النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سنة ٢٥١ وحوله ناشبة رجّالة ؛ فلما خرج من داره وقتَف للناس ، فعاتبهم وحلف أنه ما أضمر لأمير المؤمنين - أعزّه الله - ولا لولىّ له ولا لأحد من الناس سوءاً، وأنه ما يريد إلا إصلاح أحوالهم، وما تدوم به النعمة عليهم ، وأنهم قد توهّموا عليه ما لا يعرفه ، حتى أبكى الناس. فدعا له مَنْ حضر، وعبر الجسر ، وصار إلى المستعين ، وبعث فأحضر جيرانه ووجوه أهل الأرباض من الجانب الغربىّ ، فخاطبهم بكلام عاتبهم فيه، واعتذر إليهم مما بلغهم، ووجَّه وصيف وبُغا مَنْ طاف على أبواب بغداد، ووكلاصالح بن وصيف بباب الشّاسية. وذُكِرِ أنّ المستعين كان كارهًا لنقله عن دار محمد ؛ ولكنه انتقل عنها من أجل أنّ الناس ركبوا الزواريق بالنّفاطين ليضربوا روشن ابن طاهر بالنار لمّا صعب عليهم فتحُ بابه يوم الجمعة . وذكر أنّ قومًا منهم كنجور، وقفوا بباب الشّاسيّة من قِبَل أبى أحمد، فطلبوا ابنَ طاهر ليكلموه، فكتب إلى وصيف يعلمه خبر القوم ، ويسأله أن يعلم المستعين ذلك ليأمر فيه بما يرى؛ فرد" المستعين الأمر فى ذلك إليه؛ وأنّ التدبير فى جميع ذلك مردود إليه ، فيتقدّم فى ذلك بما رأى . ١٦٣٧/٣ وذُكِرِ أنّ علىّ بن يحيى بن أبى منصور المنجم كاتم محمد بن عبد الله فى ذلك بكلام غليظ ، فوثب عليه محمد بن أبى عون فأسمعه وتناوله . وذُكِرِ عن سعيد بن حُميد أنّ أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد وعبيد الله بن يحيى خَلَوْا بابن طاهر ؛ فما زالوا يفتلونه فى الذّرْوة والغارب، ويشيرون عليه بالصلح(١)، وأنه ربما كان عنده قوم فأجْرَوا الكلام فى خلاف الصُّلْح، فيكشر (٢) فى وجوههم ، ويعرض عنهم ؛ فإذا حضر هؤلاء الثلاثة أقبّل عليهم وحادثهم وشاورهم . وذكر عن بعضهم أنه قال : قلت لسعيد بن حميد يوماً : ما ينبغى إلاّ أن يكون قد كان انطوى على المداهنة فى أوّل أمره ؛ قال: وددت أنه كان كذلك ؛ لا والله ما هو إلاّ أن هُزم أصحابه من المدائن والأنبار حتى (١) كذا فى ا، وفى ط: ((فى الصلح). (٢) كذا فى ا، وفى ط ( فنكس)). ٣٤٢ سنة ٢٥١ كاتب القوم ، وأجابهم بعد أن كان قد جادًّهم . ١٦٣٨/٣ وحدثنى أحمد بن يحيى النحوىّ - وكان يؤدّب ولد ابن طاهر - أنّ محمد بن عبد الله لم يزل جادًا فى نُصْرة المستعين حتى أحفظه عبيد الله بن يحيى ابن خاقان ، فقال له: أطال الله بقاءك! إنّ هذا الذى تنصره وتجدّ فى أمره من أشدّ الناس نفاقًا، وأخبثهم ديناً ؛ والله لقد أمر وصيفاً وبغا بقتلك ، فاستعظما ذلك ولم يفعلاه ، وإن كنت شاكًّا فيما وصفت من أمره ، فسل تُخْبَرْهِ؛ وإن مِنْ ظاهر نفاقه أنه كان وهو بسامُرًا لا يجهر فى صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم ؛ فلما صار إلى ما قبلك ، جهر بها مراعاةً لك ؛ وتترك نصرة ولیك (١) وصهرك وتر بيتك ؛ ونحو ذلك من کلام کلمه به ؛ فقال محمد بن عبد الله: أخزى اللّه هذا، لا يصلح لدين ولا دنيا، قال: وكان أوّل مَنْ تقدّم على صرف محمد بن عبد الله عن الجِدّ فى أمر المستعين عبيد الله بن يحيى فى هذا المجلس، ثم ظاهر عبيد الله بن یحی علی ذلك أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد ؛ فلم يزالوا به حتى صرفوه عمّا كان عليه من الرّأى فى نصرة المستعين . ٠ وفى يوم الأضحى من هذه السنة صلّى بالناس المستعين صلاة الأضْحتى فى الجزيرة التى بحذاء دار ابن طاهر، وركب وبين يديه عبيد الله بن عبد الله ، ١٦٣٩/٣ معه الحربة التى لسليمان، وبيد الحسين بن إسماعيل حرية السلطان، وبُغا ووصيف يكنُفانه ؛ ولم يركب محمد بن عبد الله بن طاهر'، وصلى عبد اللّه ابن إسحاق فى الرُّصَّافة . # [ ذكر بدء المفاوضة فى أمر خلع المستعين] وفى يوم الخميس ركب محمد بن عبد اللّه إلى المستعين ، وحضره عدّة من الفقهاء والقضاة ، فذكر أنه قال للمستعين : قد كنتَ فارقتّنى على أن (١) س: ((لوليك)). ٣٤٣ سنة ٢٥١ تنفّذ فى كل ما أعزم عليه؛ ولك عندى بخطّك رقعة بذلك ؛ فقال المستعين : أحضِرِ الرُّقعة . فأحضرها ؛ فإذا فيها ذكر الصلح ؛ وليس فيها ذكر الخلع ، فقال: نعم ، أنفذ الصلح، فقام الخلنجىّ فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنه يسألك أن تخلع قميصًا فَمَّصك به الله. وتكلّم علىّ بن يحيى المنجم فأغلظ لمحمد ابن عبد الله . ثم ركب بعد ذلك محمد بن عبد اللّهوذلك للنصف من ذى الحجة-إلى المستعين بالرّصافة، ثم انصرف ومعه وصيف وبُغا ، فمضوا جميعًا حتى صاروا إلى باب الشماسيّة، فوقف محمد بن عبدالله على دابته، ومضى وصيف وبُغا إلى دار الحسن بن الأفشين، وانحدرت المبيضة والغوغاء من السور ، ولم يطلق لأحد فتح الأبواب (١) ، وقد كان خرج قبل ذلك جماعةٌ كثيرة إلى عسكر أبى أحمد، فاشتروا ما أرادوا؛ فلمّا خرج مَنْ ذكرنا إلى باب الشّماسية نودى فى أصحاب أبى أحمد ألاّ يباع من أحد من أهل بغداد شىء ؛ فمُنعوا ١٦٤٠/٣ من الشراء ، وكان قد ضرب لمحمد بن عبد الله بباب الشّسيّة مضرب كبير أحمر؛ وكان مع ابن طاهر بندار الطبرى وأبو السنا ونحو من مافى فارس ومائتى راجل ، وجاء أبو أحمد فى زلال حتى قرب من المضرب ، ثم خرج ودخل المضرب مع محمد بن عبد الله، ووقف الذين مع كلّ واحد منهما من الجُنْد ناحية، فتناظر ابن طاهر وأبو أحمد طويلا ، ثم خرجا من المضرّب ، وانصرف ابنُ طاهر من مضرَبَه إلى داره فى زلاًل؛ فلما صار إليها خرج من الزلاّل ، فركب ومضى إلى المستعين ليخبره بما دار بينه وبين أبى أحمد ، وأقام عنده إلى العَصْر، ثم انصرف؛ فذكر أنه فارقه على أن يعطى خمسين ألف دينار، ويُقطَع غلّة ثلاثين ألف دينار فى السنة ؛ وأن يكون مقامه بغداد حتى يجتمع لهم مال يُعطون الجند ؛ وعلى أن يولّى بُغا مكة والمدينة والحجاز، ووصيف الجبل وما والاه، ويكون ثلث ما يجىء من المال لمحمد بن عبد الله، وجُنْد بغداد والثلثان للموالى والأتراك . (١) ا، س: ((الباب)). ٣٤٤ سنة ٢٥١ وذُكر أنّ أحمد بن إسرائيل لما صار إلى المعتزّ ولآه ديوان البريد، وفارقه على أن يكون هو الوزير وعيسى بن فرّخانشاه على ديوان الخراج وأبو نوح على الخاتم والتوقيع ؛ فاقتسموا الأعمال، فوردت خريطة الموسم إلى بغداد بالسلامة ، فبعث بها إلى أبى أحمد(١)، ثم ركب ابن طاهر - فيما قيل - لأربع عشرة بقيت من ذى الحجة من هذه السنة إلى المستعين ، لمناظرته فى الخلع ، فناظره فامتنع عليه المستعين ، وظنّ المستعين أن بُغا ووصيفاً معه، فكاشفاه، فقال المستعين: هذا عُنفى والسيف والنِّطع ؛ فلما رأى امتناعه انصرف عنه، فبعث المستعين إلى ابن طاهر بعلى بن يحيى المنجم وقوم من ثقاته، وقال: قولوا له: اتق الله، فإنما جئتك لتدفع عنى؛ فإن لم تدفع عنى فكُفّ عنى. فردّ عليه ؛ أمّا أنا فأقعد فى بيتى ؛ ولكن لا بدّ لك من خلعها طائعًا أو مكرهاً . وذكر عن علىّ بن يحيى أنه قال له : قل له : إن خلعَتها فلا بأس ؛ فوالله لقد تمزّقتْ تمزقًا لا يُرقع؛ وما تركتَ فيها فضلا. فلما رأى المستعين ضعفَ أمره وخذلانَ ناصريه أجاب إلى الخلْع ؛ فلما كان يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيَتْ من ذى الحجة، وجَّه ابنُ طاهر ابنَ الكرديّة وهو محمد بن إبراهيم بن جعفر الأصغربن المنصور والخلنجىّ وموسى بن صالح بن شيخ وأباسعيد الأنصارىّ وأحمد بن إسرائيل ومحمد بن موسى المنجم إلى عسكر أبى (٢) أحمد ليوصلوا كتابَ محمد إليه بأشياء سألها المستعين من حين نُدِب إلى أن يخلع نفسه . فأوصلوا الكتاب، فأجاب إلى ما سأل ، وكتب الجواب بأن يُقطع وينزل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأن يكون مضطرَبُه من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة . فأجابه إلى ذلك ؛ فلم يقنع المستعين إلا بخروج ابن الكرديّة بما سأل إلى المعتزّ، حتى يكتب بإجابته بذلك بخطه بعد مشافهة ابن الكرديّة المعتزّ بذلك ، فتوجَّه ابن الكردية بها . وكان سبب إجابة المستعين إلى الخَلْع - فيما ذكر - أن وصيفًا وبُغا وابن طاهر ناظروه فى ذلك وأشاروا عليه ؛ فأغلظ لهم (٣) ، فقال له وصيف: ١٦٤٢/٣ (١) إلى هنا تنتهى نسخة أحمد الثالث. (٣) فى: ((عليهم)). (٢) ط: ((ابن))، وانظر الفهرس. ١٦٤١/٣ ٣٤٥ سنة ٢٥١ أنت أمرَتنا بقتل باغر ؛ فصِرْنا إلى ما نحن فيه؛ وأنت عرّضتنا لقتل أوتامش ، وقلت : إنّ محمداً ليس بناصح ؛ وما زالوا يفزُّعونه ويحتالون له، فقال محمد ابن عبد اللّه: وقد قلت لى إنّ أمرنا لا يصطلح إلا باستراحتنا من هذيْن؛ فلمّا اجتمعت كلمتُهم أذعن لهم بالخلْع ، وكتب بما اشترط لنفسه عليهم ؛ وذلك لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة . ولمّا كان يومُ السَّبْت لعشر بقين من ذى الحجَّة ، ركب محمد بن عبد الله إلى الرُّصافة وجميع القضاة والفقهاء ، وأدخلهم على المستعين فوجًاً فوجًا، وأشهدهم عليه أنه قد صيّر أمره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر ؛ ثم أدخل عليه البوّابين والخدَم، وأخذ منه جوهر الخلافة ، وأقام عنده حتى مضى هُوِىّ من الليل ، وأصبح الناس يرجُّفون بألوان الأراجيف ، وبعث ابن طاهر إلى قوّاده فى موافاته؛ مع كلّ قائد منهم عشرة نفر من وجوه أصحابه ، فوافوْه ، فأدخلهم (١) ومنَّهم، وقال لهم: إنما أردت بما فعلت صلاحتكم وسلامتكم وحقْنَ الدماء . وأعدّ للخروج إلى المعتزّ فى الشروط التى اشترطها للمستعين ولنفسه ولقوّاده قومًا ليوقَّع المعتزّ فى ذلك بخطه. ثم أخرجهم إلى المعتزّ ، فمضوا إليه حتى وقع فى ذلك بخطه إمضاءً(٢) كل ما سأل المستعيرُ وابن طاهر لأنفسهما من الشُّروط ، وشهدوا عليه بإقراره بذلك كله ، وخلَع المعتزّ على الرّسل ، وقلَّدهم سيوفًا، وانصرفوا بغير جائزة ولا نظر فى حاجة لهم ، ووجَّه معهم لأخذ البيعة له على المستعين جماعة من عنده ؛ ولم يأمر للجند بشىء. وحُمل إلى المستعين أمه وابنته وعياله بعد ما فتّش عياله ، وأخذ منهم بعض ما کان معهم مع سعید بن صالح ؛ فکان دخول الرسل(٣) بغداد منصر فهم من عند المعتزّ يوم الخميس لثلاث خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين. ١٦٤٣/٣ وذكر أن رسل المعتزّ لما صاروا بالشماسيّة ، قال ابن سجّادة : أنا أخاف من أهل بغداد ؛ فإمّا أن يحمل المستعين إلى الشماسية أو إلى دار محمد بن عبدالله ليبايع المعتزّ، ويخلَع نفسه ويُؤخذ منه القضيب والبُرْدة. (١) بعدها فىف: ((عليه)). (٣) ف: ((الجند)). (٢) ف: ((بامضاء)). :. ٣٤٦ سنة ٢٥١ وفى شهر ربيع الأول من هذه السنة كان ظهورُ المعروف بالكوكبى بقزوين وزَنجان وغلبتُه عليها وطرده عنها آل طاهر؛ واسم الكوكبىّ الحسين بن أحمد ابن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب رضى الله عنه . ٠ وفيها قطعت بنو عُقيل طريق جُدّة ، فحاربهم جعفر بشاشات ، فقُتل من أهل مكة نحوٌ من ثلثمائة رجل ، وبعض بنى عقيل القائل: ١٦٤٤/٣ عليك ثوبانِ وَأُفِى عاريَهْ فَأَلْقِ لى ثوبَك يا بنَ الزانية فلما فعل بنو عُقَيْل ما فعلوا غلتْ بمكة الأسعار، وأغارت الأعراب على القرى . # " [ ذكر خبر خروج إسماعيل بن يوسف بمكة ] وفيها ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن علىّ بن أبى طالب بمكة ، فيرب جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى العامل على مكة ، فانتهب إسماعيل بن يوسف منزلَ جعفر ومنزلَ أصحاب السلطان ، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة ، وأخذ ما كان حمل لإصلاح العيْن من المال وما كان فى الكعبة من الذّهب ، وما فى خزائنها من الذَّهَب والفيضّة والطّيب وكُسوة الكعبة ، وأخذ من الناس نحواً من مائتى ألف دينار ، وأنهب مكة ، وأحرق بعضها فى شهر ربيع الأول منها . ثم خرج منها بعد خمسين يوماً ، ثم صار إلى المدينة ، فتوارَى علىّ بن الحسين بن إسماعيل العامل عليها ، ثم رجع إسماعيل إلى مكة فى رجعَب ، فحصرهم حتى تماوَت أهلُها جوعًا وعطشاً؛ وبلغ الخبز ثلاث أواق بدرهم ، واللحم رطل بأربعة دراهم ، وشربة ماء ثلاثة دراهم ؛ ولفىَ أهلُ مكة منه كلَّ بلاء . ثم رحل بعد مقام ١٦٤٥/٣ سبعة وخمسين يوماً إلى جُدّة، فحبس عن الناس الطعام، وأخذ أموال التجار ٣٤٧ سنة ٢٥١ وأصحاب المراكب ، فحمل إلى مكة الحنطة والذّرة من اليمن، ثم وافت (١) المراكب من القُلْزُم ، ثم وافى إسماعيل بن يوسف الموقف ؛ وذلك يوم عرفة ، وبه محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور الملقب كعب البقر ، وعيسى بن محمد المخزومى صاحب جيش مكة - وكان المعتزّ وجّههما إليها - فقاتلهم، فقتل نحو من ألف ومائة من الحاجّ(٢)، وسلب الناس، وهربوا إلى مكة ، ولم يقفوا بعرفة ليلا ولا نهاراً، ووقف إسماعيل وأصحابه، ثم رجع إلى جُدّة فأفى أموالها. (١) ف: ((ووافت)). (٢) س: ((الناس)). ٣٤٨ ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ٠ ٠٠ [ ذكر خبر خلع المستعين وبيعة المعتز ] فمن ذلك ما كان من خلع المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم نفسه من الخلافة ، وبيعته للمعتزّ محمد بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم ، والدّعاء للمعتزّ على منبرى بغداد ومسجدى جانبيها الشرقىّ منها والغربىّ ، يوم الجمعة لأربع خلوْن من المحرّم من هذه السنة ، وأخذ البيعة له بها على مَنْ كان يومئذ بها من الجُنْد . وذكر أن ابن طاهر دخل على المستعين ومعه سعيد بن حميد حین کتب له بشروط الأمان ، فقال له: يا أميرَ المؤمنين؛ قد كتب سعيد كتب الشروط وأكَّد غاية التأكيد، فنقرؤه عليك فتسمعه (١)؟ فقال له المستعين: لا عليك(٢)! ألا تركتها يا أبا العباس ، فما القوم بأعلم باللّه منك ؛ قد أكدتَ على نفسك قبلهم فكان ما قد علمت ؛ فما ردّ عليه محمد شيئًا . ١٦٤٦/٣ ولما بايع المستعين المعتزّ، وأخذ عليه البيعة ببغداد، وأشهد عليه(٣) الشهود من بنى هاشم والقضاة والفقهاء والقوّاد نقل من الموضع الذى كان به (٤) من الرُّصافة إلى قصر الحسن بن سهل بالمخرُّم هو وعياله وولده وجواريه ، فأنزلوهم فيه جميعاً، ووكّل بهم سعيد بن رجاء الحضارىّ فى أصحابه، وأخذ المستعين البُرْدة والقضيب والخاتم ، ووجَّه مع عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وكتب معه : أما بعد؛ فالحمد لله متمتم النعم برحمته، والهادی إلی شكره بفضله،وصلّی (١) ابن الأثير: ((لتسمعه)). (٣) بعدها فى ف: ((بذلك)). (٢) ابن الأثير: ((لا حاجة إلى توكيدها)). (٤) ف: ((فيه). ٣٤٩ سنة ٢٥٢ الله على محمد عبده ورسوله؛ الذى جمع له ما فرّق من الفضل فى الرّسل قبله، وجعل تراثه راجعًا إلى مَنْ خَصّه بخلافته، وسلّم تسليماً . كتابى إلى أمير المؤمنين وقد تمّم الله له أمرَه، وتسلّمت تُراث رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كان عنده ، وأنفذتُه إلى أمير المؤمنين مع عبيد الله بن عبد الله مولى أمير المؤمنين وعبده . ومنع المستعين الخروج إلى مكة، واختار أن ينزل البصرة. فذكر عن سعيد ١٦٤٧/٣ ابن حميد أن محمد بن موسى بن شاكر قال: البصرة وبيَّة ، فكيف اخترت أن تنزلها ! فقال المستعين : هى أوْبى، أو ترك الخلافة! وذكر أنّ قُرْب جارية قبيحة جاءت برسالة إلى المستعين من المعتزّ، يسأله أن ينزل عن ثلاث جوار كان المستعين تزوجهنّ من جوارى المتوكل ، فنزل عنهنّ، وجعل أمرهنّ إليهنّ؛ وكان احتبس عنده من الجوهر خاتمين يقال لأحدهما البُرْج وللآخر الجبَل ، فوجَّه إليه محمد بن عبد الله بقُرْبَ خاصية المعتزّ وجماعة ، فدفعهما إليهم ، وانصرفوا بذلك إلى محمد بن عبد الله، فوجّه به إلى المعتزّ . ولست خلون من المحرَّم دخل - فيما قيل- بغداد أكثر من مائتى سفينة ، فيها من صنوف التجارات وغنم كثير ، وأشخص المستعين مع محمد بن مظفّر ابن سَيَسَل وابن أبى حفصة إلى واسط فى نحو من أربعمائة فرسان ورجّالة . وقدم بعد ذلك على ابن طاهر عيسى بن فرّخانشاه وقُرْب، فأخبراه أن ياقوتة من جوهر الخلافة قد حبَسها أحمد بن محمّد عنده؛ فوجّه ابنُ طاهر الحسين ابن إسماعيل فأخرجها ، فإذا ياقوتة بهيّة، أربع أصابع طولا فى عرض مثل ذلك ، وإذا هو قد كتب عليها اسمه ، فدفعت إلى قُرْب ، فبعثتْ بها إلى المعتزّ . واستوزر المعتزّ أحمد بن إسرائيل، وخلع عليه ، ووضع تاجًا على رأسه ، وشخص أبو أحمد إلى سامُرًّا يوم السبت لاثنتى عشرة خلت من المحرّم منها ، وشیعه محمد بن عبد الله والحسن بن مخلد ، فخلع علی محمد بن عبد الله خمس خلع وسيفاً ، ورجع من الرّوذباز . ١٦٤٨/٣ ٣٥٠ سنة ٣٥٢ وقال بعض الشعراء فى خلع المستعين : وسيُقتَلُ التالى له أَو يُخلَعُ خُلِعَ الخلافة أحمدُ بنُمحمد أَحدٌ تَملّكَ منهمُ يَستَمتِعُ ويزولُ مُلكُ بنی أبيه ولا یُری فى قتلٍ أَعْبُدُمْ طِرِيقٌ مَهْيَعُ بكُم الحياةُ تمرُّقاً لا يُرفَعُ إِيهاً بنى العباسِ إِنَّ سبيلَكمْ رَفَّعْتُمُ دُنياكمُ فتمزّقَتْ وقال بعض البغداديين : إِنّى أَرَاكَ منِ الفِراقِ جَزوعًا كانت به الآفاقُ تَضحَكُ بهجةً لا تُنكِرِى حَدَثَ الزمانِ وريْبَه ١٦٤٩/٣ لَبِسَ الخلافةَ واستجدَّ محبّةٌ فجنَتْ عليه يدُ الزمانِ بَصرفِه وتجانفَ الأَتراك عنه تمرُّدًا فنَزا بهم ، فنَزَوْا بِه وتَعَاورتْ فأَزَاله المقدارُ عن رُتَبِ العلا غَدَرُوا به ، مكروا به ، خانوا به وتكنَّفُوا بغدادَ من أَقطارِها ولو أنه سعَرَ الحروبَ بنفسِه حتى يُصادِمَ بالكماة كماتَهُ لَغَدَا على رَيْبِ الزمانِ مُحرَّماً لكنْ عصَى رأىَ الشفيق وعذْلَهُ أَضحى الإِمامُ مَسَيَّرًا مخلوعا وَهو الربيعُ لمن أَراد ربيعاً إِنّ الزمانَ يُفَرِّقُ المجمُوعا يقضى أُمورَ المسلمينَ جميعا حَرْباً وكَانَ عن الحُروب شَسُوعا أَضْحَى، وكان ولا يُرَاعُ مروعا أَيْدِى الكماةِ من الرءوس نجيعا فَتَوَى بِواسطَ. لا يُحِسُ رُجوعا لزِمَ الفراشَ، وحالَفَ النَّضجيعا قد ذَلَّلوا ما كان قبلُ مَنِيعا للقائهنّ دُروعًا متلبِّبًا فيكون من قَصدَ الحروبَ صَریعا ولَكَانَ إِذْ غَدَرَ اللئامُ مَنِيعا وَغَدا لأَمر الناكثينَ مُطِيعًا ١٦٥٠/٣ ٣٥١ سنة ٢٥٢ مَنْ كان للرأىِ السَّديد مضيعا والمُلكُ ليس بمالكِ سلطانَه حتى غَدا عن ملكه مخدوعا ما زالَ يَخْدَعُ نفسَه عن نفسِه أَمسى بها مُلكُ الإِمام مَنيعا باع ابنُ طاهر دينَه عن بيعةٍ من دينٍ ربِّ محمد مخلوعا خلعَ الخلافة والرعيّةَ فاغتدى وليُلْفَيَنَّ لتابعيه تبيعا فلْيَجْرَعَنَّ بذاك كأساً مُرَّةً وقال محمد بن مروان بن أبى الجَنوب بن مروان حين خلع المستعين، وصار ١٦٥١/٣ إلى واسط : والمُستعان إِلى حالاتِهِ رَجَعَا إِنَّ الأُمورَ إِلى المعتزّ قد رَجَعَتْ وأَنَّه لَكَ لكنْ نفسَه خدعَا وكانَ يَعلمُ أَنَّ المُلكَ ليس له ومالكُ المُلكِ مُؤْتِيهِ ونازعُه إِنَّ الخِلافةَ كانت لا تُلَائِمُهُ آتاك مُلْكا ومنه الملك قدنَزَعا كانت كَذَاتٍ حليل زُوّجَتْ مُتَعَا وكان أَحسَنَ قَوْلَ الناسِ قدخلِعا نفسى القِداءُ لملاَّحٍ بِه دَفَعا لو كان حُمْلَ ما حُمّلْتَه ظَلَعا واللّهُ يَجعلُ بعد الضُّيقِ مُنَّسَعَا فإِنه بكَ عنَّا السوء قد دَفَعَا وقد وَجَدْتُ بحمد اللهِ مُصْطَنعا فإِنَّ مِثِلكَ مثلى يُقْطِعُ الضيَعا فاللهُ آنُفَ حُسَّادى بِهِ جَدَعَا وقال يمدح المعتزّ بعد خلع المستعين : ما كانَ أَقْبِحَ عند الناسِ بَيعتَه ليتَ السَّفِينَ إِلى قافٍ دَفَعْنَ به كم ساسَ قبلكَ أَمرَالناسِ من ملك أَمْسَى بكَ الناسُ بعد الضِّيقِ فِى سَعَةٍ واللهُ يدفعُ عنكِ السّوءَ من مَلكِ ما ضاع مدحى ولا ضاع اصطنا عَلى فاردُدْ علىَّ بنجدٍ ضَيْعة قبِضَتْ فإِنْ رَدَدْتَ إِمام العَدْلِ غَلَّتَها ١٦٥٢/٣ وسَرَّنا اللهُ بإِقِبالِها قد عادَتِ الدنيا إِلى حَالِهَا ما كان من شِدَّة أَهوالِها دنيا بك اللهُ كفى أهلها ٣٥٢ ١٦٥٣/٣ ١٦٥٤/٣ سنة ٢٥٢ وكانَ قَدْ مَلَكَها جاهِلٌ قد كانتِ الدنيا به قُفِّلَتْ إِنَّ التى فُزْتَ بها دُونَهُ خلافةٌ كنتَ حقيقاً بها فردَّهِ اللهُ إِلى حالِهِ ولم تكن أَوَّلَ عَارِيَّةٍ واللهِ لو كان على قريةٍ أُدخلَ فى الملكِ يدًا رِعِدَةً بَدَّلَنا اللهُ بِه سَيِّدًا بُدِّلَتِ الأُمَّةُ هذا بِذَا وقامَ بالمُلكِ وأَثقالِهِ أَبْطَلَ ما كان العِدَا أَمَّلوا تُعمِلُ خَيْلا طالَمَا نجحَتْ وقال الوليد بن عبيد البحترى فى خلع المستعين ومدح المعتز (١): لا تَصلُحُ الدُّنيا لجُهَّالِهَا فكنتَ مِفِتاحاً لأَقْفَالِهَا عادَتْ إلى أَحسَنِ أحوالِهَا فضَّلِكَ اللهُ بِسِرْبالها وردّها اللهُ إِلى حالِهَا رُدّتْ على رغْمِ إِلى آلها ما كان يُجزِى بعضَ أعمالها أَخرجَها من بعدِ إِدخالها أَسكَنَ دُنيا بعد زلزالها كأَنَّها فى وقتِ دَجَّالِها وقام بالحربِ وأَثقالها رَمْيُكَ بالخيلِ وأَبطالِهَا ما عَمِلَتْ خيلٌ كأَعمالها أَلَا هل أَتاها أَنَّ مُظْلِمَةَ الدُّجى وأَنَّا ردَدْنا المُستَعارَ مُذَمَّماً عجبتُ لهذا الدّهر أَعيَتْ صُرُوقُه متى أَمَّلَ الدَّيّاكِ(٢) أَن يُصطفى لَهُ وكيف ادَّعى حقَّ الخلافةِ غاصبٌ بكى المِنَبرُ الشرقُّ إِذْ خارَ فوقَه ثَقيل على جنبِ الثَّرِيد مُراقِبٌ تَجلَّتْ وأَنَّ العيشَ سُهّلَ جانبُهْ على أَهلِهِ واستأْنَفَ الحقَّصاحبُهْ وما الدُّهْرُ إِلا صرْفُه وعجائبهُ عُرَى النَّاجِ أَويُثْنى عليه عصائِبُهْ حَوَى دونه إِرثَ النبيِّ أَقاربُه على النَّاسِ ثور قد تَدَلَّت غَبَاغبُهْ لشخصٍ الخوانِ يَبْتَدِى فِيُواثِبُهْ (١) ديوانه ٢١٤ (المعارف). (٢) فى الأصول: ((الذيال))، وما أثبته من الديوان، والدياك: صاحب الديك. ٣٥٣ ١٦٥٥/٣ أَضاءَ شِهَابُ المُلكِ أَم كلَّ ثاقِبُه تضاءل مُطْرِيهِ وَأَطَنَب عائِبُهْ فَطَوْرًا يُناغيه وطورًا يُشاغِبُهْ وَيْفَ رأَيتَ الظُّمَ زالتْ عواقِيُهْ لِيُعْجِزَ والمعتزُّ بالله طالِبُهْ وُعُرِّىَ من بُرْدِ الذَِّّ مناكِبُهْ إِلى الشَّرْقِ تُحْدَى مُفنُه ور كائبُه لِتُنْشَبَ إلا فى الدجاج مخالبُه بجالبة خيرًا على من يناسِبُهْ ويُضحى شُجاعٌ وهو للجهل كاتِبُهْ أَباطحُه من مَحْرَمٍ وَأَخاشبُهْ على سَنَنٍ يَسرِى إِلى الحقّ لَاحِبُهْ معالِمُهُ فِينَا وغارَت كواكبُهُ مشارِقُهُ موفورةٌ ومغارِبُهْ ٠ ٥ وانصرف أبو الساج ديوداد بن ديودست إلى بغداد لسبع بقين من المحرّم من هذه السنة ، فقلّده محمد بن عبد اللّه معاون ما سقسَى الفرات من السَّواد ، فوجّه أبو الساج خليفةً له يقال له كربه إلى الأنبار ، ووجَّه قومًا من أصحابه إلى قصر ابن هبيرة مع خليفة له ، ووجَّه الحارث بن أسد فى خمسمائة فارس وراجل ، يستقرئ أعماله ، ويطرد الأتراك والمغاربة عنها ، وقد كانوا عاثوا فى النواحى وتلصّصوا . ثم شخص أبو الساج من بغداد لثلاث خلوْن من ربيع الأول ، ففرّق أصحابه فى طساسيج الفرات ، ونزل قصر ابن هبيرة ؛ ثم صار إلى الكوفة ، ووافى أبو أحمد سامراً منصرفًا من معسكره(١) إليها لإحدى سنة ٢٥٢ إذا ما احتشى من حاضِر الزَّادِ لميُبَلْ إِذَا بَكَّرَ الفَرَّاشُ ينثو حديثَه تَخَطَّى إِلى الأَمْرِ الَّذى ليس أَهلَهُ فكيف رأيتَ الحقَّ قَرَّ قرارُه ولم يكنِ المغْتَرُ باللهِ إِذ سَرَى رَفَى بالقضِيبِ عُنوةً وهو صاغرٌ وقد سرَّتِى أَنْ قيل وُجِّه مسرعاً إلى كَسْكَرٍ خَلْف الدَّجاج ولم يكن وما لِحِيَةُ القصَّارِحيثُ تَنَفَّشَتْ بحوز ابن خَلَّدٍ على الشّعْرِ عنْدَه فَأَقسمْتُ بِالْوَادِى الحَرامِوماحَوَتْ لقد حملَ المعتزُّ أُمةَ أَحمدٍ تَدارَكَ دينَ اللهِ من بعدٍ ماعَفَتْ وضَمَّ شعاعَ المُلكِ حتى تُجمَّعتْ ١٦٥٦/٣ ١٦٥٧/٣ (١) س: ((عسكره)). ٣٥٤ سنة ٢٥٢ عشرة بقيتْ من المحرّم ، فخلع المعتزّ عليه ستة أثواب وسيفاً، وتُوِّج تاج ذهب بقلنسوة مجوهرة، ووُشِّح وشاحىْ ذهب بجوهر، وقُلِّد سيفاً آخر مرصعاً بالجوهر، وأجلس على كرسىّ ، وخلع على الوجوه من القوّاد . [ ذكر خبر قتل شريح الحبشى ] وفيها قتل شريح الحبشىّ، وكان سبب ذلك أنه حين وقع الصّلْح ، هرب فى عِدّة من الحبشة، فقطع الطريق فيما بين واسط وناحية الجبل والأهواز، ونزل قرية من قُرى أمّ المتوكّل يقال لها ديرى، فنزل فى خانها فى خمسة عشر رجلاً ، فشربوا وسكروا، فوثب عليهم أهلُ القرية نكتّفوهم ، وحملوم إلى واسط، إلى منصور بن نصر ، فحملهم منصور إلى بغداد ، فأنفذهم محمد ابن عبد الله إلى العسكر، فلمّا وصلوا قام بايكباك إلى شُريح. فوسّطه بالسيف وصُليب على خشبة بابك ، وضرب أصحابه بالسياط ما بين الخمسمائة إلى الألف . ١٦٥٨/٣ # ٠ وفى شهر ربيع الآخر منها توفّىَ عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان فى مدينة أبى جعفر . [ ذكر حال بُغا ووصيف ] وفيها كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله فى إسقاط اسم بغا ووصيف ومن کان فى رسمهما(١) من الدواوين . وذكر أن محمد بن أبى عون أحد قوّاد محمد بن عبدالله ناظره لمّا صارأبوأحمد إلى سامرًا فى قتل بُنا ووَصيف، فوعَده أن يقتلهما؛ فبعث المعتزّ إلى محمد ابن عبد اللّه بلواء، وعقد لمحمد بن أبى عون لواء على البصرة واليمامة والبحرين ، (١) س: ((رسومهما)). ٣٥٥ سنة ٢٥٢ فكتب قومٌ من أصحاب بُغا ووصيف إليهما بذلك ، وحذّرُوهما محمدَ بن عبد اللّه ؛ فركب وصيف وبُغا إليه يوم الثلاثاء لخمس بقين من ربيع الأول ، فقال له بغا : بلغنا أيها الأمير ما ضمنه ابن أبى عون من قتلنا ؛ والقوم قد غدروا وخالفوا ما فارقونا عليه؛ والله لوأرادوا أن يقتلونا ما قدروا عليه . فحلف لهما أنه ما علم بشىء من ذلك ؛ وتكلّم بُغا بكلام شديد، ووصيف يكفُّه ، وقال وصیف : أيها الأمير، قد غدر القوم ونحن نمسك ونقعد فى منازلنا حتى يجىء مَنْ يقتلنا ! وكانا دخلا مع جماعة، ثم رجعا إلى منازلهما، فجمعا جندهما ومواليتهما ، وأخذا فى الاستعداد وشرَى السّلاح وتفريق الأموال فى جيرانهما إلى سلْخ ربيع. وكان وصيف وبُغا عند قدوم قُرْب ، وجَّه إليهما محمد ابن عبد الله کاتبه محمد بن عیسی ، فأقبلا معه حتی صارا عند دار محمد بن عبد الله بقرب (١) الجسر، فلقيهما جعفر الكردىّ وابن خالد البرمكىّ؛ فتعلق كلّ واحد منهما بلجام واحد منهما ، وقال لهما: إنما 'دُعيما لتحملا إلى العسكر؛ وقد أعدّ لكما لذلك قومٌ أو لتقتلا، فرجعا وجمعا جمعًا، وأجريا على كلّ رجل كلَّ يوم درهمين ؛ فأقاما فى منازلهما . ١٦٥٩/٣ وكان وصيف وجّه أخته سعاد إلى المؤيد، وكان المؤيّد فى حِجْرها، فأخرجت من قصر وصيف ألف ألف دينار كانت مدفونة فيه ؛ فدفعتها إلى المؤيّد ؛ فكلّ المؤيد المعتزَّ فى الرضا عن وصيف ؛ فكتب إليه بالرضا عنه ؛ فضرب مضاربه بباب الشمّاسيّة على أن يخرج ، وتكلّم أبو أحمد ابن المتوكل فى الرضا عن بغا ، فكتب إليه بالرّضا . واضطرب أمرهما وهما مقيمان ببغداد . ثم اجتمع على المعتز الأتراك فسألوه الأمْرَ بإحضارهما ، وقالوا : هما كبيرانا ورئيسانا ؛ فكتب إليهما بذلك ، فجاء بالكتاب بايكباك فى نحو من ثلثمائة رجل ؛ فأقام بالبرَدان ، ووجّه إليهما الكتاب لسبع بقين من شهر رمضان من هذه السنة ؛ فکتب إلى محمد بن عبد الله بمنعهما؛ فوجها بکاتبیهما أحمد (١) ف: ((عند). ٣٥٦ ١٦٦٠/٣ سنة ٢٥٢ ابن صالح ودُليل بن يعقوب إلى محمد بن عبد الله ليستأذناه ؛ فأتاهما جيش من الأتراك ، فنزلوا بالمصلى، وخرج وصيف وبُغا وأولادهما وفرسانهما فى نحو من أربعمائة إنسان ، وخلفًا فى دورهما النّقل والعيال، ودعا أهل بغداد لهما ودعوا لهم . وقد كان ابن طاهر وجّه محمد بن يحيى الواثقىّ وبندار الطبرىّ إلى باب الشماسيّة وباب البرد ان ليمنعوهما، ومضيامن باب خراسان، ونفذا ولم يعلم كاتباهما حتى قال محمد بن عبد اللّه لأحمد وُدليل: ما صنع صاحبا كما ؟ فقال أحمد ابن صالح : خلّفتُ وصيفاً فى منزله . قال : فإنه قد شخص الساعة ، قال : ما علمتُ ؛ فلمّا صار إلى سامُرًا بكر أحمد بن إسرائيل يوم الأحد لتسع بقين من شوّال من هذه السنة فى السَّحَر إلى وصيف ، وأقام عنده مليًّا ، ثم انصرف إلى بُنا، فأقام عنده مليًا، ثم صار (١) إلى الدّار، فاجتمع الموالى وسألوا ردّهما إلى مراتبهما، فأجيبوا إلى ذلك، وبعث إليهما ، فحضرا ورتّبًا فى مرتبتهما التى كانت قبل مصيرهما إلى بغداد ، وأمر بردّ ضياعهما، وخلع عليهما خلع المرتبة . ثم ركب المعتزّ إلى دار العامة، وعقد لبُغا ووصيف على أعمالهما وردّ ديوان البريد كما كان قبل إلى موسى بن بغا الكبير ، فقبل موسى ذلك . ٠ [ ذكر الفتنة بين جند بغداد وأصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر] وفى شهر رمضان من هذه السنة كانت وقعة بين جند بغداد وأصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر ، ورئيس الجند يومئذ ابن الخليل. وكان السبب فى ذلك - فيما ذكر- أن المعتزّ كتب إلى محمد بن عبد الله فى بيع غلّة طساسيج ضياع بادرويا وقُطْرُبَل ومَسْكِن وغيرها، كلّ كُرَّين (٢) بالمعدّل بخمسة وثلاثين ديناراً من غلّة سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وكان المعتزّ ولّى بريد بغداد رجلا يقال له صالح بن الهيثم ، وكان أخوه منقطعًا إلى أتامش أيام ١٦٦١/٣ (١) ف: ((انصرف)). (٢) الكر: مكيال عند أهل العراق، ستون قفيزاً. ٣٥٧ سنة ٢٥٢ المتوكل ، فارتفع أمرُ صالح هذا أيام المستعين؛ وكان ممن أقام بسامرًا ؛ وهو من أهل المخرّم، وكان أبوه حائكاً ثم صار يبيع الغزل؛ ثم انتقل أخوه إليه لمّا ارتفع . فلما أقام ببغداد كُتِبَ إليه يُؤمر أن يقرأ الكتاب على قوّاد أهل بغداد کعتاب بن عتاب ومحمد بن يحيى الواثقى ومحمد بن هرثمة ومحمد بن رجاء وشعيب ابن عجيف ونظرائهم ، فقرأه عليهم ، فصاروا إلى محمد بن عبد الله ، فأخبروه؛ فأمر محمد بن عبد اللّه فأحضر صالح بن الهيثم ، وقال : ما حملك على هذا بغير علمى ! وتهدّده وأسمعه. وقال للقوّاد : انتظروا حتى أرى رأيى، وآمركم بما أعزم عليه ، فانصرفوا من عنده على ذلك ، وشخص بعد ذلك، واجتمع الفروض والشاكريّة والنائبة إلى باب محمد بن عبد الله يطلبون أرزاقهم لعشر خَلوْن من شهر رمضان ؛ فأخبرهم أنّ كتاب الخليفة ورد عليه،جواب کتاب له كان كتب بمسألة أرزاق جند بغداد ، إن كنتَ فرضت الفروض (١) لنفسك، فأعطِهِم أرزاقهم ؛ وإن كنت فرضتَ لنا فلا حاجة لنا فيهم . فلما ورد الكتاب عليه أخرج لهم بعد شغبهم بيوم ألفى دينار، فوُضعت لهم ثم سكنوا . ١٦٦٢/٣ ثم اجتمعوا لإحدى عشرة خلت من شهر رمضان؛ ومعهم الأعلام والطبول، وضربوا المضارب والخيم على باب حرب وباب الشمّاسية وغيرهما، وبنوا بيوتاً من بوارِىّ وقصب، وباتوا ليلتهم . فلما أصبحوا كثُر جمعهم، وبيَّت ابنُ طاهر قومًا من خاصّته فى داره ، وأعطاهم درهماً درهماً ؛ فلما أصبحوا مضوا من داره إلى المشغّبة ؛ فصاروا معهم. فجمع ابن طاهر جنده القادمين معه من خُراسان ، وأعطاهم لشهرين، وأعطى جند بغداد القدماء ؛ الفارس دينارين والراجلَ ديناراً، وشَحَن داره بالرجال ؛ فلما كان يوم الجمعة اجتمع من المشغّبة خلق كثير بباب حرب بالسلاح والأعلام والطبول ، ورئيسهم رجل يقال له عبدان بن الموفّق ، ويكنى أبا القاسم ؛ وكان من أثبات عبيد الله بن یحیی بن خاقان ، وكان ديوان عبدان فى ديوان وصيف ، فقدم بغداد ، فباع داراً له بمائة ألف دينار، فشخص إلى سامُرًا؛ فلما وثبت الشاكريّة بباب العامة كان معهم ، فضربه سعيد الحاجب خمسمائة سوط ، وحبسه حبساً طويلا ، (١) ف: ((الفرض)). ٣٥٨ ١٦٦٣/٣ سنة ٢٥٢ ثم أطلق . فلما كان فتنة المستعين صار إلى بغداد ، وانضمّ إليه هؤلاء المشغّبة ، فحضّهم على الطلب بأرزاقهم (١) وفائتهم، وضمن لهم أن يكون لهم رأسًا يدبّر أمرهم (٢) . فأجابوه إلى ذلك ؛ فأنفق عليهم يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة نحواً من ثلاثين ديناراً فيما أقام لهم من الطعام ، ومَنْ كانت لهم كفاية لم يحتج إلى نفقته ؛ فكان ينصرف إلى منزله ، فلمّا كان يوم الجمعة اجتمعتْ منهم جماعة كثيرة ، وعزموا على المصير إلى المدينة ليمضوا إلى الإمام فيمنعوه من الصَّلاة والدعاء للمعتزّ ، فساروا على تعبية فى شارع باب حَرْب ؛ حتى انتهوْا إلى باب المدينة فى شارع باب الشأم ، وجعل أبو القاسم هذا على كلّ درب يمرّ به قوماً من المشغّبة، من بين رامح وصاحب سيف ليحفظوا الدروب؛ كيلا يخرج منها أحد لقتالهم . ولمّا انتهى إلى باب المدينة دخل معهم المدينة جماعة كثيرة، فصاروا بين البابين وبين الطاقات، فأقاموا هناك ساعة ، ثم وجّهوا جماعة منهم يكونون نحواً من ثلثمائة رجل بالسلاح إلى رُحْبة الجامع بالمدينة ؛ ودخل معهم من العامة خلْق كثير ، فأقاموا فى الرُّحبة ، وصاروا إلى جعفر بن العباس الإمام ، فأعلموه أنهم لا يمنعونه من الصّلاة، وأنهم يمنعونه من الدعاء للمعتزّ. فأعلمهم جعفر أنه مريض لا يقدر على الخروج إلى الصلاة ، فانصرفوا عنه ، وصاروا إلى درب أسد بن مرزبان ، فشحنوا الشارع النافذ إلی درب الرقيق ، وو كلوا بباب درب سليمان بن أبى جعفر جماعة ، ثم مضوا يريدون الجسر فى شارع الحدادين ، فوجه إليهم ابن طاهر عِدّة من قوّاده فيهم(٣) الحسين بن إسماعيل والعباس ابن قارن وعلىّ بن جهشيار وعبد الله بن الأنشين فى جماعة من الفرسان ، فناظروهم ودفعوهم دفعاً رفيقًا ، وحمل عليهم الجند والشاكريّة حملة جرحوا فيها جماعة من قوّاد ابن طاهر ، وأخذوا دابة ابن قارن وابن جهشيار ورجلٍ من فرض عبيد الله بن يحيى من الشأميين يقال له سعد الضبابيّ، وجرحوا المعروف بأبى السنا، ودفعوهم عن الجسر حتى صيّروهم (٤) إلى باب عمرو بن مسعدة . ١٦٦٤/٣ (١) ف: ((طلب الأرزاق)). (٣) فى: ((منهم)). (٢) ف: ((أمورهم)). (٤) ف: ((صار). / سنة ٢٥٢ ٣٥٩ فلما رأى الذين بالجانب الشرقىّ منهم أنّ أصحابهم قد أزالوا أصحاب ابن طاهر عن الجِسْر كبّروا، وحمدُوا يريدون العبور إلى أصحابهم ؛ وكان ابن طاهر قد أعدّ سفينة فيها شوك وقصب ليُضرم فيها النار ، ويرسلها على الجسر الأعلى ؛ ففعل ذلك ، فأحرقت عامة سفنه وقطعته ؛ وصارت إلى الآخر ، فأدركها أهلُ الجانب الغربيّ، ففرقوها وأطفئوا النار التى تعلّقت بسفن الجسر. وعبر من الجانب الشرقى إلى الجانب الغربیّ خلْق کثیر ،ودفعوا أصحاب ابن طاهر عن ساباط عمرو بن مسعدة ، وصاروا إلى باب ابن طاهر ، وصار الشاكرّية والجند إلى ساباط عمرو بن مسعدة، وقُتِل من الفريقين إلى الظهر نحو من عشرة نفر ، وصار جماعة من الغوغاء والعامة إلى المجلس الذى يعرف بمجلس الشرطة فى الجسر(١) من الجانب الغربيّ إلى بيت يقال له بيت الرفوع ، فكسروا الباب ، وانتهبوا ما فيه ؛ وكان فيه أصناف من المتاع ، فاقتتلوا عليه فلم يتركوا فيه شيئاً(٢)، وكان كثيراً جليلا . وأحرق ابنُ طاهر الجسرين لمّا رأى الجند قد ظهروا على أصحابه ، وأمر بالحوانيت التى على باب الجسر التى تتصل بدرب سليمان أن تحرّق يمنة ويسرة ، ففعل فاحترق فيها للتجار متاع كثير ، وتهدم حيطان مجلس صاحب الشرطة ؛ فلمّا ضُربت الحوانيت بالنار حالت النار بين الفريقين ، وكبّرت الجند عند ذلك تكبيرة شديدة ؛ ثم انصرفوا إلى معسكرهم بباب حرب ، وصار الحسين بن إسماعيل مع جماعة من القوّاد والشاكرية إلى باب الشأم، فوقف على التّجار والعامة فوبّخهم على معونتهم الجندَ ، وقال : هؤلاء قاتلوا على خبزهم وهم معذُورون؛ وأنتم جيران الأمير ومَنْ يجب عليه نُصرته ، فليمَ فعلتم ما فعلتم ، وأعتم المشاكريّة عليه ورميتم بالحجارة ، والأمير متحوّل عنكم ! ثم صار محمد بن أبى عون إليهم ، فقال لهم مثل ذلك ؛ وانصرف إلى ابن طاهر ؛ فمكث الجُند المشتَغبون فى مواضعهم ومعسكرهم، وانضم إلى ابن طاهر جماعة من الأثبات وجمع جميع أصحابه ، فجعل بعضهم فى داره، وبعضهم فى الشارع النافذ من الجسر إلى داره ، قد عبّأهم تعبية الحرب، حذاراً من كَرّة الجند عليه أيامًا ؛ فلم يكن لهم عودة ؛ فصار فى بعض الأيام ١٦٦٥/٣ (١) س: ((الحبس)). (٢) بعدها فى ف: ((إلا انهب)). ١٦٦٦/٣ ٣٦٠ سنة ٢٥٢ التى كان من عودتهم ابنُ طاهر على وَجَلٍ (١) - فيما ذكر - رجلان من المشغّبة استأمنا إليه ، فأخبراه (٢) بعورة أصحابهما، فأمر لهما بمائتى دينار ، ثم أمر الشاه بن ميكال والحسين بن إسماعيل بعد العشاء الآخرة بالمصير فى جماعة من أصحابهما إلى باب حَرْب ، فتلطّفا لأبى القاسم رئيس القوم وابن الخليل - وكان من أصحاب محمد بن أبى عون - فصاروا إلى ما هناك ؛ وكان أبو القاسم وابن الخليل قد صار كلّ واحد منهما عند مفارقة الرَّجُلين اللذيْن صارا إلى ابن طاهر ورجل آخر يقال له القُمَّىّ ؛ وتفرق الشاكريّة عنهما إلى ناحية خوفًا على أنفسهم ، فضى الشاه والحسين فى طلبهما حتى خرجا من باب الأنبار، وتوجها نحو جسر بطَاطيا، فذكرأنّ ابن الخليل استقبلهما قبل أن يصيرا إلى جسر بطاطيا، فصاح بهما ابن الخليل وبمَنْ معهما من هؤلاء ، وصاحوا به ؛ فلمّا عرفهم حمل عليهم ، فجرح منهم عدّة ، فأحدقوا به ، وصار فى وسط القوم ، فطعنه رجل من أصحاب الشاه ، فرمى به إلى الأرض ، فبَعَجه علىّ بن جهشيار بالسَّيْف وهو فى الأرض ، ثم حمل على بغل وبه زَمَق ، فلم يصلوا به إلى ابن طاهر حتى قنَفسَى. وأمر الشاه بطرحه فى كَنِيف فى دهليز الدَّار إلى أن حُمل إلى الجانب الشرقىّ؛ وأما عبدان بن الموفّق فإنه كان قد صار إلى منزله وإلى موضع اختفى فيه ، فدُلَّ عليه، وأخذ وحُمل إلى ابن طاهر ، وتفرّق الشاكريّة الذين كانوا بباب حرب، وصاروا إلى منازلهم ، وقُيّد عبدان بن الموفق بقيدين فيهما ثلاثون رطلا . ثم صار الحسين بن إسماعيل إلى الحبس الذى هو فيه فى دار العامة ، وقعد على كرسىّ، ودعا به ؛ فسأله : هل هو دسيس لأحد ، أو فعل ما فعل من قِبَل نفسه؟ فأخبره أنه لم يدسّه أحد؛ وإنما هو رجل (٣) من الشاكريّة طلب بخيزه. فرجع الحسين إلى ابن طاهر فأعلمه ذلك ، فخرج طاهر بن محمد وأخوه إلى دار العامة الداخلة ، فقعدا وأحضرا مَنْ بات فى الدار من القواد والحسين بن إسماعيل والشاه بن ميكال، وأحضرا عبدانَ ، فحمله رجلان ؛ فكان المخاطب له الحسين، فقال : أنت رئيس القوم ؟ فقال : لا؛ إنما أنا رجل منهم ؛ طلبت ما طلبُوا ، فشتمه ١٦٦٧/٣ (١) س. ف: ((رجل)). (٣) ف: ((وأخبر أنما هو)). (٢) ف: ((فأعلماه)).