النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
سنة ٢٥٥
سوط ضرباً مبرَّحًا، وحبسه بباب الشأم؛ وكان هذا الرّجُل من خاصّة ١٧٢٨/٣
الحسين بن إسماعيل؛ فلمّا حدث هذا الحادث احتيج إلى الحسين بن إسماعيل ،
لفضل جلده وإقدامه فنُحِىَ (١) منْ كان ببابه مؤكّلاً فظهر ، فتراجع
أصحابُه من غير أمر ؛ وقد كانوا فُرّقوا على القوّاد ، وضُمّ منهم جمع كبير
إلى محمد بن أبى عون القائد؛ فذكر أن المضمومين (٢) إلى ابن أبى عون
لما صاروا إلى بابه(٣)، فرّق فيهم من ماله؛ للرّاجل عشرة دراهم، وللفارس ديناراً؛
فلما رجعوا إلى الحسین رفع ابن أبى عون بذ کر ذلك ؛ فلم يخرج فى ذلك تعیین
ولا أمر ؛ فلم يزل الحال على هذا والجند والشاكريّة يصيحون فى طلب مال
البيعة وما بقىَ لهم من مال الطمع المتقدّم ؛ وقد ردّ أمرهم فى تقسيط مالهم ،
وقبضهم إلى الحسين على ما كان الأمر عليه أيام عبيد الله بن عبد الله بن
طاهر. وكان الحسين لا يزال يلقى إليهم ما عليه محمد بن أوس ومَنْ قدم مع
سليمان من القَصْد لأخذ أموالهم والفوز بها دونهم ؛ حتى امتلأت قلوبهم .
فلمّا كان يومُ الجمعة لثلاث عشرة خلتْ من شهر رمضان ، اجتمع جماعة
من الجند والشاکريّة ، ومعهم جماعة من العامة حتى صاروا إلى سجن باب
الشأم ليلاً ، فكسروا بابه، وأطلقوا فى تلك الليلة أكثرَ مَنْ كان فيه ، ولم
١٧٢٩/٣
يبقَ فيه من أصحاب الجرائم أحدٌ الا الضعيف والمريض والمثقَل ؛ فكان ممن
خرج فى تلك الليلة نفرٌ من أهل بيت مساور بن عبد الحميد الشارى ، وخرج
معهم المروزىّ مضروب محمد بن أوس وجماعة ممن قد لزم السلطانَ إلى أن
صاروا إلى قبْضته زهاء خمسين ألفاً ، وأصبح الناس فى يوم الجمعة
وباب الحبس (٤) مفتوح؛ فمَنْ قدر أن يمشىَ مشى، ومَن لم يقدر اكترى
له ما يركبه ؛ وما يمنع من ذلك مانع ، ولا يدفع دافع ؛ فكان ذلك من أقوى
الأمور التى بعثت الخاصّة والعامة على دفع الحيْبة بينهم وبين سليمان بن عبد الله
وسُدّ باب السجن بباب الشأم بآجرٌ وطين ؛ ولم يعلم أنه كان لإبراهيم ابن
إسحاق فى هذه الليلة ولا لأحد من أصحابه حركة أصلا ؛ فتحدّث الناس
أن الذی جُنِی علی سجن باب الشأم بمكان المروزىّ الذی ضربه ابن أوس فيه
(١) ف: ((فتنحى)).
(٣) ب: ((باب ابن أبى عون)).
(٢) س: ((القادمين)).
(٤) ب، ف: ((السجن)) .

٤٠٢
سنة ٢٥٥
١٧٣٠/٣
حتى يخلص (١). ثم لم يمض بعد ذلك خمسة أيام ، حتى نافر ابن أوس الحسين
ابن إسماعيل فى أمر مال النائبة أراده محمد بن أوس لأصحابه ومنعه الحسین،
وتجاريا فى ذلك كلامًا غلظ بينهما ، فخرج محمد متنكراً ؛ فلما كان الغد
من ذلك اليوم غدا محمد بن أوس إلى دار سليمان ، وغدا الحسين بن إسماعيل
والشاه بن ميكال مولى طاهر ، وحضر الناس باب سليمان؛ وكان(٢) بين مَنْ
حضر من أصحاب ابن أوس وبين النائبة محادثة ، علت فيها الأصوات ؛
فتبادر أصحابُ ابن أوس والقادمون إلى الجزيرة، وعبر إليهم ابن أوس وولده ؛
وتصايح الناس بالسلاح ، وخرج الحسين بن إسماعيل والشاه بن ميكال والمظفر
ابن سيسل فى أصحابهم ، وصاح الناس بالعامة : مَنْ أراد النَّهب فليلحق
بنا ؛ فقيل : إنه عبر الجسرين من العامة فى ذلك الوقت مائة ألف إنسان فى
الزَّواريق ، وتوافى الجند والشاكرية بالسلاح ؛ فوافى أوائل الناس الجزيرة ؛
فلم يكن إلاّ قدر اللحظة حتى حمل رجل من أهل سَرَخس على الكبير من
ولد محمد بن أوس، وطعنه ، فأراده عن شهرى كان تحته ؛ ثم أخذته السيوف
فانهزم عنه أصحابه ، فلم يعمل أحد منهم شيئًا ، وسُلب الجريح وحمل فى
زورق ، حتى عُبِر به إلى دار سليمان بن عبد الله بن طاهر ، فألقى هناك .
فذكر بعضُ مَنْ حضر سلمانَ ، أنه لما رآه اغرورقت عيناه من الدمع،
ومهّد له ، وأحضر له الأطباء، ومضى ابن أوس من وجهه (٣) إلى منزله ؛ وكان
ینزل فی دار لآل أحمد بن صالح بن شیرزاد بالدّور ، مما یلی قصر جعفر بن
يحيى بن خالد بن برمك . وجدّ أهلُ بغداد فى آثارهم والقوّاد معهم حتى
تلقوْهم (٤)، فكانت بينهم وقعة بالدور؛ أولها فى آخر الساعة الثانية وآخرها فى
أوّل الساعة السابعة ؛ فلم يزالوا يتراشقُون بالنّشاب، ويتطاعنون بالرِّماح،
ويتخابطون بالسيوف. وأعان ابنَ أوس جيرانه من أهل سويقة قُطوطا وأصحاب
الزَّواريق من ملاَّحى الدور. واشتدّت الحرب، ووجّه أهلُ بغداد يطلبون نفَّطين
١٧٣١/٣
(١) ف: ((تخلص)).
(٣) فى: ((فوره)).
(٢) ب ، ف: ((فكانت)).
(٤) ب: ((حتى يلقوهم)).

٤٠٣
سنة ٢٥٥
من دار سليمان(١). فذكروا أنّ حاجبه دخل ، فأعلمه ذلك ؛ فأمر بمنعهم
منه؛ وقاتل ابنُ أوس قتالا شديدًا، فناله جِراحٌ من سهام وطعن ، فانهزم
وأصحابه ؛ وقد كان أخرج حرمه من داره؛ فلم يزل أهلُ بغداد يتبعونهم حتى
أخرجوهم من باب الشّاسية ، ووصل الناس إلى منزل ابن أوس ؛ فانتهبوا جميعَ
ما كان فيه ؛ فذكر أنه انتهب له بقيمة ألفى ألف درهم ؛ والمقلِّل يقول:
ألف ألف وخمسين ألفًا؛ وأنه انتهب له زُهاء مائة سراويل مبطن بسمّور ؛
سوى ما كان مبطَّناً بغيره من الوبر مما يشاكل ذلك ؛ وانتهب له من الفرش
الطبرىّ الخام والمقصور والمدرج والمقطوع ما يكون قيمته ألف ألف درهم ؛
وانصرف الناس، فجعل الجند يدخلون دار سليمان، وهم يكثرون (٢)، ومعهم ١٧٣٢/٣
النهب وهم يصيحون، وما لهم مانع ولا زاجر. وأقام ابنُ أوس ليلته تلك بالشّماسيّة
مع من لحق به من أصحابه . وقد كان أهل بغداد وثبوا بمنازل الصّعاليك التى
كانوا فيها سكّانًا، فنهبوها ، وتعرّضوا لمن كان تخلّف منهم ، فتلاحق القوم
هُرّابًا ، ولم يبق منهم فى اليوم الثانى ببغداد أحد ظاهراً .
فذكر أنّ سليمان وجّه تلك الليلة الى ابن أوْس ثيابًا وفرشًا وطعامًا؛ فيقال:
إنّ محمداً قبله، وقيل: إنه ردّه . وأصبح الناس فى اليوم الثانى وغدا الحسين بن
إسماعيل والمظفر بن سيسل إلى دار الشاه بن ميكال، ولحق به وجوهُ الشاكرية
والنائبة وغيرهم ؛ فأقاموا هناك مُراغمين سليمان بن عبد الله بن طاهر . وخلت
دار سليمان فلم يحضرها الا جُميّعة . فبعث إليهم سليمان مع محمّد بن نصر بن
حمزة بن مالك الخُزَاعِىّ ، وهو لا يعلم ما عليه عقد القوم ، يُعلمهم قبح(٣)
ما ركبوا من محمد بن أوس، وما يجب لمحمد بحُرمته وقديمه ، وأنّهم لو أنهوْا
إليه ما أنكروا منه لتقدّم فى ذلك بما يكفيهم معه الحال التى ركبوها ، فضجٌ
الشاكرية الذين حضروا دار الشاه جميعاً وقالوا : لا نرضى بمجاورة ابن أوس
ولا بمجاورة أحد من أصحابه ولا من الصعاليك المنضمين إليه ؛ وإنهم إن
١٧٣٣/٣
(١) ف: ((نفاطين من أهل بغداد من عند داو سليمان)).
(٢) ف: ((يكبرون)).
(٣) س ، ف: ((قبيح)).

٤٠٤
سنة ٢٥٥
أكرهوا على ذلك تعاقدوا مباينته، وخلع مَنْ يسومهم إياه، وأحال الشاه بن
ميكال والحسين بن إسماعيل والمظفّر بن سيسل على كراهة القوم ، فرجع الرَّسول
بذلك إلى سليمان ، فردّه إليهم بكلام دون ذلك ، ووعدهم وقال : أنا أثِق
بقولكم وضمانكم (١) دون أيمانكم وعهودكم. ثمّ استوى جالسًا.
وذكر أنه لم يزل مستثقلا (٢) محمد بن أوس ومَنْ لحق به من الصعاليك
وغيرهم ، عارفًا بسوء رغبتهم ورداءة مذاهبهم ، وبسَوْم محمد بن أوس فى
نفسه خاصّة ومحبّته وشروعه فى كلّ ما دعا إلى خلاف وفرقة ، وأسبغ هذا المعنى ،
وكثر فيه حتى خرج به إلى الإغراق فيه ؛ إلى أن قال : لقد كنت أدخِلُ فى
قُنوتى فى الصلاة طلب الراحة من ابن أوس . ثم التفت إلى محمد بن علىّ بن
طاهر ، فأمره بالمصير إلى ابن أوس ، والتقدّم إليه فى العزم على الانصراف
إلى خُراسان، وأن يعلمه أنه لا سبيل له إلى الرجوع (٣) إلى مدينة السلام؛
ولا إلى تولّى شىء من الأمور التى يتولا ها لسليمان .
١٧٣٤/٣
فلمّا تناهى الخبرُ إلى ابن أوْس رحل من الشّاسيّة، فصار فى رَقّة البرّداد
على دجْلَة، فأقام بها أيامًا حتى اجتمع إليه مَنْ تفرّق من أصحابه، !
رحل فنزل النَّهروان ؛ فلم يزل بها مقيمًا . وقد كان كتب إلى بايكباك وصال
ابن وصيف يعرِض عليهما نفسه ، ويشكو إليهما ما نزل به ؛ فلم يجد عنده
شيئًا مما قصد ؛ وقد كان محمد بن عيسى بن عبد الرحمن مقيمًا بسامرًا لين
أمورَ سليمان ، وكان كارهًا لابن أوْس ، منحرفًا عنه . وكان ابن أوْ
مضطرب الأمر لسوء تحضر محمد بن عيسى الكاتب ؛ فلما انقطعت عن ابن
أوس وأصحابه المادّة، تعبّئوا بأهل القُرى والسابلة، وأكثروا الغارات والنهب،
ورحل حتى نزل النّهروان .
فذُكِرِ عن بعض مَنْ قصدوه لينتهبوه، فذكّرهم المعاد، وخوّفهم الله
أنهم ردّوا عليه أن قالوا له : إن كان النهب والقتل جائزاً فى مدينة السلام؛
وهى قبّة الإسلام ، ودار عز السلطان، فما استنكارُ ذلك فى الصحارى والبرارى !
(١) ف: ((وكلامكم)).
(٣) س: ((رجوعه).
(٢) س، ف: ((مستقبلا)).

٤٠٥
سنة ٢٥٥
ثم رحل ابنُ أوس عن النَّهروان بعد أن أثّر فى تلك الناحية آثاراً قبيحة، وأخذ
أهلَ البلاد بأداء الأموال ، وحمل منها الطعام(١) فى السفن فى بطن النّهروان
إلى إسكاف بنى جنيد لبيعه هناك .
١٧٣٥/٣
وكان محمد بن المظفّر بن سيسل بالمدائن، فلمّا بلغه مصيرُ ابنِ أوس إلى
النّهروان صيّر إقامته بالنّعمانية من عمل الزوابى خوفًا على نفسه منه لحضور
أبيه كان فى يوم الوقعة .
فذُكِرِ عن محمد بن نصر بن منصور بن بسام - وعبرتا ضيعتُه - أنّ
وكيله انصرف عنها هاربًا بعد أن أدى إلى ابن أوس تحت العذاب وخوف
الموت قريبًا من ألف وخمسمائة دينار؛ ولم يزل ابن أوس مقيماً هناك، يقرّب
ويباعد ، ويقبض ويبسط ، ويشتدّ ويلين ، ويرهب ؛ حتى أتاه كتاب
بايكباك بولاية طريق خراسان من قِبّله ، فكان من وقت خروجه من مدينة
السلام إلى وقت ورود الكتاب عليه بالولاية شهران وخمسة عشر يوماً .
وذُكر عن بعض ولد عاصم بن يونس العيجلىّ أن أباه كان يتولّى ضياعاً
للنوشرىّ بناحية طريق خُراسان، وأنه كتب الى النوشرىّ يذكر ما عاين من
قُوّة عسكر ابن أوس وظاهر عدتهم ، ويشير بأن يذكر ذلك لبايكباك ،
ويصف خلاء طريق خُراسان من سلطان يتولاه ويحوط أهلكه(٢)، وأنّ هذا عسكر
مشْحَنٌ بالرّجال والعُدّة والعتاد ، مقيم فى العمل، وأن النوشرى ذكر ذلك
لبايكباك ، وأشار عليه بتوليته طريق خراسان ، وتخفيف المؤنة عن السلطان (٣)،
فقبيل ما أشاربه عليه ، وأمر بكتُبه فكتبت، وولّى طريق خراسان فى ذى القعدة
من هذه السنة - وهى سنة خمس وخمسين ومائتين - وكان موسى خليفة مساور
ابن عبد الحميد الشارى مقيماً بالدَّسكرة ونواحيها فى زهاء ثلثمائة رجل ، قد
ولاّه مُساور ما بين حُلوان إلى السوس على طريق خُراسان وبطن جُوخِى
وما قرب ذلك من طساسيج السواد .
١٧٣٦/٣
#
(١) بعدها فى ف: ((جملة)).
(٣) ف: ((على السلطان)).
(٢) ف: ((ويحيط أمره))

٤٠٦
سنة ٢٥٥
وفيها أمر المهتدى بإخراج القيان والمغنين والمغنيات من سامُرًا ونفيهم منها
إلى بغداد ؛ بعد أمر كان قد تقدّم من قبيحة فى ذلك قبل أن ينزل بابنها
ما نزل ، وأمر بقتل السباع التى كانت فى دار السلطان وطَرْد الكلاب وإبطال
الملاهى وردّ المظالم ، وجلس لذلك للعامة ، وكانت ولايته والدّنيا كلها
من أرض الإسلام مفتونة .
#
#
[ ذكر خبر استيلاء مفلح على طبرستان ثم" انصرافه عنها ]
وفيها شخص موسى بن بغا ومَنْ معه من الموالى وجند السلطان من الرّىّ
وانصرف مُفلح عن طبرستان بعد أن دخلها ، وهزم الحسن بن زيد ، وأخرجه
عنها إلى أرض الديلم .
* ذكر الخبر عن شخوصه عنها :
١٧٣٧/٢
◌ُذكِرِ أنّ السبب فى ذلك أنّ قبيحة أمّ المعتزّ، لمّا رأت من الأتراك
اضطراباً، وأنكرت أمرهم، كتبت إلى موسى بن بغا تسأله القدوم إلى ما قبلها،
وأمّلت وروده(١) عليها قبل حدوث ما حدث عليها وعلى ابنها المعتزّ ، فعزم
موسى على الانصراف إليها ، وكان ورودُ كتابها عليه ومُفلح بطبرستان .
فكتب(٢) موسى إلى مفلح يأمره بالانصراف إليها وهو بالرّىّ، فحدثنى بعض
أصحابنا (٣) من أهل طبرستان، أنّ كتاب موسى ورد على مُفلح بذلك ،
وقد توجّه نحو أرض الدّيْلم فى طلب الحسن بن زيد الطالبيّ . فلما ورد عليه
الكتابُ انصرف راجعًا إلى حيث توجه منه ، فعظم ذلك على قوم كانوا معه
من رؤساء أهل طَبَرِستان ممن كان هاربًا قبل مقدم مُفاح عليهم من الحسن
ابن زيد، 1] كانوا قد رجوا من مقدمه عليهم وكفايتهم أمر الحسن بن
زيد والرجوع إلى منازلهم وأوطانهم؛ وذلك أنّ مفلحًا كان يعدُهم اتّباع الحسن
ابن زيد حيث توجّه حتى يظفر به أو يُحترَم دونه ، ويقول لهم - فيما ذكر لى-
(١) ف: ((قدومه).
(٣) ف: ((أصحابه)).
(٢) كذا فى ب، وفى ط: ((وكتب)).

٤٠٧
سنة ٢٥٥
لو رميتُ قلنسوتى فى أرض الدّيلم ما اجترأ أحد منهم أن يدذُوَ منها . فلما
رأى القوم انصرافَه عن الوجه الذى توجّه له من غير عسكر للحسن بن زيد
ولا أحد من الديلم صدّه ، سألوه - فيما ذكر لى - عن السبب الذى صَرَفه
عما كان يعدُهم به من اتّباع ابن زيد، وجعلوا يكلمونه - فيما أخبرت ـ- وهو
كالمسبوت(١) لا يجيبهم بشىء؛ فلما أكثروا عليه قال لهم: ورد على كتاب الأمير ١٧٣٨/٣
موسى بعزمة منه ألاّ أضع كتابه من يدى بعد ما يصل إلىّ حتى أقبِلَ إليه .
وأنا مغموم بأمركم؛ ولكن لا سبيل إلى مخالفة الأمير. فلم يتهيّأ لموسى الشخوص
من الرّىّ إلى سامرًا حتى وافاه الكتاب بهلاك المعتزّ وقيام المهتدى بعده بالأمر ،
ففئأه(٢) ذلك عمّا كان عزم عليه من الشخوص، لفوته ما قدَّر إدراكه من أمر المعتزّ .
ولمّا وردتْ عليه بيعة المهتدى ، امتنع أصحابه عليه من بيعته، ثم بايعوا .
فورد خبر بيعتهم سامُرًا لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان من هذه السنة .
ثم إنّ الموالى الذين فى عسكر موسى بلغهم ما استخرج صالح بن وصيف
من أموال الكتّاب وأسباب المعتزّ والمتوكل ، فشحُّوا بذلك على المقيمين بسامُرًا؛
فدعوا موسى إلى الانصراف بهم إلى سامُرًا .
وقدم مفلح على موسى بالرّىّ تاركًا طبرستان على الحسن بن زيد ، فذكر
عن القاشانىّ أنه قال: كتب إلىّ ابن أخى من الرّىّ يذكر أنه لقى مفلحاً
بالرّىّ ، فسأله عن سبب انصرافه فذكر أن الموالى قد أبوا أن يقيموا ، وأنهم إِذا
انصرفوا لم يُغنِ مقامه شيئًا .
ثم إن موسى افتتح خراج سنة ست وخمسين ومائتين يوم الأحد مستهلّ
شهر رمضان سنة ست وخمسين ومائتين ، فاجتنى - فيما ذكر - فى يوم
الأحد قدر خمسمائة ألف درهم، فاجتمع أهل الرىّ، فقالوا، أعزّ اللّه الأمير!
إنك تزعم أنّ الموالى يرجعون إلى سامُرًا لما يقدّرونه من كثرة العطاء هناك،
وأنت وأصحابُك فى أكثر وأوسع مما القوم هناك فيه ؛ فإن رأيت أن تسدّ هذا
الثغر ، وتحتسب فى أهله(٣ الأجر والثواب٣)، وتلزمنا من خراجنا فى خاصًّ
أموالنا لمن معك ما ترى أن (٤) نحتمله فعلت . فلم يُجبهم إلى ما سألوا ، فقالوا:
١٧٣٩/٣
(١) المسبوت : الميت .
(٣-٣) ف: ((الثواب)).
(٢) فتأه : كفه .
(٤) ف: ((أننا)).

٤٠٨
سنة ٢٥٥
أصلح الله الأمير! فإذا كان الأمير عزم على تركنا ، والانصراف عنا ، فما
معنى أخذنا بالخراج لسنة لم نبتدئ بعمارتها ؛ وأكثر غلة سنة خمس وخمسين
ومائتين ، التى قد أخذ الأمير خراجها فى الصحارى لا يمكننا الوصول إليها إن
رحل الأمير عنا ! فلم يلتفت إلى شىء مما وصفوه له ، وسألوه إياه .
واتصل خبرُ انصرافه بالمهتدى ، فكتب إليه فى ذلك كتباً كثيرة ، لم تؤثر
أثراً . فلما انتهى إليه قفول موسى من الرّىّ ، ولم تغن الكتب شيئًا وجَّه رجلين
من بنى هاشم ، يقال لأحدهما عبد الصمد بن موسى ، ويعرف الآخر
بأبى عيسى يحيى بن إسحاق بن موسى بن عيسى بن علىّبن عبدالله بن عباس ،
وحُمّلا(١) رسالة إلى موسى وإلى من ضمّ عسكره من الموالى، يصدقهم فيها عن
الحال بالحضْرة وضيق الأموال بها ، وما يُحاذر من ذهاب ما يخلفونه وراء
ظهورهم ، وغلبة الطالبيين عليه واتساع آثارهم إلى ناحية الجبل . فشخص
بذلك الهاشميان فى جماعة من الموالى [ وأتباعهم من الديلم] (٢)، وأقبل موسى
ومن معه، وصالح بن وصيف فى ذلك يعظم على المهتدى انصرافه ، وينسبه إلى
المعصية والخلاف ، ويبتهل عليه فى أكثر ذلك ، ويبرأ إلى الله من فعله .
١٧٤٠/٣
فذكر أن كتاب صاخب البريد بهمذان لمّا ورد على المهتدى بفصُول
موسى عنها ، رفع المهتدى يديه إلى السماء ، ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
اللهم إنى أبرأ إليك من فعل موسى بن بُغا وإخلاله بالثّغر وإباحته العدوّ؛ فإنى
قد أعذرت إليه فيما بينى وبينه . اللهم تولّ كيد مَنْ كايد المسلمين ،
اللهم انصر جيوش المسلمين حيث كانوا ، اللهم إنى شاخص بنيّتى واختيارى
إلى حيث نكب المسلمون فيه، ناصراً لهم ودافعًا عنهم . اللهم" فَآجرْنى بنيتى إذ
عدمتُ صالِحَ الأعوان ! ثم انحدرتْ دموعه يبكى .
وذكر عن بعض من حضر المهتدى فى بعض مجالسه التى يقول فيها هذا
القول ، وحضره سليمان بن وهب ، فقال : أيأمرنى أميرُ المؤمنين أن أكتب إلى
موسى بما أسمع منه ؟ فقال له : نعم ، اكتب بما تسمعُ منى ؛ وإن أمكنك
أن تنقشه فى الصخر (١٠:٣فعل. فلقيه (٤) الهاشميان فى الطريق ولم يُغنيا شيئًا،
١٧٤١/٣
(١) ب ((وحملهما)).
(٣) ف: ((على الصخر)).
(٢) من ا.
(٤) ط: ((فلقياه)).

٤٠٩
سنة ٢٥٥
وضجّ الموالى ، وكادوا يثبون بالرّسل ، ورد موسى فى جواب الرّسالة يعتذر
بتخلّف من معه عن الرجوع إلى قوله دون ورود باب أمير المؤمنين، وأنه إن
رام التخلف عنهم لم يأمنهم على نفسه ، ويحتجّ بما عاين الرّسل الموجهون إليه .
فورد الرسل بذلك ، وأوفد مع الرسل موسى وفداً من عسكره ، فوافوا سامرًا
لأربع خلوْن من المحرّم سنة ست وخمسين ومائتين .
٠
[ ذكر الخبر عن مفارقة كنجور علىّ بن الحسين بن قريش ]
وفى هذه السنة فارق كنجور علىَّ بن الحسين بن قريش ، وكان قد نُفِىَ
أيام المعتزل إلى فارس ، فوكل به علىّ بن الحسين ، وحبسه ؛ فلما أراد علىّ
ابن الحسين محاربّة يعقوب بن الليث أخرجه من الحبس ، وضمّ إليه خيلا
ورجالا، فلما انهزم الناس عن علىّ بن الحسين لحق كنجور بناحية الأهواز،
فأثّر فى ناحية رامهرمز أثراً (١)، ثم لحق بابن أبى ◌ُ دُلف، فوافاه بهمَذان، وأساء
السيرة فى أسباب(٢) وصيف وضياعه ووكلائه فى تلك الناحية، ثم لحق بعد
ذلك بعسكر موسى . فلما أقبل موسى فيمْن ضمه العسكر ، بلغ ذلك صالحًا ،
فكتب عن المهتدى فى حمل كنجور إلى الباب مقيّداً ، فأبى ذلك الموالى ، ثم
لم تزل الكتب تختلف فيه إلى أن نزل العسكر القاطول . ثم ظهر أن صالحًا
قعد لمراغمته، وأنّ موسى ترحّل إلى سامرًا على المباينة لصالح ومن مال إليه ،
ولحق بايكباك بعسكر موسى ، وأقام موسى هناك يومين. ووجّه المهتدى إليه
أخاه إبراهيم لأمه فى أمر كنجور يعلِمه أنّ الموالى بسامرا قد أبوا أن يقارّوا على
دخول كنجور ، ويأمره بتقييده وحمله إلى مدينة السلام ؛ فلم يتهيأ فى ذلك
ما قدّره(٣) صالح ، وكان جوابهم أن قالوا : إذا دخلنا سامرا امتثلنا ما أمر به
أمير المؤمنين فى كنجور وغيره .
١٧٤٢/٣
#
*
(١) ١: ((آثارًا قبيحة)).
(٣) س: ((ما قدر)).
(٢) س: ((أصحاب)).

٤١٠
سنة ٢٥٥
خروج أول علوىّ بالبصرة
وللنصف من شوال من هذه السنة ، ظهر فى فُرات البصرة رجل زعم
أنه علىّ بن محمد بن أحمد بن علىّ بن عيسى بن زيد بن علىّ بن الحسين
ابن علىّ بن أبى طالب، وجمع إليه الزَّنج الذين كانوا يكسحون السباخ،
ثم عبر دجلة ، فنزل الدِّينارىّ .
• ذكر الخبر عن أمره والسبب الذى بعثه على الخروج هنالك :
١٧٤٣/٣
وكان اسمه ونسبه - فيما ذُكر - علىّ بن محمد بن عبد الرحيم ، ونسبُه فى
عبد القیْس ، وأمه قرّة ابنة على بن رحیب بن محمد بن حكيم ،من بنی أسد
ابن خزيمة ، من ساكنى قرية من قرى الرّى ، يقال لها وَرْزَنين ، بها مولده
ومنشؤه ؛ فذُكر عنه أنه كان يقول : جدّى محمد بن حكيم من أهل الكوفة
أحد الخارجين على هشام بن عبد الملك مع زيد بن على بن الحسين . فلما
◌ُقُل زيد هرب فلحق بالرّىّ، فلجأ إلى وَرْزَنين، فأقام بها . وإن أبا أبيه
عبد الرحيم رجلٌ من عبد القيس ، كان مولده بالطالقان ، وأنه قدم العراق
فأقام بها ، واشترى جارية سندّية، فأولدها محمداً أباه ؛ فهو علىّ بن محمد
هذا ، وأنه كان متصلا قبل بجماعة من آل المنتصر ؛ منهم غانم الشطرنجىّ
وسعيد الصغير ويسُر الخادم ؛ وكان منهم معاشه ومن قوم من أصحاب
السلطان وكتّابه يمدحهم ويستميحهم بشعره .
ثم إنه شخص - فيما ذُكر - من سامرًا سنة تسع وأربعين ومائتين إلى
البحرين ، فادّعى بها أنه علىّ بن محمد بن الفضل بن حسن بن عبيد الله بن
العباس بن على بن أبى طالب ، ودعا الناس بهجر إلى طاعته ، واتّبعه جماعة
كثيرة من أهلها ، وأبته جماعة أخَر ؛ فكانت بسببه بين الذين اتبعوه والذين
أَبَوْهُ عصبية قتلت بينهم جماعة، فانتقل عنهم لما حدث ذلك إلى الأحساء،
وضوى إلى حىّ من بنى تميم ثم من بنى سعد ، يقال لهم بنو الشّماس ؛ فكان
بينهم مقامه. وقد كان أهل البحرين أحلُّه من أنفسهم محلّ النبيّ - فيما ذكر-
حتى ◌ُجُبِىّ له الخراج هنالك ونفذ حكمه بينهم، وقاتلوا أسباب السلطان بسببه
ووتر منهم جماعة كثيرة ، فتنكّروا له، فتحوّل عنهم إلى البادية .
١٧٤٤/٣

٤١١
سنة ٢٥٥
ولما انتقل إلى البادية صحبه جماعة من أهل البحرين ، منهم رجل كيّال
من أهل الأحْسَاء، يقال له يحيى بن محمد الأزرق المعروف بالبَحْرانىّ، مولى
لبنى دارم ويحيى بن أبى ثعلب، وكان تاجراً من أهل هَجَر، وبعضُ موالى
بنى حنظلة أسود يقال له سليمان بن جامع ؛ وهو قائد جيشه ، ثم كان ينتقل
فى البادية من حىّ إلی حیّ .
فذكر عنه أنه كان يقول : أوتيت فى تلك الأيام آيات من آيات إمامتی
ظاهرة للناس؛ منها - فما ذكر عنه - أنه قال: إنى لُقِّيْتُ سُوَرًا من القرآن
لا أحفظها ، فجرى بها لسانى فى ساعة واحدة ، منها سبحان والكهف وص .
قال : ومن ذلك أنى لقيت نفسى على فراشى ، فجعلت أفكر فى الموضع الذى
أقصد له ، وأجعل مقامى به ؛ إذ نَبَتْ بى البادية ، وضقت بسوء طاعة
أهلها، فأظلتْنى سحابة ، فبرقت ورعدت، واتّصل صوت الرّعد منها بسمعى،
فخُوطبتُ فيه ، فقيل : اقصد البصرة ، فقلت لأصحابی وهم یکنُفونی(١) :
إنى أمرت بصوت هذا الرّعد بالمصير إلى البصرة .
وذكر أنه عند مصيره إلى البادية أوْهم أهلها أنه يحيى بن عمر أبو الحسين
المقتول بناحية الكوفة، فاختدع بذلك قومًا منهم ؛ حتى اجتمع بها منهم جماعة
كثيرة ، فزحف بهم إلى موضع بالبحرين يقال له الرّدْم ، فكانت بينهم وقعة
عظيمة، كانت الدائرة فيها عليه وعلى أصحابه ، قُتلوا (٢) فيها قتلا ذريعاً ،
فنفرت عنه العرب وكرهتْه ، وتجنّبت صحبته . فلما تفرّقت عنه العرب ،
ونبت به البادية ، شخص عنها إلى البصرة ، فنزل بها فى بنى ضُبيعة ، فاتّبعه
بها جماعة ؛ منهم علىّ بن أبان المعروف بالمهلبىّ وأخواه محمد والخليل وغيرهم.
وكان قدومه البصرة فى سنة أربع وخمسين ومائتين، ومحمد بن رجاء الحضارى
عامل السلطان بها ، ووافق ذلك فتنةُ أهل البصرة بالبلالية والسعدية ، فطمع
فى أحد الفريقين أن يميل إليه، فأمر أربعة نفر من أصحابه ، فخرجوا بمسجد
عبّاد، أحدهم يسمى محمد بن سلْ القصاب الهجرى، والآخر بُرَيش القُرَيعىّ،
والثالث علىّ الضرّاب ، والرابع الحسين الصيدنانىّ ؛ وهم الذين كانوا صحبوه
١٧٤٥/٣
(١) ا: ((مطيفون بى)).
(٢) و: ((فقتلوا)).

٤١٢
١٧٤٦/٣
سنة ٢٥٥
بالبحرين ، فدعوا إليه(١)، فلم يجبه من أهل البلد أحد، وثاب إليهم الجند،
فتفرّقوا ولم يظفر بأحد منهم . فخرج من البصرة هاربًا ، فطلبه ابن رجاء فلم
يقدِرْ عليه ، وأُخْبر (٢) ابن رجاء بميل جماعة من أهل البصرة إليه ، فأخذهم
فحبسهم ؛ فكان فيمن حبس يحيى بن أبى ثعلب ومحمد بن الحسن الأيادى
وابن صاحب الزَّنْج علىّ بن محمد الأكبر وزوجتُه أمّ ابنه ومعها ابنة له وجارية
حامل ، فحبسهم ومضى هو لوجهه يريد بغداد، ومعه من أصحابه محمد بن
سلم ويحيى بن محمد وسليمان بن جامع وبُريش القريعىّ. فلما صاروا بالبطيحة
نذِرِ بهم بعض موالى الباهليتين، كان يلى أمر البطيحة، يقال له مُمَير بن عمار،
فأخذهم وحملهم إلى محمد بن أبى عَوْن، وهو عامل السلطان بواسط ، فاحتال
لابن أبى عَوْن حتى تخلّص هو وأصحابه من يده، ثم صار إلى مدينة السلام،
فأقام بها حدَوْلاً ، وانتسب فيها إلى أحمد بن عيسى بن زيد؛ وكان يزعم
أنه ظهر له أيام مقامه بها آيات ، وعرف ما فى ضمائر أصحابه ، وما يفعله كل
واحد منهم ؛ وأنه سأل ربّه بها آيةً أن يعلم حقيقة أمره ، فرأى كتابًا يُكتب
له ، وهو ينظر إليه على حائط ، ولا يرى شخص كاتبه .
وذكر عن بعض تُبَّاعه أنه بمقامه بمدينة السلام اسمال جماعةً، منهم
جعفر بن محمد الصُّوحانيّ - كان ينتسب إلى زيد بن صُوحان - ومحمد بن القاسم
وغلاما يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان : مشرق ورفيق ؛ فسمى مشرقًا حمزة
وكنّاه أبا أحمد، وسمّى رفيقاً جعفراً وكناه أبا الفضل. ثم لم(٣) يزل عاسه ذلك
بمدينة السلام(٤) حتى عُزِل محمد بن رجاء عن البصرة ، فخرج عنها ، فوثب
رؤساء الفتنة من البلاليّة والسعدية، ففتحوا المحابس، وأطلقوا مَنْ كان فيها؛
فتخلّصوا فيمن تخلّص. فلما بلغه خلاصُ أهله ، شخص إلى البصرة ، فكان
رجوعه إليها فى شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين ، ومعه علىّ بن أبان
- وقد كان(٥) لحق به وهو بمدينة السلام - ويحيى بن محمد ، ومحمد بن سلم ،
وسليمان بن جامع ، وغلاما يحيى بن عبد الرحمن: مشرق ورفيق ؛ وكان يحضر
١٧٤٧/٣
(٢) س: ((فأخبر)).
(١) س: ((فذهبوا)).
(٤) ف: ((فى مدينة)). (٥) س: ((وكان)).
(٣) ف: ((ولم)).

٤١٣
سنة ٢٥٥
هؤلاء الستة رجلٌ من الجند يكنى أبا يعقوب ، ولقّب نفسه بعد ذلك بُجُرْبان،
فساروا جميعًا حتى وافوا برنخل ، فنزلوا قصراً هنالك يعرف بقصر القرشىّ ،
على نهر يعرف بعمود ابن المنجم ؛ كان بنو موسى بن المنجم احتفروه ؛ وأظهر
أنه وكيل لولد الواثق فى بيع السباخ، وأمر أصحابه أن يَنْحلوه ذلك ، فأقام
هنالك .
١٧٤٨/٣
فذُكر عن ريحان بن صالح أحدُ غلمان الشُّورَجيّين - وهو أوّل من
صحبه منهم - أنه قال : کنت موکلا بغلمان مولای ، أنقل الدقيق إليهم من
البصرة ، وأفرّقه فيهم ، فحملت ذلك إليهم كما كنت أفعل ، فمررت به وهو
مقيم ببرنخل فى قصر القرشىّ ، فأخذنى أصحابُه، فصاروا بى إليه ، وأمرونى
بالتسليم عليه بالإمْرة ، ففعلت ذلك ، فسألنى عن الموضع الذى جئتُ منه ،
فأخبرته أنى أقبلت من البصرة ، فقال : هل سمعتَ لنا بالبصرة خبراً ؟ قلت :
لا ، قال : فما خبر الزينيّ؟ قلت: لا علم لى به ، قال : فخبر البلاليّة
والسعديّة ؟ قلت: ولا أعرف أخبارهم أيضاً، فسألنى عن أخبار غلمان الشُّورجّين
وما يجرى لكلّ غلام منهم من الدقيق والسويق والتمر وعمّن يعمل فى الشورج
من الأحرار والعبيد ، فأعلمته ذلك ، فدعانى إلى ما هو عليه ، فأجبته ، فقال
لى : احتَلْ فيمن قدرت عليه من الغلمان، فأقبلْ بهم إلىّ. ووعدنى أن يقوّدنى
على من آتيه به منهم ، وأن يحسن إلىّ؛ واستحلفى ألا أعلم أحداً بموضعه ،
وأن أرجع إليه . فخلى سبيلى، فأتيت بالدقيق الذى معى الموضع الذى كنت
قصدته به ، وأقمت عنده يومى ، ثم رجعت إليه من غد ، فوافيته وقد قدم عليه
رفيق غلام يحيى بن عبد الرحمن، وكان وُجِّه إلى البصرة فى حوائج من حوائجه،
ووافاه بشبل بن سالم - وكان من غلمان الدّباسين - وبحريرة كان أمره بابتياعها
ليتخذها لواء ؛ فكتب فيها بحمرة وخضرة: ﴿ إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤمنينَ
أَنْفُسَهُمْ وأَمْوَالُهُمْ بأَنَّ لهمُ الجنة يُقَاتِلُونَ فى سَبِيلِ اللهِ﴾(١)، إلى آخر
الآية، وكتب اسمه واسم أبيه ، وعلّقها فى رأس مُرْدىّ(٢)، وخرج فى السحر
من ليلة السبت لليلتين بقيتا من شهر رمضان .
١٧٤٩/٣
(١) سورة التوبة ١١١ .
(٢) المردى : خشبة يدفع بها الملاح السفينة.

٤١٤
١٧٥٠/٣
سنة ٢٥٥
فلما صار إلى مؤخّر القصر الذى كان فيه ، لقيه غلمان رجل من الشورجیین
يعرف بالعطار ، متوجّهين إلى أعمالهم (١)، فأمر بأخذهم فأخذوا ، وكُتُف
وكيلهم ، وأخذ معهم ، وكانوا خمسين غلاماً ، ثم صار إلى الموضع الذى
يعمل فيه السّنائىّ ، فأخذ منه خمسمائة غلام، فيهم المعروف بأبى 'حديد ،
وأمر بوكيلهم فأخذ معهم مكتوفاً، وكانوا فى نهر يعرف بنهر المكاثر ، ثم مضى
إلى موضع السيرافىّ، فأخذ منه خمسين ومائة غلام ، فيهم زُرَيق وأبو الخنجر.
ثم صار إلى موضع ابن عطاء ، فأخذ طريقًا وصبيحاً الأعسر وراشداً
المغربىّ وراشداً القرماطىّ ، وأخذ معهم ثمانين غلاماً. ثم أتى موضع إسماعيل
المعروف بغلام ستَهْل الطحان ، ثم لم يزل يفعل ذلك كذلك فى يومه ، حتى
اجتمع إليه بشر كثير من غلمان الشورجيّين ، ثم جمعهم وقام فيهم خطيباً ،
فَنَّاهم ووعدَهم أن يقودهم ويرأسهم، ويملكهم الأموال ، وحلف لهم الأيمان
الغلاظ ألا يغدر بهم ، ولا يخذلهم، ولا يدع (٢) شيئًا من الإحسان إلاّ
أتى إليهم . ثم دعا مواليتهم ، فقال: قد أردت ضرب أعناقكم لما كنتم تأتون
إلى هؤلاء الغلمان الذين استضعفتموهم وقهرتموهم، وفعلتم بهم ما حرّم الله عليكم
أن تفعلوه بهم ، وجعلتم عليهم ما لا يُطيقون، فكلمنی أصحابى فيكم ، فرأيت
إطلاقكم، فقالوا: إنّ هؤلاء الغلمان أُبّاق، وهم يهربون منك فلا يُبقون عليك
ولا علينا ، فخذ منا مالاً وأطلقهم لنا. فأمر غلمانهم فأحضّروا شَطْبًا(٣)
ثم بتَطَح كلّ قوم مولاهم ووكيلهم ، فضرب كلّ رجل منهم خمسمائة
شَطْبة ، وأحلفهم بطلاق نسائهم ألاّ يعلموا أحداً بموضعه،ولا بعدد أصحابه،
وأطلقهم . فضوا نحو البصرة .
ومضى رجل منهم يقال له عبد الله، ويعرف بكَرِيخّاً ، حتى عَبَر
دُجَيْلاً، فأنذر الشورجيّين ليحرِزوا غلمانهم ، وكان هناك خمسة عشر ألف
غلام .
ثم سار بعد ما صلّى العصر حتى وافى 'دجيلا ، فوجد سفن سَمَاد تدخل
فى المدّ ، فقدّمها ، فركب فيها، وركب أصحابُه حتى عبروا ◌ُدُجميلا،
(١) ب: (عمالهم)).
(٢) ف: ((لا يدع لهم شيئا)).
(٣) الشطب: السعف الأخضر الرطب من جريد النخل ، واحده شطبة .

٤١٥
سنة ٢٥٥
وصاروا إلى نهر ميمون ، فنزل المسجد الذى فى وسط السوق الشارع على نهر
ميمون ، وأقام هناك . ولم يزل ذلك دأبه ، يجتمع إليه السودان إلى يوم الفطر.
فلما أصبح نادى فى أصحابه بالاجتماع لصلاة الفطر فاجتمعوا ، وركز المردىّ
الذى عليه لواؤه، وصلّى بهم وخطب خطبة ذكر فيها ما كانوا عليه من سوء الحال، ١٧٥١/٣
وأن الله قد استنقذهم به من ذلك ، وأنه يريد أن يرفع أقدارهم ، ويملكهم العبيد
والأموال والمنازل ، ويبلغ بهم أعلى الأمور ، ثم حلف لهم على ذلك . فلما
فرغ من صلاته وخطبته ، أمر الذين فهموا عنه قوله أن يُفهموه من لا فهم له
من عجمهم ، لتطيب بذلك أنفسُهم. ففعلوا ذلك ، ودخل القصر . فلمّا كان
بعد يوم قصد نهر بور ، فوافى جماعة من أصحابه هناك الحميرىّ فى جماعة ،
فدفعوهم حتى أخرجوهم إلى الصحراء ، فلحقهم صاحب الزّنج فيمن معه ،
فأوقع بالحميرىّ وأصحابه ، فانهزموا حتى صاروا إلى بطن دجلة . واستأمن
إليه رجل من رؤساء الزّنْج يكنى بأبى صالح ، يعرف بالقصير ، فى ثلثمائة من
الزَّنج ، فمنّاهم ووعدهم .
فلما كثر مَن اجتمع إليه من الزَّنِج قوَّد قواده، وقال لهم: كلّ مَنْ
أتى منكم برجل فهو مضموم إليه. وقيل إنه لم يقوّد قوّادَه إلاّ بعد مواقعه الخَوّل
ببَيَان ومصيره إلى سبخة القَنْدَّل.
وكان ابنُ أبى عون(١) نقل عن ولاية واسط إلى ولاية الأبُلّة وگُور دجلة،
فذكر أنه انتهى إليه فى اليوم الذى قوّد فيه قوّاده أن الحميرىّ وعقيلا مع
خليفة ابن أبى عون المقيم كان بالأبُلّة، قد أقبلوا نحوه، ونزلوا نهر طين ، فأمر
أصحابه بالمصير إلى الرزيقية وهى فى مؤخّر الباذَ اوْرد ، فصار إليها فى وقت
صلاة الظهر ، فصلوا بها ، واستعدُّوا للقتال ، وليس فى عسكره يومئذ إلا ثلاثة
أسياف: سيفُه، وسيف علىّ بن أبان ، وسيف محمد بن سلم . ونهض بأصحابه
فيما بين الظهر والعصر راجعًا نحو المحمديّة ، وجعل على بن أبان فى آخر
أصحابه، وأمره أن يعرف (٢) خبر مَنْ يأتيه من ورائه، وتقدّم فى أوائل
الناس حتى وافى المحمدية، فقعد على النهر، وأمر الناس فشربوا منه ، وتوافتى
إليه أصحابُه ، فقال له علىّ بن أبان : قد كنا نرى من ورائنا بارقةً ونسمع
١٧٥٢/٣
(١) هو محمد بن أبى عون.
(٢) فى ((يتعرف)).

٤١٦
سنة ٢٥٥
١٧٥٣/٣
حسّ قوم يتبعوننا ، فلسنا ندرى : أرجعوا عنا أم هم قاصدون إلينا ؟ فلم يستمّ
كلامه حتى لحق القوم ، وتنادى (١) الزنج السلاح ، فبدر مفرّج النوبىّ المكنى
بأبی صالح ، وريحان ابن صالح، وفتح الحجام ۔ وکان فتْح یأکل - فلما
نهض تناول طبقاً كان بين يديه ، وتقدّم أصحابه، فلقيه رجل من الشورجيّين،
يقال له بلبل ، فلمّا رآه فَتْح حمل عليه وحذفه بالطبق الذى كان فى يده ،
فرمى بلبل بسلاحِه ، وولّ هاربًا ، وانهزم أصحابه ، وكانوا أربعة آلاف
رجل ، فذهبوا على وجوههم ، وقُتِلِ مَنْ قُتِل منهم ، ومات بعضهم
عطشًا ، وأسِرّ منهم قوم ، فأتِىَ بهم صاحب الزّنج ، فأمر بضرب أعناقهم
فضربت، وحملت(٢) الرءوس على بغال كان أخذَها من الشورجيّين،
كانت تنقل الشورج ؛ ومضى حتى وافى القادسيّة ؛ وذلك وقت (٣) المغرب،
فخرج من القرية رجل من موالى بعض الهاشميين على أصحابه ، فقتل
رجلاً من السودان ، فأتاه الخبر ، فقال له أصحابه : ائذن لنا فى انتهاب
القرية وطلب قاتل صاحبنا ، فقال : لا سبيل إلى ذلك دون أن نعرف ما
عند القوم ، وهل فعل القاتل ما فعل عن رأيهم، ونسألهم أن يدفعوه إلينا ؛ فإن
فعلوا وإلاّساغ لنا قتالُهم .
وأعجلهم المسير ، فصاروا إلى نهر ميمون راجعين ، فأقام فى المسجد الذى
كان أقام فيهفى بدأته وأمر بالرءوس المحمولة معه فنُصبت، وأمر بالأذان أبا صالح
النوبىّ فأذّن، وسلم عليه بالإمْرَة ، فقام فصلى بأصحابه العشاء الآخرة، وبات
ليلته بها ، ثم مضى من الغد حتى مرّ بالكرخ فطواها، وأنى قرية تعرف بجُبَّى
فى وقت صلاة الظهر، فعبر دُجَيلا من مخاضّة دلّ عليها، ولم يدخل القرية ،
وأقام خارجاً منها ، وأرسل إلى مَنْ فيها، فأتاه كبرائهم وكبراء أهل الكَرْخ ،
فأمرهم بإقامة الأنزال (٤ له ولأصحابه٤) فأقيم له ما أراد ، وبات عندهم ليلته
تلك ، فلما أصبح أهدى له رجل من أهل جُبَّى فرساً كميتًا، فلم يجد سَرْجًا
(١) س: ((ونادى)).
(٢) س: ((وجعلت)).
(٣) س: ((فى وقت المغرب)).
(٤ - ٤) س: ((لأصحابه)).

٤١٧
سنة ٢٥٥
١٧٥٤/٣
ولا لجاماً، فركبه بحبل وسَنَّفه (١) بليف، وسار حتى انتهى إلى المعروف
بالعباسىّ العتيق، فأخذ منه دليلا إلى السّيب، وهو نهر القرية المعروفة بالجعفرية،
ونذر به أهل القرية ، فهربوا عنها ، ودخلها فنزل دار جعفر بن سليمان وهی
فى السوق، وتفرّق أصحابُه فى القرية، فأتوه برجل وجدُه، فسأله عن وكلاء
الهاشميّين ، فأخبره أنهم فى الأجمة ، فوجه الملقب بجُرْبان، فأتاه برئيسهم وهو
يحيى بن يحيى المعروف بالزبيرىّ أحد موالى الزياديّين ، فسأله عن المال ، فقال :
لا مال عندى ، فأمر بضرب عنقه ، فلما خاف القتل أقرّ بشىء قد كان
أخفاه ، فوجته معه ، فأتاه بمائتی دینار وخمسين ديناراً وألف درهم ؛ فكان هذا
أول ما صار إليه ، ثم سأله عن دواب وكلاء الهاشميّين فدله على ثلاثة براذين:
كُميت ، وأشقر، وأشهب؛ فدفع أحدها إلى ابن سلم ، والآخر إلى يحيى
ابن محمد ، وأعطى مُشرقاً غلام يحيى بن عبد الرحمن الثالث .
وكان رفيق يركب بغلاً كان يحمل عليه الثَّقَل ، ووجد بعض السودان
دارًاً لبعض بنى هاشم فيها سلاح ، فانتهبوه ، فجاء النوبىّ الصغير بسيف ،
فأخذه صاحب الزَّنج ، فدفعه إلى يحيى بن محمد ، فصار فى أيدى الزَّنج
سيوفٌ وبالات وزقايات وتيراس، وبات ليلته تلك بالسّيب؛ فلما أصبح
أتاه الخبر أن رُميسًا والحميرىّ وعَقيلا الأبُلىّ قد وافوا السَّيْب، فوجّه يحيى
ابن محمد فى خمسمائة رجل ، فيهم سليمان وريحان بن صالح وأبو صالح(٢)
النوبىّ الصغير، فلقوا القوم فهزموهم، وأخذوا ◌ُسمَيرّية(٣) وسلاحًا، وهرب ١٧٥٥/٣
مَنْ كان هنالك ، ورجع يحيى بن محمد فأخبره الخبر ، فأقام يومه ، وسار من
غد يريد المذّار ، بعد أن اتّخذ على أهل الجعفرية ألاّ يقاتلوه ، ولا يعينوا
عليه أحداً ، ولا يستُروا عنه . فلما عبر السّيب صار إلى قرية تعرف بقرية
اليهود شارعة على دِجْلة، فوافق هنالك رُمَيْسًا فى جَمْع، فلم يزل يقاتلهم
(١) سنفه: شده بالسناف، والسناف: حبل يشد من التصدير إلى خلف الكركرة؛ حتى
يثبت التصدير.
(٢) هو أبوصالح القصير، واسمه مفرج، وانظر ص ٤١٥.
(٣) السميرية : نوع من السفن النهرية.

٤١٨
سنة ٢٥٥
يومه ذلك ، وأسرّ من أصحابه عِدّة ، وعقر منهم جماعة بالنُّشاب . وقتيل
غلام لمحمد بن أبى عون كان مع رُمَيْس، وغرقت سميرّيّة كان فيها ملّحُها ،
فأخذ وضربت عنقه ، وسارمن ذلك الموضع يريد المذَار. فلمّاً صار إلى النهر
المعروف بباب مداد جاوزه حتى أصحر ، فرأى بُستانًا ، وتلاً يعرف بجبل
الشياطين ، فقصد للتلّ فقعد عليه ، وأثبت أصحابه فى الصحراء ، وجعل
لنفسه طليعة .
فذُكر عن شبل أنه قال : أنا كنت طليعته على دِجْلة ، فأرسلت إليه
أخبره أن رُميسًا بشاطئ دجْلة يطلب رجُلاً يؤدِّى عنه رسالة، فوجه إليه
علىّ بن أبان ومحمد بن سلم وسليمان بن جامع ، فلما أتوْه قال لهم: اقرءوا على
صاحبكم السلام ، وقولوا له : أنت آمن على نفسك حيث سلكت من الأرض ؛
لا يعرض لك أحدٌ، واردد هؤلاء العبيد على مواليهم ، وآخذ لك عن کلّ رأس
خمسة دنانير. فأتوْه فأعلموه ما قال لهم رُميس، فغضب من ذلك وآلى (١) ليرجعن"
فليبقرن" بطن امرأة رُميس، وليحرقنّ داره، وليخوضنّ الدماء هنالك. فانصرفوا
إليه ، فأجابوه بما أمِرُوا به ، فانصرف إلى مقابل الموضع الذى هو به من دِجْلة،
فأقام به ، فوافاه فى ذلك اليوم إبراهيم بن جعفر المعروف بالهمدانىّ ؛ ولم يكن
لحق به إلا فى ذلك الوقت ،، وأتاه بكتب فقرأها ، فلما صلى العشاء الآخرة ،
أتاه إبراهيم ، فقال له : ليس الرّأى لك إتيان المذار ، قال : فما الرأى؟
قال: ترجع ، فقد بايع لك أهل عبّادان ومَيّان رُوذان وسليمانان، وخلّفت جمعاً
من البلالية بفوّهة القَنْدل وأبرسان ينتظرونك . فلمّا سمع السودان ذلك من
قول إبراهيم مع ما كان رُمَيس عَرَض عليه فى ذلك اليوم خافوا أن يكون
احتال عليهم ليردّ هم إلى مواليهم ، فهرب بعضُهم ، واضطرب الباقون . فجاءه
محمد بن سلْ فأعلمه اضطرابَهم ، وهرَب مَنْ هرب منهم ، فأمر بجمعهم
فى ليلته تلك ، ودعا مصلحاً، وميز الزّنج من الفراتية . ثم أمر مصلحًا أن يعلمهم
أنه لا يردّهم ولا أحداً منهم إلى مواليهم ، وحاف لهم على ذلك بالأيمان الغلاظ،
وقال : لِيَحُطْ بى منكم جماعة، فإن أحسوا منى غدراً فتكُوا بى. ثم جمع
١٧٥٦/٣
١٧٥٧/٣
(١) ف ((وإلا)).

١
٤١٩
سنة ٢٥٥
الباقين؛ وهم الفراتيّة والقرماطيّون والنوبة وغيرهم ممن يفصح بلسان العرب ، فحلف
لهم على مثل ذلك ، وضمن ووثّق من نفسه ، وأعلمهم أنه لم يخرج لعَرَض
من أعراض الدنيا ، وما خرج إلا غضبًا لله، ولما رأى ما عليه الناس من الفساد
فى الدين ، وقال : ها أنا ذا معكم فى كلّ حرب ، أشرككم فيها بيدى ،
وأخاطر معكم فيها بنفسى . فرضوا ودعوا له بخير . فلمّا أسحر أمر غلامًا من
الشورجيّين يكنى أبا منارة ، فنفخ فى بوق لهم كانوا يجتمعون بصوته ، وسار
حتى أتى السِّيب راجعًا، فألفتى هناك الحميرىّ ورُمیْسًا وصاحب ابن أبىعون،
فوجه إليهم مشرقاً برسالة أخفاها ، فرجع إليه بجوابها ، فصار صاحب الزّنج
إلى النهر، فتقدم صاحب محمد بن أبى عون ، فسلم عليه ، وقال له : لم يكن
جزاء صاحبنا منك أن تفسد عليه عمله ، وقد كان منه إليك ما قد علمت
بواسط ، فقال : لم آت لقتالكم ، فقل لأصحابك يوسّعون (١) لى فى الطريق،
حتى أجاوزكم .
فخرج من النَّهر إلى دِجِئْلة ، ولم يلبسَتْ أن جاء الجند ومعهم (٢) أهل
الجعفرّية فى السلاح الشاك ؛ فتقدّم المكتنى (٣) بأبى يعقوب المعروف بجُرْبان،
فقال لهم: يا أهل الجعفريتّة ، أما علمتم ما أعطيتمونا من الأيمان المغلّظة
ألاّ تقاتلونا، ولا تُعِينوا علينا أحداً ، وأن تعينونا متى اجتاز بكم أحد منا !
فارتفعت أصواتُهم بالنعير والضّجيج ، ورموه بالحجارة والنّشاب. وكان هناك
موضع فيه زُهاء ثلثمائة زرنوق ، فأمر بأخذها فأخذت ، وقرن بعضها
ببعض حتى صارت كالشاشات ، وطرحت إلى الماء ، وركبها المقاتلة فلحقوا
القوم ، فقال بعضهم: عبر علىّ بن أبان يومئذ قبل أخذ الزَّرَانيق سباحة، ثم
جمعت الزَّرَانيق، وعبر الزنج، وقد زالوا عن شاطئ النهر فوضعوا فيهم السيف،
فقتل منهم خلق کثیر ، وأتى منهم بأسرى ، فوبخهم وخلی سبیلهم، ووجه
غلامًا من غلمان الشورجيين يقال له سالم يعرف بالزغاوىّ، إلى مَنْ كان دخل
الجعفرية من أصحابه ، فردّهم ، ونادى : ألا برئت الذّمة ممن انتهب شيئاً
١٧٥٨/٣
(١) س: ((لصاحبك يوسع)).
(٣) س: ((المكنى)).
(٢) س: ((معهم)).

٤٢٠٠
١٧٥٩/٣
١٧٦٠/٣
سنة ٢٥٥
من هذه القرية، أو سبى منها أحداً، فمن فعل ذلك فقد حلّت به العقوبة الموجعة .
ثم عبر من غربىّ السّيب إلى شرقيّه، واجتمع أصحابه الرؤساء حتى إذا
جاوز القرية بمقدار غيّْوة سمع النعير من ورائه فى بطن النهر ، فتراجع الزّنج ،
فإذا رُميس والحميرىّ وصاحب ابن أبى عون قد وافوْه لمّا بلغهم حال أهل
الجعفرية . فألقى السودان أنفستهم عليهم، فأخذوا منهم أربع ◌ُمَيريّات بملأَّحيها
ومقاتليها ، فأخرجوا السميريّات بمن فيها ، ودعا بالمقاتلة فسألهم، فأخبر وه أن
رُميساً وصاحب ابن أبى عون لم يتدعاهم حتى حملاهم على المصير إليه، وأنّ
أهل القرى حرّضوا رُميساً وضمنوا له ولصاحب ابن أبى عون مالاً جليلا ،
وضمن له الشورجيّون على ردّ غلمانهم ؛ لكلّ غلام خمسة دنانير ، فسألهم
عن الغلام المعروف بالنميرىّ المأسور والمعروف بالحجّام، فقالوا: أما النميرىّ
فأسير فى أيديهم ، وأما الحجام فإن أهل الناحية ذكروا أنه كان يتلصص فى
ناحيتهم ، ويسفك الدماء ، فضُربت عنقه، وصُلب على نهر أبى الأسد .
فلما عرف خبرهم أمر بضرب أعناقهم ، فضربت إلا رجلاً يقال له محمد بن
الحسن البغدادىّ ، فإنه حلف له أنه جاء فى الأمان ، لم يُشْهِر عليه سيفاً ،
ولا نصب له حرباً، فأطلقه . وحمل الرءوس والأعلام على البغال ، وأمر بإحراق
سفنهم فأحرِقِت .
وسارحتى أنّى نهر فريد ، فانتهى إلى نهر يعرف بالحسن بن محمد القاضى
وعليه مسنّاة تعترض بين الجعفرية ورُستاق القُفْص، فجاءه قوم من أهل القرية
من بنى عجْل ، فعرضوا عليه أنفسَهم ، وبذلوا له ما لديْهم، فجزاهم خيرا ،
وأمر بترك العرض (١) لهم .
وسارحتى أتى نهراً يعرف بباقثا ، فنزل خارجًا من القرية التى على النهر
وهى قرية تشرع على دُجيل، فأتاه أهل الكرخ، فسلموا عليه ، ودعَوْا له
بخير ، وأمد ◌ُوه من الأنزال بما أراد . وجاءه رجل يهودى خيبرىّ يقال له ماندويه
فقبّل يده، وسجّد له - زعم - شكراً لرؤيته إيّاه، ثم سأله عن مسائل كثيرة ، -
فأجابه عنها ، فزعم أنه يجدُ صفته فى التوراة ، وأنه يرى القتال معه ، وسأله
(١) س: ((التعرض)).