النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سنة ٢٥١
إلى الشاكريّة أن يكونوا على عُدّة إن احتيج إليهم ، وسكن الناس عند الظهر ،
وهدأت الأمور ؛ وقد كان عيدّةٌ من قُوّاد الأتراك صاروا إلى هؤلاء المشغبين
وسألوهم الانصراف، فقالوا: يُوقْ يُوقْ، أى لا لا.
١٥٤٠/٣
فذكر عن بشر بن سعيد عن جامع بن خالد - وكان أحد خلفاء وصيف
من الأتراك - أنه كان المتولّىَ مخاطبتهم مع عدّة ممن يعرف التركية، فأعلموهم
أن المستعين وبُغا ووصيف قد خرجوا إلى بغداد ، فأظهروا التندّم ، وانصرفوا
منكسرين ؛ فلما انتشر الخبر بخروج المستعين صار الأتراك إلى دور دلیلی
ابن يعقوب ودور أهل بيته من قرب منه وجيرانه ؛ فانتهبوا ما فيها حتى صاروا
إلى الخشب والدّرْوَنْدات ؛ وقتلوا ما قدروا عليه من البغال، وانتهبوا علَف
الدواب والخمر التى فى خزانة الشراب ؛ ودفع عن دار سلمة بن سعيد النصرانىّ
جماعة كان وكّلهم بها ؛ من المصارعين وغيرهم من جيرانهم ، ومنعوهم من
دخول الدار ؛ لأنهم أرادوا دار إبراهيم بن مهران النصرانىّ العسكرىّ ، فدفعوهم
عنها ، وسليم سلمة وإبراهيم من النهب .
وقال فى قتل باغر والفتنة التى هاجت بسببه بعض الشعراء، ذُكر أن (١) قائله
أحمد بن الحارث اليمامىّ :
لقد هاج باغِرُ حرباً طَحُونَا(٢)
لعمرى لئن قَتلوا باغرًا
نِ بالليلِ يلتمسانِ السَّفِينا
وفَرَّ الخليفةُ والقائدًا
فجاءَهُمُ يَسِقُ الناظرينَا
وصَاحُوا بِمَيْسَانَ مَلَّاحِهِمْ
وصَرَّتْ مَجَاذيفهم سَائِرِينَا
فَأَلْزَمَهِمْ بطنَ حَرَّاقةٍ
فَتكسبَ فيه الحروب الرَّبونا
وما كان قَدْرُ ابنِ مارمّةٍ
فأَخْرَى الإِلهُ بها العالمينا
ولكنْ دُليلٌ سَعَى سَعْيَةً
١٥٤١/٣
فحلَّ بها منه ما يكرهُونا
فحَلَّ ببغدادَ قبل الشّروقِ
وغرَّقها اللهُ والرَّاكِبِينَا
فليتَ السَّفينةَ لم تأْتِنا
(١) ف: ((أنه)).
(٢) انظر المسعودى .

٢٨٢
سنة ٢٥١
وجاءَ الفراغِنةُ الدَّارعونا
وأَقبلتِ التركُ والمَغربونَ
تَسيرُ كراديسُهُمْ فى السُّلاحِ
تقامَ بحريِهِمُ عالمٌ
فجدَّدَ سورًا على الجانب
أبوابَها المُصْمتَاتِ
وأحكّمَ
يَرُوحونَ خيلاً ورَجْلا ثبِينا
بأَمرِ الحُروبِ تولَّاهُ حِينَا
يْنِ حتَّى أَحاطَهُمُ أَجمعينا
على السُّورِ يَحمِى بها المُسْتَعِينا
تُفِيتُ النفوسَ وتحْمِى العرينا
خَطَّارَةً
وهیّا مَجَانیقَ
$
أَلوفَ أَلوفٍ إِذ تحْسُبُونا
وجَيْشِيَّة
فَرُوضاً
وعبی
على السور حتى أغار العيونا
وعبّى المجانيقَ منظومةٌ
فذ کر أنهم لما قدموا بغداد اعتلّ ابن مارّمة ، فعاده دُليل بن يعقوب،
فقال له : ما سببُ علّتك؟ قال: عَقرُ القيد انتقض علىّ، فقال دليل:
لئن عقرك القَمَيْد؛ لقد نقضت الخلافة، وبعثتَ فتنة. ومات ابن مارمّة فى
تلك الأيام ؛ فقال أبو علىّ اليمامى الحنفىّ فى شخوص المستعين إلى بغداد:
وحَتْفِهِ من بعده وهُلكِهِ
ما زَالَ إِلاَّ لزوالِ مُلکهِ
١٥٤٢/٢
ومنع الأتراك الناس من الانحدار إلى بغداد ، فذُكر أنهم أخذوا ملأَّحًاً
قد أكرى سفينته ، فضربوه مائتى سوط، وصلّبوه على دَقَل سفينته (١)، فامتنع
أصحاب السفن من الانحدار إلاَّ سرًّا أو بمؤنة ثقيلة .
٥
[ وقوع الفتنة ببغداد بين أهلها وبين جند السلطان ]
وفى هذه السنة هاجت الفتنة ووقعت الحرب بين أهل بغداد وجند السلطان
الذين كانوا يسامرًا، فبايع كلُّ من كان بسامُرًا منهم المعتزّ، وأقام من
ببغداد منهم على الوفاء ببيعة المستعين .
ذكر الخبر عن سبب هيج هذه الفتنة ، وسبب بيعة من كان بسامرًاً
من الجند المعترَّ وخلعهم المستعين ، ونصبهم الحرب لمن أقام على الوفاء ببيعته :
(!) النقل: خشبة طويلة تشد فى وسط السفينة يمد عليها الشراع.

٢٨٣
سنة ٢٥١
قال أبو جعفر: قد ذكرناقبلُ موافاة المستعين وشاهك الخادم ووصيف وبُغا
وأحمد بن صالح ابن شيرزاد بغداد ؛ وكانت موافاتهم إياها يوم الأربعاء لثلاث
ساعات مضيْن من النهار لأربعة أيام - وقيل لخمسة أيام - خلوْن من المحرّم
من هذه السنة؛ فلما وافاها ، نزل المستعین علی محمدبن عبد الله بن طاهر فىداره،
ثم وافى بغداد خليفة لوصيف على أعماله ، يعرف بسلام ؛ فاستعلم ما عنده ،
ثم انصرف راجعاً إلى منزله بسامراً، فوافى القوّاد خلا جعفر الخياط وسليمان بن
يحيى بن معاذ بغداد مع جيلّة الكتاب والعمال وبنى هاشم ، ثم وافى بعد ذلك
من قُوّاد الأتراك الذين فى ناحية وصيف كلباتكين القائد وطينج الخليفة ،
تركىّ، وابن عجوز الخليفة، نسائىّ؛ وممن فى ناحية بُغا بايكباك القائد من
غلمان الخدمة مع عدّة من خلفاء بُغا .
١٥٤٣/٣
وكان - فيما ذكر - وجّه إليهم وصيف وبُغا قبل قدومهم (١) رسولا ، بأمرانهم
أن يصيرُوا إذا قدموا بغداد إلى الجزيرة التى حذاء دار محمد بن عبد الله بن
طاهر ، ولا يصيروا إلى الجيسْر ، فيُرعبوا العامة بدخولهم . ففعلوا وصاروا إلى
الجزيرة ،فنزلوا عن دوابھم ، فوجهت إليهم زواریق حتى عبروا فيها ، فصعد
كلباتكين وبايكباك والقوّاد من أهل الدور وأرناتجور التركىّ، فدخلوا على
المستعين ، فرموا بأنفسهم بين يديه ، وجعلوا مناطقهم فى أعناقهم تذلُّلاً
وخضوعًا ، وكلموا المستعين وسألوه الصَّفْح عنهم والرّضا، فقال لهم: أنتم
أهل بتَغْى وفساد واستقلال للنعم ؛ ألم ترفعوا إلىّ فى أولادكم ، فألحقتهم
بكم (٢) ؛ وهم نحو من ألفىْ غلام، وفى بناتكم فأمرت بتصييرهنّ فى عداد
المتزوّجات وهنّ نحومن أربعة آلاف امرأة فى المدّركين والمولودين! وكل
هذا قد أجبتكم إليه، وأدرَرْت لكم الأرزاق حتى سبكتُ لكم آنية الذهب
والفضة، ومنعتُ نفسى لذّتها وشهوتها ؛ كلُّ ذلك إرادة لصلاحكم ورضاكم؛
وأنتم تزدادون بَغْيًا وفساداً وتهدّدا وإبعاداً !
٣ /١٥٤٤
فتضرّعوا، وقالوا: قد أخطأنا ، وأمیر المؤمنین الصادق فی کل قوله،ونحن
(١) ف: ((وصولهم)).
(٢) ف: ((فألحقتكم بهم)).

٢٨٤
١٥٤٥/٣
سنة ٢٥١
نسأله العفو عنا والصّفْح عن زَلّتنا! فقال المستعين : قد صفحت عنكم
ورضيت ؛ فقال له بايكباك : فإن كنتَ قد رضيتَ عنا وصفحت، فقم فاركب
معنا إلى سامُرًا؛ فإنّ الأتراك ينتظرونك ؛ فأومأ محمد بن عبد الله إلى محمد بن
أبى عون، فلكز(١) فى حَلْق بايكباك. وقال له محمد بن عبد الله: هكذا يقال
لأمير المؤمنين ؛ قُمْ فاركب معنا ! فضحك المستعين من ذلك . وقال: هؤلاء
قوم عَجَم ؛ ليس لهم معرفة بحدُود الكلام . وقال لهم المستعين، تصيرون إلى
إلى سامُرًا؛ فإنَّ أرزاقكم دارّة عليكم ، وأنظر فى أمرى ها هنا ومقامى .
فانصرفوا آيسين منه ، وأغضبهم ما كان من محمد بن عبد اللّه، وأخبروا
مَنْ وردوا عليه من الأتراك خبرهم ، وخالفوا فيما ردّ عليهم تحريضاً لهم على
خلعه والاستبدال به ، وأجْمع رأيهم على إخراج المعتز والبيعة له ؛ وكان المعتز
والمؤيد فى حبس فى الجوسق فى حُجْرة صغيرة ، مع كلّ واحد منهما غلام
يخدمه؛ موكّلٌ بهم رجل من الأتراك يقال له عيسى خليفة بليار(٢) ومعه عدّة
من الأعوان ، فأخرجوا المعتزّ من يومهم ، فأخذوا من شعره، وقد كان بُويع
له بالخلافة ؛ وأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة، فلم يتمّ المال، فأعطُوا
شهرين لقلة المال عندهم .
وكان المستعين خلّف بسامراً فى بيت المال مما كان طلمجُور وأساتكين
القائدان قدما به من ناحية الموصل من مال الشأم نحواً من خمسمائة ألف
دينار ، وفى بيت مال أمّ المستعين قيمة ألف ألف دينار، وفى بيت مال العباس
ابن المستعين قيمة ستمائة ألف دينار ؛ فذكر أن نسخة البيعة التى أخذت :
بسم الله الرحمن الرحيم . تبايعونَ عبد الله الإمام المعتز بالله أمير المؤمنين
بيعة طَوْع واعتقاد، ورضاً ورغبة وإخلاص من سرائركم، وانشراح من صدوركم،
وصدق من ذِيّاتِكم؛ لامكرهين ولا مجبرين ؛ بل مقرّين عالمين بما فى هذه
البيعة وتأكيدها من تقوى الله وإيثار طاعته ، وإعزاز حقه ودينه ؛ ومن عموم
صلاح عباد الله واجتماع الكلمة ، ولمّ الشعث، وسكون الدّهماء، وأمْن
١٥٤٦/٣
(١) الكز: الضرب والدفع.
(٢) كذا فى ١، وفى ط من غير فقط.

٢٨٥
سنة ٢٥١
العواقب، وعزّ الأولياء، وقمع الملحدين؛ على أن أباعبد الله المعتز بالله عبد الله
وخليفتُه المفترض عليكم طاعته ونصيحته والوفاء بحقه وعهده ؛ لا تشكُّون
ولا تُدْ هنون، ولا تميلون ولا تَرْتابون، وعلى السمع والطاعة، والمشایعة والوفاء،
والاستقامة والنصيحة فى السرّ والعلانية، والخفوف والوقوف عند كلّ ما يأمر
به عبد الله أبو عبد الله الإمام المعتزّ بالله أمير المؤمنين؛ من موالاة أوليائه،
ومعاداة أعدائه ؛ من خاص وعام" ، وقريب وبعيد، متمسكين ببيعتيه بوفاء
العَقْد وذمة العهد ؛ سرائر کم فى ذلك کعلانیتکم ، وضمائر کم فیه کثل ألسنتكم،
راضين بما يرضى به أمير المؤمنين بعد بَيْعتكم هذه على أنفسكم ، وتأكيد كم
إياها فى أعناقكم صفقةً ، راغبين طائعين ؛ عن سلامةٍ من قلوبكم وأهوائكم
ونياتكم، وبولاية عهد المسلمين لإبراهيم المؤيد بالله أخى أمير المؤمنين ، وعلى
ألا تسعَوْا فى نقض شىء مما أكد عليكم، وعلى ألا يميل بكم فى ذلك(١)
مميل عن نصرة(٢) وإخلاص وموالاة؛ وعلى ألاّ تبدّلوا ولا تغيّروا، ولا يرجع
منكم راجع عن بيعته وانطوائه على غير علانيته ؛ وعلى أن تكون بيعتكم التى
أعطيتموها بألسنتكم وعهود كم بيعةً يطَّلع الله من قلوبكم على اجتبائها واعتمادها.
وعلى الوفاء بذّمّةِ اللّه فيها، وعلى إخلاصكم فى نُصْرتها وموالاة أهلها ؛
لا يشوب ذلك منكم نفاق ولا إدهان ولا تأوّل؛ حتى تلقوا الله مُوفين بعهده ،
مؤدّين حقَّه عليكم ، غير مستريبين ولا ناكئين ؛ إذ كان الذين يبايعون منكم
أمير المؤمنين بيعةَ خلافته وولاية العهد من بعده لإبراهيم المؤيد بالله أخى أمير
المؤمنين: ﴿إِنَّما يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم فَمَنْ نَكَثَ فإِنَّمَا يَنْكُثُ
عَلَى نَفْسِه وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عليهُ اللّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً﴾ (٣).
عليكم بذلك وبما أكدت عليكم به هذه البَيْعة فى أعناقكم، وأعطيتم بها
من صفقة أيمانكم، وبما اشترط عليكم من وفاء ونُصْرة، وموالاة واجتهاد. وعليكم
عهد الله إنَّ عهده كان مسئولا، وذمّة الله عزّ وجلّ وذمة محمد صلى الله عليه وسلم،
وما أخذ الله علی أنبيائه ورسله ، وعلى أحد من عباده من مواكيده ومواثيقه ؛
١٥٤٧/٣
(١) س: ((عن ذلك)).
(٣) سورة الفتح ١٠.
(٢) س: ((عن بصيرة)).

٢٨٦
١٥٤٨/٣
سنة ٢٥١
أن تسمعوا ما أخذ عليكم فى هذه البيْعَة ولا تبدّلوا ولا تميلوا ، وأن تمسكوا بما
عاهدتم اللّه عليه تمسُّك أهلِ الطاعة بطاعتهم، وذوى الوفاء والعهد بوفائهم ،
ولا يلفتكم عن ذلك هوّى ولا مسَيْلٌ ، ولا يُزيغ قلوبكم فتنة أو ضلالة عن
هُدَّى ، باذلين فى ذلك أنفسكم واجتهاد كم، ومقدّمين فيه حقّ الدين والطاعة
والوفاء بما جعلتم على أنفسكم؛ لا يقبل اللّه منكم فى هذه البيعة إلاّ الوفاء بها.
فمن نكث منكم ممّن بايع أمير المؤمنين وولىّ عهد المسلمين أخا
أمير المؤمنين هذه البيعة على ما أخذ عليكم، مسرًّاً أو معلنًا، مصرّحا أو محتالا
أو متأولا؛ وادّ هن فيما أعطى اللهمن نفسه،وفيما أخذ عليه من مواثيق الله وعهوده،
وزاغ عن السبيل التى يعتصم بها أولو الرّأى ؛ فكلّ ما يملك كلّ واحد منكم
ممن ختر فى ذلك منكم عهده، من مال أو عقار أو سائمة أو زَرْع أو ضَرْع
صدقةٌ على المساكين فى وجوه سبيل اللّه، محبوس محرّم عليه أن يُرجع شيئًا من
ذلك إلى مالِه ؛ عن حيلة يقدمها لنفسه ، أو يحتال له بها ؛ وما أفاد فى بقية
عمره من فائدة مال يقلّ خطرها أو يجلّ ؛ فذلك سبيلُها ، إلى أن توافِيه
١٥٤٩/٣ منيّته، ويأتى عليه أجله. وكلّ مملوك يملكه اليوم وإلى ثلاثين سنة ؛ ذكر
أو أنثى، أحرار لوجه الله، ونساؤه يوم يلزمه فيه الحِنْث ومَنْ يتزّوج بعدهنّ
إلى ثلاثين سنة طوالق طلاق الحرج؛ لا يقبل الله منه إلا الوفاء بها ؛ وهو برىء
من الله ورسوله، والله ورسوله منه بريئان؛ ولا قَبلى (١) اللّه منه (٢) صرفاً
ولا عَدْلًا؛ واللّه عليكم بذلك شهيد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم،
وحسبنا الله ونعم الوكيل .
وأحضير - فيما ذكر - البيعة أبو أحمد بن الرشيد وبه النّقْرس محمولاً فى
محفّة؛ فأمر بالبيعة فامتنع؛ وقال للمعتزّ: خرجت إليناخروج طائع فخلعتها،
وزعمت أنك لا تقوم بها ؛ فقال المعتز : أكْرِهتُ على ذلك وخفت
السيف . فقال أبو أحمد : ما علينا أنك أكرِمت؛ وقد بايعنا هذا الرجل ؟
فتريد أن نطلّق نساءنا ، ونخرج من أموالنا ، ولا ندرى ما يكون ! إن
تركتنى على أمرى حتى يجتمع الناس ؛ وإلا فهذا السيف . فقال المعتز
اتركوه ، فُردّ إلى منزله من غير بيعة .
(١) ف: ((فلا قبل)).
(٢) س: (( له)).

٢٨٧
سنة ٢٥١
و کان ممن بایع إبراهيم الديرج وعتّاب بن عتّاب، فهرب فصار إلى بغداد،
وأما الدّيرج فخُلِع عليه، وأقِرّ على الشرطة، وخُلَع على سليمان بن يسار
الكاتب ، وصُيُر على ديوان الضياع، وأقام يومه يأمر وينهى وينفّذ الأعمال ،
ثم تواری فی الليل ، وصار إلى بغداد .
ولما بايع الأتراك المعتزّ ولّى عماله، فولى سعيد بن صالح الشرطة، وجعفر ١٥٥٠/٣
ابن دينار الحرس ، وجعفر بن محمود الوزارة ، وأبا الحمار ديوان الخراج ؛ ثم
عُزِل وجُعيل مكانه محمد بن إبراهيم منقار، وولى ديوان جيش الأتراك المعروف
بأبى عمر، كاتب سيما الشرابىّ، وولى مقدِّداً حَيْد الكلب أخا أبى عمر بيوت
الأموال وإعطاءَ الأتراك والمغاربة والشاكريّة، وولى بريد الآفاق والخاتم سيما
الساربانىّ ، واستكتب أبا عمر ؛ فكان فى حدّ الوزارة.
ولما اتّصل بمحمد بن عبد اللهخبرُ البيعة للمعتزّ وتوجيهه العمال، أمر بقطع
الميرة عن أهل سامُرًا، وكتب إلى مالك بن طَوْق فى المصير إلى بغداد هو
ومَنْ معه من أهل بيته وجنده ، وإلى نجوبة بن قيس وهو على الأنبار فى
الاحتشاد والجمع، وإلى سليمان بن عمران الموصلى فى جميع أهل بيته وصَفْع
السفن أو شىء من الميرة أن ينحدر إلى سامُرًا، ومنَع أن يصعد شىء من الميرة
من بغداد إلى سامرًا ، وأخذت سفينة فيها أرزّ وسَقَطٌ ، فهرب الملاح منها
وبقيت السفينة حتى غرقت ، وأمر المستعين محمد بن عبد الله بن طاهر بتحصین
بغداد ؛ فتقدّم فى ذلك؛ فأدير عليها السور من دِجْلة من باب الشّماسية إلى ١٥٥١/٣
سوق الثلاثاء حتى أورده دِجْلة ومن دِجملة من باب قطيعة أم جعفر ، حتى
أورده قصر (١) حميد بن عبد الحميد ، ورتّب على كلّ باب قائداً فى جماعة
من أصحابه وغیرهم وأمر بحفر الخنادق حول السورين(٢) كما يدوران فى الجانبين
جميعًا ومظلاّت يأوى إليها الفرسان فى الحرّ والأمطار ؛ فبلغت النفقة - فيما
ذكر - على السورين وحفر الخنادق والمظلات ثلثمائة ألف دينار وثلاثين ألف
دينار ؛ وجعل على باب الشماسية خمس شدّاخات بعرض الطريق ؛ فيها
(١) س: ((حصن)).
(٢) س: «السور) .

٢٨٨
سنة ٢٥١
١٥٥٢/٣
العوارض والألواح والمسامير الطِّوال الظاهرة.، وجُعل من خارج الباب الثانى
باب معلّق بمقدار الباب ثخين ، قد أليس بصفائح الحديد، وشُدَ بالحبالکی
إن وافى أحدٌ ذلك البابَ أرسل عليه الباب المعلّق، فقتل مّنْ تحته . وجعل
على الباب الداخل عرّادة(١)، وعلى الباب الخارج خمسة مجانيق كبار ؛ وفيها
واحدٌ كبير سَمَّوْه الغضبان، وستّ عرّادات ترمسى بها إلى ناحية رقّة الشمّاسيّة؛
وصُيّر على باب البَرَدَان ثمانى عَرّادات، فى كلّ ناحية أربع، وأربع شدّاخات
وكذلك على كلّ باب من أبواب بغداد فى الجانب الشرقىّ والغربىّ،
[ وجعل على كلّ باب من أبوابها قواداً برجالهم](٢) وجعل لكلّ باب من أبوابها
دهليزاً بسقائف تَسع مائة فارس ومائة راجل ؛ ولكل منجنيق وعرّادة رجالا
مرتّبين يمدّون بحباله. وراميًا يرمى إذا كان القتال . وفرض فروضاً ببغداد ومرّ
قوم من أهل خراسان قدموا حجّاجاً ، فسألوا المعونة على قتال الأتراك.
فأعينوا . وأمر محمد بن عبد الله بن طاهر أن يُفْرَض من العيّارين فرض،
وأن يُجعل عليهم عريف، ويُعمل لهم تراس من البوارىّ المقيَّرة، وأن يُعمل لهم
مخالِ ثُملأ حجارة . ففعل ذلك وتولى - فيما ذكر - عمل البوارىّ المقيّرة
محمد بن أبى عون . وكان الرّجل منهم يقوم خلْف الباريّة فلا يُرى منها.
مُملت نسائجات ، أنفق عليها زيادة على مائة دينار؛ وكان العريف على
أصحاب البوارىّ المقيرة من العيّارين رجلاً يُقال له يسَنْتَوَيْه. وكان الفراغ
من عمل السور يوم الخميس لسبع بقين من المحرم .
وكتب المستعين إلى عمّال الخراج بكل بلدة وموضع أن يكون حملهم
ما يحملون من الأموال إلى السلطان إلى بغداد ، ولا يحملون إلى سامُرًا شيئًا؛
وإلى عمّال المعاون فى ردّ كتب الأتراك. وأمر (٣) بالكتاب إلى الأتراك والجند
الذين بسامُرًا يأمرهم بنقض بيعة المعتزّ ومراجعة الوفاء (٤) ببيعتهم إياه ، ويذكرهم
أياديه عندهم، وينهاهم عن معصيته وذَكْث بيعته؛ وكان كتابه بذلك إلى سيما
الشرابىّ .
١٥٥٣/٣
(١) العرادة : أصغر من المنجنيق.
(٣) فى، ١: ((ثم أمر)).
(٤) بعدها فى ف: ((لهم)).
(٢) من ا.

٢٨٩
سنة ٢٥١
ثم جرتْ بين المعتزّ ومحمد بن عبد الله بن طاهر مكاتبات ومراسلات ،
يدعو المعتزّ محمداً إلى الدّخُول فيما دخل فيه مَنْ بايعه بالخلافة وخلع (١)
المستعين، ويذكّره(٢) ما كان أبوه المتوكل أخذ له عليه بعد أخيه المنتصر من
العَهْد وعقد الخلافة، ودعوة محمدٍ بن عبد الله المعتزّ إلى ما عليه من الأوبة إلى
طاعة المستعين ، واحتجاج كلّ واحد منهما على صاحبه فيما يدعوه إليه من
ذلك بما يراه حُجّة له ؛ تركتُ ذكرها كراهة الإطالة بذكرها .
وأمر محمد بن عبد الله بكسر القناطر وبثق المياه بطّوج الأنباروما قرب
منه من طسُّوج بادوريا، ليقطع طريق الأتراك حين تخوّف من ورودهم الأنبار.
وكان الذى تولّى ذلك نجوبة بن قيس ومحمد بن حمد بن منصور السعدىّ.
وبلغ محمد بن عبد الله توجيه الأتراك لاستقبال الشمسة التى كانت مع البيضُوق
الفرغانىّ مَنْ يحميها من أصحابه . فوجّه محمد ليلة الأربعاء لعشر بقِين من
المحرّم خالد بن عمران وبندار الطبرىّ إلى ناحية الأنبار .
ثم وجّه بعدهما رشيد بن كاوس، فصادفوا البينوق ومَنْ معه من الأتراك ١٥٥٤/٣
والمغاربة ، وطالبهم خالد وبندار بالشمسة، فصار البيْفُوق وأصحابه مع خالد
وبندار إلى بغداد إلى المستعين .
وكان محمد بن الحسن بن جياويه الكردى يتولّى معونة عُكبراء ؛ وكان
على الراذان(٣) رجل من المغاربة قد اجتمع عنده مال"، فتوجّه إليه ابن جيلويه،
ودعاه إلى حدَّمْل مال الناحية ، فامتنع عليه، ون-َصَب له الحرب ؛ فأسر ابن
جيلويه المغربىّ، وحمله إلى باب محمد بن عبد الله، ومعه من مال الناحية اثنا عشر
ألف دينار وثلاثون ألف درهم ؛ فأمر محمد بن عبد الله لابن جيلويه بعشرة
آلاف درهم. وكتب كلُّ واحد من المستعين والمعتزّ إلى موسى بن بغا، وهو
مقيم بأطراف الشأم قرب الجزيرة- وكان خرج إلى حِمْص لحرب أهلها - يدعوه
إلى نفسه ، وبعدَث كلّ واحد منهما إليه بعيدة ألوية يعقدها لمن أحبّ ، ويأمره
المستعين بالانصراف إلى مدينة السلام، ويستخلف على عمله من رأى. فانصرف
(١) س: ((ويخلع)).
(٣) أ، ف: ((الراذانات)).
(٢) ا: ((وتذكيره)).

٢٩٠
سنة ٢٥١
إلى المعتزّ وصارمعه . وقدم عبد الله بن بُغا الصغير بغداد على أبيه ؛ وكان قد
تخلّف بسامُرًا حين خرج أبوه منها مع المستعين، وصار إلى المستعين، فاعتذر إليه
وقال لأبيه : إنما قدمتُ إليك لأموت تحت ركابك . وأقام ببغداد أيامًا ، ثم
استأذن ليخرج إلى قرية بقرب بغداد على طريق الأنبار، فأذن له ؛ فأقام فيها
إلى الليل ، ثم هرب من تحت ليلته، فمضى فى الجانب الغربيّ إلى سامُرًا مجانبًاً
لأبيه ، وممالئًا عليه ؛ واعتذر إلى المعتزّ من مصيره إلى بغداد، وأخبره أنه إنما
صار إليها ليعرف أخبارهم ، وليصير إليه فيُعرّفه صحتها . فقبل ذلك منه ،
ورده إلى خدمته .
١٥٥٥/٣
وورد الحسن بن الأفشين بغداد ، فخلع عليه المستعين ، وضمّ إليه من
الأشروسنيّة وغيرهم جماعة كثيرة ، وزاد فى أرزاقه ستة عشر ألف درهم فى
كل شهر .
ولم يزل أسد بن داودسياه مقيماً بسامُرًا، حتى هرب منها ، فذُكر
أنّ الأتراك بعثوا فى طلبه إلى ناحية الموصل والأنبار والجانب الغربىّ فى كل ناحية
خمسين فارسًا ، فوافتى مدينة السلام؛ فدخل على محمد بن عبد الله ، فضمّ
إليه من أصحاب إبراهيم الديرج مائة فارس ومائتى راجل، ووكّله بباب الأنبار
مع عبد الله بن موسى بن أبى خالد .
وعقد المعتزّ لأخيه أبى أحمد بن المتوكل يوم السبت لسبع بقين من المحرّم
من هذه السنة- وهى سنة إحدى وخمسين ومائتين-على حرب المستعين وابن طاهر،
وولآه ذلك ، وضمّ إليه الجيش، وجعل إليه الأمر والنهى، وجعل التدبير إلى
كلباتكين التركىّ ، فعسكر بالقاطول فى خمسة آلاف من الأتراك والفراغنة
وألفين من المغاربة ، وضمّ المغاربة إلى محمد بن راشد المغربىّ؛ فوافوا عكبراء
ليلة الجمعة لليلة بقيتْ من المحرّم ؛ فصلّى أبو أحمد، ودعا للمعتزّ بالخلافة؛
وكتب بذلك نسخًا (١) إلى المعتز ؛ فذكر جماعة من أهل عكْبراء أنهم
رأوا الأتراك والمغاربة وسائر أتباعهم؛ وهمعلى خوف شديد، يرون أنّ محمد بن
١٥٥٦/٣
(١) !: ((ومائلا عنه)).

٢٩١
سنة ٢٥١
عبد اللّه قد خرج إليهم فسبقهم إلى حربهم ، وجعلوا ينتهبون القرى ما بين
عُكبراء وبغداد وأوانا وسائر القرى من الجانب الغربيّ، تخوّفاً على أنفسهم
وخلّوْا عن الغثَلاّت والضّياع؛ فخرّبت الضياع، وانتُهبت الغَلّت والأمتعة
وهد مت المنازل ، وسُلب الناس فى الطريق .
ولمّا وافى أبو أحمد عُكبراء ومَنْ معه خرج جماعة من الأتراك الذين
كانوا مع بُغا الشرابىّ بمدينة السلام من مَواليه والمضمومِين إليه ، فهربوا ليلا ،
فاجتازوا بباب الشمّاسيّة؛ وكان على الباب عبد الرحمن بن الخطاب، ولم يعلم
بخبرهم؛ وبلغ محمد بن عبد اللّه ذلك، فأنكره عليه وعنَّفه، وتقدّم فى حفظ
الأبواب وحراستها والنفقة على من يتولاها .
ولما وافى الحسن بن الأفشين مدينة السلام وُكّل بباب الشّاسية.
ثم وافى أبو أحمد وعسكره الشماسيّة ليلة الأحد لسبع خلون من صفر، ومعه
كاتبه محمد بن عبد الله بن بشر بن سعد المرتدىّ، وصاحب خبر العسكر من
قِبَل المعتزّ الحسن بن عمرو بن قماش ومن قبله، صاحب خبر له يقال له
جعفر بن أحمد البناتى(١)، يعرف بابن الخبازة، فقال رجل من البصريّين كان
فى عسكره ويعرف بباذنجانة :
١٥٥٧/٣
ءٍ والموتُ بينها منشورُ
يا بنى طاهر أَتتكمْ جنودُ اللـ
د نعْمَ الموْلى ونِعْمَ النصيرُ
وجيوشٌ أَمامَهُنّ أَبو أَحمـ
ولمّا صار أبو أحمد بباب الشمّاسية ولَّى المستعين الحسين بن إسماعيل
باب الشماسية، وصيّر مَنْ هناك من القوّاد تحت يده ؛ فلم يزل مقيماً هناك
مدّة الحرب إلى أن شخص إلى الأنبار؛ فولّى مكانه إبراهيم بن إسحاق بن
إبراهيم ؛ ولثلاث عشرة مضتْ من صفر؛ صار إلى محمد بن عبد الله جاسوس
له ؛ فأعلمه أن أبا أحمد قد عبَّى قومًا يحرقون ظلال الأسواق من جانبىْ بغداد،
فكُشطت فى ذلك اليوم .
(١) كذا فى ا، وفى ط كلمة غير منقوطة.

٢٩٢
سنة ٢٥١
١٥٥٨/٣
وذكر أن محمد بن عبد الله وجّه محمد بن موسى المنجم والحسين بن إسماعيل،
وأمرهما أن يخرجا من الجانب الغربىّ، وأن يرتفعا حتى يجاوزا عسكر أبى أحمد
ويحزُرًا: كتّمْ فى عسكره؟ فزعم محمد بن موسى أنهحزّرهم ألفى إنسان، معهم
ألف دابة(١)؛ فلما كان يوم الاثنين لعشر خلوْن من صفر وافت طلائع الأتراك
إلى باب الشماسيّة ، فوقفوا بالقرب منه ؛ فوجّه محمد بن عبد الله الحسين بن
إسماعيل والشاه بن ميكال وبُندار الطبرىّ فيمن معهم ؛ وعزم على الركوب
لمقاتلتهم ، فانصرف إليه الشاه، فأعلمه أنه وافتَى بمَنْ معه باب الشّماسيّة.
فلمّا عاين الأتراك الأعلام والرايات وقد أقبلت نحوهم انصرفوا إلى
معسكرهم ؛ فانصرف الشاه والحسين ، وترك محمد الركوب يومئذ .
فلمّا كان يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر عزم محمد بن
عبد الله على توجيه الجيوش إلى القُفْص ليعرِض جنده هنالك، ويُرهب بذلك
الأتراك ؛ ور کب معه وصيف وبُغا فى الدُّروع، وعلى محمد دِرْع، وفوق
الدرْع صُدرة من درع طاهر ؛ وعليه ساعد حديد ؛ ومضى معه بالفقهاء
والقضاة ، وعزم على دعائهم إلى الرجوع عمّا هم عليه من التمادى فى الطُّغيان
واللجَاج والعِصْيان، وبعث يبذل لهم الأمان على أن يكون أبو عبد الله ولىّ
العهد بعد المستعين ؛ فإنْ قبلوا الأمان وإلاّ باكرهم بالقتال يوم الأربعاء لاثنتى
عشرة ليلة تخلو من صفر ؛ فمضى نحو باب قُطْربل، فنزل على شاطئ دجلة
هو ووصيف وبغا ، ولم يمكنْه(٢) التقدّم لكثرة الناس؛ وعارضهم من جانب
دجلة الشرقىّ محمد بن راشد المغربىّ.
١٥٥٩/٣
ثم انصرف محمد ؛ فلما كان من الغد وافتْه رسل عبد الرحمن بن الخطاب
وجه الفُلْس وعَلَك القائد ومَنْ° معهما من القوّاد، يعلمونه أنّ القوم قد دنوا
منهم ، وأنهم قد رجعوا إلى عسكرهم إلى رقة الشماسيّة، فنزلوا وضربوا مضاربتهم
فأرسل إليهم ألا تبدءوهم، وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم ؛ وادفعوهم اليوم . فوافى
باب الشماسيّة اثنا عشر فارساً من عسكر الأتراك - وكان على باب الشماسيّة
(١) !، س ((راية))
(٢) فى: ((ولم يمكنهم)).

٢٩٣
سنة ٢٥١
باب وسَرَب، وعلى السّرَب باب ، فوقف الاثنا عشر الفارس بإزاء الباب ،
وشتموا منَنْ عليه ، ورموا بالسهام، ومن بباب الشماسية سكوتٌ عنهم ؛ فلما
أكثروا أمر علَك صاحب المنجنيق أن يرميتهم (١) ؛ فرماهم فأصاب منهم رجلا
فقتله؛ فنزل أصحابه إليه ، فحملوه وانصرفوا إلى عسكرهم (٢) بباب الشماسيّة.
وقدم عبد الله بن سليمان خليفة وصيف التركىّ الموجّه إلى طريق مكة لضبط
الطريق مع أبى الساج فى ثلثمائة رجل من الشاكريّة ، فدخل على محمد بن
عبد الله ، فخلع عليه خمس خلع ، وعلى آخر ممن معه أربع خلع .
١٥٦٠/٣
ودخل أيضاً فى هذا اليوم رجل من الأعراب من أهل الثعلبيّة يطلب الفرْض
معه خمسون رجلا ، وورد الشاكريّة القادمون من سامُرًا من قيادات شتى ؛
وهم أربعون رجلا ، فأمر بإعطائهم وإنزالهم فأعْطَوْا.
ووافى الأتراك فى هذا اليوم باب الشماسيّة، فرُمُوا بالسهام والمنجنيق
والعرّادات ؛ وكان بينهم قتلى وجرحى كثير؛ وكان الأمير الحسين بن
إسماعيل لمحاربتهم ، ثم أمدّ بأربعمائة رجل من الملطيّين (٣) مع رجل يعرف
يأبى السنا الغنوىّ [وهو ابن أخت الهيثم الغنوى](٤)، ثم أمدّ هم بقوم من الأعراب
نحو من ثلثمائة رجل ، وحمل فى هذا اليوم من الصلات لمن أبدَى فى الحرب.
خمسة وعشرين ألف درهم ، وأطوقة وأسورة من ذهب؛ فصار ذلك إلى الحسين
ابن إسماعيل وعبد الرحمن بن الخطاب وعلتك ويحيى بن هرثمة والحسن بن
الأفشين وصاحب الحرب الحسين بن إسماعيل ؛ فكان الجرحتى من أهل بغداد
أكثر من مائتى إنسان ، والقتلى عدّة، وكذلك الجراحات فى الأتراك والقتلى
أكثرهم بالمجانيق ؛ وانهزم أكثر عامة أهل بغداد ، وثبت أصحاب البوارىّ
وانصرفوا جميعًا، وهم فى القتلى والجرحى شبيه بالسواء ؛ وجُرح من هؤلاء
- فيما ذكر - مائتان ، ومن هؤلاء مائتان ، وقتل جماعة من الفريقين .
وجاء كردوس من الفراغنة والأتراك فى هذا اليوم إلى باب خُراسان من ١٥٦١/٣
(١) س: ((يرموثم)).
(٢) فى: ((معسكرهم)).
(٣) ط: ((المطلبين))، ما أثبته من ا.
(٤) من ا.

٢٩٤
سنة ٢٥١
الجانب (١) الشرقىّ ليدخلوا منه، وأتى الصريخ محمد بن عبد اللّه، وثبت لهم
المبيّضة والغوغاء فرد وهم. وقد كان محمد أمر أن يُمختَر تلك الناحية؛ فلما
أرادوا الانصراف ، وحلّت عامة دوابهم ، ونجا أكثرهم، أحضر الأتراك
منجنيقاً ، فغلبهم الغوغاء عليه والمبيّضة ، وكسروا قائمة من قوائمه ، وقتِل
اثنان من الشاشية من الحجاج، وأمر بحمل الآجرّ من قصر الطين وتلك الناحية
إلى باب الشماسيّة ؛ وفتحوا باب الشماسيّة، وأخرجوا إلى الآجرّ من لقطه،
ورد وه إلى هذا الجانب من السور .
وكان محمد بن عبد اللّه اتّصل به أنّ جماعة من الأتراك قد صاروا إلى
ناحية النّهروان، فوجّه قائدين من قوّاده يقال لهما عبد الله بن محمود السرخسى
ويحيى بن حفص المعروف بحبُوس فى خمسمائة من الفرسان والرّجالة(٢) إلى
هذه الناحية ، ثم أردفهم بسبعمائة رجل أيضاً ، وأمرهم بالمقام هناك ؛ ومنع
مَنْ أراده من الأتراك؛ فتوجه آخرهم إلى هذه الناحية يوم الجمعة لسبع خلون
من صفر .
١٥٦٢/٣
فلما كان ليلة الاثنين لثلاث عشرة بقيت من صفر، صار قوم من الأتراك
إلى النَّهْروان، فخرج جماعة ممن كان مع عبد الله بن محمود، فرجعوا هُرّابًا،
وأخذت دوابّهم، وانصرف مَنْ نجا منهم إلى مدينة السلام مفلولين، وقتل
زهاء خمسين رجلا ، وأخذوا ستين دابة، وعدّة من البغال قد كانت جاءت
من ناحية حُلوان عليها الثلج (٣)، فوجّهوا بها إلى سامرًا، ووجهوا برءوس مَنْ
قتلوا من الجند ، فكانت أول رءوس وافت فى تلك الحرب سامرًا .
وانصرف عبد الله بن محمود مفلولاً فى شرذمة ، وصار طريق خراسان فى
أيدى الأتراك، وانقطع الطريق من بغداد إلى خراسان .
وكان إسماعيل بن فراشة وُجّه إلى همذان للمقام بها، فكتب إليه بالانصراف،
فانصرف، فأعطى هو وأصحابه استحقاقهم .
(١) ف: ((الباب)).
(٣) ط: ((السلح)). وما أثبته من ا.
(٢) ف: ((فارس وراجل)).

٢٩٥
سنة ٢٥١
ووجَّه المعتزّ عسكراً من الأتراك والمغاربة والفراغنة ومَنْ هو فى عدادهم.
وعلى الأتراك والفراغنة الدرغمان الفرغانىّ، وعلى المغاربة ربلة (١) المغربىّ، فساروا
إلى مدينة السلام من الجانب الغربىّ، فجازوا قُطربّل إلى بغداد، وضربوا عسكرهم
بين قُطْربل وقطيعة أم جعفر؛ وذلك عشيّة الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت
من صفر ..
١٥٦٣/٣
فلما كان يوم الأربعاء من غد هذه الليلة ، وجّه محمد بن عبد الله بن
طاهر الشاهَ بن ميكال من باب القطيعة وبُندارًا وخالد بن عمران فيمن معهم
من أصحابهم من الفرسان والرّجّالة. فصافّهم الشاه وأصحابه، فترامَوْا بالحجارة
والسهام ، وألجئوا الشاه إلى مضيق عند باب القطيعة، وكثر المبيّضة من أهل بغداد،
ثم حمل الشاه والمبيّضة حملة واحدة أزالوا بها الأتراك والمغاربة ومَنْ معهم عن
موضعهم ، وحمل عليهم المبيّضة ، وأصحروا بهم ، وحمل عليهم الطبريّة
فخالطوهم ؛ وخرج عليهم بُندار وخالد بن عمران من الكمين؛ وكانوا كمنوا
فى ناحية قُطْر بّل ، فوضعوا فى أصحاب أبى أحمد الأتراك منهم وغيرهم السيف،
فقتلوهم أبرح قتل؛ فلم يُفلت منهم إلاّ القليل، وانتهب (٢) المبيضة غسكرهم
وما كان فيه من المتاع والأهل والأثقال والمضارب والحُرْنى، فكل من أفلت منهم
من السيف رمى بنفسه فى دِ جْلة ليعبدُرَ إلى عسكر أبى أحمد؛ فأخذه أصحاب
الشبّارات ، وكانت الشبّارات قد شُحنت بالمقاتلة - فقُتلوا وأسيروا، وجُعل
القتلى والرءوس من الأتراك والمغاربة وغيرهم فى الزّواريق ، فنُصبت بعضها فى
الجسرين ؛ وعلى باب محمد بن عبد الله؛ فأمر محمد بن عبد الله لمن أبلى فى
هذا اليوم بالأسورة، فسُوِر قوم كثير من الجند وغيرهم، فطُلب (٣) المنهزمة ،
فبلغ بعضهم أوانا ، وبلغ بعضهم ناحية عسكر أبى أحمد عَبْرَ دجلة ،
وبعضهم نفذ إلى سامرًّا .
١٥٦٤/٣
وذُكر أن عسكر الأتراك يوم هُزِموا بباب القطيعة كانوا أربعة آلاف ،
فقتيل منهم يوم الوقعة هنالك ألفان ؛ وكان وُضع فيهم بالسيف من باب
(١) كذا فى ا، وفى ط من غير نقط. (٢) ا، ف: ((وانتهبت)).
(٣) ف: ((فطلبت)).

٢٩٦
سنة ٢٥١
القَطيعة إلى القُفْص، فقتَلُوا مَنْ قتلوا، وغرِّق مَنْ غُرُّق، وأسير منهم
جماعة ، فخلع محمد بن عبد الله على بُدار أربع خلع مُلحم (١)، ووشْی
وسواد وخزّ ، وطوّقه طوقًا من ذهب، وخلع على أبى السنا أربع خِلَع، وعلى
خالد بن عمران وجميع القوّاد، كلّ رجل أربع خلع. وكان انصرافهم من
الوقعة مع المغرب، وسُخّرت البغال ، وأخذ لها الجواليق لتحمل فيها الرءوس
إلى بغداد .
١٥٦٥/٣
وكان كلُّ مَنْ وافى دار محمد برأسٍ تركىّ أومغربىّ أعطوه خمسين
درهمًا، وكان أكثر ذلك العمل للمبيّضة والعيّرين (٢)؛ ثم وافى عيّارو بغداد
قُطْربُّلَ، فانتهبوا ما تركه الأتراك من متاع أهل قُطْر بُل وأبواب دورهم؛
فوجته محمد فى آخر هذا اليوم أخاه أبا أحمد عبيد الله بن عبد الله والمظفّر بن
سيسل فى أثر المنهزمين (٣) حياطة لأهل بغداد؛ لأنه لم يأمن رجعتهم عليه(٤)
فبلغا القُفْص، وانصرفا سالمين، وزعجا مَنْ أقام من الرجّالة والعيارين بناحية
قُطْربل ، وأشير على محمد بن عبد الله أن يتبعهم بعسكر فى اليوم الثانى وفى
تلك الليلة ، ليوغل فى آثارهم، فأبى ذلك ولم يتبع موليّاً، ولم يأمر أن يُجهز
على جريح، وقبيل أمان مَن استأمن ، وأمر سعيد بن حُميد فكتب (٥) كتاباً
يذكر فيه هذه الوقعة ؛ فقرئ على أهل بغداد فى مسجد جامعها ، نسخته :
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد ؛ فالحمد لله المنعم فلا يبلغ أحد شكر
نعمته، والقادر فلا يعارض فى قدرته، والعزيز فلا يغالب (٦) فى أمره، والحكم العدل
فلا يردّ" حكمه، والناصر فلا يكون نصره إلاّ للحق وأهله، والمالك لكلّ شىء فلا يخرج
أحد عن أمره(٧)، والهادى إلى الرحمة فلا يضلّ من انقاد لطاعته، والمقدّم إعذاره
ليظاهر به حجته ؛ الذى جعل دينه لعباده رحمة ، وخلافته لدينه عصمة ،
وطاعة خلفائه فرضاً واجبًا على كافة الأمة ؛ فهم المستحفظون فى أرضه على
(١) فى القاموس: ((الملحم، كمكرم: جنس من الثياب)).
(٢) فى القاموس: ((العيار: الكثير الذهاب والمجىء)).
(٣) ا، ف: ((المنهزمة)).
(٥) س: ((فأمر أن يكتب)).
(٧) ا، ف: ((سلطانه)).
(٤) ف: ((عليهم)).
(٦) كذا فى ا.

٢٩٧
سنة ٢٥١
١٥٦٦/٣
ما بعث به رسله، وأمناؤه على خلقه فيما (١) دعاهم إليه من دينه، والحاملون لهم
على منهاج حقه ؛ لئلا يتشعّب بهم الطريق إلى المخالفة لسبيله ، والهادى لهم
إلى صراطه؛ ليجمعهم على الجادّة التى نتدب إليها عباده الذين بهم يُحمتى
الدّين من الغواة والمخالفين ؛ محتجّين على الأمم بكتاب الله الذى استعملهم
به ، ودعا الأمة بحقّ اللّه الذى اختارهم(٢) له؛ إن جاهدوا كانت حجة الله
معهم ، وإن حاربوا حكتَم بالنصر لهم ، وإن بغاهم عدوّ كانت كفاية اللّه
حائلةً دونهم ومعقلا لهم (٣)، وإن كادهم كائد فاللّهُ من وراء عونهم، نَصَبهم
الله لإعزاز دينه؛ فمن عاداهم فإنما عادى الدّين الذى أعزّه وحرسه بهم ،
ومن ناوأهم فإنما طعن على الحقّالذى يكلؤه بحراستهم؛ جيوشُهم بالنّصر والعزّ
منصورة ، وكتائبهم بسلطان اللّه من عدّوهم محفوظة ، وأيديهم عن دين
الله دافعة، وأشياعهم بتناصرهم فى الحقّ عالية، وأحزاب أعدائهم ببغيهم
مقموعة ، وحجتهم عند الله وعند خلْقه داحضة ، ووسائلهم إلى النصر
مردودة ؛ تجمعهم مواطن التحاكم، وأحكام اللّه بخذلانهم واقعة، وأقداره
بإسلامهم إلى أوليائه جارية، وعاداتهم فى الأمم (٤) السالفة والقرون الحالية ١٥٦٧/٣
ماضية ؛ ليكون أهلُ الحق على ثقة من إنجاز سابق الوعد، وأعداؤه محجُوبون
بما قدّم إليهم من الإنذار ، معجّلة لهم نقمة اللّه بأيدى أوليائه، معدّ لهم العذاب.
عند ربهم ، والخزى موصول بنواصيهم فى دنياهم ، وعذاب الآخرة من ورائهم
وما الله بظلام للعبيد .
وصلى الله على نبيه المصطفى ، ورسوله المرتضى ، والمنقذ من الضّلالة إلى
الهدَى، صلاة تامّة نامية بركاتها ، دائمة اتصالها ، وسلم تسليماً .
والحمد لله تواضعًا لعظمته، والحمد لله إقراراً بربوبيته، والحمد لله اعترافًا
بقصور أقصى منازل الشكر عن أدنى منزلة من منازل كرامته . والحمد لله الهادى
إلى حَمْدِه، والموجب به مزيده، والمحصى(٥) به عوائد إحسانه، حمدًا يرضاه
ويتقبّله، ويوجب طوْله وإفضاله. والحمدُ لله الذى حكم بالخذلان على مَنْ.
(١) ف: ((على ما)).
(٣) !: (يمنعهم).
(٥) !: ((والمحصن)).
(٢) أ، ر: ((اختاره لهم)).
(٤) ف: ((القرون)).

٢٩٨
سنة ٢٥١
بغى على أهل دينه ، وسبق وعده بالنصر لمن بُغى عليه من أنصار حقه .
١٥٦٨/٣
وأنزل بذلك كتابه العزيز ، موعظةً للباغين ؛ فإن أقلعوا كانت التذكرة
نافعة لهم، والحجة عند الله لمن قام بها فيهم ، ثم أوجب بعد التذكرة والإصرار
جهادهم، فقال فيما قدَّم من وَعْده، وأبان من برهانه: (ثُمَّ بُغِى ءَيْه لِيَنْصُرُنَّه
اللّه)(١)، وعداً من اللّه حقًّا نهى به أعداءه عن معصيته، وثبّت به أولياءه على
سبيله ؛ والله لا يخلف الميعاد .
ولله عند أمير المؤمنين فى رئيس دعوته ، وسيف دولته ، والمحامى عن سلطانه
ومحلّ ثقته ، والمتقدّم فى طاعته ونصيحته لأوليائه، والذابُّ عن حقه، والقائم
بمجاهدة أعدائه ؛ محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين، نعمةٌ يُرغب إلى اللّه
فى إتمامها ، والتوفيقٍ لشكرها، والتطوّل بمن أراد المزيد فيها؛ فإن الله قدّ رلآ بائه
القيام بالدّعوة الأولى لآباء أمير المؤمنين ، ثم جمع له آثارهم بقيامه بالدّولة
الثانية؛ حين حاول أعداء الله أن يطميسُوا معالم دينه ويعفّوها؛ فقام بحقّ اللّه
وحقّ خليفته، محاميًا عنها، ومرامياً من ورائها ، متناولا للبعيد برأيه ونظره ،
مباشراً للقريب بإشرافه وتفقُّده ، باذلا نفسه فى كلّ ما قرّبه من اللّه، وأوجب له
الزُّلْفة عنده، وسيمتّع اللّه أمير المؤمنين به وليًّا، مكانفاً على الحق ، وناصراً
موازراً على الخير ، وظهيراً مجاهداً لعدوّ الدين .
وقد علمتم ما كان كتاب أمير المؤمنين تقدّم به إليكم فيما أحدثتْه الفرقة
الضالة عن سبيل ربها ، المفارقة لعصمة دينها ، الكافرة لنعم الله ونعم خليفته
عندها ، المباينة لجماعة الأمة التى ألّف الله بخلافته نظامتها، المحاولة لتشتيت
الكلمة بعد اجتماعها ، الناكثة لبيعته ، الخالعة لرِبْقة الإسلام من أعناقها ،
الموالى الأتراكُ، وما صارت إليه من نصر الغلام المعروف بأبى عبد الله بن المتوكل
لإقامتها عند مصير أمير المؤمنين إلى مدينة السلام، محلّ سلطانه، ومجتمع (٢)
أنصاره وأبناء أنصار آبائه ؛ وما قابل به أمير المؤمنين خيانتهم وآثره من
الأناة فى أمرهم .
١٥٦٩/٣
(١) سورة الحج ٦٠.
(٢) ا، س: ((ومجمع)).

٢٩٩
سنة ٢٥١
ثم إنّ هؤلاء الناكثين جمعوا جمعاً من الأتراك والمغاربة، ومن ولج فى
سوادهم ، ودخل فى غُمارهم ، مؤاتيًا للفتنة من ألفاف الغىّ ، ورأسوا عليهم
المعروف يأبى أحمد بن المتوكل، ثم ساروا نحو مدينة السلام فى الجانب الشرقىّ،
معلنين للبغى والاقتدار ، مظهرين للغىّ والإصرار ؛ فتأنّاهم أمير المؤمنين ،
وفسَّح لهم فى النَّظرة لهم، وأمر بالكتاب إليهم بما فيه تبصيرُهم الرشد، وتذكيرهم(١)
بما قدّموا من البيعة، وإفهامهم ما للّه عليهم وله فى ذلك من الحقّ، وأنّ
خروجهم مما دخلوا فيه من بيعتهم طوعاً، الخروجُ من دين الله والبراءة منه ومن
رسوله ، وتحر مهم أموالتهم ونساءهمعليهم؛وأن فی تمسکهم به سلامة أدیانهم،
وبقاء نعمتهم، والاحتراس من حُلول النقَم بهم(٢)، وأن يبين لهم ما سلف من
بلائه عندهم؛ من أسْنى المواهب، وأرفع الرغائب، والاختصاص بسنىّ المراتب،
والتقدّم فى المحافل؛ فأبوا إلا تماديًا ونفارًا، وتمسكاً بالغىّ وإصراراً.
١٥٧٠/٣
فقلّد أمير المؤمنين نصيحه المؤتمن ووليّه محمد بن عبد الله مولى أمير
المؤمنين تدبيرَ (٣) أمورهم ودعائهم إلى الحق ما كانت الإنابة أو محار بتهمإن جنح
بهم غيِّهم، وتتابعوا فى ضلالهم ، فلم يألهم نظراً وإفهاماً ، وتبييناً وإرشاداً ،
وهم فى ذلك رافعون أصواتهم بالتوّعد لأهل لمدينة السلام ؛ بسفك دمائهم
وَسَبْى نسائهم وتغنُّم أموالهم؛ وقبل ذلك ما كانوا فى مسيرهم على السبيل التى
يستعملها أهل الشرْك فى غاراتهم، ويميلون إليها عند إمكان النّهزة (٤) لهم؛
لا يجتازون بعامر إلا أخربوه، ولا بحريم لمسلم ولا غيره إلا أباحوه، ولا بمسلم يعجز
عنهم إلا قتلوه ، ولا بمال لمسلم ولا ذمىّ إلا أخذوه ؛ حتى انتقل كثير ممن
سبقت إليه أخبارهم من أمامهم عن أوطانهم، وفارقوا منازلهم ورباعهم ، وفزعوا
إلى باب أمير المؤمنين تحصّناً من معرّتهم، لا يمرُّون بغنىّ إلا خلعوا عنه لباسٍ
الغنى ؛ ولا بمستور إلا هتكوا عن الذرّية والنساء ستره، لا يرقبون فی مؤمن إلاّ
ولا ذمّةً، ولا يتوقّفُون عن مسلم بهتك ولامُشْلة، ولا يرغبون عما حرم الله من دم
ولا حرمة .
١٥٧١/٣
ثم تلقّوا التذكرة بالحرب، وقابلوا الموعظة بالإصرار على الذنب ، وعارضوا
(١) س: ((وتذكرهم)).
(٣) كذا فى ا، وفى ط: ((بتدبير)).
(٢) س: ((الغير)).
(٤) ١: ((الغرة)).

٣٠٠
سنة ٢٥١
التبصير بالاستبصار فى الباطل ؛ فذلكَفُوا نحوباب الشماسية ، وقد رتب محمد
ابن عبد الله مولى أمير المؤمنين بذلك الباب والأبواب التى سبيلها سبيله من أبواب
مدينة السلام الجيوشَ فى العُدّة الكاملة، والعدّة المتظاهرة؛ معاقلهم التوكل على
ربّهم ، وحصونهم الاعتصام بطاعته، وشعارهم التكبير والتهليل أمام عدوهم .
١٥٧٢/٣
ومحمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين، يأمرُ هم بتحصين مايليهم والإمساك
عن الحرب ما كانت مندوحة لهم ؛ فبادأهم الأولياء بالموعظة ، وبدأهم الغواة
الناكثون بحربهم ، وعادوْهم أياماً بجموعهم وعدادهم ، مُدلّين بعدّتهم
ومقدّرين ألا غالب لهم؛ ولا يعلمون بالله أنّ قدرته فوق قدرتهم ، وأن أقداره
نافذة بخلاف إرادتهم ، وأحكامه عادلة ماضية لأهل الحقّ عليهم ؛ حتى
إذا كان يوم السبت للنصف من صفر وافوا باب الشماسية بأجمعهم (١)،
قد نشروا أعلامهم ، وتنادوْا(٢) بشعارهم، وتحصّنوا بأسلحتهم، وبدا الأمر (٣)
منهم لمن عاينهم، ليس لهم وعيد دون سفك الدماء، وسبْى النساء، واستباحة
الأموال ؛ فبدأهم الأولياء بالموعظة فلم يسمعوا ، وقابلوهم بالتذكرة فلم يُصغوا
إليها ، وبدءوا بالحرب منابذين لها ، فتسرّع الأولياء عند ذلك إليهم ، واستنصروا
عليهم (٤)، واستحكمت بالله ثقتهم ، ونفذت به بصائرهم ؛ فلم تزل الحرب
بينهم إلى وقت العصر من هذا اليوم ؛ فقتل اللّه من حماتهم وفرسانهم
ورؤسائهم وقادة باطلهم جماعة كثيراً عددها(٥)، ونالت الجراحة المثخنة
التى تأتى على مَنْ نالته أكثر عامتهم.
فلما رأى أعداء الله وأعداء دينه أنْ قد أكذب ظنونتهم، وحال بينهم وبين
أمانيهم ، وجعل عواقبها حسرات عليهم ؛ استنهضوا جيشاً من سامُرًا من
الأتراك والمغاربة فى العتاد والعُدّة والجدد والأسلحة فى الجانب الغربيّ ، طالبين
المعرّة، ومؤمّلين أن ينالوا نيلاً من أهله باشتغال إخوانيهم فى الجانب الشرقىّ
بأعدائهم .
وقد كان محمد بن عبد اللّه مولى أمير المؤمنين شَحمن الجانبين جميعاً
(١) س: ((بجمعهم)).
(٣) ا: ((الأشر)).
(٥) ا، ف: ((عدتها)).
(٢) س: ((وتبادروا)).
(٤) ف: ((على عدوهم)).