النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ سنة ٢٦٤ ابن بنا . فلما كان يوم الثلاثاء لثمان خلَوْن من ذى الحجة يوم التّروية عَبَر أهلُ عسكر أبى أحمد إلى عسكر المعتمد ، وأطلق سليمان بن وهب ، ورجع المعتمد إلى الجوْسق ، وهرب الحسن بن مخلّد وأحمد بن صالح بن شيرزاد ، وكتب فى قبض أموالهما وأموال أسبابهما ، وحبس أحمد بن أبى الأصبغ ، وهرب القوّاد المقيمون كانوا بسامرًا إلى تكريت، وتغيّب أبو موسى بن المتوكل، ثم ظهر. ثم شخص القوّاد الذين كانوا صاروا إلى تكريت إلى الموصل ، ووضعوا أيديهم فى الجباية . ٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمىّ الكوفىّ. ٥٤٢ ثم دخلت سنة خمس وستین ومائتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث ٠ ٠ ٠ [ذكر الوقعة بین أحمد بن ليثويه وسليمان قائد الزنج ] فمن ذلك ما كان من وقعة كانت بين أحمد بن لَيْثويه وسليمان بن جامع قائد صاحب الزَّنج بناحية جُنْبُلاء . ١٩٢٨/٣ . ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسببها : ذكر أن سلمان بن جامع کتب إلى صاحب الزَّنج ، يخبره بحال نهر يعرف بالزهيرىّ، ويسأله الإذن له فى النفقة على إنفاذ كَرْبِهِ إلى سَوَاد الكوفة والبرار، ويُعلمه أنّ المسافة فى ذلك قريبة، وأنه متى أنفذه تهيأ له بذلك حتَمْل كلّ ما بنواحى جُنْبُلاء وسواد الكوفة من المِيرة (١). فوجّه الخبيث بذلك رجلاً يقال له محمد بن يزيد البصرىّ ، وكتب إلى سليمان بإزاحة علله فى المال والإقامة معه فى جيشه إلى وقت فراغه ، مما وُجّه له، فضى سليمان بجميع جيشه حتى أقام بالشريطيّة نحواً من شهر، وألقى الفعلة فى النهر ؛ وخلال ذلك ما كان سليمان يتطرّق ما حوله من أهل خُسْرُ سابور؛ وكانت الميرة تتّصل به من ناحية الصين وما والاها إلى أن واقعه ابن لسَيْئويه عامل أبى أحمد على جُنْبُلاء، فقتل له أربعة عشر قائداً . قال محمد بن الحسن: قتل سبعة وأربعين قائداً وخَلْقًا من الخلق لا يحصى كثرة، واستبيح عسكره، وأحرِقت سفنه، وكانت مقيمةً فى هذا النهر الذى كان مقيماً على إنفاذه ، فمضى مفلولا حتى وافى طهيئا ، فأقام بها ، ووافى الجُبَائِىُّ فى عقب ذلك ، ثم أصعد فأقام بالموضع المعروف ببرّتمرتا، واستخلف (١) ب: ((الرحلة)). ٥٤٣ سنة ٢٦٥ على الشَّدَ وَات الاشتيام الذى يقال له الزنجىّ بن مهربان ، وقد كان السلطان ١٩٢٩/٣ وجّه نُصيراً لتقييد شامرْج ، وحمْله إلى الباب ، وتقلّد ما كان يتقلّده، فوافى نصير الزّنجىّ بن مهربان بعد حمله شامرج مقيّداً بنهر برتمرتا ، وأخذ منه تسع شَذَوَات ، واستردّ الزنجىّ منها سنًّا. قال محمد بن الحسن : أنكر جبّاش أن يكون الزّنجىّ بن مهربان استرد" من الشَّذَوَات شيئًا، وزعم أنّ نصيراً ذهب بالشَّوات أجمع، وانصرف إلى طَهينا، وبادر بالكتاب إلى سليمان، ووافاه. فأقام سليمان بطهيئا إلى أن اتّصل به خبر إقبال الموفق . وفيها أوقع أحمد بن طولون بسيما الطويل بأنطاكية ، فحصره بها ، وذلك فى المحرّم منها ، فلم يزل ابن طولون مقيمًا عليها حتى افتتحها ، وقتل سيما . وفيها وثب القاسم بن مماه بدُ لَف بن عبد العزيز بن أبى دُلف بأصبهان، فقتله. ثم وثب جماعة من أصحاب 'دُلف على القاسم، فقتلوه ورأسوا عليهم أحمد بن عبد العزيز . وفيها لحق محمد المولّد بيعقوب بن الليث، فصار إليه ، وذلك فى المحرّم منها ، فأمر السلطان بقبض أمواله وعقاراته . وفيها قتلت الأعراب جُعلان المعروف بالعيّاربد ممّاً، وكان خرج تبذْ رقة قافلة ، فقتلوه ؛ وذلك فى جمادى الأولى ؛ فوجّه السلطان فى طلب الذين قتلوه جماعةً من الموالى ، فهرب الأعراب ، وبلغ الذین شخصوا فى طلبهم عين التّمر، ثم رجعوا إلى بغداد ، وقد مات منهم من البرد جماعة ؛ وذلك أنّ البرد اشتدّ فى تلك الأيام ودام أياماً ، وسقط الثلج ببغداد . وفيها أمرأبو أحمد بحيس سليمان بن وهب وابنه عُبيد الله، فحبسا وعدة من أسبابهم فى دار أبى أحمد ، وانتهبت دور عدّة من أسبابه ، ووكل يحفظ دارى سليمان وابنه عبيد اللّه، وأمر بقبض ضياعهما وأموالهما وأموال ١٩٣٠/٣ (١) ب: ((شاموح)). ٥٤٤ سنة ٢٦٥ أسبابهما وضياعهم خلا أحمد بن سليمان . ثم صولح سليمان وابنه عبيد الله على تسعمائة ألف دينار، وصيِّرا فى موضع يصل إليهما من أحبّاً . وفيها عسكر موسى بن أنامش وإسحاق بن كُنْداجيق وبنغجور بن أرخُوز والفضل بن موسى بن بغا بباب الشماسيّة، ثم عبروا جسر بغداد، فصاروا إلى السفينتين، وتبعهم أحمد بن الموفّق ، فلم يرجعوا ، ونزلوا صَرْصَر . وفيها استكتب أبو أحمد صاعد بن مخلد ؛ وذلك لاثنتى عشرة بقيت من جمادى الآخرة ، وخلع عليه ، فمضى صاعد إلى القوّاد بصرصَر ، ثم بعث أبو أحمد ابنه أحمد إليهم ، فناظرهم فانصرفوا معه فخلع عليهم . وفيها خرج - فيما ذكر - خمسة من بطارقة الرّوم فى ثلاثين ألفاً من الروم إلى أذنة ، فصاروا إلى المصلى (١). ١٩٣١/٣ وأسروا أرخوز - وكان وإلى الثغور - ثم عُزِل ، فرابط هناك فأسر، وأسر معه نحوٌ من أربعمائة رجل، وقتلوا ممّن نفر إليهم نحواً من ألف وأربعمائة رجل ، وانصرفوا اليوم الرابع، وذلك فى جُمادى الأولى منها . وفى رجب منها عسكر موسى بن أتامش وإسحاق بن كُنْدَ اجيق وبنغجور ابن أرخوز بنهر دَيَالی . وفيها غلب أحمد بن عبد الله الخُجُستانىّ على نيسابور، وصار الحسين ابن طاهر عامل محمد بن طاهر إلى مَرْو، فأقام بها وأخو شركب الجمّال بين الحسين والخُجستانىّ أحمد بن عبد اللّه. وفيها أخرِبت طوس . وفيها استورز إسماعيل بن بلبُل . وفيها مات يعقوب بن الليث بالأهواز وخلفه أخوه عمرو بن الليث؛ وكتب عمرو إلى السلطان بأنه سامع له ومطيع ؛ فوجّه إليه أحمد بن أبى الأصبغ فى ذى القعدة منها . (١) ب: ((الموصل)). ٥٤٥ سنة ٢٦٥ وفيها قتلت جماعة من أعراب بنى أسد على بن مسرور البلخىّ بطريق مكة قبل مصيره إلى المُغيثة ، وكان أبو أحمد ولى محمد بن مسرور البلخىّ طريق مكة ، فولاه أخاه علىّ بن مسرور . وفيها بعث ملك الروم بعيد اللّه بن رشيد بن كاوس الذى كان عامل الثغور فأس، إلى أحمد بن طولون مع عِدّة من أسراء المسلمين وعِدّة مصاحف هدية منه له . وفيها صارت جماعة من الزّنج فى ثلاثين ◌ُسمَيرية إلى جَبُّل، فأخذوا أربع سفن فيها طعام ، ثم انصرفوا . ١٩٣٢/٣ وفيها لحق العباس بن أحمد بن طولون مع مَنْ تبعه ببرْقة، مخالفًا لأبيه أحمد، وكان أبوه أحمد استخلفه - فيما ذكر - على عمله بمصر لمّا توجّه إلى الشأم؛ فلما انصرف أحمد عن الشأم راجعًا إلى مصر حمل العباس ما فى بيت مال مصر من الأموال ، وما كان لأبيه هناك من الأثاث وغير ذلك . ثم مضى إلى بَرْقة، فوجّه إليه أحمد جيشًا، فظفروا به وردّ وه إلى أبيه أحمد ، فحبسه عنده ، وقُتِل لسبب ما كان منه جماعةٌ كانوا شايعوا ابنَه على ذلك . وفيها دخل الزَّنج النعمانيّة ، فأحرقوا سوقتها ، وأكثر منازل أهلها ، وسَبوا، وصاروا إلى جَرْجُمَرَايا، ودخل أهلُ السواد بغداد . وفيها ولّى أبو أحمد عمرو بن الليث خُراسان وفارس وأصبهان وسِجْستان وكَرْمان والسند ، وأشهد له بذلك ، ووجّه بكتابه إليه بتوليته ذلك مع أحمد ابن أبى الأصبغ، ووجّه إليه مع ذلك العهد والعقد والخلع . وفى ذى الحجة منها صارمسرور البلخىّ إلى النيل ، فتنحى عنها عبد الله ابن ليْثوْيه فى أصحاب أخيه ، وقد أظهر الخلاف على السلطان ، فصار ومَنْ معه إلى أحمد أياذ ، فتبعهم مسرور البلخىّ يريد محاربتهم ؛ فبدر (١) عبداللّه ابن ليثوْيه ومَنْ كان معه، فترجلوا لمسرور، وانقادوا له بالسمع والطاعة، ١٩٣٣/٣ (١) س: ((فندر)). ٥٤٦ سنة ٢٦٥ وعبد الله بن ليثويْه نزع سيفه ومنطقته فعلقهما فى عُنُقه ، يعتذر إليه ، ويحلف أنه حمل على ما فعل، فقبل منه، وأمر فخلع عليه وعلى عدّة من القوّاد معه . [ ذ کر خبر شخوص تكين البخارى إلى الأهواز] وفيها شخص تكين البخارىُّ إلى الأهواز مقدّمة لمسرور البلخىّ . • ذكر الخبرعمّا كان من أمر تكين بالأهواز حين صار إليها : ذكر محمد بن الحسن أنّ تكين البخارىّ ولآه مسرور البلخىّ كور الأهواز حینولاً، أبو أحمد عليها، فتوجه تکین إليها، فوافاها،وقد صار إليها علىّ بن أبان المهلِىّ، فقصد تُسْتَرَ (١)، فأحاط بها فى جَمْع كثير من أصحابه الزَّنج وغيرِ هم ؛ فراع ذلك أهلها ، وكادوا أن يُسلموها ، فوافاها تكين فى تلك الحال ، فلم يضع عنه ثياب السَّفَر ؛ حتى واقع علىّ بن أبان وأصحابه ؛ فكانت الدَّبْرَة على الزَّج ، فقتلوا وهُزِموا وتفرّقوا ، وانصرف علىّ فيمن بقى معه مفلولاً مدحوراً، وهذه وقعة باب كُودَك المشهورة . ورجع تكين البخارىّ ، فنزل تُسْتَرَ، وانضمّ إليه جمعٌ كثير من الصعاليك وغيرهم ، ورحل إليه علىّ بن أبان فى جمع كثير من أصحابه ، فنزل شرقى المسرُقان ، وجعل أخاه فى الجانب الغربيّ فى جماعة من الخيل، وجعل رجّالة الزّنج معه، وقدم جماعة من قوّاد الزَّنج؛ منهم أنكلويه وحسين المعروف بالحمامىّ وجماعة غيرهما (٢)، فأمرهم بالمقام بقنطرة فارس . وانتهى الخبر بما دبّره علىّ بن أبان إلى تكين ، وكان الذى نقل إليه الخبر غلامًا يقال له وصيف الرومىّ، وهرب إليه من عسكر علىّ بن أبان ، فأخبره بمقام هؤلاء القوم بقنطرة فارس ، وأعلمه تشاغلتهم بشرب النبيذ وتفرّق أصحابهم(٣) فی جمع الطعام ، فسار إليهم تکین فی الليل فی جمع من أصحابه، فأوقع بهم ؛ فقتل من قوّاد الزّنج أنكلويه والحسين المعروف بالحمّامىّ ومفرّج (٣) ب: ((أصحابه)). (٢) س: ((غيرهم)). (١) س: ((لتستر)). ١٩٣٤/٣ ٥٤٧ سنة ٢٦٥ المكنى أبا صالح وأندرون ، وانهزم الباقون ، فلحقوا بالخليل بن أبان، فأعلموه ما نزل بهم ؛ وسار تكين على شرقىّ المسرُقان حتى لقىَ علىّ بن أبان فى جمعه، فلم يقف له علىّ وانهزم عنه، وأسر غلام لعلىّ من الخيالة يعرف بجَعْفَرَوْيه، ورجع علىّ والخليل فى جمعهما إلى الأهواز، ورجع تكين إلى تُسْتَرَ ، وكتب على بن أبان إلى تكين يسأله الكفَّ عن قتل جعفرويه . فحبسه ، وجرت بين تكين وعلىّ بن أبان مراسلات وملاطفات ، وانتهى الخبر بها إلى مسرور ، فأنكرها. وانتهى إلى مسرور أنّ تكين قد ساءت طاعته ، وركن إلى علىّ بن أبان ومايله . قال محمد بن الحسن : فحدّثنى محمد بن دينار ، قال : حدّثنى محمد ابن عبد الله بن الحسن بن علىّ المأمونىّ الباذغيسىّ - وكان من أصحاب تكين البخارىّ - قال: لمّا انتهى إلى مسرور الخبر بالتیاثتکین علیه توقف(١) حتى عرف صحة أمره ، ثم سار يريد كُور الأهواز وهو مظهرٌ الرضا عن تكين والإحماد لأمره، فجعل طريقه على شابَرْزان، ثم سارمنها حتى وافى السوس، وتكين قد عرف ما انتهى إلى مسرور من خبره ، فهو مستوحش من ذلك ومن جماعة کانت تبعته عند مسرور من قوّاده ، فجرت بین مسرور وتکین رسائل حتى أمنَ تكين، فصار مسرور إلى وادى تُسْتّر، وبعث إلى تكين ، فعبر إليه مسلّما، فأمر به فأخذ سيفه ، ووُكّلَ به؛ فلما رأى ذلك جيش تكين انفضُّوا من ساعتهم ، ففرقة منهم صارت إلى ناحية صاحب الزّنج ، وفرقة صارت إلى محمد بن عبيد اللّه الكردىّ. وانتهى الخبر إلى مسرور، فبسط الأمان لمن بقى من جيش تتكين ، فلحقوا به . ١٩٣٥/٣ قال محمد بن عبد الله بن الحسن المأمونىّ: فكنت أحد الصائرين إلى عسكر مسرور، ودفع مسرورتكين إلى إبراهيم بن جُعْلان ، فأقام فى يده محبوساً ، حتى وافاه أجلُه فتوفِّىَ . وکان بعض أمر مسرور وتکین الذی ذ کرناه فى سنة خمس وستين ، وبعضه فى سنة ست وستين . (١) ب: ((فوقف)). ٥٤٨ سنة ٢٦٥ وحجّ بالناس فى هذه السنة هارون بن محمد بن إسحق بن موسى بن عيسى الهاشمى . وفيها كانت موافاة المعروف بأبى المغيرة بن عيسى بن محمد المخزومى متغلّباً بزنج معه على مكة . ١٩٣٦/٣ ٥٤٩ ثم دخلت سنة ست وستین ومائتین ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من تولية عمرو بن الليث عبيد الله بن عبد الله بن طاهر خلافتَه على الشرْطة ببغداد وسامُرًا فى صفر، وخلع أبى أحمد عليه ، ثم مصير عبيد الله بن عبد اللّه إلى منزله ، فخلع عليه فيه خلعة عمرو بن الليث ، وبعث إليه عمرو بعمود من ذهب . وفى صفر منها غلب أساتكين على الرّىّ، وأخرج عنها طَلَمَجُور العامل كان عليها، ثم مضى هو وابنه أذكوتكين إلى قَزْوين ، وعليها أبرون أخو كيفتلغ، فصالحاه ودخلا قتَزْوين، وأخذا محمد بن الفضل بن سنان العجلىّ ، فأخذا أمواله وضياعه، وقتله أساتكين. ثم رجع إلى الرّىّ ، فقاتله أهلها فغلبهم ودخلها . وفيها وردت سريّة من سرايا الرّوم تلَّ بَسْمَى من ديار ربيعة، فقتلَتْ ١٩٣٧/٣ من المسلمين، وأسرّتْ نحواً من مائتين وخمسين إنسانًا، فنفر أهلُ نَصِيبين وأهل الموصِل ، فرجعت الروم . وفيها مات أبو الساج بجندْ يسابور فى شهر ربيع الآخر ، منصرفًا عن عسكر عمرو بن الليث إلى بغداد، ومات قبله فى المحرّم منها سليمان بن عبد الله ابن طاهر . وولى عمرو بن الليث فيها أحمد بن عبد العزيز بن أبى 'دلف، أصبهان . وولّى فيها محمد بن أبى الساج الحرمين وطريق مكة . وفيها ولَّىَ أغرتمش ما كان تكين البخارىّ يليه من عمال الأهواز ، فسار أغرتمش إليها، ودخلها فى شهر رمضان، فذكر محمد بن الحسن أن مسروراً وجّه أغرتمش وأبّا ومَطَر بن جامع لقتال علىّ بن أبان، فساروا حتى انتهوْا إلى تُسْتَر ، فأقاموا بها، واستخرجوا من كان فى حبس تكين ، وكان فيه جعفرويه فى جماعة من أصحاب قائد الزَّنج ، فقتلوا جميعًا. وكان مطر بن ٥٥٠ ١٩٣٨/٣ ستة ٢٦٦ جامع المتولّى قتلهم، ثم ساروا حتى وافَوْا عسكر مكرَم ، ورحل إليهم علىّ ابن أبان ، وقدّم أمامه إليهم الخليل أخاه ، فصار إليهم الخليل ، فواقفهم وتلاه علىّ، فلما كثر عليهم جمْع الزَّج ، قطعوا الجسر وتحاجزوا ، وجنَّهم الليل، فانصرف علىّ بن أبان فى جميع أصحابه ، فصار إلى الأهواز ، وأقام الخليل فيمن معه بالمسرُّقان، وأتاه الخبر بأن أغرتمش وأبدًا ومَطَر بن جامع قد أقبلوا نحوه، ونزلوا الجانب الشرقى من قنطرة أربُك ليعبروا إليه ، فكتب الخليل بذلك إلى أخيه علىّ بن أبان، فرحل علىّ إليهم(١) حتى وافاهم بالقنطرة ، ووجّه إلى الخليل يأمره بالمصير إليه، فوافاه وارتاع مَنْ كان بالأهواز من أصحاب علىّ، فقلعوا عسكره ، ومضوْاً إلى نهر السَّدرة، ونشبت الحرب بين علىّ بن أبان وقوّاد السلطان هناك؛ وكان ذلك يومهم ، ثم تحاجزوا . وانصرف علىّ بن أبان إلى الأهواز، فلم يجد بها أحداً ، ووجد أصحابه أجمعين قد لحقوا بنهر السِّدرة ، فوجّه إليهم مَنْ يردّهم ، فعسر ذلك عليه فتبعهم ، فأقام بنهر السُّدرة، ورجع قوّاد السلطان حتى نزلوا عسكر مكرم ؛ وأخذ علىّ ابن أبان فى الاستعداد لقتالهم. وأرسل إلى بهبوذ بن عبد الوهاب ، فأتاه فيمن معه من أصحابه ، وبلغ أغرتمش وأصحابه ما أجمع عليه من المسير إليهم علىّ ، فساروا نحوه ، وقد جعل علىّ بن أبان أخاه على مقدّمّته، وضمّ إليه بْهُوذ وأحمد بن الزَّرَنجىّ، فالتقى الفريقان بالدُّولاب. فأمر علىّ الخليل بن أبان أن يجعل بَهْبُوذ كمينًا، فجعله. وسار الخليل حتى لقىَ القوم ، ونشب القتال بينهم ، فكان أوّل نهار ذلك اليوم لأصحاب السلطان ، ثم جالوا جَوْلة وخرج عليهم الكمين ، وأكبّ الزّنج إكبابةً، فهزموهم، وأسير مطر بن جامع ، صُرعَ عن فرس كان تحته، فأخذه بهبوذ، فأتى به عليًّا ، وقتل سيما المعروف بصغراج فى جماعة من القوّاد . ولمّا وافى بهبوذ عليًّا بمطر، سأله مطر استبقاءه، فأبى ذلك علىّ، وقال: لو كنت أبقيت على جعفرويه لأبقينا عليك . وأمر به فأدْنِىَ إليه ، فضرب عنقه بيده . ١٩٣٩/٣ (١) س: ((عن المهر)). ٥٥١ سنة ٢٦٦ ودخل علىّ بن أبان الأهواز، وانصرف أغرتمش وأبًّا فيمن أفلت معهما ، حتى وافيا تُسْتَرَ، ووجّه علىّ بن أبان بالرعوس إلى الخبيث، فأمر بنصبها على سُور مدينته . قال : وكان على بن أبان بعد ذلك يأتى أغرتمش وأصحابه، فتكون الحرب بينهم سجالاً عليه وله، وصرّف الخبيث أكثر جنوده إلى ناحية علىّ بن أبان، فكثروا على أغرتمش ، فركن إلى الموادعة ، وأحبّ علىّ بن أبان مثل ذلك ، فتهادنًا. وجعل علىّ بن أبان يُغير على النواحى، فمن غاراته مصيره إلى القرية المعروفة ببيرُوذ ، فظهر عليها ، ونال منها غنائم كثيرة ، فكتب بما كان منه من ذلك إلى الخبيث، ووجّه بالغنائم التى أصابها وأقام . ٠ وفيها فارق إسحاق بن كُنْدَ اجيق عسكر أحمدبن موسى بن بُغا؛ وذلك أن أحمدبن موسى بن بغا لمّا شخص إلى الجزيرة ولّى موسى بن أتامش ديار ربيعة ، فأنكر ذلك إسحاق، وفارق عسكره لسبب ذلك ، وصار إلى بلد ، فأوقع بالأكراد اليعقوبية فهزمهم، وأخذ أموالهم فقوى بذلك ، ثم لقى ابن مساور الشارئ فقتله . وفى شوّال منها قَتََّل أهلُ حِمْص عاملهم عيسى الكرخىّ . وفيها أسر لؤلؤ غلام أحمد بن طولون موسى بن أتامش؛ وذلك أنّ لؤلؤًا كان مقيماً برابية بنى تميم ، وكان موسى بن أتامش مقيماً برأس العين ، فخرج ليلاً سكران ليكبسهم، فكمنوا له(١)، فأخذوه أسيراً، وبعثوا به إلى الرّقة. ثم لقى لؤلؤ أحمدَ بن موسى وقوّاده ومَنْ معهم من الأعراب فى شوّال ، فهزم لؤلؤ، وقُتل من أصحابه جماعة كثيرة ، ورجع ابن صفوان العُقَلىّ. والأعراب إلى ثقل عسكر أحمد بن موسى لينتهبوه ، وأكبّ عليهم أصحاب لؤلؤ، فبلغت هزيمة المنفلت منهم قرقيسِيا ، ثم صاروا إلى بغداد وسامرًا ، فوافوْها فى ذى القعدة ، وهرب ابنُ صفوان إلى البادية . ١٩٤٠/٣ (١) ب : عليهم . ٥٥٢ سنة ٢٦٦ وفيها كانت بين أحمد بن عبد العزيز بن أبى 'دُلف وبكتمر وَقْعة؛ وذلك فى شوّال منها ، فهزم أحمد بن عبد العزيز بكتمر فصار إلى بغداد . وفيها أوْقَعَ الحُجُستانىّ بالحسن بن زيد بجُرجان على غِرّة من الحسن ، فهرب منه الحسن ، فلحق بآمُل، وغلب الحُجُسْتَانىّ على جُرجان وبعض أطراف طَبَرِستان ؛ وذلك فى جمادى الآخرة منها ورجب . وفيها دعا الحسن بن محمد بن جعفر بن عبد اللّه بن حسن الأصغر العقيقى أهل طبرستان إلى البَيْعة له ؛ وذلك أنّ الحسن بن زيد عند شخوصه إلى جُرجان كان استخلفهَ بسارية، فلمّا كان من أمر الحُجُستانىّ وأمر الحسن ما كان بجُرجان، وهرب الحسن منها، أظهر العقيقىّ بسارية أنّ الحسن قد أسِرّ؛ ودعا من قبله إلى بيعته ، فبايعه قومٌ، ووافاه الحسن بن زيد فحاربه ، ثم احتال له الحسن حتى ظفر به فقتله . وفيها نهب الجُجستانىّ أموالَ تجار أهل جُرجان؛ وأضرم النار فى البلد. وفيها كانت وقعة بين الحُجْستانىّ وعمرو بنالليث،علافيها الخجستانىّ على عمرو وهزمه ، ودخل نيسابور، فأخرج عامل عمرو بها عنها ، وقتل جماعة مما كان يميل إلى عمرو بها . ١٩٤١/٣ ٠ ٠ [ ذكر الخبر عن الفتنة بين الجعفرية والعلوية] وفيها كانت فتنة بالمدينة ونواحيها بين الجعفرّية والعلويّة. • ذكر الخبر عن سبب ذلك : وكان سببُ ذلك - فيما ذكر - أنّ القيم" بأمر المدينة ووادى القرى ونواحيها كان فى هذه السنة إسحاق بن محمد بن يوسف الجعفرىّ ، فولى وادى القرى عاملاً من قبَله، فوثَب أهلُ وادى القُرى على عامل إسحاق بن محمد ، فقتلوه ، وقتلوا أخوين لإسحاق ، فخرج إسحاق إلى وادى القُرى، فمرض به ومات. فقام بأمر المدينة أخوه موسى بن محمد ، فخرج عليه الحسن بن موسى بن ٥٥٣ سنة ٢٦٦ جعفر ، فأرضاه بثمانمائة دينار . ثم خرج عليه أبو القاسم أحمد بن إسماعيل ابن الحسن بن زيد ، ابن عمّ الحسن بن زيد صاحب طَبرستان ؛ فقتل موسى، وغلب على المدينة . وقدمها أحمد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد، فضبط المدينة؛ وقد كان غلا بها السعر ، فوجّه إلى الجار، وضمن للتجار أموالهم ، ورفع الجباية ؛ فرخُص السعر ، وسكنت المدينة ، فولّى السلطان الحسنىّ المدينة إلى أن قدمها ابنُ أبى الساج . وفيها وثبت الأعراب على كسوة الكعبة ، فانتهبوها ، وصار بعضُها إلى صاحب الزَّنج، وأصاب الحاجّ فيها شدّة شديدة . وفيها خرجت الرّوم إلى ديارربيعة، فاستنفر الناس، فنفروا فى برد ووقت ١٩٤٢/٣ لا يمكنُ الناس فيه دخول الدّرب . وفيها غزا سيما خليفة أحمد بن طولون على الثغور الشامية فى ثلثمائة رجل من أهل طَرَسُوس، فخرج عليهم العدوّ فى بلاد هَرقلة ، وهم نحو من أربعة آلاف، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل المسلمون من العدوّ خَلْفاً كثيراً، وأصيب من المسلمين جماعة كثيرة . وفيها كانت بين إسحاق بن كُنْدَاجيق وإسحاق بن أيوب وقْعة ، هزم فيها ابن كنداجيق إسحاق بن أيوب ، فألحقه بنصيبين، وأخذ ما فى عسكره ، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة ، وتبعه ابن كُنْدَ اجيق ، وصار إلى نصیبین، فدخلها ، وهرب إسحاق بن أيوب منه، واستنجد علیه عيسى ابن الشيخ وهو بآمد وأبا المتغراء بن موسى بن زرارة ؛ وهو بأزْرَن ، فتظاهروا على ابن كُنْدَاجيق ، وبعث السلطان إلى ابن كُنْدَاجيق بخلع ولواء على الموصل وديار ربيعة وأرمينية مع يوسف بن يعقوب ، فخلع عليه ، فبعثوا يطلبون الصّلح ، ويبذلون له مالاً على أن يُقِرّهم على أعمالهم مائی ألف دينار . وفيها وافى محمد بن أبى الساج مكة ، فحاربه ابن المخزومىّ ، فهزمه ابن ٥٥٤ سنة ٢٦٦ أبى الساج ، واستباح ماله ؛ وذلك يوم التروية من هذه السنة . وفيها شخص كيفَلغ إلى الجبل، ورجع بكتمر إلى الدِّينور . ... [ ذكر خبر دخول أصحاب قائد الزنج رامهرمز ] وفيها دخل أصحاب قائد الزنج رَآَ مَهُرْمُزْ . ١٩٤٣/٣ · ذكر الخبر عن سبب مصيرهم إليها : قد ذكرنا قبلُ ما كان من أمر محمد بن عبيد الله الكردى وعلىّ بن أبان صاحب الخبيث ، حين تلاقيًا على صلْح منهما ، فذُكِرٍ أنّ عليًّا كان قد احتجن على محمد ضغْنًا فى نفسه ؛ لما كان فى سفره ذلك؛ وکان یرصده بشر، وقد عرف ذلك منه محمد بن عبيد اللّه ، وكان يروم النَّجاة منه ؛ فكاتبَ ابنَ الخبيث المعروف بأنكلاى ، وسأله مسألة الخبيث ضمّ ناحيته إليه لتزول يد علىّ منه، وهاداه، فزاد ذلك علىّ بن أبان عليه غيظًا وحسنَقًا؛ فكتب إلى الخبيث يعرّفه به ، ويصحّح عنده أنه مصرّ على غدره ، ويستأذنه فى الإيقاع به ، وأن يجعل الذّريعة إلى ذلك مسألته حمل خراج ناحيته إليه ، فأذن له الخبيث فى ذلك، فكتب علىّ إلى محمد بن عبيد اللّه فى حَمْل المال ، فلواه به ، ودافعه عنه ، فاستعدّ له علىّ، وسار إليه، فأوقع برامهرمُز، ومحمدُ بن عبيد الله يومئذ مقيمٌ بها ، فلم يكن لمحمد منه امتناع ، فهرب ودخل علىّ رامهرمُز، فاستباحها، ولحق محمد بن عبيد اللّه بأقصى معاقله من أرْبَقَ والبيلم ، وانصرف علىّ غانمًاً ، وراع ما كان من ذلك من على محمداً ، فكتب يطلب المسألة ، فأنهى ذلك علىّ إلى الخبيث، فكتب إليه يأمره بقبول ذلك ، وإرهاق محمد بحمثل المال ، فحمل محمد بن عبيد اللّه مائتى ألف درهم ، فأنفذها علىّ إلى الخبيث ، وأمسك عن محمد بن عبيد اللّه وعن أعماله . ١٩٤٤/٣ ٠ ٠ ٠ [ ذكر الخبر عن وقعة أكراد داربان مع صاحب الزنج] وفيها كانت وقعةٌ لأكراد الدار بان مع زَنْج الخبيث ، هُزِموا فيها وقُلُّوا . سنة ٢٦٦ ٥٥٥ ذكر الخبر عن سبب ذلك : ٠ ◌ُذكر عن محمد بن عبيد الله بن أزارْ مَسَرْد أنه كتب إلى علىّ بن أبان بعد حمله إليه المالَ الذى ذكرنا مبلغه قبلُ ، وكفٍّ علىّ عنه وعن أعماله ، يسأله المعونة على جماعة من الأكراد كانوا بموضع يقال له الداربان ، على أن يجعل له ولأصحابه غنائمهم . فكتب علىّ إلى الخبيث يسأله الإذن له فى النهوض لذلك ، فكتب إليه أن وجِّه الخليل بن أبان وبهبوذ بن عبد الوهاب ، وأقِمْ أنت، ولا تنفذ جيشك حتى تتوثّق من محمد بن عبيد الله برهائن تكون فى يدك منه ، تأمن بها من غدره فقد وترتّه ، وهو غير مأمون على الطلب بثأره . فكاتب علىّ محمّدَ بن عبيدالله بما أمره به الخبيث، وسأله الرهائن، فأعطاه محمد ابن عبد الله الأيمان والعهود، ودافعه على الرهائن. فدعا عليًّا الحِرْصُ على الغنائم التى أطمعه فيها محمد بن عبيد اللّه إلى أن أنفذ الجيش ، فساروا ومعهم رجال محمد بن عبيد الله ؛ حتى وافوا الموضع الذى قصدوا له ، فخرج إليهم أهله، ونشبت الحرب ، فظهر الزّنج فى ابتداء الأمر على الأكراد ، ثم صدّقهم الأكراد ، وخذلهم أصحاب محمد بن عبيد الله ، فتصدّعوا وانهزموا مفلولين مقهورين ؛ وقد كان محمد بن عبيد الله أعدّ لهم قوميًا أمرهم بمعارضتهم إذا انهزموا، فعارضوهم وأوقعوا بهم، ونالوا منهم أسلابًا، وأرجلوا (١) طائفة منهم عن دوابّهم فأخذوهاً ، فرجعوا بأسوإ حال ، فكتب المهلبيّ إلى الخبيث بما نال أصحابه . فكتب إليه يعنّفه، ويقول: قد كنتُ تقدّمت إليك ألاّ تركز إلى محمد ابن عبيد الله، وأن تجعل الوثيقة بينك وبينه الرّهائن، فتركتَ أمرى، واتبعتَ هواك ، فذاك الذى أرداك وأردى جيشك . ١٩٤٥/٣ وكتب الخبيث إلى محمد بن عبيد الله، أنه لم يخف علىّ تدبيرُك على جيش علىّ بن أبان ، ولن تعدم الجزاء على ما كان منك . فارتاع محمد بن عبيد اللّه مما ورد به عليه كتاب الخبيث ، وكتب إليه بالتضرّع والخضوع ، ووجّه بما كان أصحابه أصابوا من خيل أصحاب علىّ (١) س: ((أرحلوا)). ٥٥٦ ١٩٤٦/٣ سنة ٢٦٦ حيث عورضوا وهم منهزمون، فقال: إنى صرتُ بجميع مَنْ معى إلى هؤلاء القوم الذين أوقعوا بالخليل وبَهْبُوذ، فتوعّدتهم وأخفتهم ، حتى ارتجعت هذه الخيل منهم ، ووجّهت بها . فأظهر الخبيث غضبًا ، وكتب إليه يتهدده يجيش كثيف يرميه به ، فأعاد محمد الكتاب بالتضرّع والاستكانة ، فأرسل إلى بَهْبُوذ، فضمن له مالاً، وضمن لمحمد بن يحيى الكرِمانىّ مثل ذلك ، ومحمد بن يحيى يومئذ الغالب على علىّ بن أبان ، والمصرّف له برأيه ، فصار بسَهْبُوذ إلى علىّ بن أبان ، وظاهره محمد بن يحيى الكيرْ مانىّ على أمره حتى أصلحا رأى علىّ فى محمد بن عبيد اللّه وسلاَّما فى قلبه من الغَيْظ والحَنَق عليه ، ثم مضيا إلى الخبيث . ووافق ذلك ورودُ كتاب محمد بن عبيد اللّه عليه ، فصوّبا وصعّدا حتى أظهر لهما الخبيث قبولَ قولهما، والرجوعَ لمحمد بن عبيد الله إلى ما أحبّ ، وقال : لست قابلاً منه بعد هذا إلا أن يخطب لى على منابر أعماله. فانصرف بھبُوذ والکرمانیّ بمافارقهما علیه الخبيث، و کتبا به إلى محمد ابن عبيد اللّه، فأصدر جوابه إلى كلّ ما أراده الخبيث ، وجعل يُراوغ عن الدّعاء له على المنابر. وأقام علىّ بعد هذا مدّة، ثم استعدّ لمَتّوث، وسار إليها ؛ فرامها فلم يطقها لحصانتها وكثرة مَنْ يدافع عنها من أهلها ، فرجع خائبًا ، فاتّخذ سلاليم وآلات ليرقى بها السور ، وجمع أصحابه واستعدّ . وقد كان مسرور البلخىّ عرف قصدَ علىَّ مَتُّوث، وهو يومئذ مقيمٌ بكُور الأهواز. فلما عاود المسيرَ إليها ، سار إليه مسرور ، فوافاه قبيل غروب الشمس ، وهو مقيم عليها؛ فلما عاين أصحاب علىّ أوائل خيل مسرور، انهزموا أقبحَ هزيمة ، وتركوا جميع آلاتهم التى كانوا حملوها ، وقتل منهم جمع كثير ، وانصرف علىّ بن أبان مدحوراً، ولم يلبث بعد ذلك إلاّ يسيرا حتى تتابعت الأخبار بإقبال أبى أحمد ، ثم لم يكن لعلىّ بعد رجوعه من متُّوث وقعة حتى فتحت سوق الخميس وطهيئا على أبى أحمد ، فانصرف بكتاب ورد عليه من الخبيث يحفزه فيه حفزًا شديداً بالمصير إلى عسكره . ١٩٤٧/٣ ٠ ٠ وحجّ بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بنموسى بن عيسى الهاشمی الکوفی". ٥٥٧ ثم دخلت سنة سبع وستين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فما كان فيها من ذلك حبس السلطان محمد بن طاهر بن عبد الله وعدّة من أهل بيته بعقب هزيمة أحمد بن عبد الله الخُجُستانىّ عمرو بن الليث وتهمة عمرو بن الليث محمد بن طاهر بمكاتبة الخُجْستانىّ والحسين بن طاهر، ودعا الحسين والحجستانىّ لمحمد بن طاهر على منابر خراسان . [ذكرخبر غلبة أبى العباس بن الموفق على سليمان بن جامع] وفيها غلب أبو العباس بن الموفّق على عامة ما كان سليمان بن جامع صاحب قائد الزنج غلب عليه من قرى كور دجلة كَعَبْدَسِى ونحوها . • ذكر الخبر عن سبب غلبة أبى العباس على ذلك، وما كان من أمره وأمر الزّنج فى تلك الناحية : ذكر محمد بن الحسن أنّ محمد بن حماد حدّثه أن الزَّنج لمّا دخلوا واسطاً وكان منهم بها ما قد ذكرناه قبلُ، واتَّصل الخبر بذلك إلى أبى أحمد بن المتوكل ندب ابنته أبا العباس للشخوص إلى ناحية واسط لحرب الزّنج ، فخفّ لذلك أبو العباس . فلما حضر خروج أبى العباس ركب أبو أحمد إلى بستان موسى الهادى فى شهر ربيع الآخر سنة ست وستين ومائتين ، فعرض أصحاب أبى العباس ، ووقف على عدّتهم ؛ فكان جميع الفرسان والرّجّالة عشرة آلاف رجل فى أحسن زِىّ وأجمل هيئة وأكمل عيدّة، ومعهم الشَّذا والسُّمَرِيّات والمعابر للرجّالة ؛ كل ذلك قد أحكمت صنعته . فنهض أبو العباس من بستان الهادى ، وركب أبو أحمد مشيِّعًا له حتى نزل الفِرْك ، ثم انصرف . وأقام أبو العباس بالفِرْك أيامًا ، حتى تكاملت عندده ، وتلاحق أصحابه ، ١٩٤٨/٣ ٥٥٨ ١٩٤٩/٣ سنة ٢٦٧ ثم رحل إلى المدائن ، وأقام بها أيضًا، ثم رحل إلى دير العَاقُول. قال محمد بن حمّاد : فحد ثنى أخى إسحاق بن حماد وإبراهيم بن محمد ابن إسماعيل الهاشمىّ المعروف ببُريه، ومحمد بن شعيب الاشتيام، فى جماعة كثيرة ممن صحب أبا العباس فى سفره- دخل حديث بعضهم فى حديث بعض- قالوا: لمّا نزل أبو العباس دير العاقول، ورد عليه كتاب نُصير المعروف بأبى حمزة صاحب الشذّا والسمَيَريّات، وقد كان أمضاه على مقدّمته ، يعلمه فيه أن سليمان بن جامع قد وافتى فى خيل ورجّالة وشذوات وسميريّات، والجبائىّ يقدمه، حتى نزل الجزيرة التى بحضرة بردودا، وأن سليمان بن موسى الشعرانىّ فد وافى نهر أبان برجّالة وفرسان وسُميريّات، فرحل أبو العباس حتى وافى جَرْ جَرَايا، ثم فم الصَّلْحِ، ثم ركب الظهر، فسار حتى وافى الصِّح، ووجه(١) طلائعه ليعرف الخبر، فأتاه منهم مَنْ أخبره بموافاة القوم وجمعهم وجيشهم، وأن أولهم بالصِّح وآخرهم ببستان موسى بن بغا، أسفلَ واسط. فلما عرف ذلك عدل عن سُنن الطريق ، واعترض فى مسيره ، ولقى أصحابه أوائل القوم ؛ فتطاردوا لهم حتى طمعوا واغتروا، فأمعنوا فى إتباعهم ، وجعلوا يقولون لهم : اطلبوا أميرًاً للحرب؛ فإنّ أميركم قد شغكل نفسَه بالصيد. فلمّا قَرُبوا من أبى العباس بالصِّلْح، خرج عليهم فيمن معه من الخيل والرّجْل، وأمر فصيح بنُصير: إلى أين تتأخر عن هؤلاء الأكلب ! ارجع إليهم ؛ فرجع نُصير إليهم . وركب أبو العباس ◌ُسميرّيّة ، ومعه محمد بن شعيب الاشتيام، وحفّ بهم أصحابه من جميع جهاتهم، فانهزموا، ومنح اللّه أبا العباس وأصحابه أكتافهم؛ يقتلونهم ويطردونهم ؛ حتى وافَوْا قرية عبد اللّه ؛ وهى على ستة فراسخ من الموضع الذى لَقُوهم فيه ، وأخذوا منهم خمس شَذَوات وعدّة سميريّات، واستأمن منهم قوم ، وأسر. منهم أسرى ، وغرق ما أدرك من سفنهم ؛ فكان ذلك أوّل الفتح على العباس بن أبى أحمد . (١) س: ((ثم وجه)). ٥٥٩ سنة ٢٦٧ ولما انقضت(١) الحربُ فى هذا اليوم ، أشار على أبى العباس قوّاده وأولياؤه، أن يجعل معسكَرَهُ بالموضع الذى كان انتهى إليه من الصِّلح ؛ إشفاقًا عليه من مقاربة القوم ، فأبى إلاّ نُزول واسط . ولما انهزم سليمان بن جامع ومَنْ معه ، وضرب اللّهُ وجوهَهم ، انهزم سليمان بن موسى الشعرانىّ عن نهر أبان ؛ حتى وافى سوق الخميس ، ولحق سليمان بن جامع بنهر الأمير ؛ وقد كان القوم حين لقوا أبا العباس أجالُوا الرّأى بينهم، فقالوا: هذا فتّ حَدَثٌ؛ لم تطل ممارسته الحروب (٢) وتدّر به بها ، فالرّأى لنا أن نوميَه بحدّنا كلِّه، ونجتهد فى أوّل لقية نلقاه فى إزالته ؛ فلعلّ ذلك أن يروعه ، فيكون سبباً لانصرافه عنا . ففعلوا ذلك ، وحشدوا واجتهدوا ، فأوقع الله بهم بأسَه ونقمته . وركب أبو العباس من غدٍ يوم الوقعة، حتى دخل واسطاً فى أحسن زىّ ، وكان يوم جُمعة ، فأقام حتى صلى بها صلاة الجمعة، واستأمن إليه خلق كثير، ثم انحدر إلى العُمْر - وهو على فرسخ من واسط - فقدَم فيه عسكره ، وقال: أجعل معسكرى أسفلَ واسط ، ليأمن مَنْ فوقه الزّنج. وقد كان نُصير المعروف بأبى حمزة والشاه بن ميكال أشارا عليه أن يجعل مُقامه فوق واسط . فامتنع من ذلك ، وقال لهما : لست نازلاً إلا العُمْر؛ فانزلا أنما فى فُوّهة بردودا. وأعرض أبو العباس عن مشاورة أصحابه واستماع شىء من آرائهم ؛ فنزل العُمر، وأخذ فى بناء الشَّذَوَات، وجعل يراوح القوم القتال ويغاديهم ؛ وقد رتّب خاصّة غلمانه فى ◌ُميريّات فجعل فى كلّ سميريّة اثنين منهم. ثم إن سليمان استعدّ وحشد وجمع وفرّق أصحابه فجعلهم فى ثلاثة أوجه : فرقة أتت من نهر أبان، وفرقة من برتمرتا ، وفرقة من بردودا ، فلقيهم أبو العباس ؛ فلم يلبثوا أن انهزموا ، فخلفت طائفة منهم بسوق الخميس وطائفة بمازروان ، وأخذ قوم منهم فى برّتمرتا وآخرون أخذوا المادیان، وقوم منهم اعتصموا للقوم الذين سلكوا الماديان ؛ فلم يرجع عنهم حتى وافى نهر بَرْمساور، ثم انصرف، فجعل يقف على القُرى والمسالك، ومعه الأدلاء؛ حتى وافَى عسكره ، فأقام به مريحاً نفسه وأصحابه . ثم أتاه مخبرٌ فأخبره أنّ ١٩٥٠/٣ ١٩٥١/٣ (١) ب: ((انفضت)). (٢) س: ((الحرب)). ٥٦٠ سنة ٢٦٧ الزَّنج قد جمعوا واستعدّوا لكبس عسكره ، وأنهم على إتيان عسكره من ثلاثة أوجه ، وأنهم قالوا : إنه حدَثٌ غِرٌّ يغرّ بنفسه ، وأجمع رأيهم على تكمين الكُمناء والمصير إليه من الجهات الثلاث التى ذكرنا ، فحذر لذلك ، واستعدّ له، وأقبلوا إليه وقد كمنوا زُهاء عشرة آلاف فى برتمرتا ونحوّاً من هذه العدّة فى قُسَ هثا. وقدّموا عشرين سُميريّة إلى العسكر ليغترّ بها أهلُه، ويجيزوا المواضع التى فيها كمناؤهم ؛ فمنع أبو العباس الناس من اتباعهم ؛ فلما علموا أن كيدهم لم ينفذ، خرج الجُبَّائىّ وسليمان فى الشَّدَوَات والسميريّات ، وقد كان أبو العباس أحسن تعبئة أصحابه، فأمر نصيرًا المعروف بأبى حمزة أن يبرز للقوم فى شذواته ، ونزل أبو العباس عن فرس كان ركبه ، ودعا بشذاة من شَذَوَاته قد كان سماها الغزال ، وأمر اشتيامه محمد بن شعيب باختيار الجذّافين لهذه الشذاة، وركبها، واختار من خاصّة أصحابه وغلمانه جماعة دفع إليهم الرّمّاح، وأمر أصحاب الخيل بالمسير بإزائه على شاطئ النهر ، وقال لهم : لا تدعوا المسير ما أمكنكم إلى أن تقطعكم الأنهار ، وأمر بتعبير بعض الدواب التى كانت ببردودا ، ونشبت الحرب بين الفريقين ؛ فكانت معركة القتال من حدّ قرية الرمل إلى الرّصافة؛ فكانت الهزيمة على الزَّنج ، وحاز أصحاب أبى العباس أربع عشرة شَذّاة ، وأفلت سليمان والحبّائى فى ذلك اليوم بعد أن أشفيا على الهلاك راجلين، وأخذت دوابّهما بحلاها وآلتها ، ومضى الجيش أجمع لا ينثى أحد منهم حتى وافوا طهيئا ، وأسلموا ما كان معهم من أثاث وآلة ، ورجع أبو العباس ، وأقام بمعسكره فى العمر ، وأمر بإصلاح ما أخذ منهم من الشَّذا والسميريّات وترتيب الرجال فيها، وأقام الزَّنج بعد ذلك عشرين يومًا؛ لا يظهر منهم أحد . وكان الجبائىّ يجىء فى الطلائع فى كلّ ثلاثة أيام وینصرف ، وحفر آباراً فوق نهر سِنْداد ، وصیر فیها سفافید حدید، وغشّاها بالبوارىّ، وأخفى مواضعها، وجعلها على سنن مسير الخيل ليتهوّر فيها المجتازون بها؛ وكان يوافى طرف العسكر متعرّضًاً لأهله، فتخرج الخيل طالبة له ، فجاء فى بعض أيامه ، وطلبته الخيل كما كانت تطلبه ، فقطر فرس رجل من قوّاد الفراغنة فى بعض تلك الآبار، فوقف أصحاب أبى العباس بما ناله من ١٩٥٢/٣