النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
سنة ٢٦٢
من عسکرہ ؛ فلمّا صُرف ابن أتامش وجعل موضعه جعلان، وجّه سليمان من
قِبَلَه رجلا من البحرانيّين يقال له ثعلب بن حفص ، فأوقع به ، وأخذ منه
خيلاً ورجالا ، ووجّه قائد الزنج من قِبَله رجلاً من أهل جَُّّ يقال له أحمد
ابن مهدىّ فى ◌ُسميرّيات ، فيها رماة من أصحابه، فأنفذه إلى نهر المرأة ،
فجعل الجبائىّ يوقع بالقُرى التى بنواحى المذَّار - فيما ذكر - فيعيث فيها ،
ويعود إلى نهر المرأة فيقيم به .
فكتب هذا الجبائىّ إلى قائد الزَّنج يخبر بأن (١) البطيحة خالية من رجال
السلطان، لانصراف مسرور وعساكره عند ورود يعقوب بن الليث واسطًا . فأمر
قائد الرَّنْج سليمان بن جامع وجماعة من قُوّاده بالمصير إلى الحوانيت ، وأمر
رجلامن الباهليّين يقال له ◌ُمَهْوبن عمار، كان عالمًا بطرق البتطيحة ومسالكها ،
أن يسير مع الجبائىّ حتى يستقرّ بالحوانيت.
فذكر محمد بن الحسن أن محمد بن عثمان العبّادانىّ قال: لمّا عزم صاحب ١٩٠٠/٣
الزّنْج على توجيه الجيوش إلى ناحية البطيحة ودَسْتُميسان أمر سليمان بن
جامع أن يعسكر بالمُطوّعة وسليمان بن موسى أن يعسكر على فُوّهة النهر المعروف
باليهودىّ ، ففعلا ذلك ، وأقاما إلى أن أتاهما إذنه ، فنهضا ، فكان مسير
سليمان بن موسى إلى القَرْية المعروفة بالقادسيّة ، ومسير سليمان بن جامع إلى
الحوانيت والجُبّائىّ فى السميريات أمام جيش سليمان بن جامع، ووافى أبًّا
التركىّ دجلة فى ثلاثين شذاة، فانحدر يريد عسكر قائد الزّنج، فمرّ بالقرية
التى كانت داخلة فى سلم الخبيث فنال منها ، وأحرق ؛ فكتب الخبيث إلى
سليمان بن موسى فى منعه الرجوع ، وأخذ عليه سليمان الطريق ، فأقام شهراً
يقاتل حتى تخلّص فصار إلى البطيحة .
وذكر محمد بن عثمان أن جَبَّاشًا الخادم زعم أنّ أبًّا التركىّ لم یکن صار
إلى دجلة فى هذا الوقت ، وأنّ المقيم كان هناك نُصير المعروف بأبى حمزة.
وذكر أن سليمان بن جامع لمّا فصل متوجهاً إلى الحوانيت، انتهى إلى موضع
(١) س: ((يخبره أن)).

٥٢٢
سنة ٢٦٢
يعرف بنهر العتيق . وقد كان الجبائىّ سار فى طريق الماديان(١)، فتلقّاه رميس،
فواقعه الجبائىّ، فهزمه، وأخذمنه أربعاًوعشرين سميريّة ونيفاً وثلاثين صلغة(٢)،
وأفلت رميس، فاعتصم بأجتمة لجأ إليها ، فأتاه قوم من الجوخانيّين ، فأخرجوه
منها فنجا . ووافق المنهزمين من أصحاب رميس خروج سليمان من النهر العتيق ،
فتلقاهم فأوقع بهم ، ونال منهم نيلا ، ومضى رميس حتى لحق بالموضع المعروف
بيرّ مساور(٣)، وانحاز إلى سليمان جماعة من مذكورى البلاليين وأنجادهم فى
خمسين ومائة سميريّة ، فاستخبرهم عما أمامه ، فقالوا : ليس بينك وبين واسط
أحدٌ من عمّال السلطان وولاته. فاغترّ سليمان بذلك ، وركن إليه ، فسار
حتى انتهى إلى الموضع الذى يعرف بالجازرة ، فتلقّاه رجل يقال له أبو معاذ
القرشىّ ، فواقعه ، فانهزم سليمان عنه ، وقتل أبو معاذ جماعة من أصحابه ،
وأسر قائداً من قواد الزَّنْج، يقال له رياح القندلىّ. فانصرف سليمان إلى الموضع
الذى كان معسكراً به ، فأتاه رجلان من البلاليّة ، فقالا له : ليس بواسط أحد
يدفع عنها غير أبى معاذ فى الشَّد وات الخمس التی لقیك بها . فاستعدّ سامان
وجمع أصحابه وكتب إلى الخبيث كتاباً مع البلاليّة الذين كانوا استأمنوا إليه
وأنقذهم إلا جُميِّعة يسيرة فى عشر ◌ُميريات، انتخبهم للمقام معه ، واحتبس
الاثنين معه اللذين أخبراه عن واسط بما أخبراه به ، وصار قاصداً لنهر أبان ،
فاعترض له أبو معاذ فى طريقه ، وشبّت الحرب بينهما، وعصفت الريح ،
فاضطربت شذا أبى معاذ، وقوىَ عليه سليمان وأصحابه، فأدبر عنهم معرّداً، ومضى
سلیمان حتی انتھی إلی نهر أبان، فاقتحمه، وأحرق وأنهب ، وسبى النساء والصبيان،
فانتهى الخبر بذلك إلى وكلاء كانوا لأبى أحمد فى ضياع من ضياعه مُقيمين
بنهر سنداد ، فساروا إلى سليمان فى جماعة، فأوقعوا به وقعةً ، قتلوا فيها جمعًا
كثيراً من الزَّنْج ، وانهزم سليمان وأحمد بن مهدىّ ومن معهما إلى معسكرهما
قال محمد بن الحسن : قال محمد بن عثمان : لما استقرّ سليمان بن جامع
بالحوانيت ، ونزل بنهر يعرف بيعقوب بن النضر ، وجّه رجلا ليعرف خبر واسط
(١) م: ((الماذيان)).
(٢) فى القاموس: ((الصلغة: السفينة الكبيرة)).
(٣) م: ((بئر مساور)).
١٩٠١/٣
١٩٠٢/٣

٥٢٣
سنة ٢٦٢
ومَنْ فيها من أصحاب السلطان ؛ وذلك بعد خروج مسرور البلخىّ وأصحابه
عنها ، لورود يعقوب إياها . فرجع إليه ، فأخبره بمسير يعقوب نحو السلطان،
وقد كان مسرور قبل شخوصه عن واسط إلى السّیب وجه إلى سلیمان رجلايقال
له وصيف الرّحال فى شَذَوات ؛ فواقعه سليمان فقتله ، وأخذ منه سبع
شَذَوَات، وقتل مَنْ ظفر به، وألقى القتلى بالحوانيت ليُدخل الرّهبة فى قلوب
المجتازين بهم من أصحاب السلطان .
فلمّا ورد على سليمان خبرُ مسير مسرور عن واسط ، دعا سليمان مُمير
ابن عمار خليفته ورجلا من رؤساء الباهليّين يقال له أحمد بن شريك ، فشاورهما
فى التنحى عن الموضع الذى تصل إليه الخيل والشََّوَات، وأن يلتمس موضعًا
يتصل بطريق متى أراد الهرب منه إلى عسكر الخبيث سلكه ، فأشارا عليه
بالمصير إلى عقر ماور، والتحصّن بطهيثًا والأدغال التى فيها. وكره الباهليون ١٩٠٣/٣
خروجَ سليمان بن جامع من بين أظهرهم لغمسهم أيديهم معه ، وما خافوا
من تعقب السلطان إياهم ، فحمل سليمان بأصحابه ماضيًا فى نهر البرور إلى
طَهينا، وأنفذ الجُبّائىّ إلى النهر المعروف بالعتيق فى السُّمسيريّات، وأمره بالبدار
إليه بما يعرف من خبر الشذا ، ومن يأتى فيها ومن أصحاب السلطان، وخلف
جماعة من السودان لإشخاص من تخلّف من أصحابه ، وسار حتى وافى عقر
ماور ، فنزل القرية المعروفة بقرية مروان بالجانب الشرقىّ من نهر طهيئا فى
جزيرة هناك .
وجمع إليه رؤساء الباهليّين وأهل الطفوف ، وكتب إلى الخبيث يعلمه
ما صنع ، فكتب إليه يصوّب رأيه، ويأمره بإنفاذ ما قبله من مِيرَة ونَعَم وغنم ،
فأنفذ ذلك إليه ، وسار مسرور إلى موضع معسكر سليمان الأول ، فلم يجد
هناك کثیر شیء، ووجد القوم قد سبقوه إلىنقل ما كان فى معسكرهم، وانحدر
أبّا التركىّ إلى البطائح فى طلب سليمان؛ وهو يظنّ أنه قد ترك الناحية،
وتوجّه نحو مدينة الخبيث فمضى. فلم يقف لسليمان على أثر، وكرّ راجعاً،
فوجد سلیمان قد أنفذ جیشاً إلى الحوانيت لیطرُق من شذّ من عسکر مسرور ،
فخالف الطريق الذى خاف أن يؤدّيّهُ إليهم، ومضى فى طريق آخر ؛ حتى
١٩٠٤/٣

٥٢٤
سنة ٢٦٢
انتهى إلى مسرور ، فأخبره أنه لم يعرف لسليمان خبراً .
وانصرف جيش سليمان إليه بما امتاروا ، وأقام سليمان ، فوجّه الجُبائىَّ
فى السُّميرّيات للوقوف على مواضع الطعام والمِير (١) والاحتيال فى حَمْلها.
فكان الجبائىّ لا ينتهى إلى ناحية فيجد فيها شيئًا من المِيرَة إلاّ أحرقه ، فساء
ذلك سليمان ، فنهاه عنه فلم يَنْتَهِ ، وكان يقول : إن هذه الميرة مادّة
لعدوّنا ، فليس الرأى ترك شىء منها .
فكتب سليمان إلى الخبيث يشكو ما كان من الجُبَّائىّ فى ذلك ، فورد
كتاب الخبيث على الجُبّائىّ يأمره بالسمع والطاعة لسليمان، والائتمار له فيما
يأمره به (٢) .
١٩٠٥/٣
وورد على سليمان أن أغَرْ تمش وخُشيشا قد أقبلاقاصدين إليه فى الخيل
والرِّجال والشَّذَا والسُّميريّات، يريدان مواقعته. فجزع جزءاً شديداً ، وأنفذ
الجبائىَّ ليعرف أخبارهما ، وأخذ فى الاستعداد للقائهما ، فلم يلبث أن عاد إليه
الجُبائىّ مهزومًا، فأخبره أنهما قد وافيا باب طنج ؛ وذلك على نصف فرسخ
من عسكر سليمان حينئذ ، فأمره بالرّجوع والوقوف فى وجه الجيش ، وشغله عن
المصير إلى العسكر إلى أنْ يلحق به ؛ فلما أنفذ الجبائىّ لمَا وُجّه له صعد
سليمان سطحًا ، فأشرف منه ، فرأى الجيش مقبلاً ، فنزل مسرعًا ، فعبر
نهر طهيئا ، ومضى راجلا ، وتبعه جَمْعٌ من قوّاد السودان حتى وافوا باب
طنج ، فاستدبر أغرتمش، وتركهم حتى جدُّوا فى المسير إلى عسكره . وقد كان
أمر الذى استخلفه على جيشه ألاّ يدع أحدًا من السودان يظهر لأحد من أهل
جيش أغرتمش ، وأن يخفوا أشخاصهم ما قدرُوا ، ويَدَعُوا القوم حتى
يتوغّلوا النهر إلى أن يسمعوا أصوات طبوله؛ فإذا سمعوها خرجوا عليهم ، وقصدوا
أغرتمش .
فجاء أغرتمش بجيشه حتى لم يكن بينه وبين العسكر إلاّ نهر يأخذ من
طهيئا يقال له جارورة بنى مروان . فانهزم الجُبانىّ فى السُّمیریّات حتى وافى
(١) ب: ((من المير)).
(٢) ب: ((فى أمره)).

٥٢٥
سنة ٢٦٢
طهيئا ، فخلف سُميرِيّاته بها ، وعاد راجلا إلى جيش سليمان ، واشتدٌ
جزع أهل عسكر سليمان منه، فتفرّقوا أيادى سبا ، ونهضت منهم شرذمة فيها
قائد من قوّاد السودان يقال له أبو النداء ، فتلقَّوْهم فواقعوهم ، وشغلوهم عن
دخول العسكر ، وشدّ سليمان من وراء القوم، وضرب الزَّنج بطبولهم ، وألقوا
أنفسهم فى الماء للعبور إليهم ؛ فانهزم أصحابُ أغرتمش وشدّ عليهم مَنْ
كان بطهيثا من السودان ، ووضعوا السيوف فيهم، وأقبل خُشيش على أشهب
كان تحته يريد الرجوع إلى عسكره ، فتلقّاه السودان ، فصرعوه وأخذتْه
سيوفهم، فقتِل وحمل رأسه إلى سليمان، وقد كان خُشيش حين (١) انتزعوا ١٩٠٦/٣
إليه ، قال لهم: أنا خُشيش؛ فلا تقتلونى، وامضوا بى إلى صاحبكم . فلم يسمعوا
لقوله وانهزم أغرتش ، وكان فى آخر أصحابه ، ومضى حتى ألقى نفسه إلى
الأرض ، فركب دابّة ومضى، وتبعهم(٢) الزّنج حتى وصلوا إلى عسكرهم؛
فنالوا حاجتهم منه ، وظفروا بشذوات كانت مع خُشيش ، وظفر الذين اتبعوا
الجيش المولى بشَذَوَات كانت مع أغرمش فيها مال . فلما انتهى الخبر إلى
أغرتش ، کرّ راجعًا حتى انتزعها من أيديهم ، ورجع سليمان إلى عسكره ،
وقد ظفر بأسلاب ودواب ، وكتب بخبر الوقعة إلى قائد الزَّنْج ؛ وما كان منه
فيها . وحمل إليه رأس خشيش وخاتمه ، وأقرّ الشَّدَوَات التى أخذها فى عسكره .
فلما وافى كتابُ سليمان ورأس خُشيش ، أمر فطيف به فى عسكره ، ونصب
يومًا ؛ ثم حمله إلى علىّ بن أبان، وهو يومئذ مقيم بنواحى الأهواز ، وأمر بنصبه
هناك؛ وخرج سليمان والجُبائىّ معه وجماعة من قُوّاد السودان إلى ناحية الحوانيت
متطرّفين، فتوافقوا هناك ثلاث عشرة شدّة مع المعروف بأبى تميم أخى المعروف
بأبى عون صاحب وصيف التركىّ، فأوقعوا به ، فقتل وغرق ، وظفروا من
شَذَوَاته بإحدى عشرة شذاة .
قال محمد بن الحسن: هذا خبر محمد بن عثمان العبّادانىّ؛ فأما جسَبَّاش؛
فزعم أن الشّذا التى كانت مع أبى تميم كانت ثمانية ، فأفلت منها شذاتان كانتا
(١) ب: ((حيث)).
(٢) ابن الأثير: ((وتبعه)).

١٩٠٧/٣
٥٢٦
سنة ٢٦٢
متأخّرّتين، فمضتا بمَنْ فيهما وأصاب سلاحاً ونهباً، وأتى على أكثر مَنْ
كان فى تلك الشَّذوات من الجيش ، ورجع سليمان إلى عسكره ، وكتب إلى
الخبيث بما كان منه (١) مِنْ قتل المعروف بأبى تميم ؛ ومن كان معه ، واحتبس
الشَّذَوات فى عسكره .
وفيها كبس ابن زيدويه الطِّبَ ، فأنهبها .
وفيها وُلِّىَ القضاء علىّ بن محمد بن أبى الشوارب.
وفيها خرج الحسين بن طاهر بن عبد الله بن طاهر من بغداد لليال بقين
منه ، فصار إلى الجبل .
وفيها مات الصَّلَابِىّ، وُوُلِّىَ الرىّ كيغتَلِغ .
ومات صالح بن علىّ بن يعقوب بن المنصور فى ربيع الآخر منها .
ووُلِّىَ إسماعيل بن إسحاق قضاء الجانب الشرقىّ من بغداد ، فجمع له قضاء
الجانبين .
وفيها قتل محمد بن عتّاب بن عتّاب، وكان وُلِّىَ السّيبيْن فصار إليها،
فقتلتْه الأعراب .
والنصف من شهر رمضان صار موسى بن بغا إلى الأنبار متوجهاً إلى الرّقة.
وفيها قتل أيضاً القطان صاحب مفلح، وكان عاملا بالموصل على الخراج،
فانصرف منها ، فقتل فى الطريق .
وعقد فيها لكفتمر علىّ بن الحسين بن داود كاتب أحمد بن سهل اللطفى
على طريق مكة فى شهر رمضان .
١٩٠٨/٣
وفيها وقع بين الحنّاطين والجزّارين بمكة قتال قبل يوم التَّروية بيوم ،
حتى خاف الناس أن يبطل الحج ، ثم تحاجزوا إلى أن يحجّ الناس ، وقد قتل
(١) س: ((منه)).

٥٢٧
سنة ٢٦٢
منهم سبعة عشر رجلا .
. وفيها غلب يعقوب بن الليث على فارس وهرب ابن واصل
٠ ٠
#
[ذكر خبر الوقعة بين الزنج وأحمد بن ليثويه]
وفيها كانت وقعة بين الزّنج وأحمد بن لَيْئَويْه، فقتل منهم خلقاً كثيراً،
وأسر أبا داود الصعلوك وقد كان صار معهم(١).
* ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسبب أسر الصعلوك :
ذكر أن مسرواً البلخىّ وجه أحمد بن ليثويه إلى ناحية كور الأهواز،
فلما وصل إليها نزل السوس، وكان الصّفار قد قلّد محمد بن عبيدالله بن أزاذَ مَرْد (٢)
الكردىّ كُور الأهواز، فكتب محمد بن عبيد اللّه إلى قائد الزَّنج يطمعه فى
الميل إليه ، وقد كانت العادة جرت بمكاتبة محمد إياه من أوّل مخرجه، وأوهمه
أنه يتولّى له كور الأهواز ويدارى الصّفار حتى يستوىّ له الأمر فيها ، فأجابه
الخبيث (٣) إلى ذلك على أن يكون علىّ بن أبان المتولى لها ، ويكون محمد بن
عبيد اللّه يخلفُه عليها، فقبل محمّد بن عبيد اللّه ذلك ، فوجه على بن أبان
أخاه الخليل بن أبان ، فی جمع کثیر من السودان وغيرهم ، وأيدهم محمد بن
عبيد اللّه بأبى داود الصُّعلوك ، فمضوْا نحو السوس ؛ فلم يصلوا إليها ، ودفعهم
ابن ليثويه ومن كان معه من أصحاب السلطان عنها ، فانصرفوا مفلولين ،
وقد قتل منهم مقتلة عظيمة ، وأسر منهم جماعة ، وسار أحمد بن ليثويه
حتى نزل جندي سابور .
١٩٠٩/٣
وسار علىّ بن أبان من الأهواز منجداً محمد بن عبيد الله على أحمد بن
لَيْثوَيْه، فتلقاه محمد بن عبيد اللّه فى جَمْع من الأكراد والصعاليك ؛ فلما
قرب منه محمد بن عبيد الله سارا جميعًا، وجعلا بينهما المسرُّقان ؛ فكانا يسيران
(١) س: ((منهم)).
(٢) س: ((أزامرد))، ابن الأثير: ((هزارمرد)).
(٣) ب: ((الصفار)).

٥٢٨
سنة ٢٦٢
عن جانبيه ، ووجه محمد بن عبيد الله رجلا من أصحابه فى ثلثمائة فارس ،
فانضمّ إلى علىّ بن أبان، فسار علىّ بن أبان ومحمد بن عبيد اللّه إلى أن وافيها
عسكر مُكْرَم، فصار محمد بن عبيد اللّه إلى علىّ بن أبان وحده ، فالتقيا
وتحادثا ، وانصرف محمد إلى عسكره، ووجّه إلى علىّبن أبان القاسم بن على
ورجلاً من رؤساء الأكراد ، يقال له حازم ، وشيخاً من أصحاب الصفار
يعرف بالطّالقانىّ، وأتوْا عليًّا، فسلموا عليه، ولم يزل محمد وعلىّ على ألفة ،
إلى أن وافى علىّ قنطرة فارس، ودخل محمد بن عبيد اللّه تُسْتَرَ، وانتهى إلى
أحمد بن ليثَوَيْه تضافُر على بن أبان ومحمد بن عبيد اللّه على قتالِهِ ، فخرج
١٩١٠/٣ عن جندىْ سابور، وصار إلى السوس. وكانت موافاة علىّ قنطرة فارس فى
يوم الجُمعة ، وقد وعده محمد بن عبيد اللّه أن يخطُب الخاطب يومئذ ،
فيدعو لقائد الزّنج، وله على منبر تُسْتَرَ، فأقام علىّ منتظراً ذلك ، ووجّه
بهبوذ بن عبد الوهاب لحضور الجمعة وإتيانه بالخبر ؛ فلما حضرت الصلاة
قام الخطيب ، فدعا للمعتمد والصّفار ومحمد بن عبيد الله، فرجع بهبوذ إلى
علىّ بالخبر، فنهض علىّ من ساعته، فركب دوابه ، وأمر أصحابه بالانصراف
إلى الأهواز، وقدّمهم أمامه، وقدّم معهم ابن أخيه محمد بن صالح ومحمد بن
يحيى الكرمانىّ خليفته، وكاتبه وأقام حتى إذا جاوزوا كسر قنطرة كانت هناك
لئلا يتبعه الخيل .
قال محمد بن الحسن: وكنت فيمن انصرف مع المتقدّمين من أصحاب
علىّ، ومرّ الجيش فى ليلتهم تلك مسرٍعين، فانتهوْا إلى عسكر مكرَم فى
وقت طلوع الفجر ؛ وكانت داخلة فى سلْم الخبيث ، فنكث أصحابه ، وأوقعوا
بعسكر مَكْرَم ، ونالوا نهبًا . ووافى علىّ بن أبان فى أثر أصحابه ، فوقف
على ما أحدثوا فلم يقدر على تغييره ، فمضى حتى صار إلى الأهواز ولما انتهى
إلى أحمد بن ليثويه انصرافُ علىّ، كرّ راجعًا حتى وافى تُسْتَر ، فأوقع
بمحمد بن عبيد اللّه ومَنْ معه، فأفلت محمد ، ووقع فى يده المعروف
بأبى داود الصعلوك ، فحمله إلى باب السلطان المعتمد ، وأقام أحمد بن
ليثويْه بتُسْتَرَ .

٥٢٩
سنة ٢٦٢
قال محمد بن الحسن : فحدّثّى الفضل بن عدىّ الدارمىّ - وهو أحد ١٩١١/٣
مَنْ كان من أصحاب قائد الزَّنِج انضم إلى محمد بن أبان أخى علىّ بن أبان
قال: لمّا استقرّ أحمد بن ليثويْه بتُسْتَر، خرج إليه علىّ بن أبان يجيشه،
فنزل قرية يقال لها برنجان، ووجّه طلائع يأتونه بأخباره، فرجعوا إليه ، فأخبر وه
أنّ ابن ليثويهقد أقبل نحوه، وأنّ أوائل خيلهقد وافت قرية تعرف بالباهليّین،
فزحف علىّ بن أبان إليه، وهو يبشّر أصحابَه، ويعِدُهم الظفر، ويحكى
لهم ذلك عن الخبيث . فلمّا وافى الباهليين تلقاه ابن لینويه فی خیله،وهی زهاء
أربعمائة فارس؛ فلم يلبثوا أن أتاهم مدد خيل ، فكثرت خيلُ أصحاب السلطان
واستأمن جماعة من الأعراب الذين كانوا مع علىّ بن أبان إلى ابن ليثويه ،
وانهزم باقى خيل علىّ بن أبان، وثبت جُميّعة من الرّجّالة، وتفرّق عنه أكثرهم،
واشتدّ القتال بين الفريقين ، وترجّل على بن أبان ، وباشر القتال بنفسه راجلاً،
وبين يديه غلام من أصحابه يقال له فَتْح، يعرف بغلام أبى الحديد ، فجعل
يقاتل معه . وبصر بعلىّ أبو نصر سَلْهب وبدر الرومىّ المعروف بالشعرانىّ
فعرفاه ، فأنذر الناس به ، فانصرف هارباً حتى لجأ إلى المسرُّقان ، فألقى بنفسه
فيه، وتلاه فَتْح، فألقى نفسه معه، فغرق فتح، ولحق علىّبن أبان نصر المعروف
بالرومىّ ، فتخلّصه من الماء، فألقاه فى ◌ُسميريّة ورُمىَ علىّ بسهم ، وأصيب به
فى ساقه ، وانصرف مفلولا ، وقتل من أنجاد السودان وأبطالهم جماعة كثيرة .
٠٠٠
وحج بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن بن العباس بن محمد .
١٩١٢/٣

٥٣٠
ثمدخلت سنة ثلاث وستین ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من ظفر عزيز بن السرىّ صاحب يعقوب بن الليث بمحمد
ابن واصل وأخذه أسيراً .
وفيها كانت بين موسى دالجويه والأعراب بناحية الأنبار وقعة ، فهزموه
وفلوه، فوجّه أبو أحمد ابنه أحمد فى جماعة من قوّاده فى طلب الأعراب الذین
فلوا موسی دالجویه
وفيها وثب الدیرانیّ بابن أوس فبيته ليلا ،وفرّق جمعه، ونهب عسکره ،
وأفلت ابن أوس ، ومضى نحو واسط .
وفيها خرج فى طريق الموصل رجلٌ من الفراغنة، فقطع (١) الطريق ،
فظُفِر به فقتِل .
#
٠
[ ذكر الوقعة بين ابن ليثويه مع أخى علىّ بن أبان ]
وفيها أقبل يعقوب بن الليث من فارس، فلمّا صار إلى النُّوبنْدَ جان انصرف
أحمد بن ليثويه عن تُسْتَرَ ، وصار فيها يعقوب إلى الأهواز ، وقد كان لابن
لیثویه قبل ارتحاله عن تُستروقعة مع أخى على بن أبان، ظفر فيها بجماعة كثيرة
من زنوجه .
١٩١٣/١٠
• ذكر الخبر عن هذه الوقعة :
ذكر عن علىّ بن أبان، أن ابن ليثويه لما هزمه فى الوقعة التى كانت بينهما
فى الباهليّين، فأصابه ما أصابه فيها ، ووافى الأهواز ، لم يقمْ بها ، ومضى
(١) ب: ((يقطع)).

٥٣١
سنة ٢٦٣
إلى عسكر صاحبه قائد الزّنج، فعالج ما قد أصابه من الجراح حتى برأ ، ثم
كرّ راجعًا إلى الأهواز، ووجه أخاه الخليل بن أبان وابن أخيه محمد بن صالح
المعروف بأبى سهل ، فى جيش كثيف إلى ابن لسيثويه ؛ وهو يومئذ مقيم بعسكر
مكرَّم ، فسارا فيمن معهما ، فلقيهما ابنُ ليثويه على فرسخ من عسكر مكرَّم ،
قاصداً إليهما، فالتقى الجمعان، وقد كمن ابن ليثويه كمينًا. فلما استحرّ (١)
القتال تطارد ابن ليثويه ، فطمع الزّنج فيه ، فتبعوه حتى جاوزوا الكمين ،
فخرج من ورائهم؛ فانهزموا وتفرّقوا ، وكرّ عليهم ابن ليثويه ، فنال حاجته
منهم، ورجعوا مفلولين. فانصرف ابن ليثويه بما أصاب من الرءوس إلى تُسْتَر،
ووجّه علىّبن أبان انكلويه مسلحةً إلى المسرُقان إلى أحمد بن لَيْشَوَيْه، فوجه
إليه ثلاثين فارسًا من جُلْد أصحابه ، وانتهى إلى الخليل بن أبان مسيرُ
أصحاب ابن ليثويه إلى المسلحة، فكمن لهم فيمن معه، فلما وافوْه خرج
إليهم ، فلم يفلِتْ منهم أحد ، وقُتلوا عن آخرهم ، وحُمِلت رءوسهم إلى
علىّ بن أبان، وهو بالأهواز، فوجّهها إلى الخبيث ، وحينئذ أتى الصفّار
الأهواز ، وهرب عنها ابن ليثويه .
· ذكر الخبر عما كان من أمر الصفّار هنالك فى هذه السنة :
◌ُذكر أنّ يعقوب بن الليث لما صار إلى جندی سابور ، نزلها وارتحل عن
تلك الناحية كل مَنْ كان بها من قبل السلطان، ووجّه إلى الأهواز رجلاً من
قبله يقال له الحصن بن العنبر، فلمّا قاربها خرج عنها علىّ بن أبان صاحب
قائد الزَّنج، فنزل نهر السدرة ، ودخل حصن الأهواز ، فأقام بها ، وجعل
أصحابه وأصحاب على ابن أبان يُغير بعضهم على بعض ، فيصيب كلّ
فريق منهم مِن صاحبه، إلى أن استعدّ علىّ بن أبان، وسار إلى الأهواز ،
فأوقع بالحصن ومَنْ معه وقعةً غليظة ، قتلَ فيها من أصحاب يعقوب خلقًا
كثيراً، وأصاب خيلا، وغنم غنائم كثيرة ، وهرب الحصن ومَنْ معه إلى عسكر
مكرّم، وأقام علىّ بالأهواز حتى استباح ما كان فيها، ثم رجع (٢) عنها إلى
١٩١٤/٣
(١) س: ((اشتجر))
(٢) س: ((خرج)).

٥٣٢
سنة ٢٦٣
نهر السدرة، وكتب إلى بَهْبُوذ يأمره بالإيقاع برجل من الأكراد من أصحاب
الصفّار كان مقيماً بدَوْرَق ، فأوقع به بهبوذ، فقتل رجاله وأسره ، فمنَّ عليه
وأطلقه؛ فكان علىّ بعدذلك يتوقّع مسير يعقوب إليه فلم يَسِرْ ، وأمدّ الحصن
ابن العنبر بأخيه الفضل بن العنبر ، وأمرهما بالكفّ عن قتال أصحاب الخبيث ،
والاقتصار على المقام(١) بالأهواز. وكتب إلى علىّ بن أبان يسأله المهادنة ،
وأن يقرّ أصحابه بالأهواز، فأبى ذلك علىّ دون نقل طعام كان هناك (٣) ،
فتجافى له الصفّار عن نقل ذلك الطعام ، وتجافى علىّ للصفار عن علّف
كان بالأهواز ، فنقل علىّ الطعام، وترك العلف ، وتكافّ الفريقان ، أصحاب
علىّ وأصحاب الصفار .
١٩١٥/٣
٠
وفيها توفَّىَ مساور بن عبد الحميد الشارى .
وفيها مات عبيد الله بن يحيى بن خاقان ، سقط عن دابته فى الميدان مِنْ
صدمة خادم له ، يقال له رشيق ، يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من ذى القعدة ،
فسال من منخره وأذنه دمُ ، فمات بعد أن سقط بثلاث ساعات، وصلى عليه
أبو أحمد بن المتوكل ، ومشى فى جنازته ، واستوزر من الغد الحسن بن مخلد .
ثم قدم موسى بن بغا سامرًا لثلاث بقين من ذى القعدة ، فهرب الحسن بن
مخلد إلى بغداد ، واستوزر مكانه سليمان بن وهب ، لستّ ليال خلَوْن من
ذى الحجة ، ثم ولى عبيد الله بن سليمان كتبة المفوّض والموفق إلى ما كان يلى
من كتبة موسى بن بغا ، ودفعت دار عبيد الله بن يحيى إلى كيفَلغ.
وفيها أخرج أخو شركب الحسينَ بن طاهر عن نيسابور ، وغلب عليها ،
وأخذ أهلها بإعطائه ثلث أموالهم، وصار الحسين إلى مَرْو، وبها أخو خوارزم
شاه يدعو لمحمد بن طاهر .
وفى هذه السنة سلّمت الصقالبة لؤلؤة إلى الطاغية .
وحجّ بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل .
(١) ب: ((بالمقام)).
(٢) س: ((دون نقل الطعام)).

٥٣٣
ثم دخلت سنة أربع وستين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
١٩١٦/٣
فمن ذلك توجيهُ يعقوب الصفّار جيشًا إلى الضَّيْمَرَة، فتقدّمه إليها ،
وأخذوا صَيغُون ومُضىَ به إليه أسيراً ، فمات عنده .
ولإحدى عشرة خلت من المحرّم ، عسكر أبو أحمد ومعه موسى بن بغا
بالقائم ، وشيّعهما المعتمد، ثم شخصا من سامرًا لليلتين خلتًا من صفر ، فلمّا
صارا ببغداد ، مات بها موسى بن بغا ، وحُمِل إلى سامرًا ، فدفن بها .
وفيها فى شهر ربيع الأول ماتت قبيحة أمّ المعتزّ .
وفيها صارابن الدَّيَرانىّ إلى الدينَور، وتعاون ابن عياض ودُلَف بن
عبد العزيز بن أبى دلتف عليه، فهزماه وأخذا أمواله وضياعه، ورجع إلى حُلوان
مفلولاً .
[ خبر أسر الروم لعبد الله بن رشيد ]
وفيها أسرت الروم عبد اللّه بن رشيد بن كاوس .
• ذكر الخبر عن سبب أسرهم إياه :
◌ُذكِرِ أنّ سبب ذلك كان ، أنه دخل أرض الروم فى أربعة آلاف من
أهل الثغور الشأمية ، فصار إلى حصنَيْن والمسكنين ، فغم المسلمون ، وقفل ،
فلمّا رحل عن البَدَ نْدون، خرج عليه بطريق سلوقيَّة وبطريق قَدَيْذيّة ١٩١٧/٣
وبطريق قُرّة وكوكب وخَرْ شنة، فأحدقوا بهم ، فنزل المسلمون فعرقبوا(١) دوابهم،
وقاتلوا، فقُتلوا، إلا خمسمائة أو ستمائة، وضعوا السياط فى خواصر دوابتهم ، وخرجوا،
(١) ب: ((فعرضوا)).

٥٣٤
سنة ٢٦٤
فقتل الرّوم مَنْ قتلوا، وأسر عبد الله بن رشيد بعد ضربات أصابته ، وحُميل
إلى لؤلؤة ، ثم حميل إلى الطاغية على البريد .
[ ذكر خبر الوقعة بين محمد المولّد وقائد الزنج ]
وفيها وُلِّىَ محمد المولّد واسطًا ، فحاربه سليمان بن جامع، وهو عامل على
ما يلى تلك الناحية من قِبَل قائد الزّنج، فهزمه وأخرجه عن واسط فدخلها .
· ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسببها :
◌ُذكر أنّ السبب فى ذلك كان أنّ سليمان بن جامع الموجّه كان من قبل
قائد الزّنج إلى ناحية الحوانيت والبطائح، لمّا هزم جُعلان التركىَّ عامل السلطان،
وأوقع بأغَرْ تمِشِ، ففلَّ عسكره، وقتل خُشَيْشًا، ونهب ما كان معهم، كتب
إلى صاحبه قائد الزّنج يستأذنه فى المصير إليه ، ليحدث به عهداً ، ويصلح
أموراً من أمور منزله ؛ فلمّا أنفذ الكتاب بذلك ، أشار عليه أحمد بن مهدىّ
الجبائىُّ بتطرُّق (١) عسكر البخارىّ، وهو يومئذ مقيم بسَبَرْدُودا، فقبل ذلك ،
وسار إلى بَرْدودا ، فوافى موضعًا يقال له أكرمهر ؛ وذلك على خمسة فراسخ
من عسكر تكين . فلما وافى ذلك الموضع ، قال الجبائىّ لسليمان : إن الرأى أن
تقيم أنت ها هنا، وأمضى أنا فى السُّميريّات، فأجرّ (٢) القوم إليك، وأتعبهم
فيأتوك وقد لغِبوا ، فتنال حاجتك منهم . ففعل سليمان ذلك ، فعبَى خيله
ورجّالته فى موضعه ذلك، ومضى أحمد بن مهدىّ فى السُّميريات مُسحراً ،
فوافى عسكر تكين ، فقاتله ساعة ، وأعدّ تكين خيلَه ورجاله ، وتطارد
الجُبائىّ له ، وأنفذ غلاماً إلى سليمان يعلمه أنّ أصحاب تكين واردون عليه
بخيلهم. فلقى الرسول سليمان، وقد أقبل يقفو أثر الجُبَّائىّ لمّا أبطأ عليه خبره.
فردّه إلى معسكره، ووافى رسول آخر للجبائىّ بمثل الخبر الأوّل ، فلما رجع
سليمان إلى عسكره ، أنفذ ثعلب بن حفص البحرانىّ وقائداً من قواد الزَّنج، يقال
١٩١٨/٣
(١) م: ((بتطرف)).
(٢) م: ((فأجتر)).

٥٣٥
سنة ٢٦٤
له منينا فى جماعة من الزَّنْج، فجعلهما كميناً فى الصحراء ممّا يلى ميسرة خيل
تكين ، وأمرهما إذا جاوزهم خيل تكين أن يخرجوا من ورائهم . فلما علم
الجبائىُّ أن سلمان قد أحكم لهم خيله وأمر الكمين، رفع صوته ليسمع أصحاب
تكين ؛ يقول لأصحابه: غررتمونى وأهلكتمونى، وقد كنت أمرتكم ألاّ تدخلوا هذا
المدخل، فأبيتم إلاّ إلقائى وأنفسكم هذا الملْقَى الذى لا أرانا ننجو منه . فطمع
أصحاب تکین لمّا سمعوا قوله، وجد ◌ّوا فى طلبه، وجعلوا ینادون: بلبل فى قفص.
وسار الجبائی سیراً حثيثًا، وأتبعوه یرشقونه بالسهام، حتى جاوزوا موضع الکمین،
وقاربوا عسكر سليمان(١)، وهو كامن من وراء الجدُّر فى خيله وأصحابه ،
فزحف سليمان ، فتلقتى الجيش ، وخرج الكمين من وراء الخيل، وثنى الجبائىّ
صدورُميريّاته إلى مَنْ فى النهر، فاستحكمت الهزيمة عليهم من الوجوه
كلها ، وركبهم الزّنج يقتلونهم ويسلبونهم؛ حتى قطعوا نحوًا من ثلاثة فراسخ.
١٩١٩/٣
ثم وقف سليمان وقال للجبائىّ : نرجع فقد غنمنا وسلمنا ، والسلامة أفضل
من كل شىء . فقال الجبائىُّ : كلا ؛ قد نتخبنا قلوبهم ، ونفذتْ حيلتنا
فيهم ، والرأى أن نكسبهم فى ليلتنا هذه ، فلعلّنا أن نزيلهم عن عسكرهم ،
ونفضَّ جمعهم. فأتبع سليمان رأى الجبّائىّ، وصار إلى عسكر تكين ، فوافاه
فى وقت المغرب ، فأوقع به ، ونهض تكين فيمن معه ، فقاتل قتالا شديداً ،
فانكشف عنه سليمان وأصحابه . ثم وقف سليمان وعبّأ أصحابه ، فوجّه شبلا
فى خيل من خيله، وضمّ إليه جمعاً من الرّجّالة إلى الصحراء ، وأمر الجبّائىّ،
فسار فى السُّمَيريّات فى بطن النهر، وسارهو فيمن معه من أصحابه الخيّالة
والرجّالة ، فتقدّم أصحابه حتى وافى تكين، فلم يقف له أحد ، وانكشفوا جميعًا
وتركوا عسكرهم ، فغنم ما وجد فيه ، وأحرق العسكر ، وانصرف إلى معسكره
بما أصاب من الغنيمة (٢) . ووافى عسكره، فألفی کتاب الخبيث قد ورد بالإذن
له فى المصير إلى منزله، فاستخلف الجُبائىّ، وحمل الأعلام التى أصابها من ١٩٢٠/٣
عسكر تكين والشّذوات التى أخذها من المعروف بأبى تميم ومن خُشيش ومن
(١) س: ((موضع سليمان ومعسكره)).
(٢) س: ((القسمة)).

٥٣٦
سنة ٢٦٤
تكين ، وأقبل حتى ورد عسكر الخبيث ؛ وذلك فى جمادى الأولى من سنة
أربع وستين ومائتين .
* ذكر الخبر عن السبب الذى من أجله تهيأ للزنج دخول
واسط ، وذكر الخبر عن الأحداث الجليلة فى سنة أربع وستين ومائتين :
ذكر أن الجُبّائِىّ يحيى بن خلف لمّا شخص سليمان بن جامع من معسكره
بعد الوقعة التى أوقعها بتكين إلى صاحب الزَّنْج، خرج فى السُّمَيَريّات بالعسكر
الذى خلّفه سليمان معه إلى مازروان لطلب المِيرة، ومعه جماعة من السودان ،
فاعترضه أصحاب ◌ُجْعلان، فأخذوا سفنًا كانتْ معه، وهزموه ، فرجع مغلولاً
حتى وافَى طهيثا ، ووافتْه كتب أهل القرية ، يخبرونه أنّ منجور مولى
أميرالمؤمنين ومحمد بن على بن حبيب البشكرىّ لما اتّصل بهما خبر غيبة سليمان بن
جامع عن طهيئا ، اجتمعا وجمعا أصحابهما ، وقصدا القرية ، فقتلا فيها
وأحرقا وانصرفا ، وجلا من أفلت ممن كان فيها ، فصاروا إلى القرية المعروفة
بالحجاجية، فأقاموا بها(١) . فكتب الجُبّائىّ إلى سليمان بخبر ما وردت به كُتب
أهل القرية ، مع ما ناله من أصحاب جُعْلان ، فأنهض قائد الزّنج سليمان
إلى طهيئا معجّلا، فوافاها، فأظهر أنه يقصد لقتال جُعْلان ، وعبّأ جيشه ،
وقدّم الجبائىّ أمامه فى السميريّات، وجعل معه خيلاً ورجلا ، وأمره بموافاة
مازروان والوقوف بإزاء عسكر ◌ُجْعلان، وأنْ يظهر الخيل ويرعاها بحيث يراها
أصحاب جُعْلان، ولا يُوقع بهم، وركب هو فى جيشه أجمع إلاّ نفراً يسيراً
خلّفهم فى عسكره، ومضى فى الأهواز حتى خرج على الهورَيْن المعروفين بالربَّة
والعمرقة . ثم مضى نحو محمد بن علىّ بن حبيب ، وهو يومئذ بموضع يقال له
تلّفَخَّار، فوافاه فأوقع به وقعةً غليظة ، قتل فيها قتلى كثيرة، وأخذخيلا كثيرة
وحاز غنائم جزيلة ، وقتل أخا لمحمد بن علىّ، وأفلت محمد ، ورجع سليمان ،
١٩٢١/٣
(١) ب: ((فيها)).

٥٣٧
سنة ٢٦٤
فلما صار فى صحراء بين البزّاق والقرية وافته خيل لبنى شيبان ، وقد كان
فيمن أصاب سليمان بتلّفخّار سيد من سادات بنى شيبان، فقتله وأسر ابنًا له
صغيراً، وأخذ حِجْراً (١) كانت تحته، فانتهى خبره إلى عشيرته ، فعارضوا سليمان
بهذه الصحراء فى أربعمائة فارس . وقد كان سليمان وجّه إلى مُمير بن عمار
خليفته بالطفّ حين توجّه إلى ابن حبيب ، فصار إليه ، فجعله دليلا لعلمه
بتلك الطريق ، فلمَّا رأى سليمان خيل بنى شيبان قدّم أصحابه أجمعين إلاّ ١٩٢٢/٣
عمير بن عمار فإنه انفرد ، فظفرت به بنو شيبان فقتلوه ، وحملوا رأسه ،
وانصرفوا .
وانتهى الخبر إلى الخبيث، فعظُ عليه قتل مُمير، وحمل سليمان إلى الخبيث
ما كان أصاب من بلد محمد بن على بن حبيب ؛ وذلك فى آخر رجب
من هذه السنة . فلما كان فى شعبان نهض سليمان فى جَمْع من أصحابه ؛
حتى وافى قرية حسان ، وبها يومئذ قائد من قوّاد السلطان يقال له جيْش
ابن حمرتكين ، فأوقع به ، فأجفل عنه ، وظفر بالقرية فانتهبها ، وأحرق
فيها وأخذ خيلا ، وعاد إلى عسكره . ثم خرج لعشر خلوْن من شعبان إلى
الحوانيت ، وأصعد الجبائىّ فى السميريّات إلى برمساور، فوجد هنالك صلاغاً
فيها خیل من خيل جعلان، كان أراد أن يوافى بها نهر أبان . وقد كان خرج
إلى ما هناك متصيّداً ، فأوقع الجبائىّ بتلك الصلاغ، فقتل مَنْ فيها ، وأخذ
الخيل - وكانت اثنى عشر فرساً - وعاد إلى طهيئا. ثم نهض سليمان إلى تلّ"
رمانا ، لثلاث بقين من شعبان فأوقع بها ، وجلا عنها أهلها ، وحاز ما كان
فيها. ثم رجع إلى عسكره ، ونهض لعشر ليالى خلّوْن من شهر رمضان إلى
الموضع المعروف بالجازرة ، وأبًّا يومئذ هناك، وُجَعْلان بمازروان.
وقد كان سليمان كتب إلى الخبيث فى التوجيه إليه بالشّذا ، فوجّه إليه عشر
شذوات ، مع رجل من أهل عبَّادان يقال له الصقر بن الحسين ، فلمّا وافى
سليمان الصّقر بالشَّذا أظهر أنه يريد جُعْلان، وبادرت (٢) الأخبار إلى جُعْلان
(١) الحجر: الأنثى من الخيل، وفى ب: ((فرس)). (٢) ابن الأثير: ((فبلغت)).
١٩٢٣/٣

٥٣٨
سنة ٢٦٤
بأن سليمان يريد موافاته ؛ فكانت همّته ضبط عسكره . فلما قَرُب سليمان من
موضع أبّا مال إليه ، فأوقع به، وألفاه غارًا بمجيئه ، فنال حاجته ، وأصاب
ستَّ شذَوات .
قال محمد بن الحسن : قال جبّاش: كانت الشَّدَوات ثمانية ، وجدها
فى عسكره ، وأحرق شذاتين كانتا على الشطّ، وأصاب خيلاً وسلاحًا وأسلاباً،
وانصرف إلى عسكره، ثم أظهر أنه يريد قصد تكين البخارىّ، وأعدّ مع الجبائىّ
وجعفر بن أحمد خال ابن الخبيث الملعون المعروف بأنكلاى سفنا . فلما وافت
السفن عسكر جُعْلان ، نهض إليها ، فأوقع بها، وحازها وأوقع سليمان من جهة
البرّ، فهزمه إلى الرُّصافة ، واسترجع سفنه، وحاز سبعة وعشرين فرسًا ومهرين
من خيل جُعْلان وثلاثة أبغل، وأصاب نهبًا كثيراً وسلاحًا، ورجع إلى طهيئا .
قال محمد : أنكر جبّاش أن يكون لتكين فى هذا الموضع ذكر ، ولم يعرف
خبر العبادانىّ فى تكين (١)، وزعم أنّ القصد لم يكن إلاّ إلى جُعْلان، وقد كان
خبره خفى على أهل عسكره حتى أرجفوا بأنه قد قُتل وقتل الجبّائىّ معه ، فجزعوا
أشدّ الجزع ، ثم ظهر خبره وما كان منه من الإيقاع يجعلان ، فسكنوا وقرّوا
إلى أن وافى(٢) سليمان، وكتب بما كان منه إلى الخبيث، وحمل أعلامًا
وسلاحًا ، ثم صار سليمان إلى الرُّصافة فى ذى القعدة ، فأوقع بمطر بن جامع ،
وهو يومئذ مقيم بها ، فغنم غنائم كثيرة ، وأحرق الرّصافة ، واستباحها ، وحمل
أعلاماً إلى الخبيث، وانحدر لخمس ليال خلون من ذى الحجة سنة أربع وستين
ومائتين إلى مدينة الخبيث ، فأقام ليعيّد هناك ويقيم فى منزله ، ووافى مطر بن
جامع القرية المعروفة بالحجّاجية، فأوقع بها، وأسر جماعةً من أهلِها.
وكان القاضى بها من قبَل سليمان رجلاً من أهلها يقال له سعيد بن السيد العدوىّ،
فأسير وحُميل إلى واسط هو وثعلب بن حفص وأربعة قوّاد كانوا معه ، فصاروا
إلى الحرجليّة على فرسخيْن ونصف من طهِيثا ، ومضى الجبائىّ فى الخيل والرجُل
١٩٢٤/٣
(١) ب: ((وتكين)).
(٢) ب: ((فوافيا)).

٥٣٩
سنة ٢٦٤
لمعارضة مطر، فوافى الناحية وقد نال مطر ما نال منها ، فانصرف عنها ، وكتب
إلى سليمان بالخبر ، فوافى سليمان يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من ذى الحجة من
هذه السنة ، ثم صرف جُعْلان، ووافى أحمد بن ليثويه ، فأقام بالشديدية ،
ومضى سليمان إلى موضع يقال له نهر أبان ، فوجد هناك قائداً من قوّاد ابن
ليثویه یقال له طُرْناج ، فأوقع به وقتله .
قال محمد : قال جبّاش: المقتول بهذا الموضع بينتَك، فأما طُرْناج فإنه
قتل بمازروان . ثم وافى الرّصافة، وبها يومئذ عسكر مطر بن جامع ، فأوقع
به ، فاستباح عسكره ، وأخذ منه سبع شَدَوات، وأحرق شَذَاتين، وذلك ١٩٢٥/٣
فى شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين .
قال محمد : قال جبّاش : كانت هذه الوقعة بالشديديّة ، والذى أخذ
يومئذ ست شذوات ، ثم مضی سلمان فیخمس شد وات ، ورتّب فيها صنادید
قوّاده وأصحابه، فواقعه تکین البخارى بالشدیدیة، وقد كان ابن ليشویه حينئذ
صار إلى ناحية الكوفة وجمُنْبُلاء، فظهر تكين على سليمان، وأخذ منه الشذّوات
التى كانت معه بآلتها وسلاحها ومقاتلتها ، وقتل فى هذه الوقعة جِلّة قوّاد
سليمان .
ثم زحف ابن ليثويه إلى الشديديّة، وضبط تلك النواحى إلى أن ولَّى
أبو أحمد محمّدًاً المولَّد واسطًا .
قال محمد : قال جباش :لمّا وافی ابن ليثويه الشديديّة سار إليه سلمان،
فأقام یومین یقاتله، ثم تطارد له سلیمان فى اليوم الثالث، وتبعه ابن ليثويه فيمن
تسرّع معه ، فرجع إليه سليمان، فألقاه فى فوّهة بردودا ، فتخلص بعد أن أشفى
على الغرق . وأصاب سليمان سبع عشرة دابة من دوابٌ ابن ليثويه .
قال : وكتب سليمان إلى الخبيث يستمدّه ، فوجه إليه الخليل بن أبان فى
زُهاء ألف وخمسمائة فارس، ومعه المذوّب ، فقصد عند موافاة هذا المدد إياه
لمحاربة محمد المولّد ، فأوقع به فهرب المولّد، ودخل الزّنج واسطًاً، فقتل بها

٥٤٠
١٩٢٦/٣
١٩٢٧/٣
سنة ٢٫٦٤
خلْق كثير، وانتهبت وأحرقت ، وكان بها إذ ذاك كنجور البخارىّ ، فحامى
يومه ذلك إلى وقت العصر ، ثم قتل. وكان الذى يقود الخيل يومئذ فى عسكر
سليمان بن جامع الخليل بن أبان وعبد الله المعروف بالمذوّب. وكان الجُبّائىّ فى
السميريّات، وكان الزنجىّ بن مهربان فى الشَّذَوات ، وكان سليمان بن جامع
فى قوّاده من السودان ورجّالته منهم ، وكان سليمان بن موسى الشعرانىّ وأخواه
فى خيله ورجْله مع سليمان بن جامع ؛ فكان القوم جميعًا يداً واحدة . ثم
انصرف سليمان بن جامع عن واسط، ومضى بجميع الجيش إلى جُنْبُلاء ليعيث
ويخرب، ووقع بينه وبين الخليل بن أبان اختلافٌ ، فكتب الخليل بذلك إلى
أخيه علىّ بن أبان، فاستعفى له قائد الزنج من المُقام مع سليمان ، وأذن للخليل
بالرجوع إلى مدينة الخبيث مع أصحاب علىّ بن أبان وغلمانه ، وتخلّف
المذوَّب فى الأعراب مع سليمان، وأقام بمعسكره أيامًا ، ثم مضى إلى نهر الأمير،
فعسكر به، ووجّه الجبائىَّ والمذوّب إلى جُنْبُلاء، فأقاما هنالك تسعين ليلة ،
وسليمان معسكر بنهر الأمير .
قال محمد : قال جبّاش: كان سليمان معسكرا بالشديديّة.
٠
[ ذكر خبر خروج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامرًا]
وفى هذه السنة خرج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامُرًا، ومعه الحسن
ابن وهب، وشيّعه أحمد بن الموفّق ومسرور البلخىّ وعامة القواد ؛ فلما صار
بسامُرًا غضب عليه المعتمد وحبسه وقيّده، وانتهب داره ودارى ابنيْه وهب
وإبراهيم ، واستوزر الحسن بن مخلّد لثلاث بقين من ذى القعدة ، فشخص
الموفّق من بغداد ومعه عبيد الله بن سليمان، فلما قرب أبو أحمد من سامُرًا
تحوّل المعتمد إلى الجانب الغربىّ، فعسكر به، ونزل أبو أحمد ومَنْ معه
جزيرة المؤيد ، واختلفت الرسل بينهما . فلمّا كان بعد أيام خَلَوْن من
ذى الحجة ، صار المعتمد إلى حَرّاقة فى دِجْلة ، وصار إليه أخوه أبو أحمد
فى زلال ؛ فخلع على أبى أحمد وعلى مسرور البلخىّ وكيفلع وأحمد بن موسى