النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١٠٠
سنة ٢٥٥
عن علامات فى بدنه ذكر أنه عرفها فيه ، فأقام معه ليلته تلك يحادثه .
وكان إذا نزل اعتزل عسكره بأصحابه الستة ، ولم يكن يومئذ يُنكر النبيذ
على أحد من أصحابه ، وكان يتقدّم إلى محمد بن سلم فى حفظ عسكره ؛
فلما كان فى تلك الليلة أتاه فى آخر الليل رجلٌ من أهل الكَرْخ ، فأعلمه
أن رُمَيْسًا وأهل المفتح والقرى التى تتصل بها وعقيلا وأهل الأبُليّة قد أتوهومعهم
الدّبيلا بالسلاح الشاك ، وأنّ الحميرىّ فى جمع من أهل الفُرات وقد صاروا
فى تلك الليلة إلى قنطرة نهر ميمون ، فقطعوها ليمنعوه العبور. فلمّا أصبح أمر،
فصيح بالزّنج ، فعبروا دُجيلا ، وأخذ فى مؤخر الكرخ حتى وافى نهر ميمون ،
فوجد القنطرة مقطوعة، والناس فى شرقىّ(١) النّهر والسُّمَيْريّات فى بطنه، والدبيلا
فى السُّمْيريات، وأهل القرى فى الجريبيّات والمجونحات ؛ فأمر أصحابه بالإمساك
عنهم ، وأن يرحلوا عن النهر توقّيًا للنُّشاب، ورجع فقعد على مائة ذراع من
القرية ؛ فلمّا لم يروا أحداً يقاتلهم خرج منهم قوم ليعرفوا الخبر ، وقد كان
أمر جماعة من أصحابه ، فأتوا القرية ، فكَمَنُوا فيها مخفين لأشخاصهم ؛
فلما أحسوا خروج مَنْ خرج منهم ، شدّوا عليهم ، فأسروا اثنين وعشرين
رجلاً ، وسعوا نحو الباقين ، فقتلوا منهم جماعة على شاطئ النهر ، ورجعوا
إليه بالرءوس والأسرى، فأمر بضرب أعناقهم بعد مناظرة جرتْ بينه وبينهم ،
وأمر بالاحتفاظ بالرءوس ، وأقام إلى نصف النهار ؛ وهو يسمع أصواتهم ،
فأتاه رجل من أهل البادية مستأمنًا ، فسأله عن غَوْر النهر ؛ فأعلمه أنه يعرف
موضعًا منه يُخاض ، وأعلمه أن القوم علی معاودته بجمعهم يقاتلونه ؛ فنهض
مع الرَّجل حتى أتى به موضعًا على مقدار ميل من المحمّدية ، فخاض النهر
بين يديه، وخاض الناس خلفه، وحمله ناصح المعروف بالرملىّ ، وعبر
بالدواب ؛ فلما صار فی شرقىّ النھر کرّ راجعًا نحو نهر ميمون ؛ حتى أتى
المسجد فنزل فيه ، وأمر بالرءوس فنُصِبت ، وأقام يومه ، وانحدر جيش
رُميس بجمعه فى بطن ◌ُدُجيل، فأقاموا بموضع يعرف بأقشَى بإزاء النهر المعروف
١٧٦١/٣
(١) س: ((شرق)).

٤٢٢
١٧٦٢/٣
١٧٦٣/٣
سنة ٢٥٥
بَبرد الخيار، ووجّه طليعة فرجع إليه ، فأخبره بمقام القوم هناك، فوجّه من
ساعته ألفَ رجل، فأقاموا بسبَخة هناك على فُوّهة هذا النهر، وقال لهم : إن
أتوْكم إلى المغرب؛ وإلاّ فأعلمونى. وكتب كتاباً إلى عَقيل، يذكره فيه(١)
أنه قد بايعه فى جماعة من أهل الأبُلّة، وكتب إلى رُميس يذكره حلفه له
بالسِّيب أنه لا يقاتله ؛ وأنه يُنهى أخبارَ السلطان إليه ، ووجّه بالكتابين
إليهما مع بعض الأكرة بعد أن أحلفه أن يوصلهما .
وسار من نهر ميمون يريد السَّبَخّة التى كان هيّأ فيها طليعةً؛ فلمّا صار
إلى القادسية والشيّفِيمَا، سمع هناك نعيراً، ورأى رميًا ؛ وكان إذا سار يتنكب
القرى ؛ فلم يدخلْها ، وأمر محمد بن سَلْم أن يصير إلى الشّيفيا فى جماعة ؛
فيسأل أهلها أن يُسلموا إليه قاتل الرجل من أصحابه فى ممرّه كان بهم ؛
فرجع إليه، فأخبره أنهم زعموا أنَّه لا طاقة لهم بذلك الرّجل لولائه من الهاشميين(٢)
ومنعهم له ؛ فصاح بالغلمان ، وأمرهم بانتهاب القريتين ، فانتهب منهما مالاً
عظيمًا ؛ عينًا ووَرِقا وجوهراً وحُلِيًّاً وأوانى ذهب وفضة ، وسبى منهما يومئذ
غلمانًا ونسوة ؛ وذلك أوّلُ سَبْ سُبى، ووقفوا على دار فيها أربعة عشر
غلاماً من غلمان الشورج ، قد ◌ُدّ عليهم باب ؛ فأخذهم وأتِىَ بمولى
الهاشميين القاتل صاحبه فأمر محمد بن سلم بضرب عنقه ، ففعل ذلك ،
وخرج من القريتين فى وقت العصر ، فنزل السَّبَخة المعروفة ببرد الخيار.
فلما كان فى وقت المغرب أتاه أحد أصحابه الستّة، فأعلمه أن أصحابه ،
قد شغلوا بخمور وأنبذة وجدوها فى القادسيّة ؛ فصار ومعه محمد بن سلم ويحيي
ابن محمد إليهم ، فأعلمهم أنّ ذلك مما لا يجوز لهم ، وحرّم النبيذ فى ذلك
اليوم عليهم ، وقال لهم: إنكم تلاقون جيوشًا تقاتلونهم(٣)، فدعوا شُرب النبيذ
والتشاغل به ، فأجابوه إلى ذلك ؛ فلما أصبح جاءه غلام من السودان ، يقال
له قاقويه ، فأخبره أن أصحاب رُميس قد صاروا إلى شرقىّ ◌ُدُجيل ، وخرجوا
إلى الشطّ ، فدعا علىّ بن أبان ، فتقدم إليه أن يمضىَ بالزّنج ، فيوقع بهم ؛
(١) ف: ((يذكر له)).
(٣) س: ((يقاتلونكم)).
(٢) س: ((بالهاشميين اولائه منهم)).

٤٢٣
سنة ٢٥٥
ودعا مشرقًا ، فأخذ منه إصطرلاباً ، فقاس به الشمس ، ونظر فى الوقت ،
ثم عبر وعبر الناس خلفه القنطرة التى على النهر المعروف ببرد الخيار ؛ فلما
صاروا فى شرقيّه ، تلاحق الناس بعلىّ بن أبان ، فوجدوا أصحاب رُميس
وأصحاب عقيل على الشط، والدَّبيلا فى السفن يرمون بالنُّشاب ، فحملوا
عليهم ؛ فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة ، وهبّتْ ريح من غربىّ دُجيل ، فحملت
السفن، فأدنتها من الشطّ، فنزل السودان إليها، فقتلوا مَنْ وجدوا فيها، ١٧٦٤/٣
وانحاز رُميس ومَنْ كان معه إلى نهر الدير على طريق أقشى ، وترك سفنه
لم يحرّكها ليظنّ أنه مقيم، وخرج عقيل وصاحب ابن أبى عون إلى دِجْلة
مبادريْن ؛ لا يلويان على شىء .
وأمر صاحب الزَّنْج بإخراج ما فى السفن التى فيها الدَّبيلا ؛ وكانت مقرونًا
بعضها ببعض ، فنزل فيها قاقويه ليفتّشها ، فوجد رجلا من الدَّبيلا ، فحاول
إخراجَه فامتنع عليه ، وأهوى إليه بسُرتَى كان معه ؛ فضربه ضربة على
ساعده ، فقطع بها عِرقًا من عروقه ، وضربه ضربةً على رجله ، فقطعتْ
عصبةً من عصبه ، وأهوى له قاقويه ، فضربه ضربةً على هامته فسقط ، فأخذ
بشعره ، واحتزّ رأسه ؛ فأتى به صاحب الزّنج ، فأمر له بدينار خفيف ، وأمر
يحيى بن محمد أن يقوِّدَه على مائة من السودان . ثم سار صاحب الزَّنَج إلى
قرية تعرف بالمهليّ تقابل قَيَّاران، ورجع السودان الذين كانوا اتّبعوا(١)
عَقيلا وخليفة ابن أبى عون، وقد أخذ ◌ُميرّيّة فيها ملآّحان ؛ فسألهم عن الخبر ،
فقالوا : اتبعناهم فطرحوا أنفسهم إلى الشطّ، وتركوا هذه السميريّة ، فجئنا بها .
فسأل الملاّحيْن، فأخبراه أن عقيلا حملهما على اتباعه قهراً ، وحبس نساءهما
حتى اتّبعاه، وفعل ذلك بجميع مَنْ تبعه(٢) من الملاحين؛ فسألهما عن سبب
مجىء الدّبيلا ، فقالا: إنّ عقيلا وعدهم مالا ؛ فتبعوه ؛ فسألهما عن السفن
الواقعة بأقشى ، فقالا : هذه سفن رُميس وقد تركها ، وهرب فى أوّل النهار ،
فرجع حتى إذا حاذاها(٣) أمر السودان فعيروا، فأتوه بها ؛ فأنهبهم ما كان فيها ،
وأمر بها فأحرِقت ، ثم صار إلى القرية المعروفة بالمهلّبيّة واسمها تنغت ، فنزل
١٧٦٥/٣
(٣) س: ((جاوزها)).
(٢) س: ((معه)) .
(١) س: ((تبعوا)).
.............

٤٢٤
سنة ٢٥٥
قريبًا منها ، وأمر بانتهابها وإحراقها ؛ فانتُهبتْ وأحرقت، وسار على نهر
الماديان ، فوجد فيها تموراً ، فأمر بإحراقها .
وكان لصاحب الزَّنج بعد ذلك أمور من عيْئه هو وأصحابه فى تلك الناحية
تركنا ذكرها ، إذ لم تكن عظيمة ؛ وإن كان كلّ أموره كانت عظيمة .
١٧٦٦/٣
ثم كان من عظيم ما كان له من الوقائع مع أصحاب السلطان وقعة كانت
مع رجل من الأتراك يكنى أبا هلال فى سوق الريان ؛ ذكر عن قائد من قوّاده
يقال له ريحان، أن هذا التركىّ وافاهم فى هذا السوق ، ومعه زهاء أربعة آلاف
رجل أو يزيدون؛ وفى مقد مته قوم عليهم ثياب مشهرة وأعلام وطبول، وأن السودان
حملوا عليه حملة صادقة ، وأنّ بعض السودان ألقى صاحب علم القوم فضربه
بخشبتين كانتا معه فى يده فصرعه ، وانهزم القوم ، وتلاحق السودان ، فقتلوا
من أصحاب أبى هلال زُهاء ألف وخمسمائة . وإن بعضهم اتبع أبا هلال ففاته
بنفسه على دابة عُرْى (١)، وحال بينهم وبين من أفلت ظلمة الليل؛ وأنه
لما أصبح أمر بتتبعهم ، ففعلوا ذلك فجاءوا بأسرى ورءوس، فقتل الأسرى كلهم.
ثُمَّ كانت له وقعة أخرى بعد هذه الوقعة مع أصحاب السلطان ؛
هزمهم (٢) فيها، وظفر (٣) بهم، وكان مبتدأ الأمر فى ذلك - فيما ذكر عن
قائد لصاحب الزنج من السودان يقال له ريحان - أنه قال: لما كان فى بعض
الليل من ليالى هذه السنة التى ذكرنا أنه ظهر فيها ، سمع نباح كلب فى أبواب
تعرف بعمرو بن مسعدة ، فأمر بتعرّف الموضع الذى يأتى منه النّباح، فوجّه
لذلك رجلاً من أصحابه ، ثم رجع فأخبره أنه لم ير شيئًا ؛ وعاد النباح . قال
ريحان : فدعانى ، فقال لى: صر إلى موضع هذا الكلب النابح؛ فإنه إنما نَبَح
شخصًا يراه ، فصرتُ فإذا أنا بالكلب على المسنّة ، ولم أر شيئًا، فأشرفتُ
فإذا أنا برجل قاعد فى درجات هنالك ، فكلّمتُهُ ، فلما سمعنى أفصُحُ بالعربيّة
كلّمنى، فقال: أنا سَيْران بن عفوالله، أتيتُ صاحبكم بكتب من شيعته
بالبصرة ، وكان سيْران هذا أحدَ مَنْ صحب صاحب الزّنج أيام مُقامه
بالبصرة ، فأخذته فأتيته به ، فقرأ الكتب التى كانت معه ، وسأله عن الزّينيّ
(١) س: ((عربية)).
(٣) ب: ((فظفر)).
(٢) ف: ((فهزمهم)).

٤٧٥
سنة ٢٥٥
١٧٦٧/٣
وعن عدّة مَنْ كان معه ، فقال: إن الزّينيّ قد أعدّ لك الخول والمطّوعة
والبلالية والسعدية ؛ وهم خلق كثير ، وهو على لقائك بهم ببَيَان . فقال
له : اخفِض صوتَك، لئلا يراع الغلمان بخبرك (١). وسأله عن الذى (٢)
يقود هذا الجيش ، فقال : قد نُدِب لذلك المعروف بأبى منصور ؛ وهو أحد
موالى الهاشميين: قال له: أفرأيتَ جمعتهم ؟ قال: نعم؛ وقد أعدُّوا الشُّرُط
لكتف من ظفروا به من السودان ، فأمره بالانصراف إلى الموضع الذى يكون
فيه مُقامه ، فانصرف سيران إلى علىّ بن أبان ومحمد بن سلم ويحيى بن محمد ،
فجعل يحدّثهم إلى أن أسْفَر الصبح، ثم سار صاحب الزَّنج إلى أن أشرف
علیهم . فلما انتهى إلى مؤخّر تُرْسَى وبرسونا وسندادان بسيتان ، عرض له قوم
يريدون قتاله ، فأمر علىّ بن أبان فأتاهم فهزمهم ، وكان معهم مائة أسود ،
فظفر بهم . قال ريحان : فسمعته يقول لأصحابه : من أمارات تمام أمركم
ما تروْن من إتيان هؤلاء القوم بعبيدهم فيسلمونهم إليكم ؛ فيزيد الله فى عددكم.
ثم سارحتى صار إلى بَيَان .
قال ريحان : فوجّهنى وجماعة من أصحابه إلى الحجر لطلب الكاروان
وعسكرهم فى طرف النخل فى الجانب الغربىّ من بيان، فوجهنا (٣)
إلى الموضع الذى أمرنا (٤) بالمصير إليه ، فألفينا هناك ألفاً وتسعمائة سفينة ،
ومعها قوم من المطوّعة قد احتبسوها ، فلما رأوْنا خلَّوْا عن السفن ،
وعبروا سُلبان عَرايا ماضِين نحو جُوبك. وسقْنا السفن حتى وافيناه
بها ، فلما أتيناه بها أمر فبُسِط له على نشر من الأرض وقعد ، وكان
فى السفن قوم حجّاج أرادوا سلوك طريق البصرة؛ فناظرهم بقيّة يومه إلى وقت
غروب الشمس ، فجعلوا يصدقونه فى جميع قوله ، وقالوا : لو كان معنا فضل
نفقة لأقمنا معك ، فردّهم إلى سفُنهم ؛ فلما أصبحوا أخرجهم ، فأحلفهم
ألاّ يخبروا أحداً بعدّة أصحابه، وأن يقللوا أمره عند من سألهم عنه . وعرضوا
عليه بساطًا كان معهم ، فأبدله ببساط كان معه ، واستحلفهم أنه لا مال
١٧٦٨/٣
(١) ف: ((لخبرك)).
(٣) س: ((فتوحهنا)).
(٢) ب: ((من الذى)).
(٤) ب: ((أمر)).
٠٠٠٠٠
----

٤٢٦
١٧٦٩/٣
سنة ٢٥٥
للسلطان معهم ولا تجارة ، فقالوا : معنا رجل من أصحاب السلطان ، فأمر
بإحضاره ، فأحضر ، فحلف الرَّجل أنه ليس من أصحاب السلطان ، وأنه
رجل معه نتُقْل أراد به البصرة ، فأحضر صاحب السفينة التى وُجد فيها ،
فحلف له أنه إنما اتّجر فيه ، فحمله فخلى سبيله ، وأطلق الحجاج فذهبوا،
وشرع أهل سليمانان على بيان بإزائه فى شرقىّ النهر ؛ فكلمهم أصحابُه وكان
فيهم حسين الصيدنانىّ الذى كان صحبه بالبصرة ؛ وهو أحد الأربعة الذين
ظهروا بمسجد عبّاد، فلحق به يومئذ ؛ فقال له : لمَ أبطأتَ عنى إلى هذه
الغاية ؟ قال : كنتُ مختفيًاً، فلما خرج هذا الجيش دخلتُ فى سواده . قال :
فأخبيرْنى عن هذا الجيش ، ما هم ؟ وما عدّة أصحابه ؟ قال : خرج من
الخَوَّل بحضرتى ألف ومائتا مقاتل، ومن أصحاب الزينيّ ألف، ومن البلاليّة.
والسعدّية زهاء ألفين ، والفرسان مائتا فارس. ولما صاروا بالأبُلّة وقع بينهم وبين
أهلها اختلاف؛ حتى تلاعنوا، وشتم الخَوّلُ محمد بن أبى عون ، وخلفتُهم
بشاطئ عثمان وأحسبهم مصبّحيك فى غد . قال : فكيف يريدون أن يفعلوا
إذا أتونا ؟ قال : هم على إدخال الخيل من سندادان ببيان، ويأتيك رجَّالتهم
من جنیتی النهر .
فلما أصبح وجّه طليعةً ليعرف الخبر، واختاره شيخًا ضعيفًا زمينًا لئلا
يُعرض له؛ فلم يرجع إليه طليعتُه. فلمّا أبطأ عنه وجّه فتحًا الحجام ومعه ثلثمائة
رجل ، ووجّه يحيى بن محمد إلى سندادان ، وأمره أن يخرج فى سوف بيان ،
فجاءه فَتْح فأخبره أن القوم مقبلون إليه فى جمع كثير ، وأنهم قد أخذُوا
جنبى الشَّهر؛ فسأل عن المدّ ، فقيل: لم يأتِ بعدُ ، فقال: لم تدخل
خيلُهم بعد ، وأمر محمد بن سَلْم وعلىّ بن أبان أن يقعدا لهم فى النخل ، وقعد
هو على جبل مشرف عليهم ؛ فلم يلبث أن طلعت الأعلام والرّجال حتى
صاروا إلى الأرض المعروفة بأبى العلاء البلخىّ ؛ وهى عطفة على دُبّيران ؛ فأمر
الزّنج فكبّروا ثم حملوا عليهم فوافوا بهم دبيران ، ثم حمل الحوّل يقدُّمهم
أبو العباس بن أيمن المعروف بأبى الكباش وبشير القيسىّ، فتراجع الزَّنج حتى
بلغوا الجبل الذى هو عليه ، ثم رجعوا عليهم ؛ فثبتوا لهم ، وحمل أبو الكباش
على فَتْح الحجام فقتله ، وأدرك غلاماً يقال له دينار من السودان فضربه
١٧٧٠/٣

٤٢٧
سنة ٢٥٥
ضربات، ثم حمل السودان عليهم، فوافَوْا بهم شاطئ بيان ، وأخذتهم السيوف .
قال ريحان : فعهدى بمحمد بن سلم وقد ضرب أبا الكباش ، فألقى
نفسه فى الطين، فلحقه بعضُ الزّنج، فاحتزّ رأسه . وأما علىّ بن أبان ؛
فإنّه كان ينتحل قتل أبى الكباش وبشير القيسىّ ، وكان يتحدّث عن ذلك
اليوم فيقول : كان أوّل مَنْ لقينى بشير القيسىّ، فضربنى وضربتُه، فوقعتْ
ضربته فى تُرسى، ووقعت ضربتى فى صدره وبطنه ؛ فانتظمتْ جوانح صدره،
وفريتُ بطنَه ، وسقط فأتيته ، فاحتززتُ رأسه . ولقينى أبو الكباش ، فشُغيل
بى ، وأتاه بعضُ السودان من ورائه فضربه بعضًا كانت فى يده على ساقيه ؛
فكسرهما فسقط ، فأتيتُه ولا امتناع به، فقتلته واحتززتُ رأسه ؛ فأتيت بالرأسين
صاحب الزَّنج .
قال محمد بن الحسن بن سهل: سمعت صاحبَ الزّج يخبر أن عليًّا أتاه
برأس أبى الكباش ورأس بشير القيسىّ - قال: ولا أعرفهما - فقال: كان
هذان يقدمان (١) القوم، فقتلتهما فانهزم أصحابهما لمّا رأوا مصرعهما.
١٧٧١/٣
قال ريحان - فيما ذكر عنه: وانهزم الناس فذهبوا كلّ مذهب، واتّبعهم
السودان إلى نهر بَيَان، وقد جَزّرَ (٢) النهر، فلما وافوْه انغمسوا فى الوحْل،
فقتل أكثرهم . قال : وجعل السودان يمرّون بصاحبهم دينار الأسود الذى كان
أبو الكباش ضربه ، وهو جريح ملقى، فيحسبونه من الحوّل فيضربونه بالمناجل
حتى أثخِن ، ومرّ به من عرفه، فحمل إلى صاحب الزّنج، فأمر بمداواة
كلومه .
٠
:٠١
قال ريحان : فلما صار القوم إلى فُوّهة نهر بيان، وغرق مَنْ غرق ،
وأخذت السفن التى كانت فيها الدواب، إذا ملوّح يلوّح من سفينة، فأتيناه
فقال : ادخلوا النهر المعروف بشريكان ، فإنّ لهم کمینًا هناك ، فدخل يحي
ابن محمد وعلىّ بن أبان، فأخذ يحي فى غربىّ النهر ، وسلك علىّ بن أبان
فى شرقية ؛ فإذا كمين فى زهاء ألف من المغاربة ، ومعهم حسين الصَّيْدانىّ
(١) س، ف: ((مقدمان)).
(٢) الجزر : ضد المد .

٤٢٨
سنة ٢٥٥
أسيراً قال: فلمّا رأوْنا شدّوا على الحسين، فقطعوه قطعًا، ثم أقبلوا إلينا ،
ومدّوا رماحتهم ، فقاتلوا إلى صلاة الظهر ، ثم أكبّ السودان عليهم فقتلوهم
أجمعين ، وحَوْوا سلاحهم ؛ ورجع السودان إلى عسكرهم ؛ فوجدوا صاحبهم
قاعدًا على شاطئ بيان، وقد أتىَ بنيّف وثلاثين عَلَمًا وزهاء ألف رأس ،
فيها رعوس أنجاد الحَوّل وأبطالهم؛ ولم يلبث أن أتوه بزهير يومئذ .
١٧٧٢/٣
قال ريحان : فلم أعرفه ، فأتى يحيى وهو بين يديْه ، فعرفه فقال لى : هذا
زهير الخَوّل؛ فما استبقاؤك إياه! فأمر به فضُربت عنقه. وأقام صاحب الزنج
يومه وليلته . فلما أصبح وجّه طليعة إلى شاطئ دجلة، فأتاه طليعته ، فأعلمه
أن بدجلة شذاتَين لاصقتين بالجزيرة ، والجزيرة يومئذ على فُوّهة القَنْدَّل،
فردّ الطليعة بعد العصر إلى د جلة ليعرف الخبر؛ فلمّا كان وقت المغرب أتاه المعروف
بأبى العباس خال ابنه الأكبر ، ومعه رجل من الجند يقال له عمران ، وهو زَوْج
أم أبى العباس هذا، فصفّ لهما أصحابه، ودعا بهما ؛ فأدّى إليه عمران رسالة ابن
أبى عون ، وسأله أن يعبر بيانًا ليفارق عمله، وأعلمه أنه قد نحى الشذًا عن
طريقه ، فأمر بأخذ السفن التى تخترق بَيَانا من جُبّى، فصار أصحابه إلى
الحجر ، فوجدوا فى سُلبان مائتى سفينة ، فيها أعدال دقيق ، فأخِذَتْ ،
ووُجد فيها أكسية وبرّكانات، وفيها عشرة من الزَّنْج ، وأمر الناس بركوب
السفن ؛ فلما جاء المدّ(١) - وذلك فى وقت المغرب - عبر وعبر أصحابه حيال
فُوّهة القندل ، واشتدّت الريح، فانقطع عنه من أصحابه المکنی بأبى دلف ،
وكان معه السفن التى فيها الدقيق ؛ فلمّا أصبح وافاه أبو دلف فأخبره أن
الرّيح حملته إلى حسك عِمْران ، وأن أهل القرية همُّوا به ؛ وبما كان معه ،
فدفعهم عن ذلك . وأتاه من السودان خمسون رجلا ، فسار عند موافاة السفن
والسودان إياه حتى دخل القَنْدل ، فصار إلى قرية للمَعلَّى بن أيوب ، فنزلها ،
وانبثّ أصحابه إلى ◌ُدُبّا، فوجدوا هناك ثلثمائة رجل من الزَّنْج، فأتوْه بهم ،
ووجدوا وكيلاً للمعلّى بن أيوب، فطالبه بمال، فقال: اعبُرْ إلى برسان ،
١٧٧٣/٣
(١) س: ((حاوزوا)).

٤٢٩
سنة ٢٥٥
فآتيكَ بالمال ، فأطلقه ، فذهب ولم يَعُد إليه؛ فلما أبطأ عليه أمر بانتهاب
القرية فانتُهبت .
قال ريحان - فيما ذكر عنه: فلقد رأيت صاحب الزَّنج يومئذ ينتوب
معنا ، ولقد وقعتْ يدى ويده على جبّة صوف مُضرّبة ؛ فصار بعضها فى يده
وبعضها فى يدى ، وجعل يجاذبنى عليها حتى تركتُها له . ثم سار حتى صار
إلى مسلحة الزينبيّ على شاطئ القَنْدَل فى غربىّ النهر، فثبت له القوم الذين
كانوا فى المسلحة ؛ وهم يرون أنهم يطيقونه ، فعجزوا عنه ؛ فقتلوا أجمعين ؛
وكانوا زُهاء مائتين، وبات ليلته فى القَصْر، ثم غدا فى وقت المدّ قاصداً إلى
سَبَخة القَنْدل، واكتنف أصحابه حافتى النهر ، حتى وافوا مُنْذُران ، فدخل
أصحابُه القرية فانتهبوها، ووجدوا فيها جمعاً من الزَّنَج ، فأتوه بهم ، ففرّقهم
على قوّاده (١)، ثم صار إلى مؤخّرّ القَنْدل، فأدخل السفن النهر المعروف
بالحسَنىّ النافذ إلى النهر المعروف بالصالحىّ؛ وهو نهر يؤدى إلى دُبًّا، فأقام
بسبَخة هناك .
١٧٧٤/٣
فذكر عن بعض أصحابه أنه قال : ها هنا قوّد القوّاد ؛ وأنكر أن يكون
قوّد قبل ذلك . وتفرّق أصحابُه فى الأنهار حتى صاروا إلى مربّعةِ دُبًّا ،
فوجدوا رجلا من التمارين من أهل كلاّء البصرة ، يقال له محمد بن جعفر
المُريدىّ ، فأتوه به، فسلّم عليه وعرفه، وسأله عن البلاليّة، فقال: إنما أتيتُك
برسالتهم ، فلقينى السودان ، فأتوْك بى ، وهم يسألونك شروطاً إذا أعطيتهم
إياها سمعوا لك وأطاعوا ، فأعطاه ما سأل لهم ، وضمن القيام له بأمرهم ؛ حتى
يصيروا فى حيّزه، ثم خلّى سبيله، ووجّه معه مَنْ صيره إلى الفياض، ورجع
عنه ، فأقام أربعة أيام ينتظره ؛ فلم يأته ، فسار فى اليوم الخامس وقد سرّح
السفن التى كانت معه فى النهر ، وأخذ هو على الظهر فيما بين نهر يقال له
الدّاورْدانىّ والنهر المعروف بالحسّىّ والنهر المعروف بالصالحى ، فلم يتعدّ
حتى رأى خيلا مقبلة من نحو نهر الأمير زهاء سمائة فارس ، فأسرع أصحابُه
(١) فى: ((أصحابه)).

١٧٧٥/٣
٤٣٠
سنة ٢٥٥
إلى النهر الدّاوردانىّ، وكان الخيل فى غربيّه، فكلّموهم طويلاً ، وإذا هم قوم
من الأعراب فيهم عنترة بن حجنا وثمال، فوجّه إليهم محمد بن سلم ، فكلّم
ثمالا وعنترة ، وسألا عن صاحب الزَّنج ، فقال : ها هو ذا ، فقال : نريد
كلامَه، فأتاه فأخبره بقولهما، وقال له: لوكلّمتَهما! فزجره، وقال: إنّ
هذا مكيدة ، وأمر السودان بقتالهم ، فعَبَرُوا النهر، فعدلت الخيل عن السودان ،
ورفعوا علمًا أسود ، وظهر سلمان أخو الزینبیّ۔۔ و کان معهم۔۔ ورجع أصحاب
صاحب الرَّنْج ، وانصرف القوم ، فقال لمحمد بن سلم: ألم أعلمك أنهم إنما
أرادوا کیدنا !
وسار حتى صار إلى دُبًا ، وانبث أصحابه فى النخل ، فجاءوا بالغنيم
والبقر ، فجعلوا يذبحون ويأكلون ، وأقام ليلته هناك ؛ فلمّا أصبح سار حتى
دخل الأرخنج المعروف بالمطهرىّ ، وهو أرخنج ينفذ إلى نهر الأمير المقابل
للفيّاض من جانبيه ، فوجدوا هناك شهاب بن العلاء العنبرىّ ، ومعه قوم من
الحَول ، فأوقعوا به ، وأفلت شهاب فى نُفَيَر ممن كان معه ، وقُتِل من أصحابه
جماعة ، ولحق شهاب بالمنصف من الفياض ، ووجد أصحاب صاحب الزّنج
ستمائة غلام من غلمان الشورجيّين هناك ، فأخذوهم ، وقتلوا وكلاءهم، وأتوْه
بهم ، ومضى حتى انتهى إلى قصر يعرف بالجوهرىّ على السَّبَخة المعروفة
بالبرامكة ، فأقام فيه(١) ليلته تلك؛ ثم سار حيث أصبح حتى وافى السَّبَخة
التى تُشرَع على النهر المعروف بالدينارىّ، ومؤخرها يُفضى إلى النهر المعروف
بالمحدث ، فأقام بها ، وجمع أصحابه ، وأمرهم ألاّ يعجّلوا بالذهاب إلى البصرة
حتى يأمرهم (٢) وتفرّق أصحابُه فى انتهاب كلّ ما وجدوا، وبات هناك
ليلته تلك .
١٧٧٦/٣
(١) ب: ((فيهما)).
(٢) ف: ((يعلمهم)).

٤٣١
سنة ٢٥٥
ذكر الخبر عن مسير صاحب الزنج بزنوجه
وجيوشه فيها إلى البصرة
ذكر أنه سار من السَّبخة التى تشرع على النهر المعروف بالدينارىّ ،
ومؤخرها يفضى إلى النهر المعروف بالحدث ، بعد ما جمع بها أصحابه يريد
البصرة ؛ حتى إذا قابل النهر المعروف بالرياحىّ أتاه قوم من السودان ، فأعلموه
أنهم رأوا فى الرياحىّ بارقةً ، فلم يلبث إلاّ يسيراً حتى تنادى الزّنج السلاح ،
فأمر علىّ بن أبان بالعُبور إليهم ، وكان القوم فى شرقىّ النهر المعروف
بالدينارىّ، فعبَر فى زهاء ثلاثة آلاف، وحبّش(١) صاحب الزَّنّج عنده
أصحابه، وقال لعلىّ: إن احتجتَ إلى مزيد فى الرّجال فاستمدّنى. فلما
مضى، صاح الزّنج: السلاح! لحركة رأوْها من غير الجهة التى صار إليها علىّ ،
فسأل عن الخبر ، فأخبير أنه قد أتاه قوم من ناحية القرية الشارعة على نهر ١٧٧٧/٣
حرْب المعروفة بالجعفرية ، فوجّه محمد بن سليم إلى تلك الناحية .
فذكر عن صاحبه المعروف بريحان ، أنه قال : كنتُ فيمن (٢) توجّه
مع محمد ، وذلك فى وقت صلاة الظهر، فوافينا القومَ بالجعفريّة (٣)، فنَشب
القتال بيننا وبينهم إلى آخر وقت العصر ، ثم حمل السودان عليهم حملةٌ
صادقة ، فولّوْا منهزمين وقُتِل من الجند والأعراب وأهل البصرة البلالية
والسعدية خمسمائة رجل ، وكان فتْح المعروف بغلام أبى شيث معهم يومئذ ،
فولّ هاربًا، فاتّبعه فيروز الكبير ؛ فلما رآه جادًّا فى طلبه رماه ببيضة كانت
على رأسه ؛ فلم يرجع عنه ؛ فرماه بترسه فلم يرجع عنه ، فرماه بتنور حديد
كان عليه فلم يرجع عنه ؛ ووافى به نهر حرْب ، فألقى فتحٌ نفسه فيه ، فأفلت
ورجع فيروز ، ومعه ما كان فتح ألقاه من سلاحه ؛ حتى أتى به صاحب
الزَّنج .
قال محمد بن الحسن : قال شِبْل: حُكِى لنا أنّ فتحًا طفَر يومئذ
نهرَ حرب ، قال : فحدّثت هذا الحديث الفضل بن عدّىّ الدارمىَّ،
(١) س: ((وجلس)).
(٣) ب: ((فى الجعفرية)).
(٢) ب: ((من)).

٤٣٢
سنة ٢٥٥
فقال : أنا يومئذ مع السعديّة، ولم يكن على فتح تنُّور حديد ، وما كان عليه
إلا صُدْرة حرير صفراء ، ولقد قاتل يومئذ حتى لم يبق أحد يقاتل ، وأتى نهر
حرب، فوثبه حتى صار إلى الجانب الغربيّ منه. ولم يُعرف ما حكى ريحان
من خبر فير وز .
١٧٧٨/٣
قال : وقال ريحان : لقيتُ فيروز قبل انتهائه إلى صاحب الزَّنج ، فاقتصّ
علىّ قصّته وقصّة فَتْح، وأرانى السلاح . وأقبل الزّنج على أخذ الأسلاب ،
وأخذتُ على النهر المعروف بالدّينارىّ ؛ فإذا أنا برجل تحت نخلة عليه قلنسوة
خزّ، وحُفّ أحمر ودرّاعة ، فأخذتُه فأرانى كتبًا معه ، وقال لى : هذه كتبٌ
لقوم من أهل البصرة ، وجّهونى بها ، فألقيت فى عنقه عمامة ، وقدته إليه ،
وأعلمته خبره ، فسأله عن اسمه فقال: أنا محمد بنعبد الله ، وأکنی بأبى الليث،
من أهل أصبهان ؛ وإنما أتيتُك راغبًا فى صحبتك ، فقبله، ولم يلبث أن سمع
تكبيراً ؛ فإذا علىّ بن أبان قد وافاه ومعه رأسُ البلالىّ المعروف بأبى الليث
القواريرىّ .
قال : وقال شِبْل: الذى قتل أبا الليث القواريرىّ وصيف المعروف بالزّهرىّ
وهو من مذكورى البلاليّة، ورأس المعروف بعبْدان الكسبىّ، وكان له فى
البلاليّة صوت فى رءوس جماعة منهم ، فسأله عن الخبر فأخبره أنه لم یکن فیمن
قاتله أشدّ قتالا من هذين - يعنى أبا الليث وعبدان - وأنه هزمهم حتى ألقاهم
فى نهر نافذ ؛ وكانت معهم شذاة فغرّقها ، ثم جاءه محمد بن سلم ومعه رجل
من البلالية أسيرًا، أسره شِبْل يقال له محمد الأزرق القواريرى ، ومعه رءوس
كثيرة ، فدعا الأسير فسأله عن أصحاب هذين الجيشين ، فقال له : أما
الذين كانوا فى الرياحىّ فإنّ قائدهم كان أبا منصور الزّينبىّ، وأما الذين كانوا
مما يليى نهر حرب ، فإن قائدهم كان سليمان أخا الزينبى من ورائهم مُصْحرًا،
فسأله عن عددهم فقال له : لا أحصيهم ، إلاّ أنى أعلم أنهم كثير عددهم .
فأطلق (١) محمد القواريرىّ، وضمه إلى شِبْل، وسار حتى وافى سَبَخة
١٧٧٩/٣
(١) ف: ((وأطلق)).

٤٣٣
سنة ٢٥٥
الجعفرية ، فأقام ليلته بين القتلى ؛ فلما أصبح جمع أصحابه فحذَّرهم أن
يدخل أحد منهم البصرة ، وسار فتسرّع منهم أنكلويه وزُريق وأبو الخَنْجر -
ولم يكن قُوِّد يومئذ وسليم ووصيف الكوفىّ. فوافتَوا النهر المعروف بالشاذانى،
وأتاهم أهل البصرة ، وكثروا عليهم ؛ وانتهى الخبر إليه ، فوجّه محمد بن سلم
وعلىّ بن أبان ومشرقاً غلام يحيى فى خلق كثير ، وجاء هو يسايرهم ؛ ومعه
السفن التى فيها الدواب المحمولة ونساء الغلمان حتى أقام بقنطرة نهر كثير .
قال ريحان : فأتيته وقد رُميت بحجر ، فأصاب ساقى ، فسألنى عن الخبر
فأخبرته(١) أنّ الحرب قائمة ، فأمرنى بالرّجوع، وأقبل معى حتى أشرف على
نهر السيابجة . ثم قال لى : امض إلى أصحابنا ، فقل لهم يستأخروا عنهم ،
فقلت له : ابعد عن هذا الموضع فإنى لست آمنُ عليك الحول . فتنحى،
ومضيت فأخبرت القوّاد(٢) بما أمر به ، فتراجعوا، وأكبّ أهل البصرة عليهم ،
وكانت هزيمة وذلك عند العصر ، ووقع الناس فى النهرين : نهر كثير ونهر
شيطان ، فجعل يهتف بهم ويردّهم فلا يرجعون ، وغرق جماعة من أصحابه
فى نهر كثير ، وقتل منهم جماعة على شطّ النهر وفى الشاذانىّ ؛ فكان ممن
غرق يومئذ من قوّاده أبو الجون ومبارك البحرانيّ وغطاء البربرىّ وسلام الشأمىّ ،
ولحقه غلام أبى شيث وحارث القَيْسىّ وسُحيل ، فعَلَوا القنطرة ، فرجع إليهم
وانهزموا عنه حتى صاروا إلى الأرض ، وهو يومئذ فى 'دُرّاعة وعمامة وفعل
وسيف ، وتُرسه فى يده ؛ ونزل عن القنطرة وصعدها البصريون يطلبونه ، فرجع
فقتل منهم بيده رجلا على خمس مراق من القنطرة ، وجعل يهتف بأصحابه
ويعرّفهم مكانه ، ولم يكن بقى معه فى ذلك الموضع من أصحابه إلا أبو الشّوْك
ومصلح ورفيق غلام يحيى .
١٧٨٠/٣
قال ريحان : فكنت معه فرجع ؛ حتى صار إلى المعلّى، فنزل فى غربىّ
نهر شيطان .
قال محمد بن الحسن : فسمعتُ صاحب الزَّنج يحدّث ، قال : لقد
(١) ف: ((فأعلمته)).
(٢) س: ((حتى أخبرت)).

٤٣٤
١٧٨١/٣
١٧٨٢/٣
سنة ٢٥٥
رأيتُنى فى بعض نهار هذا اليوم ؛ وقد ضللت عن أصحابى ، وضلّوا عنى ،
فلم يبق معى إلا مصلح ورفيق، وفى رِجْلی نعل سندىّ، وعلىّ عمامة قد انحلّ
كُور منها فأنا أسحبها من ورائى ، ويعجلنى المشىُ عن رفعها ، ومعى سيفى
وتُرُسِى . وأسرع (١) مصلح ورفيق فى المشى وقصّرتُ، فغابا عنى ، ورأيت
فى أثرى رجلين من أهل البصرة ؛ فى يد أحدهما سيف ، وفى يد الآخر حجارة ،
فلما رأيانى عَرَفانى ، فجدّاً فى طلبى ، فرجعت إليهما ، فانصرفا عنى ،
ومضيتُ حتى خرجت إلى الموضع الذى فيه مجمع أصحابى ؛ وكانوا قد تحيّروا
لفقدی ؛ فلما رأونى سكنوا إلى رؤيتى .
قال ريحان : فرجع بأصحابه إلى موضع یعرف بالمعلی فی غربىّ نهر شيطان،
فنزل به ، وسأل عن الرّجال ؛ فإذا قد هرب كثير منهم ، ونظر فإذا هو من
جميع أصحابه فى مقدار خمسمائة رجل ، فأمر بالنفخ فى البوق الذى كانوا
◌ُجتمعون لصوته ، فلم يرجع إليه أحد ، وبات ليلته ، فلما كان فى بعض الليل
جاء الملقب بجُرْبان ، وقد كان هرب فيمن هرب ، ومعه ثلاثون غلاماً
فسأله : أين كانت غيبته ؟ فقال : ذهبت إلى الزّوارقة طليعة".
قال ريحان: ووجّهَنى لأتعرّف له مَنْ فى قنطرة نهر حسَرْب، فلم أجد
هناك أحداً ، وقد كان أهل البصرة انتهبُوا السفن التى كانت معه ، وأخذوا
الدواب التى كانت فيها فى هذا اليوم ، وظفروا بمتاع من متاعه ، وکتب من
کتبه ، وإصطلابات كانت معه؛ فلما أصبح من غد هذا اليوم نظر فى عدة (٢)
أصحابه ، فإذا هم ألف رجل قد كانوا ثابوا إليه فى ليلتهم تلك .
قال ريحان : فکان فیمن هرب شبل ، وکان ناصح الرملىّ ینکر هرب
شبل . قال ريحان : فرجع شبل من غد ، ومعه عشرة غلمان ، فلامه وعنّفه ،
وسأل عن غلام كان يقال له نادر يكنى بأبى نعجة ، وعن عنبر البربرىّ ؛
فأخبر أنهما هربا فيمن هرب ، فأقام فى موضعه ، وأمر محمد بن سلم أن يصير
إلى قنطرة نهر كثير ، فيعظ الناس ويُعلمهم ما الذى دعاه إلى الخروج، فصار
محمد بن سلم وسليمان بن جامع ويحيى بن محمد ، فوقف سليمان ويحيى ، وعبر
(٢) س: ((عدد)».
(١) ف: ((فأسرع)).

٤٣٥
سنة ٢٥٥
محمد بن سلم حتى توسَّط أهل البصرة ، وجعل يكلِّمهم ، ورأوْا منه غِرّة
فانطووا عليه ؛ فقتلوه .
قال الفضل بن عدىّ: عَبَر محمد بن سلم إلى أهل البصرة ليعظهم وهم
مجتمعون فى أرض تعرف بالفضل بن ميمون ؛ فكان أوّل من بدر إليه وضربه
بالسيف فَتَحٌ غلام أبى شيث ، وأتاه ابن التّومِىّ السعدى ، فاحتزّ رأسه ،
فرجع سليمان ويحيى إليه ، فأخبراه الخبر ، فأمرهما بطىّ ذلك عن الناس حتى
يكون هو الذى يقوله لهم ، فلمّا صلى العصر نعى محمد بن سلم لأصحابه ،
وعرف خبره من لم يكن عرفه ، فقال لهم : إنكم تقتلون به فى غد عشرة آلاف
من أهل البصرة. ووجّه زُريقاً وغلامًا له يقال له سقلبتويا ، وأمرهما بمنع الناس
من العبور ؛ وذلك فى يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة
خمس وخمسين ومائتين .
١٧٨٣/٣
قال محمد بن الحسن : فحدثنى محمد بن سمعان الكاتب ، قال : لما كان
فى يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذى القعدة جمع له أهل البصرة ،
وحشدوا له لما رأوا من ظهورهم عليه فى يوم الأحد ، وانتدب لذلك رجل من
أهل البصرة يعرف بحمّاد الساجىّ- وكان من غُزاة البحر فى الشَّذا، وله علم
بركوبها والحرب فيها ، فجمع المطوّعة ورماة الأهداف وأهل المسجد الجامع
ومَنْ خفّ معه من حزبى البلالية والسعدية، ومَنْ أحبّ النظر من غير هذه
الأصناف من الهاشميين والقرشيين وسائر أصناف الناس ، فشحن ثلاثة مراکب
من الشّذا من الرماة ، وجعلوا يزدحمون فى الشذا حرصاً على حضور ذلك
المشهد ، ومضى جمهور الناس رحّالة، منهم من معه السلاح ، ومنهم نظّارة
لا سلاح معهم ، فدخلت الشَّذا والسفن النھر المعروف بأم حبيب بعد زوال
الشمس من ذلك اليوم فى المدّ . ومرّت الرّجالة والنظارة على شاطئ النهر ،
قد سدّوا ما ينفذ فيه البصر تكاثفاً وكثرة ، وكان صاحب الزنج مقيمًا بموضعه
٠
من النهر المعروف بشيطان .
قال محمد بن الحسن : فأخبرنا صاحبُ الزّنج أنه لما أحسّ بمصير الجمع
إليه ، وأتته طلائعه بذلك وَجّه زُريقاً وأبا الليث الأصبهانيّ فى جماعة

٤٣٦
١٧٨٤/٣
سنة ٢٥٥
معهما فى الجانب الشرقىّ من النهر كمينا وشبْلاً وحسيناً الحمامى فى جماعة من
أصحابه فى الجانب الغربيّ بمثل ذلك ، وأمر علىّ بن أبان ومَنْ بقى معه من
جمعه بتلقی القوم ، وأن يحثوا لهم فیمن معه، ويستتروا بتراسهم فلا يثور إليهم
منهم ثائر حتى يوافيتهم القوم ويُوموا إليهم بأسيافهم ؛ فإذا فعلوا ذلك
ثاروا إليهم . وتقدّم إلى الكمينين: إذا جاوزهما الجمع وأحسًا بثورة أصحابهم
إليهم أن يخرجا من جنبنى النهر، ويصيحا بالناس . وأمر نساء الزّنج بجمع
الآجرّ وإمداد الرجال به .
قال : وكان يقول لأصحابه بعد ذلك: لمّا أقبل إلىّ الجمع يومئذ وعاينته
رأيت أمراً هائلاً راغنى ، وملأ صدرى رهبة وجزعاً ، وفزعت إلى الدعاء ،
وليس معى من أصحابى إلاّ نفر يسير ؛ منهم مصلح ؛ وليس منا أحد إلا وقد
خُبِّل له مصرعه فى ذلك. فجعل مصلح يعجبنى من كثرة ذلك الجمع، وجعلت
أومى إليه أن يمسك(١) فلما قرب القوم منى قلت: اللهم إن هذه ساعة العسرة ،
فأعنى ، فرأيت طيوراً بيضًا تلقّتْ ذلك الجمع، فلم أستمّ كلامى حتى بصرت
بُسميريّة قد انقلبتْ بمن فيها، فغرقوا (٢) ثم تلتها الشّذا، وثار أصحابى
إلى القوم الذين قصدوا لهم فصاحوا بهم. وخرج الكمينان عن جنبتى النهر
من وراء السفن والرّجّالة، وخبطوا مَنْ ولى من الرّجّالة والنظَّارة الذين كانوا
على شاطئ النهر المعروف ، فغرقت طائفة ، وقتلت طائفة ، وهربت طائفة
نحو الشطّ طمعًا فى النجاة، فأدركها السيف؛ فمن ثبت قُتِل، ومن رجع إلى
الماء غرق ، ولجأ من كان على شاطئ النهر من الرّجّالة إلى النهر فغرقوا
وقتلوا، حتى أبيرأكثر ذلك الجمع، ولم ينج منهم إلا الشريد، وكثر المفقودون
بالبصرة، وعلا العويل من نسائهم. وهذا يوم الشذا الذى ذكره الناس، وأعظموا
ما كان فيه من القتل . وكان فيمن قتل من بنى هاشم جماعة من ولد جعفر
ابن سليمان وأربعون رجلا من الرّماة المشهورين ؛ فى خلق كثير لا يحصى عددهم
١٧٨٥١٣
(١) ب ((بالسكر)).
(٢) ب: ((فغرقت)).

٤٣٧
سنة ٢٥٥
وانصرف الخبيث وجُمعت له الرءوس، فذهب إليه جماعة من أولياء القتلى ،
فعرضها عليهم، فأخذوا ما عرفوا منها، وعبّأ ما بقى عنده من الرءوس التى لم يأت
لها طالب فى جريبيّة ملأها منها ، وأخرجها من النهر المعروف بأم حبيب فى
الجزر ، وأطلقها . فوافت البصرة ، فوقفت فى مشرعة تعرف بمشرعة القيّار ،
فجعل الناس يأتون تلك الرءوس ، فيأخذ رأس كل رجل أولياؤه، وقوىّ عدو"
اللّه بعد هذا اليوم ، وتمكن الرّعب فى قلوب أهل البصرة منه ، وأمسكوا عن
حربه . وكتب إلى السلطان بخبر ما كان منه، فوجّه جُعْلان التركىّ مدداً
لأهل البصرة، وأمر أبا الأحوص الباهلىّ بالمصير إلى الأبُلّة واليًا، وأمدّه برجل
من الأتراك يقال له جُريح .
١٧٨٦/٣ -
فزعم الخبيث أنّ أصحابه قالوا له بعقب هذه الوقعة : إنا قد قتلنا مقاتلة
أهل البصرة، ولم يبق فيها إلا ضعفاؤهم ومَنْ لا حراك به، فأذنْ لنا فى تقحُّمها.
فزَبَرَهم وهجَّن آراءهم ، وقال لهم : لا بل ابعدوا عنها ؛ فقد أرعبناهم وأخفناهم
وأمنتم جانبهم؛ فالرأى الآن أن تدعوا حربَهم حتى يكونوا هم الذين يطلبونكم .
ثم انصرف بأصحابه إلى سَبّخة بمآخير أنهارهم، إردب يقارب النهر المعروف
بالحاجر . قال شبل : هى سبخة أبى قرّة وقعها بين النهرين : نهر أبى قرّة
والنهر المعروف بالحاجر .
فأقام هناك ، وأمر أصحابه باتخاذ الأكواخ ، وهذه السبخة متوسطة النخل
والقرى والعمارات، وبثّ أصحابه يمينًا وشمالاً يغير بهم على القرى ، ويقتل
بهم الأكرة وينهب أموالهم ، ويسوق مواشيهم .
١٧٨٧/٣
فهذا ما كان من خبره وخبر الناس الذين قربوا من موضع مخرجه فى هذه
السنة .
ولليلتين بقيتا من ذى القعدة منها حُبس الحسن بن محمد بن أبى الشوارب
القاضى، ووُلِّىَ عبد الرحمن بن نائل البصرىّ قضاء سامرًا فى ذى الحجة منها.
وحجّ بالناس فيها علىّ بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علىّ.
٠ ٠
...

٤٣٨
ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة
٠ ٠
[ ذكرالخبر عن وصول موسى بن بغا إلى سامرًا واختفاء صالح ]
فمن ذلك ما كان من موافاة موسى بن بُغا سامُرًا واختفاء صالح بن وصيف
المقدَمَه ، وحَمْل من كان مع موسى من قوّاد المهتدى من الجوسق إلى دار
باجور .
١٧٨٨/٣
ذكر أنّ دخول موسى بن بغا سامرًا بمن معه كان يوم الاثنين لإحدى
عشرة ليلة خلتْ من المحرّم من هذه السنة ؛ فلما دخلها أخذ فى الحَيْر، وعيّأ
أصحابه ميمنة وميسرة وقلباً فى السلاح، حتى صار إلى باب الحّيْر مما يلى الجوسق
والقصر الأحمر ؛ وكان ذلك يوماً جلس فيه المهتدى للناس للمظالم ؛ فكان
ممن أحضره فى ذلك اليوم بسبب المظالم أحمد بن المتوكل بن فتيان ؛ فكان فى
الدار إلى أن دخل الموالي ، فحملوا المهتدى إلى دار ياجور، واتّبعه أحمد بن
المتوكّل إلى ما هناك، فلم يزل موكّلا به فى مضرب مفلح إلى أن انقطع الأمر،
ورُدَّ المهتدى إلى الجوسق، ثم أطلق. وكان القيم بأمر دار الخلافة بايكباك ،
فصيّرها إلى ساتكين قبل ذلك بأيام ، فظنّ الناس أنه إنما فعل ذلك لثقته
بساتكين ، وأنه على أن يغلب على الدار والخليفة وقت قدوم موسى . فلما كان
فى ذلك اليوم لزم منزله ، وترك الدار خالية ، وصار موسى فى جيشه إلى الدار ،
والمهتدى جالس للمظالم ؛ فأعلم بمكانه ، فأمسك ساعة عن الإذن ، ثم أذن
لهم، فدخلوا فجرى من الكلام نحوُ ما جرى يوم قَدِمِ الوفد والرسل ، فلمّا طال
الكلام تراطنوا فيما بينهم بالتركيّة ، وأقاموه من مجلسه ، وحملوه على دابة
من دواب الشاكريّة ، وانتهبوا ما كان فى الجوْسق من دوابّ الخاصة ، ومضوْا
يريدون الكرخ، فلما صاروا عند باب الحيْر فى القطائع عند دار ياجور أدخلوه
دار یاجور .
فذُكِرِ عن بعضِ الموالى ممن حضرهم ذلك اليوم، أنّ سبب أخذهم المهتدى
١٧٨٩/٣

٤٣٩
سنة ٢٥٦
ذلك اليوم كان أنّ بعضهم قال لبعض: إنّ هذه المطاولة إنما هى حيلة عليكم
حتى يكبسكُمْ صالح بن وصيف بجيشه، فخافوا ذلك، فحملوه وذهبوا به إلى
الموضع الآخر ؛ فذُكِرِ عمّن سمع المهتدى يقول لموسى : ما تريد ويحك !
اتّق الله وخَفْه؛ فإنك تركب أمراً عظيمًا. قال : فردّ عليه موسى : إنا
ما نريد إلا خيراً ، ولا وتربة المتوكل لا نالك منا شرٌّ البتة.
قال الذى ذكر ذلك: فقلت فى نفسى: لو أراد خيراً لحلف بتربة المعتصم أو الواثق.
ولما صاروا به إلى دار ياجور أخذوا عليه العهود والمواثيق ألاً يمايل صالحاً
عليهم ، ولا يضمر (١) لهم إلا مثل ما يظهر ؛ ففعل ذلك ، فجدّدوا له البيعة
ليلة الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة خلت من المحرّم، وأصبحوا يوم الثلاثاء ، فوجّهوا
إلى صالح أن يحضرهم للمناظرة ، فوعدهم أن يصير إليهم .
فذكر عن بعض رؤساء الفراغنة ، أنه قيل له : ما الذى تطالبون به صالح
ابن وصيف ؟ فقال: دماء الكتّاب وأموالهم ودم المعتزّ وأمواله وأسبابه . ثم أقبل
القوم على إبرام الأمور وعسكرهم خارج باب الحيْر عند باب ياجور ؛ فلما
كانت ليلة الأربعاء استقر صالح ؛ فذكر عن طلمجُور أنه قال : لما كانت
ليلة الأربعاء اجتمعنا عند صالح، وقد أمر أن يفرّق أرزاق أصحاب(٢) النوبة
عليهم ، فقال لبعض من حضره : اخرج فأعرض ممَنْ حضر من الناس ،
فكانوا بالغداة زهاء خمسة آلاف . قال : فعاد إليه ، وقال : يكونون ثمانمائة
رجل ، أكثرهم غلمانك ومواليك. فأطرق مليًّاً، ثم قام وتركّنا، ولم يأمر بشىء
وكان آخر العهد .
١٧٩٠/٣
وذكر عمّن سمع بَخْتيشُوع يقول وهو يعرّض بصالح قبل قدوم موسى.
حرّكْنَاهذا الجيش الخشن، وأرغمناه، حتى إذا أقبل إلينا تشاغلنا بالترد والشرب،
كأنا بنا وقد اختفينا إذا ورد القاطول ! فكان الأمر كذلك .
وغدا طُغتا إلى باب ياجور سَحَرَ يوم الأربعاء فلقيه مفلح ، فضربه
بطبرزين، فشجّه فى جانب جبينه الأيمن، فكان الذين أقاموا مع صالح الليلة
(١) كذا فى ب .
(٢) ب: ((أصحابه)).
٠

٤٤٠
سنة ٢٥٦
التى استر فيها من القوّاد الكبار طُغْتا بن الصيْغُون وطلمجُور صاحب المؤيد
ومحمد بن تركش وخمّوش والنوشرىّ ، ومن الكتّاب الكبار أبو صالح عبد الله
ابن محمد بن يزداد وعبد الله بن منصور وأبو الفرج . وأصبح الناس يوم الأربعاء
لثلاث عشرة خلتمن المحرّم وقد استتر صالح، وغدا أبو صالحإلىدارياجور ، وجاء
عبد الله بن منصور، فدخل الدار مع سليمان بن وهب، وتنَصّح إليهم أن عنده
سفاتج بخمسة آلاف دينار .
وذكر أن صالحاً أراده على حملها ، فأبى أن يقرّ الأمر قراره .
١٧٩١/٣٠
وخلع فى هذا اليوم على كنجور ليتولى أمر دار صالح وتفتيشها ، ومضى
ياجور صاحب موسى فأتى بالحسن بن مُخْلَد من الموضع الذى كان فيه محبوساً
من دار صالح .
وفى هذا اليوم من هذا الشهر وُلِّىَ سليمان بن عبد اللّه بن طاهر مدينة
السلام والسواد، ووجّه إليه بخلع، وزيد على ما كان يخلع على عبيد الله بن
عبد الله بن طاهر .
وفيه رُدّ المهتدى إلى الجوسق، ودفع عبد الله بن محمد بن زداد إلى الحسن
ابن مَخْلَد .
وفيه أظهر النداء على صالح .
#
[ ذكر الخبر عن قتل صالح بن وصيف]
ولثمان بقين من صفر من هذه السنة قتيل صالح بن وصيف.
ذكر الخبر عن سبب قتله وسبب الوصول إليه بعد اختفائه:
٠
ذكر أن سبب ذلك كان أن المهتدى لمّا كان يوم الأربعاء لثلاث بقين
من المحرّم سنة ست وخمسين ومائتين أظهر كتاباً ، ذكر أن سيما الشرابىّ زعيم
أنّ امرأة جاءت به مما يلى القصر الأحمر، ودفعته إلى كافور الخادم الموكّل