النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فما كان فيها من ذلك غزو جعفر بن دينار الصائفة ، فافتتح(١) حصناً
ومطامير ، واستأذنه عمر بن عبيد الله الأقطع فى المصير إلى ناحية من بلاد
الرّومِ ؛ فأذن له ، فسار ومعه خلْق كثير من أهل مَلَطْيَة ، فلقيه الملك
فى جمْع من الروم عظيم بموضع ، يقال له أرز من مَرْج الأسقف ، فحاربه
بمَنْ معه محاربة شديدة ، قتل فيها خلق كثير من الفريقين ، ثم أحاطت به
الرُّوم وهم خمسون ألفًا ، فقتل عمر وألفا رجل من المسلمين ؛ وذلك فى يوم
الجمعة للنصف من رجب .
[ خبر قتل علىّ بن يحيى الأرضىّ ]
وفيها قتل علىّ بن يحيى الأرضىّ.
* ذكر الخبر عن سبب قتله :
◌ُذكر أن الروم لما قتلت عمر بن عبيد اللّه(٢)، خرجوا إلى الثغور الجزريّة،
وكلبوا عليها وعلى حرم المسلمين بها ، فبلغ ذلك علىّ بن يحيى وهو قافل من
إرمينية إلى ميّا فارقين، فنفر إليهم فى جماعة من أهل مسَيّا فارقين والسلسلة، ١٥١٠/٣
فقُتل فى نحو من أربعمائة رجل ، وذلك فى شهر رمضان .
[ شغب الجند والشاكرية ببغداد ]
وشغب الجند والشاكريّة ببغداد فى هذه السنة فى أوّل يوم من صفر.
(٢) ط: ((عبيد)).
(١) ف: ((ففتح)).

٢٦٢
سنة ٢٤٩
ذكر الخبر عن السبب فى ذلك :
#
١٥١١/٣
وكان السبب فى ذلك أنّ الخبر لما اتصل بأهل مدينة السلام وسامرًا وسائر
ما قرب منهما من مُدُن الإسلام بمقتل عمر بن عبيد اللّه الأقطع وعلىّ بن
يحيى الأرمنىّ - وكانا نابين من أنياب المسلمين ، شديداً بأسهما ، عظيماً
غَناؤهما عنهم فى الثغور التى هما بها - شقّ ذلك عليهم، وعظم مقتلُهما فى
صدورهم، مع قُرْب مقتل أحدهما من مقتّل الآخر ، ومع ما لحقهم من استفظاعهم
من الأتراك قتل المتوكل واستيلائهم على أمور المسلمين، وقتلهم من أرادوا قتله
من الخلفاء، واستخلافهم من أحبّوا استخلافه من غير رجوع منهم إلى ديانة،
ولا نظر للمسلمين ؛ فاجتمعت العامّة ببغداد بالصُّراخ والنداء بالنفير، وانضمت
إليها الأبناء والشاكريّة تُظهر أنها تطلب الأرزاق؛ وذلك أوّل يوم من صفر،
ففتحوا سجن نصر بن مالك ، وأخرجوا مَنْ فيه وفى القنطرة بباب الجسر ؛
وكان فيها جماعة - فيما ذكر - من رفوغ(١) خراسان والصعاليك من أهل
الجبال والمحمرة وغيرهم، وقطعوا أحد الجسرين وضربوا الآخر بالنار ،
وانحدرت سُفُنه ، وانتُهب ديوان قصص المحبّسين، وقطعت الدفاتر، وألقيت
فى الماء ، وانتهبوا دار بشر وإبراهيم ابنى هارون النصرانيین کاتبی محمد بن
عبد اللّه؛ وذلك كله بالجانب الشرقىّ من بغداد . وكان والى الجانب الشرقى
حينئذ أحمد بن محمد بن خالد بن هرئمة . ثم أخرج أهلُ اليسار(٢) من أهل
بغداد وسامُرًا أموالا كثيرة من أموالهم، فقوّوا مَن خفَّ للنهوض إلى الثغور
الحرب الرّوم بذلك ؛ وأقبلت العامة من نواحى الجبل(٣) وفارس والأهواز وغيرها
لغزو الروم ؛ فلم يبلغنا أنه كان للسلطان فيما كان من الرّوم إلى المسلمين من
ذلك تغيير ، ولا توجيه جيش إليهم لحربهم فى تلك الأيام .
ولتسع بقِين من شهر ربيع الأول، وثب نفر من النَّاس لايُدْرَى مَنْ هميوم
الجمعة بسامُرًا، ففتحوا السجن بها، وأخرجوامَنْ فيه، فوجته فى طلب النَّفْر الذين
فعلوا ذلك زُرافة فى جماعة من الموالى، فوثبت بهم العامة فهزموهم، ثم ركب فى ذلك
(١) الرفوغ: النواحى.
(٣) ف: ((الجبال)).
(٢) س: ((البساتين)).

٢٦٣
سنة ٢٤٩
أوتامش ووصيف وبُغا وعامة الأتراك، فقتلوا من العامة جماعة ، وألْقِيَ على
وصيف - فيما ذكر لى - قدر مطبوخ، ويقال : بل رماه قوم من العامة عند
السريجة (١) بحجر؛ فأمر وصيف النفاطين، فقذفوا ما هنالك من حوانيت التجار ١٥١٢/٣
ومنازل الناس بالنار ؛ فأنا رأيت ذلك الموضع محترقًا ؛ وذلك بسامراً عند دار
إسحاق .
وذكر أن المغاربة انتهبتْ منازل جماعة من العامة فى ذلك اليوم ، ثم
سكن الأمر فى آخر ذلك اليوم ، وعُزل بسبب ما كان من العامة والنفر الذين
ذكرت فى ذلك اليوم من الحركة، أحمد بن جميل عمّا كان إليه من المعونة
بسامُرًا ، وولى مكانه إبراهيم بن سهل الدّارج .
[ ذ کر خبر قتل أوتامش وكاتبه ]
وفى هذه السنة قُتل أوتامش وكاتبه شجاع بن القاسم؛ وذلك يوم السبت
لأربع عشرة خلوْن من شهر ربيع الآخر منها .
• ذكر الخبر عن سبب مقتله :
ذكر أن المستعين لما أفضت إليه الخلافة، أطلق يد أوتامش وشاهَك
الخادم فى بيوت الأموال، وأباحهما فِعْل ما أرادا فعله فيها ، وفعل ذلك أيضًا
بأمّ نفسه ، فلم يمنعها من شيء تريده؛ وكان كاتبها سلمة بن سعيد النصرانىّ،
وكانت الأموال التى ترد على السلطان من الآفاق إنما يصير معظمها إلى هؤلاء
الثلاثة الأنفس، فعميد أوتامش إلى ما فى بيوت الأموال من الأموال فاكتسحه؛ ١٥١٣/٣
وكان المستعين قد جعل ابنَه العباس فى حِجْر أوتامش؛ فكان ما فضّل من
الأموال عن هؤلاء الثلاثة الأنفس يؤخذ للعباس ، فيصرف فى نفقاته وأسبابه -
وصاحب ديوان ضياعه يومئذ دلَيْل- فاقتطع من ذلك (٢) أموالاً جليلة لنفسه؛
وجعلت الموالى تنظر إلى الأموال تُستهلك؛ وهم فى ضيقة ، وجعل أوتامش وهو
صاحب المستعين وصاحب أمره، والمستولى عليه يُنفِذُ أمور الخلافة؛ ووصيف
(١) ط: ((الشريحة)) تصحيف.
(٢) ا: (( تنهب)).

٢٦٤
سنة ٢٤٩
وبُغا من ذلك كلِّه بمعزل، فأغريا الموالى به، ولم يزالا يدبّران الأمر عليه
حتى أحكما التدبير، فتذمّرت الأتراك والفراغنة على أوتامش، وخرج إليه
منهم يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر من هذه
السنة أهل الدُّور والكرْخ ، فعسكروا وزحفوا إليه وهو فى الجَوْسق مع
المستعين .
وبلغه الخبر ، فأراد الهرب ، فلم يمكنه ، واستجار بالمستعين فلم يجيره
فأقاموا على ذلك من أمرهم يوم الخميس ويوم الجمعة؛ فلما كان يوم السبت
دخلوا الجوسق ، فاستخرجوا أوتامش من موضعه الذى تحواری فیه، فقتيل وقتل
كاتبهُ شجاع بن القاسم، وانتهبت دار أوتامش ، فأخذ منها - فيما بلغنى -
أموالٌ جليلة ومتاع وفرش وآلة .
١٥١٤/٣
ولما قُتل أوتامش استوزر المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد،
وعزل الفضل بنَ مروان عن ديوان الخراج، ووليه عيسى بن فرّخانشاه ،
وولى وصيف الأهواز، وبغا الصغير فلسطين فى شهر ربيع الآخر. ثم غضب
بغا الصغير وحزبُه على أبى صالح بن يزداد ، فهرب أبو صالح إلى بغداد فى
شعبان، وصير المستعين مكانه محمد بن الفضل الجرجرائىّ؛ فصير ديوان الرسائل
إلى سعيد بن حُميد رياسة" ، فقال فى ذلك الحمدونىّ :
عاشَ ذا طِمْرَيْنٍ لا نَوْبَةَ لَهْ
لَبِسَ السّيفَ سعيدٌ بعدما
إِنَّ اللّهِ لَآيَات وَذَا آيةٌ اللهِ فينا مُنزَلَهْ
*
[ مقتل على" بن الجهم ]
وفيها قُتِل علىّ بن الجهم بن بدر؛ وكان سبب ذلك أنه توجه من بغداد
إلى الثغر، فلما كان بقرب حلسَب بموضع يقال له خساف؛ لقيته خيل لكلْب،
فقتلته ، وأخذ الأعراب ما كان معه ، فقال وهو فى السياق :
أَزِيدَ فى الليلِ لَيْلُ أَمْ سَالَ بالصبحِ سَيْلُ (١)
(١) ديوانه ١٧٠.

٢٦٥
سنة ٢٤٩
وَأَينَ منى دُجَيْلُ !
ذكَرْتُ أَهلَ دُجَيْلٍ
وكان منزله فى شارع الدّجيل .
* *
#
وفيها عزل جعفر بن عبد الواحد عن القضاء ، ووليه جعفر بن محمد بن ١٥١٥/٣
عمار البرجمىّ من أهل الكوفة ؛ وقد قيل إن ذلك فى سنة خمسين ومائتين .
وفيها أصاب أهل الرىّ فى ذى الحجة زلزلة شديدة ورجْفة تهدّمت منها
الدور ، ومات خلق من أهلها وهرب الباقون من أهلها من المدينة؛ فنزلوا خارجها.
ومُطر أهل سامرًا يوم الجمعة لخمس (١) بقين من جمادى الأولى؛
وذلك يوم السادس عشر من تمُوز مطرٌ جَوْد برعد وبرق، فأطبق الغيم ذلك
اليوم ؛ ولم يزل المطر جوْداً سائلا يومئذ إلى اصفرار الشمس ثم سكن .
وتحرّكت المغاربة فى هذه السنة يوم الخميس لثلاث خلوْن من جمادى
الأولى ، وكانوا يجتمعون قرب الجسر بسامُرًا ، ثم تفرّقوا يوم الجمعة .
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم
الإمام وهو والى مكة .
(١) بعدها فى ف: ((ليال)).

٢٦٦
ثم دخلت سنة خمسين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
٠ ٠٠
٠٠
[ ظهور يحيى بن عمر الطالبيّ ثم مقتله]
فمن ذلك ما کان من ظھور یحی بن عمر بن یحی بن حسین بن زید بن
علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه ؛ المكنى بأبى الحسين
بالكوفة ، وفيها كان مقتله رضى الله عنه .
١٥١٦/٣
● ذكر الخبر عن سبب ظهوره وما آل إليه أمره :
◌ُذكر أنّ أبا الحسين يحيى بن عمر - وأمه أم الحسين فاطمة بنت الحسين
ابن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب - نالتْه ضيقة
شديدة ، ولزمه دَيْن ضاق به ذرعًا، فلقى عمرَ بن فرج - وهو يتولّى أمر
الطالبيين - عند مقدمه من خراسان أيام المتوكل ، فكلّمه فى صلته ، فأغلظ
عليه عمر القول (١) ؛ فقذفه يحيى بن عمر فى مجلسه، فحُبِس، فلم يزل محبوساً
إلى أن كفل (٢) به أهلُه، فأطلِق، فشخص إلى مدينة السلام، فأقام بها
بحال سيّئة، ثم صار إلى سامُرًا، فلقى وصيفاً فى رِزْق يُجرَي له ، فأغلظ
له وصيفٌ فى القول، وقال : لأىّ شيء يُجرى على مثلك! فانصرف عنه.
فذكر ابن أبى طاهر أن ابن الصوفىّ الطالبيّ حدّثه ، أنه أتاه فى الليلة
التى كان خروجه فى صبيحتها ، فبات عنده ، ولم يعلمه بشىء (٣) مما عزم
عليه؛ وأنه عرض عليه الطَّعَمَام، وتبين فيه أنه جائع، فأبى أن يأكل ، وقال:
إنْ عشنا أكلنا، قال : فتبيّنت أنه قد عزم (٤) على فتكة؛ وخرج من عندى؛
(١) من ف: (( له فى القول)).
(٣) بعدها فى ف: ((من أمره)).
(٢) ف: ((كفله)).
(٤) ف: ((عازم)).

٢٦٧
سنة ٢٥٠
١٥١٧/٣
فجعل وجهه إلى الكوفة ؛ وبها أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان
عاملاً عليها من قِبَل محمد بن عبد الله بن طاهر ؛ فجمع يحى بن عمر جَمْعاً
كثيراً من الأعراب، وضوى إليه جماعة من أهل الكوفة ، فأتى (١) الفلُّوجة ؛
فصار إلى قرية تعرف بالعمد؛ فکتب صاحب البريد بخبره ؛ فکتب محمد بن
عبد اللّه بن طاهر إلى أيوب بن الحسن وعبد الله بن محمود السرخسىّ - وكان
عامل محمد بن عبد اللّه على معاون السواد - يأمرهما بالاجماع على محاربة يحي
ابن عمر - وكان على الخراج بالكوفة بدر بن الأصبغ - فمضى يحيى بن عمر
فى سبعة نفر من الفرسان إلى الكوفة فدخلها ، وصار إلى بيت مالها ؛ فأخذ
ما فيه ؛ والذى وُجد فيه ألفا دينار وزيادة شىء ، ومن الورق سبعون ألف
درهم ؛ وأظهر أمره بالكوفة وفتح السجنيْن ، وأخرج جميع من كان فيهما ؛
وأخرج عمّالها عنها، فلقيه عبد الله بن محمود السرخسيّ- وكان فى عداد الشاكريّة،
فضربه يحيى بن عمر ضربةً على قُصَاص شعره(٢) فى وجهه أثْخنته؛ فانهزم
ابن محمود مع أصحابه ، وحوى يحيى ما كان مع ابن محمود من الدواب والمال .
ثم خرج يحيى بن عمر من الكوفة إلى سوادها ، فصار إلى موضع يقال
له بستان - أو قريباً منه - على ثلاثة فراسخ من جُنْبلاء ؛ ولم يقم بالكوفة ،
وتبعتْه جماعة من الزيدية ، واجتمعت على نُصرته جماعة من قرب منتلك
الناحية من الأعراب وأهل الطُّفوف والسِّيب الأسفل ، وإلى ظهر واسط . ثم
أقام بالبستان، فكثر جمعُه، فوجّه محمد بن عبد الله لمحاربته الحسين بن إسماعيل
ابن إبراهيم بن مصعب، وضمّ إليه من ذوى البأس والنجدة من قوّاده جماعة؛
مثل خالد بن عمران وعبد الرحمن بن الخطاب المعروف بوجه الفَلْس، وأبى السناء
الغَنَوىّ، وعبد الله بن نصر بن حمزة، وسعد الضبابىّ، ومن الإسحاقية أحمد
ابن محمد بن الفضل وجماعة من خاصّة الخراسانية وغيرهم .
٠
١٥١٨/٣
وشخص الحسين بن إسماعيل، فنزل بإزاء هفَنْدى فى وجه يحيى بن معمر،
لا يقدم عليه الحسين بن إسماعيل ومَنْ معه ؛ وقصد يحيى نحو البحرية
(١) كذا فى س، وفى ط: ((وأتى)).
(٢) قصاص الشعر : حيث ينتهى ذبته من مقدمه أو مؤخره.

٢٦٨
سنة ٢٥٠
- وهى قرية بينها وبين قُسّين خمسة فراسخ، ولو شاء الحسين أن يلحقه لحقه -
ثم مضى يحيى بن عمر فى شرقىّ السِّيب والحسين فى غربيه، حتى صار إلى أحمد أباذ
فعبر إلى ناحية سُورا ، وجعل الجند لا يلحقون ضعيفاً عجز عن اللحاق
بيحيى إلا أخذوه ، وأوقعوا بمن صار إلى يحيى بن عمر من أهل تلك القرى .
١٥١٩/٣
وكان أحمد بن الفرج المعروف بابن الفزارىّ يتولى معونة السِّيب لمحمد
ابن عبد الله، فحمل ما اجتمع عنده (١) من حاصل السَّيب قبل دخول يحيى بن
عمر أحمد أباذ، فلم يظفر به .
ومضى يحيى بن عمر نحو الكوفة ، فلقيّه عبد الرحمن بن الخطاب وَجْهُ
الفَلْس ، فقاتله بقرب جسر الكوفة قتالاً شديداً ، فانهزم عبد الرحمن بن
الخطاب ، وانحاز إلى ناحية شاهى ، ووافاه الحسين بن إسماعيل ، فعسكر بها،
ودخل يحيى بن عمر الكوفة ، واجتمعت إليه الزيديّة ، ودعا إلى الرضا من
آل محمد وكثُفَ أمره، واجتمعت إليه جماعة من الناس وأحبّوه ، وتولاه
العامة من أهل بغداد - ولا يُعلم أنهم تولوا من أهل بيته غيره -وبايعه بالكوفة
جماعة لهم بصائر وتدبير فى تشيّعهم ؛ ودخل فيهم أخلاط لا ديانة لهم .
وأقام الحسين بن إسماعيل بشاهى ، واستراح وأراح أصحابه دوابّهم ،
ورجعت إليهم أنفسهم، وشربوا العذب من ماء الفُرات؛ واتصلت بهم الأمداد
والميرة والأموال . وأقام يحيى بن عمر بالكوفة يعدّ العدد ، ويطبع السيوف،
ويعرض الرجال ، ويجمع السلاح.
١٥٢٠/٣
وإن جماعة من الزيديّة ممّن لا علم له (٢) بالحرب، أشاروا على يحيى بمعاجلة
الحسين، وألحّت عليه عوامّ أصحابه بمثل ذلك، فزحف إليه من ظهر الكوفة
من وراء الخندق ليلة الاثنين لثلاث عشرة خلت من رجب، ومعه الهيضَ العجلىّ،
فى فرسان من بنى عيجْل وأناس من بنى أسد ورجالة من أهل الكوفة ليسوا
بذوى علْ ولا تدبير ولا شجاءة، فأسْرَوْا ليلتهم ؛ ثم صبّحوا حسيناً
وأصحابَه وأصحابُ حسين مستر يحون ومستعدّ ون- فثاروا إليهم (٣) فى الغَلَس
(١) ف: ((إليه)).
(٣) ف: ((عليهم)).
(٢) ف. ((لهم)).

٢٦٩
سنة ٢٥٠
فرموا ساعة ، ثم حمل عليهم أصحاب الحسين فانهزموا، ووُضع فيهم السيف؛
فكان أوّل أسير الهيضم بن العلاء بن جمهور العجلىّ، فانهزم رجّالةُ أهل
الكوفة ، وأكثرهم عُزْل بغير سلاح، ضَعْفى (١) القوى ، خلقان الثياب ؛
فداستهم الخیل، وانكشف العسکر عن یحی بنعمر ، وعلیہ جوشن تُستیّ ، وقد
تقطّر به البرذون الذى أخذه من عبد الله بن محمود ، فوقف عليه ابنٌ لخالد بن
عمران يقال له خير ؛ فلم يعرفه، وظّن أنه رجل من أهل خراسان؛ لمّا رأى عليه
الجوشن . ووقف عليه أيضًا أبو الغور بن خالد بن عمران، فقال لخير بن
خالد : يا أخى ، هذا والله أبو الحسين قد انفرج قلبُه ؛ وهو نازل لا يعرف
القصّة لانفراج قلبه، فأمر خير رجلاً من أصحابه المواصلين (٢) من العرفاء ١٥٢١/٣
يقال له ◌ُحسين بن المنتاب، فنزل إليه فذَتحتَه، وأخذ رأسه وجعله فى
قَوْصرة(٣)، ووجّهه مع عمر بن الخطاب، أخى عبد الرحمن بن الخطاب إلى
محمد بن عبد الله بن طاهر.
وادّعى قتلَه غير واحد ، فذكر عن العرس بن عراهم أنهم وجدوه باركاً،
ووجدوا خاتمه مع رجل يعرف بالعسقلانىّ مع سيفه ، وادّعى أنه طعنه وسلَبه ،
وادّعى سعد الضِّبابىّ أنه قتله .
وذكر عن أبى الحسين خال أبى السناء أنه طعن فى الغَّس رجلا فى ظهره
لا يعرفه، فأصابوا فى ظهر أبى الحسين طعنة ولا يُدْرَى مَنْ قتله، لكثرة من
ادّعاه، وورد الرأس دار محمد بن عبد الله بن طاهر، وقد تغبّر، فطلبوا مَنْ
يقوّر ذلك اللحم، ويخرج الحدقة والغَلْصمة(٤)، فلم يوجد ، وهرب
الجزّارون، وطُلب ممن فى السجن من الخرّمية الذبّاحين من يفعل ذلك فلم يقدم
عليه أحد ، إلا رجل من عمال السجن الجديد ، يقال له سهل بن الصغدىّ ،
فإنه تولى إخراج دماغه وعينيه وقوّره بيديه ، وحُشِى بالصبر والمسك والكافور
بعد أن غسل وصُيِّر فى القطن . وذكر أنهم رأوا بجنبيه ضربة بالسيف منكرة .
١٥٢٢/٣
(١) ف: ((ضعاف)).
(٢) س: (( الموصليين)).
(٣) القوصرة، بالتخفيف - والتشديد: وعاء للتمر.
(٤) الغلصمة : اللحم بين الرأس والعنق.

٢٧٠
سنة ٢٥٠
ثم إنّ محمد بن عبد الله بن طاهر أمر بحمل رأسه إلى المستعين من غد
اليوم الذى وافاه فيه، وكتب إليه بالفتح بيده ، ونصب رأسه بباب العامة
بسامُرًا، واجتمع الناس لذلك، وكثروا وتذمَّرُوا، وتولَّى إبراهيم الديرج
نَصْبَه؛ لأن إبراهيم بن إسحاق خليفة محمد بن عبد الله أمَرَه فنصبه لحظة ،
ثم حُطّ، ورد" إلى بغداد لينصب بها بباب الجسر؛ فلم يتهيّأ ذلك لمحمد بن
عبد الله لكثرة من اجتمع من الناس. وذُكر لمحمد بن عبد اللّه أنهم على أخذه
اجتمعوا، فلم ينصبه، وجعله فى صندوق فى بيت السلاح فى داره، ووجته الحسین
ابن إسماعيل بالأسرى ورءوس مَنْ قتل معه مع رجل يقال له أحمد بن
عصمويه ، ممّن كان مع إسحاق بن إبراهيم ، فكدّ هم وأجاعهم وأساء بهم ؛
فأمر بهم فحبسوا فى سجن الجدید ، و کتب فيهم محمد بن عبد الله يسأل
الصفح عنهم ، فأمر بتخليتهم ، وأن تدفن الرءوس ولا تُنصب ، فدفنت فى
قصر بباب الذهب .
و ◌ُذُكِرٍ عن بعض الطاهريقين أنه حضر مجلس محمد بن عبد اللّه وهو
يُهنّأ بمقتل يحيى بن عمرو بالفتح وجماعة من الهاشميين والطالبيين وغيرهم
حضور ؛ فدخل عليه داود بن القاسم (١) أبو هاشم الجعفرىّ فيمن دخل ،
فسمعهم يهنئونه ، فقال : أيها الأمير ؛ إنك لتُهنّأ بقتل رجل لو كان رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيًّا لَعُزِّىَ به! فما ردّ عليه محمد بن عبد الله شيئًا،
فخرج أبو هاشم الجعفرىّ ، وهو يقول :
١٥٢٣/٣
إِن لحمَ النّبِىِّ غيرُ مَرَىِّ
يا بَنِى طاهرٍ كُلُوهُ وَبِيًّا
لَوِتْرُ نجاحُهُ بِالحَرِىِّ
إِنَّ وِتراً يكونُ طالِبَهُ الا
وكان المستعين قد وجه كلباتكين مددًا للحسين ومستظهرًا به ، فلحق
حسيناً بعد ما هُزم القوم وقتل يحيى بن عمر ، فمضى ومعهم صاحب بريد
الكوفة فلقى جماعة ممّن كان مع يحيى بن عمر ، ومعهم أسوقة وأطعمة يريدون
عسكر يحيى ؛ فوضع فيهم السَّيْف فقتلهم ، ودخل الكوفة ؛ فأراد أن
(١) ط: ((الهيثم))، صوابه من ا.

٢٧١
سنة ٢٥٠
ينهبها ويضعَ السيف فى أهلها ، فمنعه الحسين، وآمن الأسود والأبيض بها ؛
وأقام أياماً ثم انصرف عنها .
[ ذكر خبر خروج الحسن بن زيد العلوىّ ]
وفى هذه السنة كان خروج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن
ابن زيد بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب فى شهر رمضان منها .
ذكر الخبر عن سبب خروجه:
٠
حدّثنى جماعة من أهل طَبرِستان وغيرهم؛ أنّ سبب ذلك كانَ أنّ ١٥٢٤/٣
محمد بن عبد الله بن طاهر لمّا جرى على يده ما جرى من قّتْل يحيى بن عمر،
ودخول أصحابه وجيشه الكوفةَ بعد فراغهم من قنَتْل يحيى، أقطعه المستعين
من صوافى السلطان بطبرستان قطائعَ ؛ وأن من تلك القطائع التى أقطعها قطيعة
فيما قرب من ثتَغْرَىْ طبرستان مما يلى الدَّيْلَم؛ وهما كلار وسالوس ، كان
بحذائها (١) أرض لأهثل تلك الناحية فيها مرافق، منها مُحْتَطبهم ومراعى مواشيهم
ومسرح سارحتهم ؛ وليس لأحد عليها مُلْك؛ وإنما هى صحراء من موتان (٢)
الأرض ؛ غير أنها ذات غياض وأشجار وكلا .
فوجّه - فيما ذكرلى - محمد بن عبد اللّه بن طاهر أخًا لكاتبه بشر بن
هارون النصرانىّ يقال له جابر بن هارون ، لحيازة ما أقطع هنالك من الأرض ،
وعامل طبرستان يومئذ سليمان بن عبد الله خليفة محمد بن طاهر بن عبد الله بن
طاهر ، أخو محمد بن عبد الله بن طاهر، والمستولى على سليمان ، والغالب على
أمره محمد بن أوس البلخى؛ وقد فرق محمد بن أوس ولده فى مدن طبرستان ،
وجعلهم ولاتها، وضمّ إلى كلّ واحد منهم مدينة منها؛ وهم أحداث سُفَهَاء ؛
قد تأذّى بهم وبسفههم مَنْ تحت أيديهم من الرعيّة(٣) واستنكروا منهم ومن ١٥٢٥/٣
و
والدهم ومن سليمان بن عبد اللّه سفتَههم وسيدَرَهم فيهم ، وغلظ عليهم سوء
(١) !: ((كادها)).
(٢) الموتان من الأرض: التى لم تحى بعد .
(٣) كذا فى ا، ف، وفى ط: ((والرعية)).

٢٧٢
سنة ٢٥٠
أثرهم فيهم ؛ بقِصَص يطول الكتاب بشرح أكثرها .
١٥٢٦/٣
ووَتَرمع ذلك - فيما ذُكرلى - محمد بن أوس الديلم بدخوله إلى ما قرب من
بلادهم من حدود طَبَرستان ؛ وهم أهل سيلم وموادعة لأهل طَبرستان على
اغترار من الدّيلم بما يلتمس بدخوله إليهم بغارة، فستّ منهم وقتل، ثم انكفأ
راجعًا إلى طبرستان، فكان ذلك مما زاد أهل طبرستان عليه حَنَقا وغيظًا ،
فلما صار رسول محمد بن عبد الله - وهو جابر بن هارون النصرانى - إلی طبرستان
لحيازة ما أقطعه هنالك محمد، عمد - فيما قيل لى - جابر بن هارون إلى ما أقطع
محمد بن عبد الله من صَوا فى السلطان فحازه ، وحازما اتتصل به من موات
الأرض التى يسَرْتفيق بها أهلُ تلك الناحية - فيما ذُكر - فكان فيما رام حيازته
من ذلك المواتُ الذى بقرب من الثغريْن اللذّين يسمى أحدهما كلار(١) والآخر
سالوس ؛ وكان فى تلك الناحية يومئذ رجلان معروفان بالبأس والشجاعة (٢)،
وكانا مذكورين قديمًا بضبط تلك الناحية ممن رامها(٣) من الدَّيْلم، وبإطعام
الناس بها وبالإفضال عن مَنْ ضوى (٤) إليهما؛ يقال لأحدهما محمد وللآخر
جعفر ؛ وهما ابنا رستم أخوان ؛ فأنكرا ما فعل جابر بن هارون من حيازته
الموَات الذى وصفت أمره، ومانعاه ذلك
وكان ابنا رستم فى تلك الناحية مُطاعيْن فاستنهضا ممَنْ أطاعهما ممّن فى
ناحيتهما لمنع جابر بن هارون من حيازة ما رام حيازته من الموات الذى هو
مسرْفق لأهل تلك الناحية -فیما ذُ كر - وغیر داخل فيما أقطعته صاحبهمحمد بن
عبد الله، فنهضوا معهما، وهرب جابر بن هارون خوفًا على نفسه منهما وممن
قد نهض معهما، لإنكار ما رام جابر النصرانى فعلته . فلحق بسليمان بن عبد الله
ابن طاهر، وأيقن محمد وجعفر ابنا رستم ومَنْ نهض معهما فى منع جابرعما حاول
من حيازة ما حاول حيازته من الموات الذى ذكرتُ بالشرّ، وذلك أن عامل طبرستان
كلّها سليمان بن عبد اللّه؛ وهو أخو محمد بن عبد الله بن طاهر وعمّ محمد
ابن طاهر بن عبد الله عامل المستعين على خُراسان وطبرستان والرّىّ والمشرق
کله يومئذ .
(١) !: ((كلان)).
(٣) ف: ((يرومها)).
(٢) بعدها فى ف: ((والنجدة)).
(٤) ف: ((أنضوى)).

١٠٠
٢٧٣
سنة ٢٥٠
فلما أيقن القوم بذلك، راسلوا جيرانهم من الدّيْكم، وذكَّروهم وفاءهم
لهم بالعهد الذى بينهم وبينهم ، وما ركبهم به محمد بن أوس من الغدر والقتل
والسبتى، وأنهم لا يأمنون(١) من ركوبه إياهم يمثل الذى ركبهم به، ويسألونهم ١٥٢٧/٣
مظاهرتهم عليه وعلى مَنْ معه؛ فأعلمهم الديلم أنّ ما يلى أرضهم من جميع
نواحيها من الأرضين والبلاد؛ إنما عمّلُها إمّا عمال لطاهر؛ وإمّا عمال مَنْ
يتّخذ (٢) آل طاهر إن احتاجُوا إلى إنجادهم؛ وإن ما سألوا من معاونتهم
لا سبيل لهم إليه إلا بزوال الخوْف عنهم من أن يُؤَوا من قبل ظهورهم
إذا هم اشتغلوا بحرْب من بين أيديهم من عمال سليمان بن عبد الله ؛ فأعلمهم
الذّين سألوهم المظاهرة على حَرْب سليمان وعماله أنهم لا يغفلون عن كفايتهم
ذلك ؛ حتى يأمنوا مما خافوا منه . فأجابهم الدّيْلم إلى ما سألوهم من ذلك ،
وتعاقدوا هم وأهل كلار وسالوس على معاونة بعضهم بعضاً على حَرْب سليمان
ابن عبد الله وابن أوس وغيرهم ممن قصدهم بحرب .
ثم أرسل ابنا رستم محمد وجعفر - فيما ذكر - إلى رجل من الطالبيّين
المقيمين كانوا يومئذ بطبرستان، يقال له محمد بن إبراهيم، يدعونه إلى البَيْعة
له، فأبى وامتنع عليهم، وقال لهم: لكنى أدلتكُم على رجل منا هو (٣) أقوم بما
دعوتموه إليه منّى، فقالوا: مَنْ هو؟ فأخبرهم أنه الحسن بن زيد، ودلَّهم
على منزله ومسكنه بالرّىّ. فوجّه القومُ إلى الرّىّ عن رسالة محمد بن إبراهيم
العلوىّ إليه مَعَنْ يدعوه إلى الشخوص معه إلى طبرستان ؛ فشخص معه إليها ،
فوافاهم الحسن بن زيد، وقد صارت كلمة الديلم وأهل كلاروسالوس ورُويان
على بيعتِه وقتال سليمان بن عبد الله واحدةً ؛ فلما وافاهم الحسن بن زيد بايع
له ابنارستم ، وجماعة أهل الثغور ورؤساء الديلم: كجايا ولا شام ووَهْسُودان بن
جستان، ومِنْ أهل رويان عبد الله بن وَنْدَامید - وكان عندهم من أهل التأله
والتعبّد - ثم ناهضوا من فى تلك النواحى من عمال ابن أوس فطردوهم عنها ،
فلحقوا بابن أوس وسليمان بن عبد الله؛ وهما بمدينة سارية، وانضم إلى الحسن
ابن زيد مع من بایعه من أهل النواحی التی ذکرت ؛ لما بلغهم ظهوره بها
١٥٢٨/٣
(١) س: ((ولا يأمنون)). (٢) كذا فى ا، وفى ط: ((ينجد)) (٣) س: ((وهو)).

٢٧٤
١٥٢٩/٣
سنة ٢٥٠
«وزيّة جبال طبرستان كما صْمُغّان وفادُسْبان وليث بن قباذ، ومن أهل
السفح خشكجستان بن إبراهيم بن الخليل بن ونداسفجان ، خلا ما كان من
سکان جبل فريم؛ فإن رئیسهم کان یومئذ والمتملك علیهم قارن بن شهريار؛
فإنه كان ممتنعًا بجبله وأصحابه ، فلم ینقَدْ للحسن بن زيد ولا من معه حتى
مات ميتة نفسه، مع موادعة كانت بينهما فى بعض الأحوال، ومخاتنة (١) ومصاهرة
كفّاً من قارن بذلك من فعله عادية الحسن بن زيد ومن معه.
١٥٣٠/٣
ثم زحف الحسن بن زيد وقُواده من أهل النواحى التى ذكرت نحو مدينة
آمُل؛ وهى أول مدن طبرستان مما يلى كلار وسالوس من السفْح - وأقبل ابن
أوس من سارية إليها يريد دفعته عنها، فالتفى جيشاهما فى بعض نواحى آمُل ،
ونشبت الحرب بينهم . وخالف الحسن بن زيد وجماعة ممن معه من أصحابه
موضع معركة القوم إلى ناحية أخرى، فدخلوها . فاتصل الخبر بدخوله مدينة
آمل بابن أوس ؛ وهو مشتغل بحرب مَنْ هو فى وجهه من رجال الحسن بن
زيد ؛ فلم يكن له هم إلا النّجاء بنفسه واللحاق بسليمان بسارية ؛ فلما دخل
الحسن بن زيد آمُل كَشُف جيشه، وغلظ أمره، وانقضّ إليه كلّ طالب
نهبٍ ومُريد فتنة من الصعاليك والحوزية وغيرهم ؛ فأقام - فيما حُدّثت -
الحسن بن زيد بآمُل أيامًا ؛ حتى جبى الخراج من أهلها، واستعدّ . ثم نهض
بمن معه نحو سارية مريداً سليمان بن عبد الله، فخرج سليمان وابن أوس بمَنْ
معهما من جيوشهما ؛ فالتفى الفريقان خارج مدينة سارية ، ونشبت الحرب
بينهم، فخالف الوجه الذى التفى فيه الجيشان بعضُ قواد الحسن بن زيد إلى
وجه آخر من وجوه سارية ، فدخلها برجاله وأصحابه ، فانتهى الخبر (٢) إلى
سلمان بن عبد اللّه ومَنْ معه من الجند؛ فلم يكن لهم هتَمَّ غير النجاة بأنفسهم.
ولقد حدثنى جماعة من أهل تلك الناحية وغيرها ، أنّ سليمان بن عبد الله
هَرَب وترك أهله وعياله وثَقَله وكلّ ما كان له بسارية من مال وأثاث وغير
ذلك بغير مانع ولا دافع ؛ فلم يكن له ناهية دون جُرجان . وغلب على ما كان
له ولغيره بها من جُنده الحسن بن زيد وأصحابه .
(١) كذا فی ا، وفى ط: (( ومحابية )»
(٢) بعدها فى ا، ف: ((بذلك)).

٢٧٥
سنة ٢٥٠
فاما عيال سليمان وأهله وأثاثه فإنه بلغنى أن الحسن بن زيد أمر لهم بمركب
حملهم فيه حتى ألحقهم بسليمان وهو بجرجان ، وأمّا ما كان لأصحابه فإن منْ
كان مع الحسن بن زيد من التَّبَع انتهبه، فاجتمع للحسن بن زيد بلحاق
سليمان بن عبد اللّه بجُرجان إِمْرة طبرستان كلها .
١٥٣١/٣
فلما اجتمعت للحسن بن زيد طَبرِستان ، وأخرج عنها سليمان
ابن عبد اللّه وأصحابه وجبه إلى الرّىّ خيلاً مع رجل من أهل بيته، يقال
له الحسن بن زيد، فصار إليها، فطرد عنها عاملها من قِبَل الطاهرية ، فلما
دخل الموجّه به من قيبكل الطالبيّين الرىّ هرب منها عاملُها، فاستخلف بها رجلا
من الطالبيين يقال له محمد بن جعفر ، وانصرف عنها ، فاجتمعت للحسن بن
زيد مع طبرستان الرّى إلى حدّ همذان، وورد الخبر بذلك على المستعين، ومدبر
أمره يومئذ وصیف الترکی ،وکاتبه أحمد بن صالح بن شیرزاد ، وإليه خاتم
المستعين ووزارته . فوجّه إسماعيل بن فَرَّاشة فى جمع إلى همذان، وأمره بالمقام
بها وضبطها إلى أن يتجاوز إليها خيل الحسن بن زيد؛ وذلك أنّ ما وراء عمل
همذان كان إلى محمد بن طاهر بن عبد الله بنطاهر، وبه عماله، وعليه صلاحه.
فلما استقرّ بمحمد بن جعفر الطالبيّ القرار بالرّىّ ظهرت منه - فيما ذكر-
أمور كرهها أهل الرّىّ، فوجه محمد بن طاهر بن عبد الله قائداً له من قبله ،
يقال له محمد بن ميكال ــ وهو أخو الشاه بن ميكال - فى جَمْع من الخيل
والرّجالة إلى الرّىّ، فالتقى هو ومحمد بن جعفر الطالبيّ خارج الرّىّ؛ فذُكر
أن محمد بن ميكال أسر محمد بن جعفر الطالبيّ، وفضّ جيشه، ودخل الرّىّ،
فأقام بها ،ودعا بها للسلطان ؛ فلم يتطاول بها مكثُه حتى وجّه الحسن بن زيد
إليه خيلا، عليها قائد له من أهل اللازر ، يقال له واجن . فلما صارواجن إلى
الرّىّ خرج إليه محمد بن ميكال ، فاقتتلا، فهزم واجن وأصحابه محمد بن
ميكال وجيشه ، والتجأ محمد بن ميكال إلى مدينة الرّىّ معتصماً بها ، فاتّبعه
واجن وأصحابه حتى قتلوه ، وصارت الرّىّ إلى أصحاب الحسن بن زيد .
فلمّا كان يوم عرفة من هذه السنة بعد مقتل محمد بن ميكال، ظهر بالرّىّ
أحمد بن عيسى بن علىّ بن حسين الصغير بن علىّ بن حسين بن على بن
١٥٣٢/٣

٢٧٦
سنة ٢٥٠
أبى طالب رضى الله عنه وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله
ابن حسن بن حسن بن علىّ بن أبى طالب ؛ فصلّى أحمد بن عيسى بأهل
الرّىّ صلاة(١) العيد، ودعا الرضا من آل محمد ؛ فحار به محمد بن علىّ بن
طاهر، فهزمه أحمد بن عيسى، فصار إلى قزوين .
٠
وفى هذه السنة غضب على جعفر بن عبد الواحد ، لأنه كان بعث إلى
الشاكريّة ، فرعم وصيف أنه أفسدهم ، فنُفى إلى البصرة لسبع بقين من شهر
ربيع الأول .
وفيها أسقطت مرتبة مَنْ كانت له مرتبة فى دار العامة من بنى أمية، کابن
أبى الشوارب والعثمانيين.
وأخرج فى هذه السنة من الحبس الحسنُ بن الأفشين.
وأجلِس فيها العباسُ بن أحمد بن محمد، فعقد لجعفر بن الفضل بن عيسى
ابن موسى المعروف ببشاشات على مكة فى جمادى الأولى .
وفيها وثب أهل حِمْص وقومٌ من كلب ـ عليهم رجل يقال له عُطَيف
ابن نعمة الكلىّ- بالفَضْل بن قارن أخى مازيار بن قارن ؛ وهو يومئذ عامل
السلطان على حِمْص ، فقتلوه فى رجعَب ؛ فوجّه المستعين إليهم موسى بن بُغا
الكبير ، فشخص موسى من سامُرًا يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ
من شهر رمضان؛ فلمّا قرب موسى تلقّه أهلُها فيما بينها وبين الرَّستَن، فحار بهم
فهزمهم؛ وافتتح حمص وقتل مينْ أهلها مقتلة عظيمة، وأحرقها وأسر (٢)
جماعة من رؤساء أهلها ، وكان عطیف، قد لحق باليدو.
١٥٣٤/٣
وفيها مات جعفر بن أحمد بن عمّار القاضى يوم الأحد لسبع بقين من
شهر رمضان .
وفيها مات أحمد بن عبد الكريم الجوارى والتيمىّ قاضى البصرة.
وفيها ولى أحمد بن الوزير قضاء سامرًا .
(١) ف: ((صلوات)).
(٢) بعدها فى ف: ((من أهلها)).
١٥٣٣/٣

٢٧٧
سنة ٢٥٠
وفيها وثبت الشاكريّة والجُنْد بفارس بعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم ،
فانتهبوا منزله ، وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن، وهرب عبد الله بن إسحاق .
وفيها وجّه محمد بن طاهر من خُراسان بفيليْن كان وُجُّه بهما إليه من
كابُل وأصنام وفوائح .
وغزا الصائفة فيها بلكاجُور .
وحجّ بالناس فى هذه السنة جَعْفر بن الفضل بشاشات وهو وإلى مكة .

٢٧٨
٠
١٥٣٥/٣
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
٠ ٠
[ ذكر خبر قتل باغر التركىّ ]
فممّا كان فيها من ذلك قتل وصيف وبُغا الصغير باغر التركىّ واضطراب
أمر الموالى .
ذكر الخبر عن سبب قتلهما باغر :
◌ُذكر أنّ سبب ذلك كان أن باغر كان أحد قتلَة المتوكل ، فزِيد لذلك
فى أرزاقه، وأقطع قطائع؛ فكان مما أقطيع ضياع بسواد الكوفة، فتضمن تلك
الضياع التى أقطعها باغرُ هنالك مینکاتب کان لباغر یھودیّ - رجل مندهاقین
بارُوسما ونهر الملك - بألفىْ دينار فى السنة، فِعدا رجل بتلك(١) الناحية، يقال
له ابن مارِمة علی وکیل لباغر هنالك ، فتناوله أو دس إليه منْ تناوله ،
فحُبس ابن مارّمة ، وقُيِّد ، ثم عمل حتى تخلص من الحبس ، فصار إلى
سامُرًا؛ فلفى دُلَيْل بن يعقوب النصرانىّ وهو يومئذ كاتب بُغا الشرابىّ وصاحب
أمره، واليه أمر العسكر، يركبُ إليه القوّاد والعمال؛ لمكانه من بُغا . وكان
ابن مارِّة صديقًا لدُليل ، وكان باغر أحد قُوّاد بُغا ، فتع دليل باغر
من ظلم أحمد بن مارمة ؛ وانتصف له منه ، فأوغر ذلك من فعله بصدر (٢)
باغر ، وبايَنَ كلّ واحد من دليل وباغر صاحبَه بذلك السبب ، وباغر
شجاع بطل معروف القَدْر فى الأتراك ، يتوقّاه بُغا وغيره ، ويخافون شرّه.
١٥٣٦/٣
فذكر أنّ باغر جاء يوم الثلاثاء لأربع بقين من ذى الحجة سنة خمسين
ومائتين إلى بُغا ، وبُغا فى الحمام ، وباغر سكران شديد السكر ، وانتظره
حتى خرج من الحمام ، ثم دخل عليه ، فقال له: والله ما من قتل دليل بُدُّ
(١) ف: ((من تلك)).
(٢) ف: ((صدر باغر)).

٢٧٩
سنة ٢٥١
ثم سبه ، فقال له بغا : لو أردتَ قتل ابنی فارس ما منعتك، فکیف دلیل
النصرانىّ! ولكنّ أمرى وأمر الخلافة فى يديْه فتنتظر (١) حتى أصيِّر مكانه
إنسانًا، وشأنَّك به . ثم وجه بُغا إلى دليل يأمره ألاّ يركب؛ وقيل: بل تلقاه
طبيب لبُغا، يقال له ابن سرجويه ، فأخبره بالقصة،فرجع إلى منزله، فاستخفى،
وبعث بُغا إلى محمد بن یحیی بن فيروز ، وكان ابن فیروز یکتب له قبل
ذلك، فجعله مكان دليل، فيوهم باغر أنه قد عزل دليلا؛ فسكن باغر ، ثم
أصلح بُغا بين دليل وباغر، وباغريتهدّد دليلا بالقَتْل إذا خلا بأصحابه،
ثم تلطّف باغر للمستعين ، ولزم الخدمة فى الدار ، وكره المستعين مكانته ؛
فلما كان يوم نوبة بُغا فى منزله قال المستعين: أيّ شيء كان إلى إيتاخ
من الأعمال ؟ فأخبره وصيف، فقال : ينبغى أن تصيّروا هذه الأعمال إلى
أبى محمد باغر ، فقال وصيف: نعم، وبلغت القصة دليلا(٢)، فركب إلى
بُغا فقال له: أنت فى بيتك؛ وهم فى تدبير عزلك عن كلّ أعمالك؛ فإذا ١٥٣٧/٣
عُزلت فما بقاؤك إلاّ أن يقتلوك! فركب بُغا إلى دار الخلافة فى اليوم الذى
نَوْبته فى منزله بالعشىّ، فقال لوصيف: أردتَ أن تُزِيلنى عن مرتبتى ،
وتجىء بباغر فتصيّره مكانى ؛ وإنما باغر عبدٌ من عبيدى ورجل من أصحابى،
فقال له وصيف: ما علمتُ ما أراد الخليفة من ذلك . فتعاقد وصيف وبُغا على
تنْحِية باغر من الدار والاحتيال له، وأرجفوا له أنه يؤمّر ويضَمّ إليه جيش
سوى جيشه؛ ويُخْلَعَ عليه، ويُجلّس فى الدار مجلس بُنا ووصيف - وهما
يسمَّيان الأميرين - ودافعوه بذلك . وإنما كان المستعين تقرّب إليه بذلك
ليأمن ناحيته ، فأحسَّ هو ومن فى ناحيته بالشرّ ، فجمع إليه الجماعة الذين
كانوا بايعوه على قتل المتوكل أو بعضها مع غيرهم ؛ فلمّاً جمعهم ناظرهم ووكّد
البيعة عليهم كما وكّدها فى قتل المتوكل ، فقالوا : نحن على بيعتنا ، فقال :
الزموا الدّارحتى نقتل المستعين وبُنا ووصيفًا، ونجىء بعلىّ بن المعتصم أو بابن
الواثق ، فنُقعده خليفة حتى يكون(٣) الأمر لنا، كما هو لهذين اللذين قد
(١) ا، ف: ((فتصبر)).
(٣) ف: ((ليكون)).
(٢) ف: ((إلى دليل)).

٢٨٠
سنة ٢٥١
استوليا(١ على أمر الدنيا١)، وبقينا نحن فى غير شىء ؛ فأجابوه إلى ذلك ،
وانتهى الخبر إلى المستعين. فبعث (٢) إلى بُغا ووصيف؛ وذلك يوم الاثنين،
فقال لهما: ما طلبتُ إليكما أن تجعلانى خليفةً؛ وإنما جعلتانى وأصحابكما(٣)،
ثم تريدان أن تقتلانى! فحلفا له أنهما ١٠ علما بذلك ، فأعلمهما الخبر .
١٥٣٨/٣
وقيل : إنّ امرأة لباغر كانت مطلّقة منه، سعت إلى أمّ المستعين وإلى بُغا
بذلك، وبكر دليل إلى بُغا، وحضر وصيف إلى منزل بُغا ومع وصيف
أحمد بن صالح كاتبه ؛ فاتّفق رأيهم على أخذ باغر واثنين من الأتراك معه
وحبسهم حتى يروا رأيتَهم فيهم ، فأحضروا باغر ، فأقبل(٤) فى عِدّة حتى
دخل الدار إلى بُغا .
فذكر عن بشر بن سعيد المَرْتدىّ أنه قال : كنت حاضراً دخولته ،
فُنع من الوصول إلى بُنا ووصيف، وعُطِفٍ (٥) به إلى حمّام لبُغا، ودعِىَ له
بالقيود ؛ فامتنع عليهم ؛ فحبسوه فى الحمّام؛ وبلغ ذلك الأتراك فى الهارونىّ
والكرْخ والدّور، فوثبوا على إصطبل السلطان ، فأخذوا ما كان فيه من الدواب
فانتههوها وركبوها ، وحضروا الجوْسق بالسلاح؛ فلما أمسَوْا أمر وصيف
وبُغا رشيدَ بن سعاد أخت وصيف أن يقتل باغر، فأتاه فى عدّة؛ فشدَخُوه
بالطَّبر زينات حتى أسكنوه ؛ فلما علم المستعين باجتماعهم ، ركب ووصيف
وبُغا حَرّاقة(٦)، وصاروا إلى دار وصيف جميعًا، وتراكض الناس يومهم
- وهو يوم الثلاثاء وليلته - بالسلاح جائين وذاهبين ؛ فقال لهم وصيف :
ترفَّقُوا حتى تنظروا؛ فإن ثبتوا على المقاومة رمينا إليهم برأسه . فلما انتهى قتله
إلى الأتراك المشغّبة، أقاموا على ما هم عليه من الشَّغْسَب حتى علموا أنّ المستعين
وبُغا ووصيف قد انحدروا إلى بغداد ؛ وقد كان وصيف أعطى قومًا من
المغاربة فُرسانًا ورجّالة السلاح والرّماح، ووجّه بهم إلى هؤلاء المشغبة، وبعث
١٥٣٩/٣
(١-١) ف: ((علينا وعلى الأمر)).
(٢) ف: ((فأحضر بغا)).
(٤) بعدها فى ف: ((باغر)).
(٣) ف: ((خليفة)).
(٥) ا، ف: ((وعدل)).
(٦) فى القاموس: الحراقات: سفن: بالبصرة فيها مرامى نيران يرمى بها العدو .