النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
سنة ٢٥١
ابن طاهر بعد أن نالته العامّة بالضرب والشتم؛ حتى أشفى على الموت ، فسئل
عن أمره فصدَق ، فوُجّه به إلى الحبس .
وكان ابن طاهر قد وجّه الحارث خليفة أبى الساج ؛ فكان على طريق مكة
إلى قصر ابن هبيرة ، وضمّ إليه خمسمائة رجل من فرسان الشاكريّة القادمين
معه؛ فنفذ ومَنْ معه لسبع خلون من جمادى الأولى، ووجّه ابن أبى دلف هشام(١)
ابن القاسم فى مائتى راجل وفارس إلى السَّيبَيْن ، ليقيم هناك؛ فلما توجّه الحسين
إلى الأنبار كُتب إليه باللحاق بعسكر الحسين ليصير معه إلى الأنبار، ونُودِىّ
ببغداد فى أصحاب الحسين ومزاحم بن خاقان أن يلحقُوا بقوّادهم . فسار
الحسين، وتقدّم خالد بن عمران حتى نزل(٢) دعمًا؛ فأراد أن يعقد على نهر
أفق جسراً ليعبُر عليه أصحابه ، فمانعه الأتراك، فعبر إليهم جماعة من الرّجّالة
فكشفوهم ، وعقد خالد الجسر ، فعبر هو وأصحابه ، وصار الحسين إلى دعمًا ،
فعسكر خارجها ، وأقام فى معسكره يوماً، ووافتْه طلائع الأتراك ممّا يلى نهر أنق
ونهر رُفَيْل فوق قرية دعمًا، فصف الحسين أصحابه من جانب النهر والأتراك
من الجانب الآخر ، وهم زُماء ألف رجل ، وتراشقوا بالسهام ، فجُرح بينهم
عداد ، وانصرف الأتراك إلى الأنبار .
١٦٠٦/٣
وكان بحونة مقيماً بقصر ابن هبيرة، فانضمّ إلى الحسين فى جميع من كان
معه من الأعراب وغيرهم ، وكتب بحونه يسأل مالاً لإعطاء أصحابه ؛ فأمر
أن يحمل إلى معسكر الحسين لإعطاء أصحاب بحونة ثلاثة آلاف دينار ،
وحميل إلى الحسين مال وأطواق وأسورة وجوائز لمن أبلى فى الحرب، وكان الحسين
وُعَد أنْ يُمَدّ بالرجال حتى يكمل عسكره عشرة آلاف رجل، فكتب ينتجز
ذلك ؛ فأمر بتوجيه أبی السنا محمد بن عبدوس الغنوى والجحاف بن سواد فى
ألف فارس وراجل من الملَطَيّين وجند انتخبوا من قيادات شتى، فقبضوا
أنزالهم (٣) لليلتين بقيتا من جمادى. وساروا مع أبى السناء والجحاف على نهر
كَرْخايا إلى المحوّل، ثم إلى دعمًا، ونزل الحسين بعسكره فى موضع يعرف
١٦٠٧/٣
(١) ط: ((هاشم))، وانظر الفهرس
(٣) ف: ((أموالهم)).
(٢) س: ((دخل)).

٣٢٢
١٦٠٨/٣
سنة ٢٥١
بالقَطيعة واسع يحتمل العسكر ، فأقام فيه يومه ، ثم عزم على الرّحلة منه إلى
قرب الأنبار ، فأشار عليه رُشيد والقوّاد أن يُنزل عسكره بهذا الموضع لسّعته
وحتَصَانته، ويسير هو وقوّاده فى خيلٍ جريدة"، فإن كان الأمر له كان قادراً
أن ينقل عسكره ؛ وإن كان عليه انحاز إلى عسكره وراجع عدُوّه ؛ فلم يقبل
الرأى ، وحملهم على المسير (١ من موضعهم١)، فساروا وبين الموضعين فرسخان
أو نحوهما . فلما بلغوا الموضع الذى أراد الحسين النزول فيه ، أمر الناس بالنزول؛
وكان جواسيس الأتراك فى عسكر الخسين ، فساروا إليهم، وأعلموهم رحلة
الحسين ، وضيق العسكر بالموضع الذى نزل فيه، فوافوْهم والناس يحطّون أثقالهم،
فسار أهل العسكر ، ونادوا السلاح ، فصافّوهم ؛ فكانت بينهم قتلَى من
الفريقين ، وحمل أصحاب الحسين عليهم فكشفوهم كشفًا قبيحاً ، وقتلوا
منهم مقتلة عظيمة ، وغرق منهم خلق كثير فى الفُرات . وكان الأتراك قد
كمنوا قوماً، فخرج الكمين عند ذلك على بقية العسكر؛ فلم يكن لهم ملجأ إلاّ
الفرات . وغرق من أصحاب الحسين خلق كثير ، وقُتِل جماعة وأسرَ من
الرجالة (٢) جماعة؛ وأما الفرسان فضربُوا دوابتهم هُرّاباً لا يلوون على شىء،
والقوّاد ينادونهم يسألونهم الرَّجْعة، فلم يرجع منهم أحد ، وأبلى محمد بن رجاء
ورُشید یومئذ بلاء حسنًا، ولم یکن لمن انهزم معقل دون الیاسریة على باب بغداد،
فلم يملك القوّاد أمور أصحابهم ، فأشفقوا حينئذ على أنفسهم ، فانثنوا راجعين
وراءهم، يحمونهم من أدبارهم أن يُتبعوا، وحوَى الأتراك جميع عسكر الحسين
بما فيه من المضارب وأثاث الجند وتجارات أهل السوق ؛ وكان معه فى السفن
سلاح سليم ؛ لأن الملاحين حرزُوا سفنهم، فسلم ما كان معهم من السلاح ومن
تجارات التجّار.
وذكر عن ابن زنبور(٣) كاتب الحسين أنه أخذ للحسين اثنا عشر صندوقًا
فيها كسوة ومال من مال السلطان مبلغه ثمانية آلاف دينار ، ونحو من أربعة
آلاف دينار لنفسه ، ونحو من مائة بغل ؛ وانتهب فروضُ الحسین مضارب
الحسين وأصحابه، وطاروا مع مَنْ طار ، فوافوا الياسريّة؛ وكان أكثر
(٢) س: ((الرجال)).
(١ - ١) س: ((من معه)).
(٣) ا: ((ابن زيتون)).
:

٣٢٣
سنة ٢٥١
النهب مع أصحاب أبى السنا .
ووافى الحسين والفلّ الياسرية يوم الثلاثاء لستُّ خلوْن من جمادى الآخرة.
ولفى الحسينَ رجل من التجار فى جماعة ممن ذهبت (١) أموالهم فى عسكره ،
فقال : الحمد لله الذى بيّض وجهك! أصعدتَ فى اثنى عشر يومًا، وانصرفت
فی یوم واحد ! فتغافل عنه .
١٦٠٩/٣
قال أبو جعفر : وممّا انتهى إلينا من خبر الحسين بن إسماعيل ومَنْ كان
معه من القُوّاد والجند الذين كان محمد بن عبد الله بن طاهر استنهضَهم من
بغداد فى هذه السَّنة لحرب مَنْ كان قصد الأنبار وما اتّصل بها من البلاد
من الأتراك والمغاربة، أنه لما صار إلى الياسرية منصرفه مهزومًا من دمِمًّا، أقام
بها فى بستان ابن الحمرورىّ، وأقام مَنْ وافى الياسرية من المنهزمة فى الجانب
الغربىّ من الياسريّة، ومُنِعوا من العبور، ونُودى ببغداد فيمن دخلها من الجند
الذين فى عسكر الحسين أن يلحقوا بالحسين فى معسكره ، وأجِّلُوا ثلاثة أيام ؛
فمن وجد منهم ببغداد بعد ثلاثة ضُرب ثلثمائة سوط، ومُحى اسمه من الديوان.
فخرج الناس ، وأمر خالد بن عمران فى الليلة التى قدم فيها الحسين أن يعسكر
فى أصحابه بالمحوّل، وأعطى أصحابه أرزاقهم فى تلك الليلة فى الشَّرْج، ونودى
فى أصحابه بالمحوَّل باللحاق به .
ونودى فى الفرض القُدماء الذين كانوا فرضوا بسبب أبى الحسين يحيى بن
عمر بالكوفة وهم خمسمائة رجل ، وأصحاب خالد وهم نحو من ألف رجل ،
فعسكروا بالمحوّل يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى الآخرة وأمر ابن طاهر ١٦١٠/٣
الشاهَ بن ميكال فى صبيحة الليلة التى وافى فيها الحسين أن يتلقاه ويمنعه من
دخول بغداد . فلقيه فى الطريق ، فردّه إلى بستان ابن الحَرورىّ ، وأقاموا
يومهم ؛ فلما كان الليل صاروا إلى دار ابن طاهر ، فوبّخه ابن طاهر وأمره
بالرُّجوع إلى الياسريّة لينفذ إلى الأنبار مع مَنْ ينفذ إليها من الجند ؛ فصار
من ليلته إلى الياسريّة . ثم أمر بإخراج مال لإعطاء شهر واحد لآل هذا العسكر
(١) ف: ((هبت)).

٣٢٤
١٦١١/٣
سنة ٢٥١
فحمل تسعة آلاف دينار ، وصار كتّاب ديوان العطاء وديوان العَرْض إلى
الياسريّة لعرض الجند وإعطائهم .
فلما كان يوم الجمعة لسبع خلون من جمادى الآخرة توجَّه خالد بن
عمران مُصعيداً إلى قنطرة بهلايا ... وهى موضع السِّكْر - وخرجت معه نحومن
عشرين سفينة ، وركب عبيد الله بن عبد الله وأحمد بن إسرائيل والحسن بن
مخلد إلى عسكر الحسين بن إسماعيل بالياسريَّة، فقرءوا على الحسين والقوّاد كتابًاً
كُتِب به عن المستعين ، يخبرهم فيه بسوء طاعتهم وما ركبوا من العصيان
والتخاذل؛ فقرئ عليهم والعسكر مقيم، والعُرَّاض يعرضونهم ليتعرّفُوا مَنْ
قُتِل ومَنْ غرق من كلّ قيادة، وزودى باللَّحاق بعسكرهم ؛ فخرجوا .
وأتاهم كتاب بعض عيونهم بالأنبار يخبر أنّ القتلى كانت من الأتراك أكثر من
مائتين، والجرحى نحواً من أربعمائة؛ وأن جميع مَنْ أسره الأتراك من أهل
بغداد الجيشية والفروض من الرّجالة مائتان وعشرون إنساناً، وأنه عدّ رءوس
مَنْ قتيل فوجدها سبعين رأساً؛ وكانوا أخذوا جماعة من أهل الأسواق ،
فصاحوا لأبى نصر : نحن أهل السوق ، فقال : ما بالكم معهم ! فقالوا :
أكرِهنا فخرجنا، شئنا(١) [أو أبينا](٢) فأطلق من كان منهم يشبه السوقة.
وأمر بحبس الأسرى فى القطيعة .
وذُ كرعن صاحب بغال السلطان : أن جميع ما ذهب من بغال السلطان
مائة وعشرون بغلا .
ورحل الحسين يوم الاثنين لاثنتى عشرة بقيت من جمادى الآخرة ،
وكتب إلى خالد بن عمران وهو مقيم على السُّكْر ، أن يرحل متقدّماً أمامه ،
فامتنع خالد من ذلك ؛ وذكر أنه لا يبرح من موضعه إلا أن يأتيه قائد فى
جُند كثيف فيقيم مكانه ، لأنه يتخوّف أن يأتيَه الأتراك من خَلْفه من
عسكرهم بناحية قُطْربُل. وأمر ابن طاهر بمال، فحمل إلى(٣) الحسين بن
إسماعيل لإعطاء جميع من فى عسكره رزق شهر واحد؛ ليُفرَّق فيهم بد ممّا،
وأمر أن يخرج معه الكتاب والعُرّاض لأصحابه هنالك ، وقلَّد أمر نفقات
(٢) تكملة من ا، وموضعها بياض فى ط .
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((تسببا)).
١٦١٢/٣
(٣) س: ((مع)).

٣٢٥
سنة ٢٥١
عسكره وإعطاء الجند من قبَل ديوان الخراج الفضل بن مظفّر السبعىّ(١)،
وحمل المال مع السَّبْعِىّ إلى معسكر الحسين ، لينفذ معه إذا نفذ.
وقد قيل : إنّ الحسين ارتحل إلى الأنبار فى النصف من ليلة الأربعاء
لعشر بقين من جمادى الآخرة، فسار وتبعه من فى عسكره يوم الأربعاء ، ونودی
فى أصحابه باللحاق به ، فسار حتى نزل دمًّا ، وأراد أن يعقد على نهر أنق
جسراً ليعبُر عليه ، فمانعه الأتراك (٢) ، فعبر إليهم جماعة من أصحابه من
الرجَّالة ، فحاربوهم حتى كشفوهم . وعقد خالد الجسر، فعبر أصحابه ووجه
محمد بن عبد اللّه بكاتبه محمد بن عيسى بشىء شافه(٣) به ، فيقال : إنه
حمل معه أطْوَاقاً وأسورة ، وانصرف إلى منزله ، وصار إلى الحسين يوم السبت
الثمان خَوْن من رجب رجل ، فأخبره أن الأتراك قد دُلُّوا على عدّة مواضع
فى الفُرات، تُخاض إلى عسكره ، فأمر بضرب الرجل مائتى سوط ، (أووكل
بالمخاوض رجلا٤ً) من قُوّادِه ، يقال له الحسين بن علىّبن يحيى الأرمنىّ فى مائة
راجل ومائة فارس ؛ فطلع أوَّل القوم ، فخرج عليهم وقد أتاه منهم أربعة
عشر علمًا ، فقاتل أصحابه ساعةً ، ووكل بالقنطرة أبا السَّنَا، وأمره أن
يمنع مَن انهزم من العُبور؛ فأتى الأتراك المخاضة، فرأوا المؤكَّل بها ، فتركوه
واقفًا ، وصاروا إلى مخاضة أخرى خَلْف الموكّل فقاتلوهم، فصبر الحسين بن
على وقاتل، فقيل للحسین بن إسماعيل، فقصد نحوه، ولم يصل إليه حتى انهزم،
وانهزم خالد بن عمران معه ومَنْ معه ، ومنعهم أبو السنا من العُبور على
القنطرة ، فرجع الرجَّالة والخراسانية فرموا بأنفسهم فى الفُرات ، فغرق من لم
يُحسن السياحة، وعَبَرَ مَنْ كان يحسن السباحة، فنجا عرياناً، وخرج
إلى جزيرة لا يصل منها إلى الشَّطْ، لِمَا على الشطّ من الأتراك، فذكر عن بعض
جند الحسين، أنه قال: بعث الحسين بن علىّ الأرمنى إلى الحسين بن إسماعيل
أنّ الأتراك قد وافوا المخاضة، فأتاه الرسول، فقيل : الأمير نائم ، فرجع الرسول
فأعلمه، فردّ آخر، فقال له الحاجب: الأمير فى المخرَج، فرجع فأخبره ، فردّ
١٦١٣/٣
(١) س: ((الشيعى)).
(٣) ف: ((يشافهه)).
(٢) بعد فى ف: ((ومن معهم)).
(٤-٤) ف: ((ووجه لموضع المخاوض)).
٠

٣٢٦
١٦١٤/٣
سنة ٢٥١
رسولا ثالثًا، فقال: قد خرج من المخرج ونام ؛ فعلت الصيحة فعبر الأتراك ،
فقعد الحسين فى زورق أو شبّارة، وانحدر. واستأثر قوم من الخراسانية ،
ورمْوا ثيابهم وسلاحهم ، وقعدوا على الشطّ عُراةً، وشدّ أصحاب أعلام
الأتراك حتى ضربوا أعلامهم على مضرب الحسين بن إسماعيل ، واقتطعوا
السوق، وانحدرت عامة السفن، فسلمت إلاّ ما كان موكّلاً به منها ، ولحق
الأتراك أصحاب الحسين ، فوضعوا فيهم السيف ؛ فقتلوا وأسروا نحوًا من
مائتين، وغرق خَلْقٌ كثير ؛ ووافى الحسين والمنهزمة بغدادَ نصف الليل .
ووافى فلّهم وبقيّتهم فى النهار ؛ وفيهم جرحى كثيرة ؛ فلم يزالوا إلى نصف
النهار يتتابعون عبُراة مجرَّحين، وفُقِد من قواد الحسين بن يُوسف البَرْم وغيره.
ثم جاء كتابه أنه أسير فى أيدى الأتراك عند مُفْلح؛ وأنّ عدّة الأسرى من
وقعة الحسين الثانية مائة ونيّف وسبعون إنسانًا، والقتلى مائة، والدواب نحو من ألفى
دابة ومائتى بغل وأكثر ، وقيمة السلاح والثياب وغير ذلك أكثر من مائة ألف
دينار ؛ فقال الهندوانىّ فى الحسين بن إسماعيل:
عن القتالِ خَلَطْتَ الصفْوَ بالكدَرِ
يا أَحْزَمَ الناسِ رأياً فى تخلُّفهِ
علِمْتَ ما فى سيوفِ التّرْك من قَدَرٍ
لمَّا رَأَيتَ سُيُوفَ التركِ مُصلَتَةً
والنُّجْعُ يذهبُبينَ العجْزِ والضّجَرِ
فَصِرْتَ منحجزًا ذُلاًّ ومَنقَصَةً
ولحق بالمعتزّ فى جمادى الآخرة منها من بغداد جماعة من الكتاب وبنى
١٦١٩ هاشم، ومن القوّاد متزاحم بن خاقان أرطوج، ومن الكتّاب عيسى بن إبراهيم
ابن نوح ويعقوب بن إسحاق ونمارى ويعقوب بن صالح بن مرشد ومقلة وابن
لأبى (١) مزاحم بن يحيى بن خاقان ومن بنى هاشم على ومحمد ابنا الواثق، ومحمد
ابن هارون بن عيسى بن جعفر، ومحمد بن سليمان من ولد عبد الصمد بن علىّ.
وفيها كانت وقعة بين محمد بن خالد بن يزيد وأحمد المولد وأيوب بن أحمد
(١) ف: ((وابن أبى مزاحم "

٣٢٧
سنة ٢٥١
بالسكيْر من أرض بنى تغليب، قتل بين الفريقين جماعة كثيرة ، وانهزم محمد
ابن خالد ، وانتهب الآخرون متاعه ، وهدم أيوب دور آل هارون بن معمر .
وقتّل من ظفر به من رجالهم .
*
وفيها كانت لبلكاجور غزوة فتح - فيما ذكر - فيها مطمورة أصاب(١)
فيها غنيمة كثيرة ، وأسر جماعة من الأعلاج ، وورد بذلك على المستعين
كتاب تاريخه يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة
إحدى وخمسين ومائتين .
...
وفى يوم السبت لثمان بقين من رجب من هذه السنة كانت وقعة بين محمد
ابن رجاء وإسماعيل بن فراشة وبین جُعلان الترکیّ بناحيةباد رایا وبا كُسایا،
فهزم ابن رجاء وابن فراشة جُعلانَ ، وقتلا من أصحابه جماعة وأسرا جماعة.
وفى رجب منها كان -فيماذكر - وقعة بين ديوداد أبى الساج وبين بايكباك ١٦١٦/٣
بناحية جَرْ جَرايا، قتل (٢) فيها أبو الساج بايكباك" ، وقتل من رجاله جماعة ،
وأسر منهم جماعة، وغرق منهم فى النهروان جماعة .
وفى النصف من رجب منها اجتمع مَنْ كان ببغداد من بنى هاشم من
العباسيين ، فصاروا إلى الجزيرة التى بإزاء دار محمد بن عبدالله، فصاحوا بالمستعين
وتناولوا محمد بن عبد الله بالشّم القبيح، وقالوا: قد مُنعنا أرزاقنا، وتُدفع الأموال
إلى غيرنا ممن لا يستحقها ، ونحن نموت هزلا وجوعاً! فإن دفعت إلينا أرزاقنا
وإلاّ قصدنا إلى الأبواب ففتحناها، وأدخلنا الأتراك ؛ فليس يخالفنا أحد من
أهل بغداد . فعبر إليهم الشاه بن ميكال ، فكلّمهم ورفق بهم ، وسألهم أن
يعبر معه منهم ثلاثة أنفس ليدخلهم على ابن طاهر ؛ فامتنعوا من ذلك ، وأبوا
إلا الصّياحِ وشتْ محمد بن عبد اللّه ؛ فانصرف عنهم الشاه ؛ فلم يزالوا على
حالهم إلى قُرْب الليل ، ثم انصرفوا واجتمعوا من غد ذلك اليوم، فوجّه إليهم
محمد بن عبد الله، فأمرهم بحضُور الدّار يوم الاثنين ليأمر من يناظرهم ،
(١) ا: ((غنم)).
(٢) أ: ((قل)).

٣٢٨
سنة ٢٥١
فصاروا إلى الدّار، فأمر (١) محمد بن داود الطوسى"(٢) بمناظرتهم؛ وبذل لحم
رزق شهر واحد؛ وأمرهم (٣) أن يقبضوا ذلك، ولا يكلّفوا الخليفة أكثر من هذا؛
فأبوا أن يقبضوا رزق شهر ، وانصرفوا .
٠
[خروج الحسين بن محمد الطالبى" وما آل إليه أمره ]
١٦١٧/٣
وفيها خرج بالكوفة رجلٌ من الطالبيّين يقال له الحسين بن محمد بن
حمزة بن عبد الله بن الحسين بن علىّ بن حسين بن علىّ بن أبى طالب ،
فاستخلف بها رجلا منهم يقال له محمد بن جعفر بن الحسين بن جعفر بن
الحسين بن حسن ، ويكنى أبا أحمد، فوجّه إليه المستعين مزاحم بن خاقان
أرطُوج ؛ وكان العلوىّ بسواد الكوفة فى ثلثمائة رجل من بنی أسد وثلثمائة رجل
من الجارودية والزيديّة وعامتهم صَوَّافيّة (٤)؛ وكان العامل يومئذ بالكوفة أحمد
ابن نصر بن مالك الخُزاعىّ، فقتَل العلوى من أصحاب ابن نصر أحد عشر
رجلا، منهم من جند الكوفة أربعة، وهرب أحمد بن نصر إلى قَصْر ابن هبيرة ؛
فاجتمع هو وهشام بن أبى دلف ؛ وكان يلى بعض مواد الكوفة - فلما صار
مزاحم إلى قرية شاهى كتب إليه فى المقام حتى يوجّه إلى العلوى مَنْ يردّه إلى
الفيْئة والرجوع. فوجّه إليه داود بن القاسم الجعفرىّ، وأمر له بمالٍ ، فتوجه إليه
وأبطأ داود وخبرُه على مزاحم ، فزحف مزاحم إلى الكوفة من قرية شاهى ، فدخلها
وقصد العلوىّ فهرب، فوجته فى طلبه قائداً، وكتب بفتحه الكوفة فى خريطة
مُرَيّشة .
١٦١٨/٣
وقد ذكر أن أهل الكوفة عند ورود مزاحم حملوا العلوىّ على قتاله ، ووعدوه
النّصر ، فخرج فى غربىّ الفُرات؛ فوجه مزاحم قائداً من قُوّاده فى الشرقىّ
من الفرات ، وأمره أن يمضى حتى بعبر قنطرة الكوفة ثم يرجع ، فمضى القائد
لذلك، وأمر مزاحم بعض أصحابه الذين بقوا معه أن يعبروا مخاضة الفرات فى
(٢) ا، ف: ((الطالب)).
(١) س: ((وأمر)).
(٣) فى: ((وسألهم)).
(٤) !، ف: ((صوفية)).

٣٢٩
سنة ٢٥١
قرية شاهى، وأن يتقدّموا حتى يحاربوا أهل الكوفة ويصافّوهم من أمامهم
فساروا ومعهم مزاحم، وعَبَر الفرات، وخلَّفَ أثقَالَه ومَنْ بقى معه من أصحابه؛
فلما رآهم أهل الكوفة ناوشوهم الحرب ، ووافاهم قائد مزاحم ، فقاتلهم من ورائهم
ومُزاحِمٍ من أمامهم ؛ فأطبقوا عليهم جميعًا فلم يفلت منهم أحد .
وذكر عن ابن الكرديّة أنّ مزاحمًا قتل من أصحابه قبل دخوله الكوفة
ثلاثة عشر رجلا، وقتل من الزيدية أصحاب الصّوف سبعة عشر رجلا ، ومن
الأعراب ثلثمائة رجل ؛ وأنه لما دخل الكوفة رُمِّ بالحجارة فضرب ناحيتى الكوفة
بالنار ، وأحرق سبعة أسواق ؛ حتى خرجت النار إلى السَّبيع ، وهجم على
الدار التى فيها العلوىّ فهرب؛ ثم أتى به وقُتِل فى المعركة من العلوية رجل (١)
وذكر أنه حبس جميع من بالكوفة من العلويّة، وحبس أبناء هاشم، وكان ١٦١٩/٣
العلوّى فيهم .
وذكر عن أبى إسماعيل العلوّى أن مُزاحمًا أحرق بالكوفة ألف دار ، وأنه
أخذ ابنة الرجل منهم فعنّفها .
وذكر أنه أخذ للعلوىّ جوارٍ ، فيهم امرأة حُرّة مضمومة ، فأقامها على
باب المسجد ونادى عليها .
...
وفى النصف من رجب من هذه السنة ، ورد على مزاحم كتاب من المعتزّ
يأمره بالمصير إليه ، ويعده وأصحابه ما يحبّ ويحبّون. فقرأ الكتاب مزاحم
على أصحابه ؛ فأجابه الأتراك والفراغنة والمغاربة ، وأبى الشاكرية ذلك ، فمضى
فيمن أطاعه منهم وهم زُهاء أربعمائة إنسان . وقد كان أبو نوح تقدّمه إلى
سامُراً ، فأشار بالكتاب إليه ، وكان مزاحم ينتظر أمر الحسين بن إسماعيل ؛
فلما انهزم الحسين مضى إلى سامُرًا ؛ وقد كان المستعين وجّه إلى مزاحم عند
فتح الكوفة عشرة آلاف دينار وخمس خلَع وسيفاً ، ونفذ الرسول إليه، وألفى
الجند الذین کانوا معه فى الطريق ؛ فردّوا جميعذلك معهم ، وصاروا إلى باب
محمد بن عبد الله، وأعلموه ما فعل مزاحم . وكان فى الجند والشاكرية خليفة
(١) ف: ((رجلان)).

٣٣٠
سنة ٢٥١
الحسين بن يزيد الحرانىّ وهشام بن أبى دلف والحارث خليفة أبى الساج ، فأمر
ابن طاهر أن يخلع على كلّ واحد منهم ثلاث خلَعَ .
١٦٢٠/٣
وذكر أن هذا العلوىّ كان قد ظهر بنينوى فى آخر جمادى الآخرة من هذه
السنة ؛ فاجتمع إليه جماعة من الأعراب، وفيهم قومٌ ممن كان خرج مع
يحيى بن عمر فى سنة خمسين ومائتين ، وقد كان قدم إلى تلك الناحية هشام
ابن أبى دلف ، فواقعهم العلوىّ فى جماعة نحو من خمسين رجلا ، فهزمه
وقتل عِدّة من أصحابه ، وأسر عشرين رجلا وغلاماً، وهرب العلوىُّ إلى
الكوفة ؛ فاختفى بها، ثم ظهر بعد ذلك . وحمل الأسرى والرءوس إلى بغداد ،
فعرف خمسة نفر ممن كان مع أصحاب أبى الحسين يحيى بن عمر ؛ فأطلقوا .
وأمر محمد بن عبد الله أن يضرب كلّ واحد ممن أطلق وعاد خمسمائة سوط ،
فضربوا فى آخر يوم من جمادى الآخرة .
وذُكر أن كتب أبى الساج لمّا وردت بما كان من إيقاعه ببايكباك ؛ وذلك
لاثنتى عشرة بقيَتْ من رجب من هذه السنة ، وجّه إليه بعشرة آلاف دينار
معونة له ، وبخلعة فيها خمسة أثواب وسيف .
٠٠٠
وفيها كانت وقعةفيما ذكر - بين منكجور بن خيدر(١) وبين جماعة(٢)
من الأتراك بباب المدائن هزمهم فيها مَنْكَجور ، وقتل منهم جماعة .
...
وفيها كانت لبلكاجور صائفة ، فتح فيها فتوحاً فيما ذكر .
٠ ٠
١٦٢١/٣
وفيها كانت وقعة بين يحى بن هرثمة وأبى الحسين بن قريش ، قُتِل من
الفريقين جماعة ، ثم انهزم أبو الحسين بن قريش .
وفى يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة خلتْ من شعبان كانت بباب بغواريا
وقعة بين الأتراك وأصحاب ابن طاهر؛ وكان السبب فى ذلك أن الموكّل كان
بباب بغواريا إبراهيم بن محمد بن حاتم والقائد المعروف بالنساوى فى نحو من
(١) كذا فى ا، وفى ط ((حدروس)) من غير فقط.
(٢) كذا فى ا، وفى ط: ((بجماعة)).

٣٣١
سنة ٢٥١
ثلثمائة فارس وراجل، فجاءت الأتراك والمغاربة فى جَمْع كثير ، فنقبوا السور
فى موضعين ، فدخلوا منهما ، فقاتلهم النساوىّ فهزموه ، ووافوا باب الأنبار،
وعليه إبراهيم بن مصعب وابن أبى خالد وابن أسد بن داود سياه، وهم لا يعلمون
بدخولهم باب بغواريا ، فقاتلهم قتالا شديداً ، فقتل من الفريقين جماعة . ثم
إنّ مَنْ كان على باب الأنبار من أهل بغداد انهزموا لا يلوون على شىء ،
فضرب الأتراك والمغاربة باب الأنبار بالنار فاحترق ، وأحرقوا ما كان على باب
الأنبار من المجانيق والعرّادات، ودخلوا بغداد حتى صاروا إلى باب الحديد ومقابر
الرّهينة ومن ناحية الشارع إلى موضع أصحاب الدواليب، فأحرقوا ماهنالك وأحرقوا
كلّ ما قرب من ذلك من أمامهم وورائهم، ونصبوا أعلامهم على الحوانيت التى
تقرب من ذلك الموضع ، وانهزم الناس ؛ حتى لم يقف بين أيديهم أحد ؛ وكان
ذلك مع صلاة الغداة ، فوجبّه ابن طاهر إلى القوّاد ، ثم ركب فى السلاح فوقف
على باب درب صالح المسكين ، ووافاه القوّاد ، فوجههم إلى باب الأنبار
وباب بغواريا وجميع الأبواب التى فى الجانب الغربيّ ، وشحنها بالرجال ،
ور کب بغا ووصيف، فتوجه بُغا فی أصحابه وولده إلى باب بغواريا ، وصار
الشاه بن ميكال والعباس بن قارن والحسين بن إسماعيل إلى باب الأنبار والغوغاء ،
فالتقوا والأتراك فى داخل الباب ، فبادرهم العباس بن قارن(١) ، فقتِل - فيما
ذكر - فى مقام واحد جماعة من الأتراك، ووجّه برءوسهم إلى باب ابن طاهر ،
وكاثرهم الناس على هذه الأبواب ، فدفعوهم حتى أخرجوهم بعد أن قُتِل منهم
جماعة ؛ وكان بُغا الشرابىّ خرج إلى باب بغواريا فى جمع كثير ، فوافاهم
وهم غارُّون ، فقتل منهم جماعة كثيرة ، وهرب الباقون، فخرجوا من الباب؛
فلم يزل بُغا يحاربهم إلى العصر ؛ ثم انهزموا وانصرفوا، ووكَّل بالباب مَنْ
يحفظه، وانصرف إلى باب الأنبار، ووجَّه فى حمل الجصّ والآجرّ ، وأمر
بسدّه .
١٦٢٢/٣
وفى هذا اليوم أيضًا كانت حرب شديدة بباب الشّاسية، قُتِل من الفريقين
١
- فيما ذكر - جماعة كثيرة، وجُرح آخرون؛ وكان الذى قاتل الأتراك ١٦٢٣/٣
فى هذا اليوم - فيما ذكر - يوسف بن يعقوب قوصرّة .
(١) ط: ((خازن)) صوابه منْ ١، وانظر الفهرس.

٣٣٢
سنة ٢٥١
وفيها أمر محمد بن عبد الله المظفر بن سيسل أن يعسكر بالياسرية ، ففعل
ذلك ، ثم انتقل إلى الكُناسة إلى أن وافاه بالفردل بن إيزنكجيك(١)
الأشروسنى ؛ فأمر له بفرض ، وضم إليه رجالا من الشاكرية وغيرهم ، وأمر
أن يضامّ المظمر ويعسكر بالكتناسة، ويكون أمرهما واحداً، ويضبط تلك
الناحية؛ فأقاما هنالك حيناً ، ثم أمر بالفردل المظفّرَ بالمضىّ ، ليعرف خبر
الأتراك ليدبتر فى أمرهم بما يراه ؛ فامتنع من ذلك المظفر، وزعم أنّ الأميرلم
يأمره بشىء مما سأله، وكتب كلُّ واحد منهما يشكو صاحبة، وكتب المظفر
يستعفى من المقام بالكُناسة ، ويزعم أنه ليس بصاحب حرب ، فأعفِىَ، وأمر
بالانصراف ولزوم البيت؛ وقد أمر ذلك العسكر ومَنْ فيه من الجند النائبة
والأثبات بالفردل ، وضم إليه أثبات المظفَّر وأفْرِد بالناحية .
...
وفى شهر رمضان من هذه السنة التقى هشام بن أبى دلف والعلوىّ الخارج
بنينّوى، ومعه رجل من بنى أسد، فاقتتلوا فقتل من أصحاب العملوىّ - فيما
ذكر- نحو من أربعين رجلا، ثم افترقا، فدخل العلوىّ الكوفة فبايع أهلها المعتزّ،
ودخل هشام بن أبى دُلف بغداد .
وفى شهر رمضان من هذه السنة كانت بين أبى الساج والأتراك وقعة بناحية
جَرْجَرَايا، هزمهم فيها أبو الساج، وقتل منهم جماعة كثيرة ، وأسر منهم
جماعة أخَرَ .
١٦٢٤/٣
٠
[ ذكر خبر قتل بالفردل ]
ولليلة بقيَتْ من شهر رمضان منها قُتِل بالفردل ؛ وكان سبب قتله أن
أبا نصر بن بغا لما غلب على الأنبار وما قرب منها ، وهزم جيوش ابن طاهر من
تلك الناحية وأجلاهم عنها ، بثَّ خيله ورجاله فى أطراف بغداد من الجانب
الغربىّ ، وصار إلى قصر ابن هبيرة ، وبها بحونة بن قيس من قِبَل ابن طاهر،
فهرب منه من غير قتال(٢) جرى بينه وبينه، ثم صار أبو نصر إلى نهر صَرْ صَر،
(١) كذا فى ا، وفى ط : اذ ابن مكحو بفعل .
(٢) س: ((عن غير قتال)).

سنة ٢٥١
٣٣٣
واتصل بابن طاهر خبرُه وخبر الوقْعة التى كانت بين أبى الساج والأتراك
بجرجرايا وخذلان مسَنْ معه من الفروض إياه عند احمرار البأس. فندب بالفردل"
إلى اللحاق بأبى الساج والمسير بمَنْ معه إليه، فسار بالفردل فيمَن معه غداة
يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان ، فسار يومته وصبّح المدائن ، فوافاها
مع موافاة الأتراك ومَنْ هو مضموم إليهم من غيرهم ، وبالمدائن(١ رجال ابن
طاهر وقوّاده١)، فقاتلهم الأتراك، فانهزموا. ولحق مَنْ فيها من القواد
بأبى الساج، وقاتل بالفردل قتالا شديداً؛ ولما رأى انهزام مَنْ هنالك من ١٦٢٥/٣
أصحاب ابن طاهر مضى متوجها نحو أبى الساج بمن معه فأدرك فقتل .
وذكر عن ابن القواريرىّ - وكان أحد القوّاد - قال: كنتُ وأبو الحسين
ابن هشام موکلین بباب بغداد ومنکجور منفرد بباب ساباط ،و کان بقرببابه
ثُلْمة فى سور (٢) المدائن، فسألت منكجور أن يسدّها فأبى، فدخل الأتراك
منها ، وتفرّق أصحابه . قال: وبقيت فى نحو من عشرة أنفس ، ووافى
بالفردل هو وأصحابه ، فقال : أنا الأمير ، أنا فارس ومعی فرسان، نمضى على
الشط، وتكون الرجّالة على السفن ، فدافع ساعة ثم مضى لوجهه وعسكرُه فى
السفن على حالهم يريد أبا الساج، أو تلك الناحية، وأقمتُ بعده ساعة تامة .
وتحتى أشقر عليه حلية ، فصرت إلى نهر فعثر بى، فسقطت عنه؛ وقصدونى
يقولون : صاحب الأشقر ! فخرجت من النهر راجلا قد طرحت عنى السلاح ،
فنجوت .
وغضب ابن طاهر على ابن القواريرىّ وأصحابه ، وأمرهم بلزوم
منازلهم، وغرق بالفردل .
ولأربع خلون من شوّال من هذه السنة ، جمع - فيما ذكر - محمد بن
عبد الله بن طاهر جميعَ قوّاده الموكلين بأبواب بغداد وغيرهم ؛ فشاورهم جميعًا
فى الأمور ، وأعلمهم ما ورد عليهم من الهزائم ؛ فكلٌّ أجاب بما أحبّ من
بذل النفس والدم والأموال، فجزاهم خيراً وأدخلهم إلى المستعين، وأعلمه ما ناظرهم
(١-١) فى؛ ((من قواد ابن طاهر وأصحابه جماعة)).
(٢) من: (( من سور».
١٦٢٦/٣

٣٣٤
سنة ٢٥١
فيه وما ردّوا عليه من الجواب، فقال لهم المستعين: والله يا معشَر القوّاد ، لئن
قاتلت عن نفسى وسلطانى ما أقاتل إلاّ عن دولتكم وعامتكم، وأن يردّ الله
إليكم (١) أموركم قبل مجىء الأتراك وأشباههم؛ فقد يجب عليكم المناصحة والجهد
فى قتال هؤلاء الفسقة؛ فرَدّوا أحسن مسَرَدّ، وجزاهم الخير، وأمرهم بالانصراف
إلى مراكزهم فانصرفوا .
*
#
[ ذكر خبر هزيمة الأتراك ببغداد ]
وفى يوم الاثنين لأيام خلَتْ من ذى القعدة من هذه السنة كانت وقعة
عظيمة لأهل بغداد ، هزموا فيها الأتراك ، وانتهبوا عسكرهم ؛ وكان سبب
ذلك أن الأبوابَ كلَّها من الجانبين فُتِحت ونُصبت المجانيق والعرّادات
فى الأبواب كلها والشّارات فى دِجْلة ، وخرج منها الجند كلّهم ، وخرج
ابن طاهر وبُغا ووصيف حين تزاحف الفريقان ، واشتدّت الحرب إلى باب
القطيعة ، ثم عبروا إلى باب الشّاسية، وقعد ابن طاهر فى قُبّة ضربت له ،
وأقبلت الرُّماة من بغداد بالناوكيّة فى الزواريق؛ ربما انتظم السهم الواحد عدّة
منهم فقتلهم ، فهزِمت الأتراك ، وتبعهم أهل بغداد حتى صاروا إلى عسكرهم ،
وانتهبوا سوقهم (٢) هنالك، وضربوا زورقًا لهم كان يقال له الحديدىّ، كان
آفةً على أهل بغداد بالنار ، وغرق من فيه ، وأخذوا لهم شبّارتين ؛ وهرب
الأتراك على وجوههم لا يلوون على شىء ، وجعل وصيف وبغا يقولان كلما
جىءَ برأس: ذهب واللّه الموالى. واتَّعهم أهلُ بغداد إلى الرُّوذَبَار ، ووقف
أبو أحمد بن المتوكل يردّ الموالى، ويخبرهم أنهم إن لم يكرّوا لم يبق لهم بقيّة؛
وأن القوم يتبعونهم إلى سامُرًا . فتراجعوا ، وثاب بعضهم ، وأقبلت العامة
تحزّ رءوس مَنْ قتل؛ وجعل محمد بن عبد الله يطوّق كلّ مَنْ جاء برأس
ويصله ، حتى كثر ذلك ، وبدت الكراهة فى وجوه من مع بُغا ووصيف من
الأتراك والموالى ؛ ثم ارتفعت غبرة من ريح جنوب، وارتفع الدخان مما احترق ،
١٦٢٧/٣
(١) ف: ((عليكم)).
(٢) س: ((سيوفهم)).

٣٣٥
سنة ٢٥١
وأقبلت أعلام الحسن بن الأفشين مع أعلام الأتراك يقدُمها علمٌ أحمر ، قد
استلبه غلام لشاهلك ، فنسى أن ينكِّسه؛ فلما رأى الناسُ العلْمَ الأحمر ومَنْ
خلفه، توهموا أن الأتراك قد رجعوا عليهم وانهزموا؛ وأراد بعضُ مَنْ وقف
أن يقتل غلام شاهك ، ففهمه، فنكس العلم، والناس قد ازدحموا منهزمين ؛
وتراجع الأتراك إلى معسكرهم ولم يعلموا بهزيمة أهل بغداد ، فتحمَّلُوا عليهم ؛
فانصرف الفريقان بعضهم عن بعض .
#
*
[ خبر وقعة أبى السلاسل مع المغاربة ]
وفيها كانت وقعة لأبى السلاسل وكيل وصيف بناحية الجبل مع المغاربة،
وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أنّ رجلاً من المغاربة يقال له نصر سلهب ،
صار بجماعة من المغاربة إلى عمل بعض ما إلى أبى الساج من الأرض ، وانتهب
هو وأصحابه ما هنالك من القُوَى ؛ فكتب أبو السلاسل إلى أبى الساج يعلمه
ذلك ، فوجّه أبو الساج إليه - فيما ذكر - بنحو من مائة نفس بين فارس
وراجل ؛ فلمّا صاروا إليه كبس أولئك المغاربة، فقتل منهم تسعة، وأسر عشرين،
وأفلت نصر سهلب سارياً .
١٦٢٨/٣
[ ذكر خبر وقوع الصلح بين الموالى وابن طاهر]
ووضعت الحرب أوزارها بعد هذه الوقعة بين الموالى وابن طاهر؛ فلم يعودوا
لها ، وكان السبب فى ذلك - فيما ذكر - أنّ ابن الطاهر قد كان كاتب المعتزّ
قبل ذلك فى الصلح ؛ فلما كانت هذه الوقعة أنكرت عليه ؛ فكتب إليه ؛
فذكر أنه لا يعود بعدها لشىء يكرهه ؛ ثم أغلقت بعد ذلك على أهل بغداد
أبوابها ؛ فاشتدّ عليهم الحصار ، فصاحوا فى أوّل ذى القعدة من هذه السنة
فى يوم الجمعة: الجوعَ ! ومضوا إلى الجزيرة التى هى تلقاء دار ابن طاهر ؛ فأرسل
إليهم ابن طاهر: وجُّهوا إلىّ منكم خمسة مشايخ ، فوجَّهُوا بهم، فأدخِلوا
عليه ؛ فقال لهم: إنّ من الأمور أموراً لا يعلم بها العامَّة؛ وأنا عليل، ولعلى

٣٣٦
١٦٢٩/٣
سنة ٢٥١
أعطى(١) الجند أرزاقهم ثم أخرج بهم إلى عد و کم . فطابت أنفسُهم،وخرجوا
عن غير شىء ، وعادت العامة والتّجار بعدُ إلى الجزيرة التى بحذاء دار ابن
طاهر ؛ فصاحوا وشكوا ما هم فيه من غلاء السعر (٢)، فبعث إليهم فسكّنّهم ؛
ووعدهم ومنَّاهم . وأرسل ابن طاهر الى المعتزّ فى الصلح. واضطرب أمرُ أهل
بغداد ، فوافى بغداد للنصف من ذى القعدة من هذه السنة حماد بن إسحاق
ابن حماد بن زيد ، وَوُجُّه مكانه أبو سعيد الأنصارىّ إلى عسكر أبى أحمد
رهينة، فلقی حماد بن إسحاق ابن طاهر، فخلا به فلم يُذكر ما جرى بينهما.
ثم انصرف حماد إلى عسکر أبى أحمد ، ورجع أبو سعيد الأنصارىّ ، ثم رجع
حماد إلى ابن طاهر ، فجرت بین ابن طاهر وبین أبى أحمدرسائل مع حمّاد.
ولتسع بقين من ذى القعدة خرج أحمد بن إسرائيل إلى عسكر أبى أحمد
مع حماد وأحمد بن إسحاق وكيل عبيد الله بن يحيى بإذن ابن طاهر لمناظرة
أبى أحمد فى الصلح .
والسبعٍ بقين من ذى القعدة أمرابنُ طاهر بإطلاق جميع مَنْ فى الحبوس
ممن كان حُبس بسبب ما كان بينه وبين أبى أحمد من الحروب ومعاونته إياه
عليه فأطلقه . ومن غد هذا اليوم اجتمع قوم من رجالة الجند وكثيرٌ من العامة،
فطلب الجند أرزاقتهم ، وشكت العامة سوء الحال التى هم بها من الضيق
وغلاء السعر وشدّة الحصار، وقالوا: إمّا خرجتَ فقاتلتَ؛ وإما تركتنا؛
فوعدهم أيضاً الخروج أو فتح الباب للصلح ، ومنَّهم . فانصرفوا .
فلما كان بعد ذلك، وذلك لخمس بقين من ذى القعدة شَحتَن السجون والجسر
وباب داره والجزيرة بالجند والرجال، فحضر الجزيرة بَشَرٌ كثير، فطردوا مَنْ
كان ابن طاهر صيترهم فيها ، ثم صاروا إلى الجسر من الجانب الشرقىّ ، ففتحوا
سجن النساء ، وأخرجوا مَنْ فيه، ومنعهم علىّ بن جهشيار ومَنْ معه(٣) من
الطبريّة من سجن الرجال، ومانعهم أبو مالك الموكل بالجسر (٤) الشرقىّ ،
فشجّوه وجرحوا(٥) دابتين لأصحابه ؛ فدخل داره وخلاّهم ، فانتهبوا ما فى
١٦٣٠/٣
(١) س: ((ولعلى أن أعطى)).
(٤) ف: ((بالحبس)).
(٣) ف: ((معهم)).
(٢) ف: ((الأسعار».
(٥) س ، ف: ((وأخرجوا)).

٣٣٧
سنة ٢٥١
مجلسه ، وشدّ عليهم الطبريّة فتحَّوْهم حتى أخرجوهم من الأبواب، وأغلقوها
دونهم ، وخرج منهم جماعة ، ثم عبر إليهم محمد بن أبى عون، فضمن للجند
رزق أربعة أشهر ؛ فانصرفوا على ذلك ، وأمر ابن طاهر بإعطاء أصحاب ابن
جهشيار أرزاقتَهم لشهرين من يومهم فأعْطُوا .
[ ذكربدء عزم ابن طاهر على خلع المستعين والبيعة للمعتزّ]
ووجه أبو أحمد خمس سفائن من دقيق وحنطة وشعير وقَتّ وتين إلى ابن
طاهر فى هذه الأيام، فوصلت إليه . ولما كان يوم الخميس لأربع خلون
من ذى الحجّة علم الناس ما عليه ابن طاهر من خَلْعه المستعين وبيعته للمعتزّ،
ووجّه ابن طاهر قُوّاده إلى أبى أحمد حتى بايعوه للمعتزّ ، فخلع على كل
واحد منهم أربع خلع ، وظنت العامة أن الصلح جرى بإذن الخليفة المستعين ،
وأن المعتزّ ولىّ عهده .
[خروج العامة ونصرة المستعين على ابن طاهر]
ولما کان یوم الأربعاء خرج رشید بن کاوُسَ ۔۔ و کان موكَّلا یباب
السلامة - مع قائد يقال له نهشل بن صخر بن خزيمة بن خازم وعبد الله بن ١٦٣١/٣
محمود ، ووجه إلى الأتراك بأنه على المصير إليهم ليكون معهم ، فوافاه من
الأتراك زُهاء ألف فارس؛ فخرج إليهم على سبيل التسليم عليهم ؛ على أنّ
الصلح قد وقع، فسلم عليهم ، وعانق مَنْ عرف منهم، وأخذوا بلجام دابّته ،
ومضوْا به وبابنه فى أثره؛ فلما كان يوم الاثنين صار رُشيد إلى باب الشّاسيّة
فكلتم الناس، وقال: إنّ أمير المؤمنين وأبا جعفر يقرئان عليكم السلام، ويقولان
لكم: مَنْ دخلَ فى طاعتنا قرّبناه ووصلناه ، ومن آثر غير ذلك فهو أعلم؛
فشتمة العامة. ثم طاف على جميع أبواب الشرقية بمثل ذلك ، وهو يُشْتَم فى كل
باب، ويشتَم المعتزّ . فلما فعل رشيد ذلك علمت العامة ما عليه ابن طاهر،
فضت إلى الجزيرة التى بحذاء دار ابن طاهر ؛ فصاحوا به وشَتمُوه أقبح شتّم ؛
ثم صاروا إلى بابه ، ففعلوا مثل ذلك ؛ فخرج إليهم راغب الخادم ، فحضّهم
على ما فعلوا ، وسألهم الزيادة فيما هم فيه من نصرة المستعين ، ثم مضى إلى الحظيرة

٣٣٨
سنة ٢٥١
التى فيها الجيش ، فمَضى بهم وجماعة أخَر غيرهم وهم زُهاء ثلثمائة فى السلاح،
فصاروا إلى باب ابن طاهر ، فكشفوا من عليه وردُ وهم ، فلم يبرحوا يقاتلونهم ؛
حتى صاروا إلى دهليز الدّار ، وأرادوا إحراق الباب الداخل فلم يجدوا ناراً ،
وقد كانوا باتوا بالجزيرة الليل كله يشتمونه ويتناولونه بالقبيح .
١٦٣٢/٣
وذكر عن ابن شجاع البلخىّ أنه قال : كنتُ عند الأمير وهو يحدّثنی
ويسمع ما يُقذف به من كلّ إنسان ؛ حتى ذكروا اسم أمُّه ، فضحك وقال :
يا أبا عبد الله، ما أدرى (١) كيف عرفوا اسم أمى ! ولقد كان كثير من
جوارى أبى العباس عبد الله بن طاهر لا يعرفون اسمَها ، فقلت له : أيها الأمير ،
ما رأيت أوسعَ من حلمك ، فقال لى : يا أبا عبد الله، ما رأيتُ أوفَق من
الصبر عليهم ؛ ولا بدّ من ذلك . فلما أصبحوا وافوا الباب ، فصاحوا؛ فصار
ابن طاهر إلى المستعين يسأله أن يطلع إليهم ويسكنهم ويعلمهم ما هو عليه
لهم؛ فأشرف عليهم من أعلى الباب وعليه البُرْدة والطّويلة ، وابن طاهر
إلى جانبه ؛ فحلف لهم باللّه ما أتّهمُه؛ وإنى لفى عافية ما علىّ منه بأس؛ وإنه
لم يخلع ، ووعدهم أنه يخرج فى غد يوم الجمعة ليصلّىَ بهم ، ويظهر لهم .
فانصرف عامّتهم بعد قتلى وقعت .
ولما كان يوم الجمعة بكر الناس بالصياح يطلبون المستعين ، وانتهبوادواب
علىّ بن جهشيار - وكانت فى الخراب، على باب الجسر الشرقىّ - وانتهب جميع
ما كان فى منزله وهرب ؛ وما زال الناس وقوفًا على ما هم عليه إلى ارتفاع النهار،
فوافى وصيف وبُنا وأولادهما ومواليهما وقُوّادهما وأخوال المستعين؛ فصار الناس
جميعًا إلى الباب، فدخل وصيف وبُغا فى خاصّتهما ، ودحل أحوال المستعين
معهم إلى الدهليز ، ووقفوا على دوابتهم ، وأعلم(٢) ابن طاهر بمكان الأخوال ؛
· فأذن لهم بالنزول فأبوا ، وقالوا: ليس هذا يوم نزولنا عن ظهور دوابنا حتى
نعلم (٣) نحن والعامة ما نحن عليه ؛ ولم تزل الرّسل تختلف إليهم، وهم يأبوْن،
١٦٣٣/٣
(١) ف: ((ما أعرف)).
(٢) ف: ((وعلم)).
(٣) ف: ((إلا بعد أن نعرف)).

٣٣٩
سنة ٢٥١
فخرج إليهم محمد بن عبد الله نفسه ، فسألهم النزول والدخول إلى المستعين ،
فأعلموه أنّ العامة قد ضجّت مما بلغها وصحّ عندها ما أنت عليه من خلْج
المستعين والبَيْعة للمعتزّ، وتوجيهك القوّادبعد القواد للبيعة للمعتزّ، وإرادتك
التهويل ليصير الأمر إليه وإدخاله الأتراك والمغاربة بغداد ، فيحكموا فيهم
بحكمهم فيمن ظهروا عليه من أهل المدائن والقُرى، واستراب بك أهل بغداد،
واتهمُوك على خليفتهم وأموالهم وأولادهم وأنفسهم ؛ وسألوا إخراج الخليفة إليهم
ليروْه ويكذّبوا ما بلغهم عنه. فلما تبين محمد بن عبدالله صحَّةَ قولهم، ونظر
إلى كثرة اجتماع الناس وضجيجهم سأل المستعين الخروج إليهم؛ فخرج إلى دار
العامة التى كان يدخلها جميعُ الناس ، فنُصب له فيها كرسىٌّ، وأدخل إلیه جماعة
من الناس فنظرُوا إليه، ثم خرجوا إلى من وراءهم؛ فأعلموهم صحّةَ أمره ، فلم
يقنعوا بذلك؛ فلما تبيّن له أنهم لا يسكنون دون أن يخرج إليهم- وقد كان
عرف كثرة الناس - آمر بإغلاق الباب الحديد الخارج فأغلق، وصار المستعين
وأخواله ومحمد بن موسى المنجّم ومحمد بن عبد الله إلى الدرجة التى تُفضى إلى
سطوح دار العامة وخزائن السلاح ، ثم نصب لهم سلاليم على سطح (١) المجلس
الذى يجلس فيه محمد بن عبد الله والفتح بن سهل ، فأشرف المستعين على
الناس وعليه سَواد ، وفوق السواد بُرْدة النبى صلى اللّه عليه وسلم، ومعه
القضيب؛ فكلّم الناس وناشد هم، وسألهم بحقّ صاحب البردة إلاّ انصرفوا ؛
فإنه فى أمْن وسلامة ، وإنه لا بأس عليه من محمد بن عبد اللّه ، فسألوه
الرُّكوب معهم والخروج من دار محمد بن عبد الله لأنهم لا يأمنونه عليه ،
فأعلمهم أنه على النقلة منها إلى دار عمته أمّ حبيب ابنة الرشيد ؛ بعد أن يصلح
له ما ينبغى أن يسكن فيه ، وبعد أن يحوّل أمواله وخزائنه وسلاحه وفرشه وجميع
ما له فى دار محمد بن عبد الله؛ فانصرف أكثرُ الناس (٢)، وسكن أهل بغداد.
١٦٣٤/٣
ولما فعل أهل بغداد ما فعلوا من اجتماعهم على ابن طاهر مرّة بعد مرّة
وإسماعهم إياه المكروه ، تقدّم إلى أصحاب المعاون ببغداد بتسخير ما قَدَرُوا
(١) س: ((سطوخ)).
(٢) بعدها فى ف: ((عند ذلك)).

٣٤٠
سنة ٢٥١
عليه من الإبل والبغال والحمير(١) لينتقل عنها.
١٦٣٥/٣
وذكروا أنه أراد أن يقصد المدائن ، واجتمع على بابه جماعة من مشايخ
الحربية والأرباض جميعًا ؛ يعتذرون إليه، ويسألونه الصَّفْح ◌َمّا كان منهم،
ويذكرون أنّ الذى فعل ذلك الغوغاء والسُّفهاء لسوء الحال التى كانوا بها
والفاقة التى نالتْهم ، فردّ عليهم - فيما ذكر - مردًّاً جميلا ، وقال لهم قولا
حسنًا، وأثنى عليهم، وصفح عمّا كان منهم، وتقدّم إليهم بالتقدّم إلى شبابهم
وسفهائهم فى الأخذ على أيديهم، وأجابهم إلى ترك النقلة، وكتب إلى أصحاب
المعاون بترك السخرة (٢).
[ ذكر خبر انتقال المستعين إلى دار رزق الخادم بالرصافة ]
ولأيام خَلَوْن من ذى الحجة انتقل المستعين من دار محمد بن عبد الله ،
وركب منها، فصار إلى دار رزق الخادم فى الرُّصافة ، ومرّ بدار علىّ بن
المعتصم ، فخرج إليه علىّ، فسأله النزولَ عنده؛ فأمره بالرّ كوب، فلما صار
إلى دار رزق الخادم نزلها ، فوصل إليها - فيما ذكر - مساء ، فأمر للفرسان
من الجند حين صار إليها بعشرة دنانير لكلّ فارس (٣) منهم، وبخمسة دنانير
لكلّ راجل . وركب بركوب المستعين ابن طاهر، وبيده الحربة يسير بها
بين يديه ، والقوّاد خلفه، وأقام - فيما ذكر - مع المستعين ليلة انتقل إلى دار
رزق محمد بن عبد الله إلى ثلث الليل ؛ ثم انصرف، وبات عنده وصيف وبُغا
حتى السَّحَرَ ، ثم انصرفا إلى منازلهما .
١٦٣٦/٣
ولمّا كان صبيحةُ الليلة التى انتقل المستعين فيها من دارابن طاهر اجتمع
الناس فى الرُّصافة، وأمير القوّاد وبنُوهاشم بالمصير إلى ابن طاهر والسلام(٤)
عليه ، وأن يسيرُوا معه إذا ركب إلى الرّصافة . فصاروا إليه ؛ فلما كان
الضحى الأكبر من ذلك اليوم ، ركب ابن طاهر وجميع قوّاده فى تعبئة
(٢) س،: ((السخر)).
(١) . ف: ((الحمر)).
(٣) ا: ((رجل)).
(٤) ا، ف: ((التسليم)).