاه برجل منهم جُعْلاً ،
فتسارع الناس إلى طلبهم؛ فكان إذا أتىَ بالواحد منهم عفا عنه ، وخلع عليه
وضمتّه إلى قوّاد غلمانه لما دبّر من استمالتهم وصرفهم عن طاعة صاحبهم ،
وندب أبو أحمد نُصيراً فى الشَّذًا والسميريّات لطلب سليمان بن جامع والهرب
معه من الزنج وغيرهم ، وأمره بالجِدّ فى اتباعهم حتى يجاوز البطائح ، وحتى
يلج دجلة المعروفة بالعوراء، وتقدّم فى فتح الكُور التى كان الفاسق أحدثها ،
ليقطع بها الشذا عن دجلة فيما بينه وبين النهر المعروف بأبى الخصيب، وتقدّم
إلى زيرَك فى المقام بطَهِيئا ليتراجع إليها الذين كان الفاسق أجلاهم عنها من
أهلها، وأمره بتتبع مَنْ بَقِىَ فى الآجام من الزّنج حتى يظفر بهم.
#
وفى شهر ربيع الآخر منها ماتت أم حبيب بنت الرّشيد . ورحل أبو أحمد
بعد إحكامه ما أراد إحكامه إلى معسكره(١) ببَرْدُودا، مزِمعًا على التوجّه(٢)
نحو الأهواز ليصلحها؛ وقد كان اضطرب أمرُ المهلبيّ وإيقاعه بمن أوقع عليه
من الجيوش التى كانت بها وغلبته على أكثر كُورها ، وقد كان أبو العباس
تقدّمه فى مسيره ذلك. فلما وافَى بردودا أقام أيامًا، وأمر بإعداد ما يحتاج
إليه للمسير على الظهر إلى كُور الأهواز، وقدِمَ مَنْ يصلح الطريق(٣) والمنازل،
ويعدّ فيها المِيسَر للجيوش التى معه، ووافاه قبل أن ترحّل عن واسط زيرك
منصرفًا عن طهيئا، بعد أن تراجع إلى النواحى التى كان بها الزّنج أهلُها ،
وخلّفهم آمنين. فأمره أبو أحمد بالاستعداد والانحدار فى الشَّذَا والسُّميريَّات
فى نخبة أصحابه وأنجادهم ، ليصير بهم إلى دِجْلة العوراء ، فتجتمع يدُه
١٩٧٣/٣
(١) س: ((عسكره))
(٣) س: ((الطرق)).
(٢) س: ((التوجيه)).

٥٧٥
سنة ٢٦٧
ويد أبى حمزة على نفض دِجْلة واتباع المنهزمين من الزَّنْج والإيقاع بكلّ
مَن لقوا من أصحاب الفاسق، إلى أن ينتهىَ بهم السير إلى مدينته بنهر
أبى الخصيب، وإن رأوا موضع حرب حاربوه فى مدينته، وكتبوا بما كان منهم
إلى أبى أحمد ليردّ عليهم من أمره ما يعملون بحبسه. واستخلف أبو أحمد على
من خلّف فى عسكره بواسط ابنه هارون، وأزمع على الشخوص فيمن خفّ
من رجاله وأصحابه ، ففعل ذلك بعد أن تقدّم إلى ابنه هارون فى أن يحدّر
الجيش الذى خلّفه معه فى السفن إلى مستقرّه بد جلة إذا وافى كتابه بذلك
#
وفى يوم الجمعة لليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة - وهى سنة ١٩٧٤/٣
سبع وستين ومائتين . ارتحل أبو أحمد من واسط شاخصاً إلى الأهواز وكورها،
فنزل باذ بين ثم جوخَى ثم الطِّيب ثم قُرقوب ثم درستان ثم على وادى السوس ،
وقد كان عنقد له عليه جسر، فأقام به من أوّل النهار إلى آخر وقت الظهر ،
حتى عبّر أهلَ عسكره أجمع ، ثم سار حتى وافَى السوس ، فنزلها - وقد
كان أمر مسرورًا -وهو عامله على الأهواز - بالقدومعليه، فوافاه فى جيشهوقوّاده
من غد اليوم الذى نزل فيه السوس ، فخلع عليه وعليهم ، وأقام السوس ثلاثاً .
وكان ممن أسِرَ بطَهِيئا من أصحاب الفاسق أحمد بن موسى بن سعيد
البصرىّ المعروف بالقَلُوص، وكان أحد عُدَده وقدماء أصحابه ، أسر بعد
أن أثخن جراحًا كانت منها منيّته ؛ فلمّا هلك أمر أبو أحمد باحتزاز رأسه
ونصبه على جسر واسط .
وكان ممن أسير يومئذ عبد الله بن محمد بن هشام الكَرْمانىّ؛ وكان الخبيث
اغتصبه أباه ، فوجهه إلى طهيئا، وولاه القضاء والصَّلاة بها. وأسير من السودان
جماعةٌ كان يعتمد عليهم ، أهل نجدة وبأس وجلد ؛ فلما اتصل به الخبر
بما نال هؤلاء انتقض عليه تدبيرُه، وضلَّت حِيله، فحمله فَرْط الهلع على
أن كتب إلى المهلبيّ وهو يومئذ مقيم بالأهواز فى زهاء ثلاثين ألفًا مع رجل كان
صحيبه ، يأمره بترك كلّ ما قبله من الميسر والأثاث، والإقبال إليه ؛ فوصل

٥٧٦
١٩٧٥/٣
١٩٧٦/٣
٢٦٧ سنة
الكتاب إلى المهلبيّ وقد أتاه الخبر بإقبال أبى أحمد إلى الأهواز وكُوَرِها ، فهو
لذلك طائر العقل ، فترك جميع ما كان قبله ، واستخلف عليه محمد بن يحيى
ابن سعيد الكَرْنبائىّ، فدخيل قلبُ(١) الكرنباتىّ من الوَجل، فأخلى ما استُخلِف
عليه، وتبع المهلّىّ؛ ويُحُبَّى والأهواز ونواحيها يومئذ من أصناف الحبوب والتمر
والمواشى شيء عظيم ، فخرجوا عن ذلك كله .
وكتب أيضًا الفاسق إلى بَهْبوذ بن عبد الوهاب، وإليه يومئذ عمل الفَنْدم
والباسيان وما اتّصل بهما من القُرى التى بين الأهواز وفارس ، وهو مقيم
بالفَنْدم، يأمره بالقدوم عليه ، فترك بتهبوذ ما كان قبله من الطعام والتمر -
وكان ذلك شيئًا عظيمًا - فحوى جميع ذلك أبو أحمد، فكان ذلك قوةً له
على الفاسق ، وضعفًا للفاسق .
ولَمّا فصل المهلبيّ عن الأهواز تفرّق أصحابُه فى القرى التى بينها وبين
عسكر الخبيث فانتهبوها، وأجْلَوْا عنها أهلها، وكانوا فى سلْمهم، وتخلّف
خلْق كثير ممّن كان مع المهلىّ من الفرسان والرجّالة عن اللحاق به ، فأقاموا
بنواحى الأهواز ، وكتبوا يسألون أبا أحمد الأمان لما انتهى إليهم من عفوه عمّن
ظفر به من أصحاب الخبيث بطهِيثا ، ولحق المهلبيّ ومَنْ اتبعه من أصحابه
بنهر أبى الخصيب .
وكان الذى دعا الفاسق إلى أمر المهلبيّ وبهبوذ بسرعة المصير إليه خوفُه
موافاة أبى أحمد وأصحابه إياه على الحال التى كانوا عليها من الوَجَل وشدّة
الرّعب مع انقطاع المهلبيّ وبهبوذ فيمن كان معهما عنه ، ولم يكن الأمر
كما قدّر .
وأقام أبو أحمد حتى أحرز ما كان المهلبيّ وبهبوذ خلّفاه ، وفُتِحت
السكور التى كان الخبيث أحدثها فى دِجْلة ، وأصلحت له طرقه ومسالكه
ورحل أبو أحمد عن السوس إلى جند يسابور، فأقام بها ثلاثاً ؛ وقد كانت
الأعلاف ضاقت على أهل العسكر ، فوجه فى طلبها ، وحملها ورحل عن
(١) دخل قلبه ، أى دخله الاضطراب.

٥٧٧
سنة ٢٦٧
جند يسابور إلى تُسْتَرَ، وأمر بجباية الأموال من كُور الأهواز، وأنفذ إلى كلّ
كورة قائداً ليُرُوج بذلك حمل الأموال . ووجّه أحمد بن أبى الأصبغ إلى محمد
ابن عبيد اللّه الكردىّ، وقد كان خائفًا أن يأتيه صاحب الفاسق قبل موافاة
أبى أحمد كور الأهواز، وأمره بإيناسه وإعلامه ما عليه رأيُه من العفو عنه، والتغمّد
لزلته ، وأن يتقدّم إليه فى تعجيل حمل الأموال والمسير إلى سوق الأهواز ، وأمر
مسروراً البلخىّ عامله بالأهواز بإحضار مَنْ معه من الموالى والغلمان والجند
ليعرضهم، ويأمر بإعطائهم الأرزاق، وينهضهم (١) معه لحرب الخبيث .
فأحضرهم، وعُرضوا رجلا رجلا، وأعطُوا. ثم رحل إلى عسكر مُكْرَم ، فجعله
منزلا اجتازه(٢). ورحل منه فوافى الأهواز، وهو يرى أنه قد تقدّمه إليها من
الميرة ما يحمل عساكره . فغلُظ الأمر فى ذلك اليوم ، واضطرب له الناس
اضطرابًا شديدًاً ، وأقام ثلاثة أيام ينتظر ورود المِيَر؛ فلم تَرِدٍ ، فساءت
أحوال الناس ، وكاد ذلك يفرّق جماعتهم ، فبحث أبو أحمد عن السبب
المؤخّر ورودها ، فوجد الجند قد كانوا قطعوا قنطرة قديمة أعجمية كانت
بين سوق الأهواز ورامَ هرمز يقال لها قنطرة أربُك، فامتنع التجار ومن يحمل
الميرة من تطرُّقه لقطع تلك القنطرة . فركب أبو أحمد إليها وهى على فرسخين
من سُوق الأهواز ، فجمع مَنْ كان بقىَ فى العسكر من السودان، وأمرهم بنقل
الحجارة والصّخْر لإصلاح هذه القنطرة وَبَذَل لهم الأموال الرغيبة، فلم يرِمْ
حتى أصلحت فى يومه ذلك ، ورُدّت إلى ما كانت عليه . فسلكها الناس ،
ووافت القوافل بالمِيَر ، فحيى أهل العسكر ، وحسنت أحوالهم .
١٩٧٧/٣
وأمر أبو أحمد بجمع السفن لعقد الجسر على دُجيل ، فجمعت من كُور
الأهواز وأخذ فى عقد الجسر ، وأقام بالأهواز أيامًا حتى أصلح أصحابُه
أمورهم ، وما احتاجوا من آلاتهم ، وحسُنت أحوال دوابُهم ، وذهب عنها
ما كان نالها من الضرّ بتخلف الأعلاف ، ووافت كتب القوم الذين كانوا
تخلّفوا عن المهلبيّ ، وأقاموا بسوق الأهواز يسألونه الأمان ؛ فآمنهم، فأتاه نحو
(١) س: ((وينهض)).
(٢) س: ((اختاره)).

٥٧٨
سنة ٢٦٧
من ألف رجل ، فأحسن إليهم ، وضمهم إلى قُوّاد غلمانه ، وأجرى لهم
الأرزاق ، وعقد الجسر على دُجيل، فرحل بعد أن قدّم جيوشه ، فعبر الجسر،
وعسكر بالجانب الغربىّ من دُجيل فى الموضع المعروف بقصر المأمون، فأقام
هنالك ثلاثاً؛ وأصابت(١) الناس فى هذا الموضع من الليل زازلة هائلة، وقَى
اللّه شرّها ، وصرف مكروهها .
وقد كان أبو أحمد قبل عبور الجسر المعقود على دجيل قدّم أبا العباس
ابنه إلى الموضع الذى كان عزم على نزوله من دِجِئْلة العوراء ، وهو الموضع
المعروف بنهر المبارك من فُرات البصرة ، وكتب إلى ابنه هارون بالانحدار فى
جميع الجيش المتخلف معه إلى نهر المبارك أيضًا لتجتمع العساكر هناك ،
فرحل أبو أحمد عن قصر المأمون ، فنزل بقُورَج العباس ، ووافاه أحمد بن
أبى الأصبغ هنالك بما صالح عليه محمد بن عبيد اللّه وبهدايا أهداها إليه من
دوابٌ وضوارٍ وغير ذلك . ثم رحل عن القورَج ، فنزل بالجعفرية ، ولم يكن
بهذه القرية ماء إلا من آبار كان أبو أحمد تقدّم بحفرها فى عسكره ، وأنفذ
لذلك سعداً الأسود مولى عبيد الله بن محمد بنعمار من قورج العباس ، فحُفرت،
فأقام بهذا الموضع يومًا وليلة ، وألفى هناك مِيرًا مجموعة ، واتّسع الناس بها،
وتزوّدوا منها .
ثم رحل إلى الموضع المعروف بالبشير ، وألفى فيه غديراً من المطر ، فأقام
به یومًا وایلة، ورحل فی آخر الليل يريد نهر المبارك ، فوافاه بعد صلاة الظهر ،
وكان منزلا بعيد المسافة؛ وتلقّاه ابناه أبو العباس وهارون فى طريقه ، فسلّما
عليه ، وسارا بسيره حتى ورد نهر المبارك ، وذلك يوم السبت للنصف من رجب
سنة سبع وستين ومائتين .
وكان ليزيرك ونصير فى الذى كان أبو أحمد وجّه فيه زيرك من تتبّع فلّ
الخبيث من طَهَيثا أثرٌ فيما بين فصول أبى أحمد من واسط إلى حال مصيره
إلى نهر المبارك ؛ وذلك ما ذكره محمد بن الحسن عن محمد بن حماد ، قال :
(١) س: ((وأصاب)).
١٩٧٨/٣

٥٧٩
سنة ٢٦٧
لمّا اجتمع زيرك ونصير بدِ جْلة العوراء انحدرا حتى وافيا الأبُلّة، فاستأمن ١٩٧٩/٣
إليهما رجل من أصحاب الخبيث ، فأعلمهما أن الخبيث(١) قد أنفذ عدداً
كثيراً من السُّميريّات والزّواريق والصلاغ مشحونة بالزَّنج، يرأسهم رجل من
أصحابه ، يقال له محمد بن إبراهيم، يكنى أبا عيسى، ومحمد بن إبراهيم هذا
رجل من أهل البصرة ، كان جاء به رجل من الزّنج عند خراب البصرة يقال
له يسار، كان على شُرْطة الفاسق ، فكان يكتب ليسار على ما كان يلى حتى
مات، وارتفعت حال أحمد بن مهدى الجبائىّ عند الخبيث ، فولاً، أكثر
أعمالِهِ ، وضمّ محمد بن إبراهيم هذا إليه، فكان كاتبه إلى أن هلك الجبائىّ -
فطمع محمد بن إبراهيم هذا فى مرتبته ، وأن يحلّه الخبيث محلّ الجبائىّ، فنبذ
الدواة والقلم، ولبس آلة الحرب ، وتجرّد للقتال، فأنهضه الخبيث فى هذا
الجيش، وأمره بالاعتراض فى دجلة لمدافعة مَنْ يردُها من الجيوش، فكان
فى دجلة أحيانًا، وأحيانًا يأتى بالجمع الذى معه إلى النهر المعروف بنهر يزيد،
ومعه فى ذلك الجيش شِبْل بن سالم وعمرو المعروف بغلام بوذى وأجلاد من
السودان وغيرهم ، فاستأمن رجل كان فى ذلك الجيش إلى زيرك ونُصير ، وأخبرهما
خبره ، وأعلمهما أن محمد بن إبراهيم على القصد لسواد عسكر نُصَير ، ونصير
يومئذ معسكر بنهرالمرأة، وأنهم على أن يسلكوا الأنهار المعترضة على نهر معقيل ١٩٨٠/٣
وبشْق شيرِين، حتى يوافوا الموضع المعروف بالشرطة ، ليخرجرا من وراء العسكر
فيكبُوا على طرفيْه ؛ فرجع نصير عند وصول هذا الخبر إليه من الأبُلّة مبادرًا
إلى معسكره ، وسارزيرك قاصداً لبَثْق شيرين؛ حتى صار من مؤخّرة فى
موضع يعرف بالميشان ؛ وذلك أنه قدّر أن محمد بن إبراهيم ومن معه يأتون عسكر
نُصير من ذلك الطريق ؛ فكان ذلك كما ظنّ ، ولقيهم فى طريقهم فوهب
اللّه له العلوّ عليهم بعد صبر منهم له ومجاهدة شديدة ؛ فانهزموا ولجئوا إلى النهر
الذى كانوا وضعوا الكمين فيه، وهو نهر يزيد، فدُلّ زيرك عليهم، فتوغّلت
عليهم سميريّاته وشذواته، فقتل منهم طائفة، وأسر طائفة؛ وكان ممن ظفر به
منهم محمد بن إبراهيم المكنى أبا عيسى وعمرو المعروف بغلام بوذى ، وأخذ
(١) س : أن أصحاب الخبيث.

٥٨٠
سنة ٢٦٧
ما كان معهم من السُّميريّات، وذلك نحو من ثلاثين ◌ُسميريّة ، وأفلت شبل
فى الذين نجوا ، فلحق بعسكر الخبيث ، وخرج زيرك من بَثْق شيرين ظافراً
ومعه الأسارى ورءوس من قتل مع ما حوى من السميريّات والزّواريق وسائر
السفن ، فانصرف زيرك من دِجْلة العَوْراء إلى واسط ؛ وكتب إلى أبى أحمد
بما كان من حربه والنصر والفتح.
١٩٨١/٣
وكان فيما كان من زيرك فى ذلك وصول الجزّع إلى كلّ مَنْ كان بدِجْلة
وكُورها من أتباع الفاسق ، فاستأمن إلى أبى حمزة وهو مقيم بنور المرأة منهم
زهاء ألفى رجل- فيما قيل- فكتب بخبرهم إلى أبى أحمد، فأمره بقبولهم وإقرارهم
على الأمان وإجراء الأرزاق عليهم ، وخلطهم بأصحابه ومناهضته العدوّ بهم .
و کان زیرك مقیمًا بواسط إلیحین و رود کتاب أبى أحمد على ابنه هارون
بالمصير بالجيش المتخلِّف معه إلى نهر المبارك ، فانحدر زيرك مع هارون ،
وكتب أبو أحمد إلى نصير وهو بنهر المرأة يأمره بالإقبال إليه إلى نهر المبارك ،
فوافاه هنالك؛ وكان أبو العباس عند مصيره(١) إلى نهر المبارك انحدر إلى
عسكر الفاسق فى الشَّذا والسُّميريّات، فأوقع به فى مدينته بنهر أبى الخصيب.
وكانت الحرب بينه وبينهم من أوّل النهار إلى آخر وقت الظهر ، واستأمن
إليه قائد من قوّاد الخبيث المضمومين كانوا إلى سليمان بن جامع ، يقال له
منتاب ، ومعه جماعة من أصحابه ؛ فكان ذلك مما كسر الخبيث وأصحابه ،
وانصرف أبو العباس بالظَّفَرَ ، وخلع على منتاب ووصله وحمله ، ولمّا لّىّ
أبو العباس أباه أعلمه خبر منتاب ، وذكر له خروجه إليه بالأمان ، فأمر
أبو أحمد لمنتاب بخِلْعة وصلة وحُملان، وكان منتاب أوّل مَنْ استأمن
من قوّاد الزَّنج .
ولما نزل أبو أحمد نهر المبارك يوم السبت للنصف من رجب سنة سبع
وستين ومائتين ، كان أول ما عمل به فى أمر (٢) الخبيث - فيما ذكر محمد بن
الحسن بن سهل ، عن محمد بن حمّاد بن إسحاق بن حمّاد بن زيد - أن
(١) س: ((مصيرهم)).
(٢) س: ((أمور)).