النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سنة ٢٤٨ : الإسلام ، ويقتل ويسى الذرارىّ؛ فإذا غزوتَ وأردت الرّجعة انصرفت إلى باب أمير المؤمنين من فورك . وأمر جماعة من القوّاد وغيرهم بالخروج معه وانتخب له الرجال؛ فكان معه من الشاكريّة والجند والموالى زُهاء عشرة آلاف رجل ؛ فكان على مقدّمته فى بدأته مُزاحم بن خاقان ؛ أخو الفتح بن خاقان ؛ وعلى السَّاقة محمد بن رجاء، وعلى الميمنة السندى بن بختاشة، وعلى الدّرّاجة نصر بن سعيد المغربىّ؛ واستعمل على الناس والعسكر أبا عون خليفته؛ وكان على الشّرْطة بسامرًا . وكتب المنتصر عند إغزائه وصيفًا مولاه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر كتابًا نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله محمد المنتصر بالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين . سلام عليك ؛ فإن أميرَ المؤمنين يحمّد إليك الله الذى لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّىَ على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله . أما بعد: فإنّ اللّه وله الحمد على آلائه ، والشكر یجمیل بلائه ، اختار الإسلام وفضله، وأتمّه وأكمله، وجعله وسيلة إلى رضاه ومثوبته، وسبيلاً نَهْجًا إلى رحمته ، وسببًا إلى مذْخُور كرامته؛ فقهر له مَنْ خالفه، وأذلّ له من عَشَدَ عن حقه ، وابتغى غير سبيله، وخصَّه بأتمّ الشرائع وأكملها ، وأفضل الأحكام وأعدلِها؛ وبعث به خيرته مينْ خلقه وصفوته من عباده محمّداً صلى الله عليه وسلّم ، وجعل الجهاد أعظم فرائضه منزلةً عنده، وأعلاها رتبة لديه ، وأنجَحها وسيلة إليه؛ لأن الله عزّ وجلّ أعزّ دينّه، وأذلّ عُتاة الشرك، قال عزّ وجل آمراً بالجهاد، ومفترضاً له: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأُمْوَالِكِمْ وَأَنْفُسِكْمٍ فِى سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كِنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، وليست تمضى بالمجاهد فى سبيل الله حالٌ لا يكابد فى اللّه ذكَصَبًا ولا أذى، ولا ينفق نفقة ولا يقارع عدوًّا، ولا يقطع بلداً ، ولا يطأ أرضًا ؛ إلا وله بذلك أمر ١٤٨٢/٣ (١) سورة التوبة ٤١. ٢٤٢ سنة ٢٤٨ مكتوب ، وثواب جزيل ، وأجر مأمول، قال الله عز وجل: ﴿ذلِكَ بِأَنّهُمْ لا يُصيبُهُمْ ظَمَأُ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ الله وَلا يَطَعُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ ينالُونَ مِنْ عَدُوِّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلُ صَالِحُ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُون وَادِياً إِلَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾(١). ثم أثنى عزّ وجلّ بفضل منزلة المجاهدين على القاعدين عنده، وما وعدهم من جزائه ومثوبته ، وما لهم من الزّلفى عندِه، فقال: ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غيرُ أُولِ الضَّرَرِ والْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِم فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بَأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ على الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلَأَّ وَعَد اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيماً﴾(٢) فبالجهاد اشترى اللّه من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وجعل جنّته ثمناً لهم، ورضوانه جزاء لهم على بذلها ؛ وعْداً منه حقًّا لاريب فيه، وحكمًا عدلاً لاتبديل له، قال اللّهُ عز وجل: ﴿إِنَّ اللّه اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهم بِأَنَّ لهُمُ الجنَّة يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ الهِ: فَقْتُلُونَ وَيُهْتِلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى لتَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآنِ وَمَنْ أَوْ فَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْئِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣). وحكم اللّه عزّ وجلّ لإحياء المجاهدين بنصره ، والفوز برحمته ، وأشهد لموتاهم بالحياة الدائمة، والزلفى لديه ، والحظّ الجزيل من ثوابه ، فقال : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلوا فِى سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَخْيَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزُقُونَ * فرِحِينَ بمَا آتَاهُمُ اللهُمِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبِشِرُونَ بِالَّذِينَ لم يَلْحَقُوا (١) سورة التوبة ١٢١،١٢٠. (٢) سورة النساء ٩٥. (٣) سورة التوبة ١١١. ١٤٨٣/٣١ ٢٤٣ سنة ٢٤٨ بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(١). ١٤٨٤/٣ وليس من شىء يتقرَّب به المؤمنون إلى الله عزَّ وجلّ من أعمالهم، ويسعَوْن بِهِ فى حطّ أوزارهم، وفكاك رقابهم، ويستوجبون به الثوّاب من ربهم، إلاّ والجهاد عنده أعظم منه منزلة ، وأعلى لديه رتبة ، وأوْلَى بالفوز فى العاجلة والآجلة؛ لأنّ أهله بذلُوا لله أنفسَهم، لتكون كلمةُ اللّه هى العليا، وسمحوا بها دون مَنْ وراءهم من إخوانهم وحريم المسلمين وبَيْضتهم، ووقَمُوا بجهادهم العدوّ . وقد رأى أمير المؤمنين - لما يحبّه من التقرّب إلى اللّه بجهاد عدّوه، وقضاء حقه عليه فيما استحفظه من دينه ، والتماس الزَّلفَى له فى إعزاز أوليائه ، وإحلال البأس والنقمة بمن حاد عن دينه، وكذّب رسله ، وفارق طاعته ــ أن يُنهض وصيفًا مولى أمير المؤمنين فى هذا العام إلى بلاد أعداء الله الكفرة والرّوم، غازيًاً لما عرَّف اللّهُ أمير المؤمنين من طاعتِه ومناصحته ومحمود نقيبتِه(٢) وخُلُوص نيته، فى كلّ ما قرّبه من اللّه ومن خليفته. وقد رأى أمير المؤمنين - والله ولىّ معونته وتوفيقه - أن تكون موافاة وصيف فيمن أنهض أمير المؤمنين مَعه من مواليه وجنده وشاكرّيته ثغر محلطية لاثنتى عشرة ليلة تخلُو من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين ؛ وذلك من شهور العجم للنصف من حزيران ودخوله بلاد أعداء الله فى أوّل يوم من تمّوز ؛ فاعلم ذلك واكتب إلى عمّالك على نواحى عملك بنسخة كتاب أمير المؤمنين هذا؛ ومُرْهم بقراءته على مَنْ قِبَلهم من المسلمين وترغيبهم فى الجهاد، وحثّهم عليه واستنفارهم إليه، وتعريفهم ما جعل الله من الثَّواب لأهله، ليعمل ذووالنيات والحسْبة والرغبة فى الجهاد على حسب ذلك فى النهوض إلى عدوّهم والحُفوف إلى معاونة إخوانهم والذياد عن دينهم والرّمْ من وراء حَوْزتهم بموافاة عسكر وصيف مولى أمير المؤمنين مسَلَطية فى الوقت الذى حده أمير المؤمنين لهم إن شاء الله. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . ١٤٨٥/٣ وكتب أحمد بن الخصيب لسبع ليالٍ خلوْن من المحرم سنة ثمان وأربعين (١) سورة آل عمران ١٦٩، ١٧٠ . (٢) ط: ((تعبئته)). ٢٤٤ سنة ٢٤٨ ومائتين ؛ وصيّر على ما ذكر على نفقات عسكر وصيف والمغانم والمقاسم المعروف بأبى الوليد الجريرىّ التَجَلى. وكتب معه المنتصر كتاباً إلى وصيف يأمره بالمقام ببلاد الثغر إذا هو انصرف من غزاته أربع سنين ، يغزو فى أوقات الغزو منها إلى أن يأتيه رأى أمير المؤمنين . [ ذكر خبر خلع المعتزّ والمؤيد أنفسهما ] وفى هذه السنة خلع المعتزّ والمؤيّد أنفسهما ، وأظهر المنتصر خلْعهما فى القصر الجعفرىّ المحدث . . ذكر الخبر عن خلعهما أنفسهما : ذكر أن محمداً المنتصر بالله لمّا استقامت له الأمور، قال أحمد بن الخصيب لوصيف وبغا : إنا لا نأمن الحدثان ؛ وأن يموت أمير المؤمنين ، فيلىّ الأمرَ المعتزّ، فلا يُبقى منّا باقية، ويُبيد خضراءَنا؛ والرأى أن نعمل فى خَلْع هذين الغلامين قبل أن يظفرا بنا. فجدّ الأتراك فى ذلك، وألحّوا على المنتصر وقالوا: يا أميرَ المؤمنين؛ تخلعهما من الخلافة (١)، وتبايع لابنك عبد الوهاب ؛ فلم يزالوا به حتى فعل، ولم يزل مكرِمًا المعتزّ والمؤيد؛ على ميل منه شديد إلى المؤيد؛ فلمّا كان بعد أربعين يومًاً من ولايته؛ أمر بإحضار المعتز والمؤيد بعد انصرافهما من عنده ، فأحضرا وجُعلا فى دار، فقال المعتزّ للمؤيد: يا أخى، لمّ ترانا أحضرنا ؟ فقال : يا شقىّ، للخلْع ! فقال: لا أظنه يفعل بنا ذلك ؛ فبيناهم كذلك ؛ إذ جاءهم الرسل بالخلْع ، فقال المؤيد: السمع والطاعة، وقال المعتزّ: ما كنت لأفعل؛ فإن أردتم القتل فشأنكم، فرجعوا إليه، فأعلموه ثم عادوا بغلظة شديدة ، فأخذوا المعتزّ بعنف، وأدخلوه إلى بيت، وأغلقوا عليه الباب. فذُكر عن يعقوب بن السكيت ، أنه قال : حدثنى المؤيد ، قال : لما رأيتُ ذلك قلت لهم بجرأة واستطالة: ما هذا يا كلاب! فقد ضريتم على دمائنا، تثبون على مولاكم هذا الوثوب ! اعزبُوا قبحكم الله! دعونى أكلمه ؛ فكاعوا (١) ف: ((خلافته)). ١٤٨٦/٣ ٢٤٥ سنة ٢٤٨ عن جوابى بعد تسرّع كان منهم ، وأقاموا ساعة، ثم قالوا لى: القه إن ١٤٨٧/٣ أحببت (١)؛ فظننت أنهم استأمروا، فقمت إليه، فإذا هو فى البيت يبكى (٢)، فقلت : يا جاهل ؛ تراهم قد نالوا من أبيك - وهو هو - ما نالوا ، ثم تمتنع عليهم ! اخلع ويلك ولا تراجعْهم! (٣)؛ قال: سبحان الله! أمرٌ قد مضيت عليه ، وجرى فى الآفاق أخلعه من عنفى ! فقلت: هذا الأمرُ قتل أباك ، فلَيته لا يقتلك! اخلعه (٤) ويلك! فوالله لئن كان فى سابق علم اللّه أن تلبى ليتَلينّ. قال: أفعلُ. قال: فخرجت فقلت : قد أجاب ، فأعلموا أمير المؤمنين ، فمضوا ثم عادوا (٥) فجزونى خيراً، ودخل معهم كاتب قد سماه ، ومعه دواة وقرطاس ، فجلس، ثم أقبل على أبى عبد الله، فقال: اكتب بخطّك خلعك، فتلكّأ ، فقلت للكاتب : هات قرطاسًا ، أميللُ ما شئت(٦)، فأملى علىّ كتاباً إلى المنتصر، أعليِمُه فيه ضَعِفى عن هذا الأمر ؛ وأنى علمت أنه لا يحلّ أن أتقلده، وكرهت(٧) أن يأثم المتوكل بسبي إذلم أكن موضيعاً له، وأسأله الخلْع، وأعلمه أنى خلعت نفسى، وأحللت الناسَ ميِنْ بيعتى. فكتبت كلّ ما أراد ، ثم قلت: اكتب يا أبا عبد الله، فامتنع (٨)، فقلت: اكتب ويلك! فكتب وخرج الكاتب عنا، ثم دعانا (٩) فقلت : نجدّد ثيابنا أو نأتى فى هذه ؟ فقال: بل جدّدا ، فدعوت بثياب فلبستها ، وفعل أبو عبد اللّه كذلك ، وخرجنا فدخلنا ؛ وهو فى مجلسه ، والناس على مراتبهم ، فسلمنا فردُّوا ، وأمر بالجلوس، ثم قال : هذا كتابكما؟ فسكت المعتزّ ، فبدرت فقلت : نعم يا أمير المؤمنين! هذا كتابى بمسألتى ورغبتى ، وقلت للمعتزّ : تكلم ، فقال مثل ذلك ، ثم أقبل علينا والأتراكُ وقوفٌ، وقال: أتريانى (١٠) خلعتُكما طمعًا فى أن أعيش حتى يكبر ولدى وأبايع له ! والله ما طمعتُ فى ذلك ساعة قطّ ؛ وإذا لم يكن فى ذلك طمع ؛ فوالله لأنْ يليَها بنو أبى أحبُّ إلىّ من أن يليتها بنو عمى؛ ولكن ١٤٨٨/٣ (١) ف: ((شئت)). (٣) فى: ((تراجع)). (٥) ف: ((عاودونى)). (٧) ف: ((وخفت)). (٩) ف: ((دعا بنا)). (٢) س: ((متكى)). (٤) ف: اخلع)). (٦) ف: ((قرطاسك أمليك). (٨) بعدها فى ف: ((أن يكتب)). (١٠) س: ((أترانى)). ٢٤٦ سنة ٢٤٨ هؤلاء - وأما إلى سائر الموالى ممن هو قائم وقاعد - ألحُوا علىّ فى خلعكما، فخفت إن لم أفعل أن يعترضکما بعضُهم بحديدة ، فيأتى عليكما ، فما تريانى صانعاً ! أقتله ؟ فوالله ما تفى دماؤهم كلهم بدم بعضكم ؛ فكانت إجابتهم إلى ما سألوا أسهل علىّ. قال: فأكبّاً (١) عليه، فقبَلا (٢) يده، فضيمهما إليه، ثم انصرفا . - وذكر أنه لما كان يوم السبت السبع (٣) بقين من صفر سنة ثمان وأربعين ومائتين خلع المعتزّ والمؤيد أنفسهما ، وكتب كلّ واحد منها رُقعة بخطه أنه خلَع نفسه من البيعة التى بويع له ، وأنّ الناس فى حلّ من حلّها ونقضها؛ وأنهما يعجزان عن القيام بشىء منها ، ثم قاما بذلك على رءوس الناس والأتراك والوجوه والصحابة والقضاة ، وجعفر بن عبد الواحد قاضى القضاة ، والقوّادوبنى هاشم، وولاة الدّواوين والشيعة ووجوه الحرس ، ومحمد بن عبد الله بن طاهر ، ووصيف وبُّغا الكبير وبُغا الصغير، وجميع مَنْ حضر دار الخاصّة والعامة، ثم انصرف الناس بعد (٤) ذلك. ١٤٨٩/٣ والنسخة التى كتباها : . بسم الله الرحمن الرحيم: إنّ أميرَ المؤمنين المتوكل على الله رضى الله عنه قلّدنى هذا الأمر ، وبايع لى وأنا صغير ؛ من غير إرادتى ومحبّى ؛ فلما فهمت أمرى علمت أنى لا أقوم بما قدّدنى(٥)، ولا أصلح لخلافة المسلمين، فمن كانت بَيْعتِى فى عنقه فهو مِنْ نقضِها فى حلّ، وقد أحللتُكم منها، وأبرأتكم من أيمانكم؛ ولا عهد لى فى رقابكم (٦) ولا عقْد؛ وأنتم بُرآء من ذلك . وكان الذى قرأ الرقاع أحمدبن الخصيب . ثم قام كلُ واحد منهما قائمًا، فقال لمن حضر: هذه رقعتى وهذا قولى (٧)؛ فاشهدوا على"، وقد أبرأتكم من (١) ف: ((فكبا)). (٣) بعدها فى ف: ((ليال)). (٥) بعدها فى ف: ((من ذلك)). (٧) فى: ((خطى)). (٢) ف: ((يديه)). (٤) س : ((عند)). (٦) ف: ((عليكم)). ٢٤٧ سنة ٢٤٨ أيمانكم(١)، وحللتكُم منها، فقال لهما المنتصر عند ذلك: قد خار اللّه تكما وللمسلمين ، وقام فدخل . وكان قد قعد للناس ، وأقعدهما بالقرب منه، فكتب كتاباً إلى العمال بخلعهما وذلك فى صفر سنة ثمان وأربعين ومائتين . ٠ ٠ ٠ نسخة كتاب المنتصر بالله إلى أبى العباس محمد بن عبد الله ابن طاهر مولى أمير المؤمنين فى خلع أبى عبد الله المعتزّ وإبراهيم المؤيد من عبد الله محمد الإمام المنتصر بالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين؛ أما بعد؛ فإن الله وله الحمد على آلائه، والشكر بجميل (٢) بلائه ؛ جعل ولاة الأمر من خُلَفائه القائمين بما بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم والذّابين (٣) عن دينه، والدّاعين إلى حقه والممضين (٤) لأحكامه، وجعل ١٤٩٠/٣ ما اختصّهم به من كرامته قوامًا لعباده ، وصلاحًا لبلاده ، ورحمة غمر بها خلقه، وافترض طاعتهم ، ووصلها بطاعته وطاعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وأوجبها فى محكم تنزيله ؛ لما جمع فيها من سكون الدَّهماء ، واتّساق الأهواء، ولمّ الشعث، وأمْن السبُل، ووقْم(٥) العدّو، وحفظ الحريم، وسد" الثغور، وانتظام الأمور، فقالٍ: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِ الْأَمْر مِنْكم﴾ (٦)، فمن الحقّ على خلفاء الله الذين حباهم بعظيم نعمته، واختصّهم بأعلى رتب كرامته، واستحفظهم فيما جعله وسيلة إلى رحمته، وسبباً لرضاه ومثو بته، لأن يؤثروا طاعته فى كلّ حال تصرّفتْ بهم ، ويقيموا حقه فى أنفسهم والأقرب فالأقرب منهم ؛ وأن يكون محلّهم من الاجتهاد فى كلّ ما قرب من الله (٧) عز وجل حسب (٨) موقعهم من الدّين وولاية أمر المسلمين. وأميرُ المؤمنين يسأل الله مسألةً رغبة إليه، وتذللا لعظمته، أن يتولاً، فيما استرعاه ولايةَ يجمع له بها صلاح ما قلّده، ويحمل عنه أعباء ما حمَّله، ويعينه بتوفيقه (١) س: ((إيمانى)) (٣) ف: ((والذائدين)» (٥) ف: ((وقمع)). (٧) ف: ((إلى الله)) .. ٨ (٢) ف: ((على جميل)). (٤) ف: ((والمتبعين)). (٦) سورة النساء ٥٩. (٨) ف: ((على حسب)). ٢٤٨ سنة ٢٤٨ على طاعته ؛ إنه سميع قريب . ١٤٩١/٣ وقد علمتَ ما حضرتَ من رفْع أبى عبد الله وإبراهيم ابنى أمير المؤمنين المتوكّل على الله رضى الله عنه إلى أمير المؤمنين رقعتيْن بخطوطهما؛ يذكران فيهما ما عرّفهما الله من عَطْف أمير المؤمنين عليهما ، ورأفته بهما ، وجمیل نظره لهما(١)؛ وما كان أمير المؤمنين المتوكل على الله عقده لأبى عبد الله من ولاية عهد أمير المؤمنين ولإبراهيم من ولاية العهد بعد أبى عبد الله. وإنّ ذلك العقد كان وأبو عبد الله طفل لم يبلغ ثلاث سنين؛ ولم يفهم ما عُقِد له ولا وقف(٢) على ما قُلّده ، وإبراهيم صغير لم يبلغ الحلم ، ولم يجر أحكامهما ولا جرتْ أحكامُ الإسلام عليهما ، وإنه قد يجب عليهما إذ بلغا ووقفا على عجزهما عن القيام بما عقد لهما من العَهْد، وأسْنِدَ إليهما من الأعمال أن يَنْصحا لله ولجماعة المسلمين (٣)، بأن يُخرجا من هذا الأمر الذى عقد لهما أنفسهما، ويعتزلا الأعمال التى قُلْداها، ويجعلا كلّ مَنْ فى عنقه لهما بسَيْعة وعليه يمين فى جلّ؛ إذ كانا لا يقومان بما رُشِّحا له ، ولا يصلحان لتقلده ، وأن يخرج من كان ◌ُضمّ إليهما ممن فى نواحيهما من قُوّاد أمير المؤمنين ومواليه وغلمانه وجنده وشا کریّته وجمیع ممن مع أولئك القواد بالحضرة وخُراسان وسائر النواحى عن رسومهما ، ويُزال عنهم جميعًا ذكر الضمّ إليهما ، وأن يكونا سُوقة من سوق المسلمين وعامتهم ، ويصفان ما لم يزالايذ كران لأمير المؤمنين من ذلك ؛ ويسألانه فيه، منذ أفضى الله بخلافته إليه، وأنهما قد خلعا أنفسهما من ولاية العهد، وخرجا منها ، وجعلا كلَّ من لهما عليه بيعة ويمين من قُوّاد أمير المؤمنين وجميع أوليائه ورعيّته ؛ قريبهم وبعيدهم، وحاضرهم وغائبهم؛ فى حلّ وسعة من بيعتهم وأيمانهم ؛ ليخلعوهما كما خلعا أنفسهما . ١٤٩٢/٣ وجعلالأمير المؤمنين على أنفسهما عهد الله؛وأشد ما أخذ علىملائكتهوأنبيائه وعباده من عهد وميثاق ، وجميع ما أكده أمير المؤمنين عليهما من الأيمان، بإقامتهما على طاعته ومناصحته وموالاته فى السرّ والعلانية، ويسألان أمير المؤمنين (١) ف: ((إليهما)). (٣) فى: ((وللمسلمين)). (٢) ف: ((وأنه لم يقف)). ٢٤٩ سنة ٢٤٨ أن يُظهر ما فعلاه، وينشره، وُيُحْضِير جميع أوليائه؛ ليسمعوا ذلك منهما طالبيْن راغبيْن، طائعيْن غير مكرهيْن ولا مجبريْن؛ ويُقْرَأ عليهم الرّقعتان اللتان رفعاهما بخطوطهما ، بما ذكرا من وقوع الأمر لهما من ولاية العهد ؛ وهما صبيان ، وخلعهما أنفسهما بعد بلوغهما ، وما سألا مِنْ صرفهما عن الأعمال التى يتوليانها وإخراج مَنْ كان بها ممن ضمّ إليهما فى نواحيهما من قُوّاد أمير المؤمنين وجنده وغلمانه وشا كريّته وجميع من مع أولئك القوّاد بالحضرة وخراسان وسائر النواحى عن رسومهما وإزالة ذكر الضمّ إليهما عنهم، وأن يُكتب بالكتاب(١) بذلك إلى جميع عمال النواحى (٢). وإنّ أمير المؤمنين وقف على صدقهما فيما ذكرا ورفعا ، وتقدّم فى إحضار جمیع إخوته ومن بحضرته من أهل بيته وقوّاده وموالیه وشیعته ورؤساء جنده وشاكريته وكتّابه وقضاته والفقهاء وغيرهم؛ وسائر أوليائه الذين كانت وقعت البيعة لهما بذلك عليهم . وحضر أبو عبد الله وإبراهيم ابنا أمير المؤمنين المتوكل على الله رضى الله عنه، وقرِئت رقعتاهما بخطوطهما بحضرتهما؛ إلى مجلس (٣) أمير المؤمنين عليهما وعلَى جميع من حضر، وأعادا من القول بعد قراءة الرُّقعتين مثل الذى كتبا به ١٤٩٣/٣ ورأى أمير المؤمنين أن يجمع فى إجابتهما إلى نشر ما فعلاه وإظهاره ، وإمضائه ذلك؛ قضاءَ حقوق ثلاثة : منها حقّ اللّه عز وجل فيما استحفظه من خلافته ، وأوجب عليه من النظر لأوليائه فيما يجمع لهم كلمتهم فى يومهم وغدِهم ، ويؤلّف بين قلوبهم . ومنها حقّ الرعيّة الذين هم ودائع الله عنده حتى يكون المتقلّد لأمورهم ممن (٤) يراعيهم آناء الليل والنهار بعنايته ونظره وتفقّده وعدله ورأفته ، ومن يقوم بأحكام الله فى خلقه ، ومن يضطلع بثقل السياسة وصواب التدبير. ومنها حقّ أبى عبد الله وإبراهيم فيما يُوجبه (٥) أمير المؤمنين لهما بإخوّتهما وماسّ رحمهما؛ لأنهما لو أقاماً على ما خرجا منه؛ لم (١) ف: ((الكتاب)). (٣) ف: ((فى مجلس)). (٥) ف: ((يوجه)). (٢) ف: ((عمالك بالنواحى)). (٤) س: ((ومن)). ٢٥٠ سنة ٢٤٨ يؤمَن أن يؤدى ذلك إلى ما يعظم فى الدين ضرره ، ويعمّ المسلمين مكروهه ؛ ويرجع عليهما عظيم الوزر فيه ؛ فخلعهما أمير المؤمنين إذ تخلفا أنفسهما من ولاية العهد، وخلَعهما جميع إخوة أمير المؤمنين ومَنْ بحضرته من أهل بيته ، وخلعهما جميع من حضر من قوّاد أمير المؤمنين ومواليه وشيعته (١) ورؤساء جنده وشاكريّتِه وكتّابه وقضاته والفقهاء وغيرهم من سائر أولياء أمير المؤمنين؛ الذين كانت أخِذَتْ لهما البيعة عليهم . ١٤٩٤/٣ وأمر أمير المؤمنين بإنشاء الكتب بذلك إلى جميع العمال ، ليتقدّموا فى العمل بحسب (٢) ما فيها، ويخلعوا أبا عبد الله وإبراهيم مينْ ولاية العهد ؛ إذا كانا قد خَلما أنفسهما من ذلك، وحلّلا الخاص والعام"، والحاضر والغائب، والدانى والقاصىّ منه ؛ مويسقطوا ذكرهما بولاية(٣) العهد، وذكْرَ ما نُسِبا إليه مِنْ نسب ولاية العهد من المعتزّ بالله والمؤيد بالله من كتبهم وألفاظهم ، والدعاء (٤) لهما على المنابر؛ ويسقطوا كُلّ ما ثبت فى دواوينهم من رُسومهما القديمة والحديثة الواقعة على مَنْ كان مضمومًا إليهما، ويزيلوا ما على الأعلام والمطارد من ذكرهما ؛ وما وسمت به دواب الشاكريّة والرابطة من أسمائهما . ومحلُّك من أمير المؤمنين وحالُك عنده على حسب ما أخلص اللّه لأمير المؤمنين من طاعتك . ومناصحتك ، وموالاتك ومشايعتك ؛ ما أوجب الله لك بسلفك ١٤٩٥/٣ ونفسك، وما عرف الله أمير المؤمنين من طاعتك وُيُمْن نَقِيبتك، واجتهادك فى قضاء الحق . وقد أفردك أمير المؤمنين بقيادتك ، وإزالة الضمّ إلى أبى عبد الله عنك وعمّن فى ناحيتك بالحضرة وسائر النواحى ؛ ولم يجعل أمير المؤمنين بينك وبينه أحد يَرُؤُسك ، وخرج أمره بذلك إلى ولاة دواوينه . فاعلم ذلك واكتب إلى ◌ُمّالك بنسخة كتاب أمير المؤمنين هذا إليك ، وأوعِزْ إليهم فى العمل على حسبه . إن شاء الله، والسلام. (١) فى: ((وشيعته ومواليه)). (٣) فى: ((من ولاية)). (٢) ف: ((بالعمل على حسب)). (٤) ف: ((وبترك الدعاء)). ٢٥١ سنة ٢٤٨ وكتب أحمد بن الخصيب يوم السبت لعشر بقين من صفر سنة ثمان وأربعين ومائتين . [ ذكر الخبر عن وفاة المنتصر] وفى هذه السنة توفّىَ المنتصر. * ذكر الخبر عن العلة التى كانت فيها وفاته والوقت الذى توفّىَ فيه وقدر المدة التى كانت فيها حياته : فأما العلّة التى كانت بها وفاته ؛ فإنه اختُطف فيها ، فقال بعضهم : أصابته الذبحة فى حَيْقه يوم الخميس الخمس بقين من شهر ربيع الأول ، ومات مع صلاة العصر من يوم الأحد لخمس ليال خَلَوْن من شهر ربيع الآخر . وقيل: تُوفّى يوم السبت وقت العصر لأربع خلوْن من شهر ربيع الآخر ؛ وإن علّته كانت من ورم فى معدتيِه (١)، ثم تصعّد إلى فؤاده فمات ؛ وإنّ علّته كانت ثلاثة أيام أو نحوها . وحدثنى بعضُ أصحابنا أنه كان وجد حرارة، فدعا بَعْضَ مَنْ كان يتطبّب له، وأمره (٢) بفَصْده، فقصده بمبْضع مسموم، (٣ فكان فيه منيته٣)، وإن الطبيب الذى فَصَّده انصرف إلى منزله، وقد وجد حرارةً ، فدعا تلميذاً ١٤٩٦/٣ له ؛ فأمره بفصْده ووضع مباضعه بين يديه ليتخيّر أجودها ؛ وفيها المبضع المسموم الذى فُصِد به المنتصر ؛ وقد نسيه فلم يجد التلميذ فى المباضع التى وُضعت بين يديه مِبْضعًا أجود من المبضع المسموم ؛ فقصدبه أستاذه وهو لا يعلم أمره؛ فلمَّا فصده (٤) به نظر إليه صاحبه(٥) فعلم (٦) أنه هالك؛ فأوصى من ساعته ، وهلك من يومه . (١) س: ((قدمه)). (٣-٣) ف: ((فمات من ذلك المبضع)). (٥) س: ((إلى صاحبه)). (٢): ((وأمر)). (٤) ف: ((فصد )). (٦) ف: ((فعرف)). ٢٥٢ سنة ٢٤٨ وقد ذكر أنه وُجد فى رأسه علّة فقطّر ابن الطيفورىّ فى أذنهدُ هناً، فورم رأسه ، وعوجل فمات. وقد قيل: إن ابن الطيفورىّ إنما سمّه فى محاجمه . قال أبو جعفر : ولم أزل أسمع الناس حين أفضت إليه الخلافة من لَدُنْ وَلِىَ إلى أن مات يقولون: إنما مدّة حياته ستة أشهر، مدّة شيرويه ابن كسرى قاتل أبيه ، مستفيضًا ذلك على ألسن العامة والخاصة . وذُكرعن يُسْر الخادم ؛ وكان - فيما ذكر - يتولى بيت المال للمنتصر فى أيام إمارته ، أنه قال : كان المنتصر يوماً من الأيام فى خلافته نائمًا فى إيوانه ، فانتبه وهو يبكى وينتحب؛ قال : فهبْته أن أسأله عن بكائه ، ووقفتُ وراء الباب ؛ فإذا عبد الله بن عمر البازيار قد وافى فسمع نحيبه وشهيقه ، فقال لى : ما له ؟ ويحك يا يسر! فأعلمته أنه كان نائمًا فانتبه باكيًا ، فدنا منه ، فقال له : ما لك يا أمير المؤمنين تبكى لا أبكى اللّه عينك؟! قال : ادنُ منى يا عبد الله ؛ فدنا منه فقال له : كنت نائمًا ، فرأيت فيما يرى النائم كأنّ المتوكل قد جاءنى ، فقال لى: ويلك يا محمد ! قتلتنى وظلمتنى وغبنْتْنِى فى خلافتى؛ واللّه لا تمتّعت بها بعدى إلا أيامًا يسيرة، ثم مصيرك إلى النار . فانتبهتُ ، وما أملك عينى ولا جَزعى. فقال له عبد الله: هذه رؤيا؛ وهى تصدق وتكذب، بل يعمّرك ويسرّك اللّه؛ فادع الآن بالنبيذ، وخذ فى اللهو، ولا تعبأ بالرؤيا . قال : ففعل ذلك ؛ وما زال منكسراً إلى أن تُوفّىَ . وذكر أنّ المنتصر كان شاور فى قتل أبيه جماعةً من الفقهاء ، وأعلمهم بمذاهبه ، وحكى عنه أموراً قبيحة كرهت ذكرها فى الكتاب ؛ فأشاروا عليه بقتلِهِ ؛ فكان من أمره ما ذكرنا بعضه . وذُكر عنه أنه لما اشتدّت به علّتُه ؛ خرجت إليه أمُّه فسألته عن حاله، فقال : ذهبتْ واللّه منى الدنيا والآخرة . قال إبراهيم بن جیش : حدثی موسی بن عیسی الکاتب ، کاتب عمی يعقوب وابن عمى يزيد ، أنّ المنتصر لما أفضت الخلافة إليه ، كان يُكثر إذا سكر قتلَ أبيه المتوكل ، ويقول فى الأتراك : هؤلاء قَتعلة الخلفاء ، ويذكر من ذلك ما تخوّفوه ، فجعلوا لخادم له ثلاثين ألف دينار على أن يحتال فى ستّه ، ١٤٩٧/٣ ٢٥٣ سنة ٢٤٨ وجعلوا لعلىّ بن طيفور جملة، وكان المنتصرُ يكثر أكل الكمثرى إذا قُدّمت إليه الفاكهة ، فعمد ابن طيفور إلى كثراة كبيرة نضيجة ، فأدخل فى رأسها خلالة، ثم سقاها سمًّا ، فجعلها الخادم فى أعلى الكمثرى الذى قدّمه إليه ، فلما نظر إليها المنتصر أمره أن يَقْشِرها ويطعمه إياها، فقشرها وقطعها، ثم أعطاه قطعة قطعة حتى أتى عليها، فلما أكلها وجد فترةً ، فقال لابن طيفور : أجد حرارة ، فقال : يا أمير المؤمنين؛ احتجم تبرأ من علّة الدّم، وقدّر أنه إذا خرج الدم قوى عليه السمّ. فحجم فحُمّ ، وغلظت علّته عليه . فتخوف هو والأتراك أن تطول علته ، فقال له : يا أمير المؤمنين، إنّ الحجامة لم يكن فيها ما قدّرْنا فى عافيتك، وتحتاج إلى الفَصد ؛ فإنه أنجح لما تريد، فقال : أفعل، ففتَصده بمبضع مسموم ، ودهش، فألقاه فى مباضعه- وكان أحدّها وأجودها. ثم إن علىّ بن طيفور، وجد حرارة ، فدعا تلميذاً له ليفصده ، فنظر فى المباضع فلم يجد أحدّ منه، ولا أخير فقصده ، فكانت منيته فيه (١). وذكر عن ابن دهقانة أنه قال: كنا فى مجلس المنتصر يومًا بعد ما قتل المتوكل ، فتحدّث المسدود الطنبورىّ بحديث ، فقال المنتصر : متى كان هذا؟ فقال : ليلة لاناه ولا زاجر ؛ فأحفظ ذلك المنتصر. وذُكر عن سعيد بن سلمة النصرانىّ أنه قال : خرج علينا أحمد بن الخصيب مسروراً يذكر أن أمير المؤمنين المنتصر رأى فى ليلة فى المنام ؛ أنه صعد فَرَجَةً حتى انتهى إلى خمس وعشرين مِرْقاة منها ؛ فقيل له هذا ملكك ؛ وبلغ الخبر ابنَ المنجم ، فدخل عليه محمد بن موسى وعلى بن يحيى المنجّم مهنئين له بالرؤيا ، فقال : لم يكن الأمر على ما ذكر لكم أحمد ابن الخصيب؛ ولكنى حين بلغتُ آخر المراقى ، قيل لى: قف فهذا آخر عمرك ؛ واغتمّ لذلك غمًّاً شديداً، فعاش بعد ذلك أيامًا تتمّة سنة ، ثم مات وهو ابن خمس وعشرين سنة . ١٤٩٨/٣ وقيل : تُوفِّىَ وهو ابن خمس وعشرين سنة وستة أشهر . وقيل: بل كان عمره أربعاً وعشرين سنة ، وكانت مدة خلافته ستة أشهر (١) هذا الخبر ساقط من ط، وأثبته من ا. ٢٥٤ سنة ٢٤٨ فى قول بعضهم ويومين . وقيل : كانت ستة أشهر سواء . وقيل : كانت مائة يوم وتسعة وسبعين يوماً . وكان وفاته بسامراً بالقصر المحدث ، بعد أن أظهر فى إخوته ما أظهر بأربع وأربعين ليلة ؛ وذكر أنه لما حضرته الوفاة قال : فما فَرِحَتْ نفسى بدُنْيَا أَخذتها ولكنْ إِلى الربِّ الكريم أَصيرُ وصلّى عليه أحمد بن محمد بن المعتصم بسامُرًا ؛ وبها كان مولده . وكان أعيَّنَ أقنى قصيرًا جَيّد البَضعة . وكان - فيما ذكر- مهيباً. وهو أول خليفة من بنى العباس - فيما بعد - عرف قبره ؛ وذلك أن أمه طلبت إظهار قبره . ١٤٩٩/٣ وكانت كنيته أبا جعفر واسم أمه حبشيّة وهى أمّ ولد رومية . ذ کر بعض سیره ذكر أن المنتصر لمّا ولىَ الخلافة كان أول شىء أحدث من الأمور عنّزْل صالح عن المدينة وتولية على بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد إياها ؛ فذكر عن على بن الحسين، أنه قال: دخلت عليه(١) أودّعه، فقال لى: يا علىّ، إنى أوجهك (٢) إلى لحمى ودمى - ومدّ جِلْد ساعده - وقال: إلى هذا وجهتك(٣)، فانظر كيف تكون للقوم، وكيف تعاملهم ! يعنى آل أبى طالب، فقلت: أرجو أن أمتثل رأى أمير المؤمنين أيده الله فيهم إن شاء الله؛ فقال : إذا تسعد بذلك عندى وذُ کِر عن محمد بن هارون ، کاتب محمد بن على برد اخبار وخليفته على ديوان ضياع إبراهيم المزيد، أنه أصيب مقتولاً على فراشه ، به عدّة ضربات (١) ف: ((إليه)). (٣) ف: ((موجهك». (٢) ف: ((إنى موجهك)). (١٥ ٢٥٥ سنة ٢٤٨ بالسيف ، فأحضر ولدُه خادماً أسود كان له ووصيفاً، ذكر أن الوصيف ١٥٠٠/٣ أقرّ على الأسود ، فأدخل على المنتصر، وأحضر جعفر بن عبد الواحد ، فسئل عن قتله مولاه (١)، فأقرّ به، ووَصِفْ فعله به وسبب قتله إياه ، فقال له المنتصر: ويلك !لم(٢) قتلته ؟ فقال له الأسود: لما قتلتَ أنت أباك المتوكل! فسأل الفقهاء فى أمره (٣)، فأشاروا(٤) بقتله، فضرب عنقه وصلتبه ، عند خشبة بابك . ٠ ٠ وفى هذه السنة حكم محمد بن عمر والشارى ، وخرج بناحية المؤصل، فوجه إليه المنتصر إسحاق بن ثابت الفرغانىّ ، فأخذه أسيراً مع عيدّة من أصحابه ، فقتلوا وصُلبوا . وفيها تحرّك يعقوب بن الليث الصفار من سجستان ، فصار إلى هَرَاة . وذكر عن أحمد بن عبد الله بن صالح صاحب المصلَّى أنه قال : كان لأبى مؤذّن ، فرآه بعض أهلنا فى المنام كأنه أذَّن أذاناً لبعض الصََّوات؛ ثم دنا من بيت فيه المنتصر، فنادى : يا محمد ، يا منتصر، إنَّ رَبَّك لبالمرصاد . وذكر عن بُنان المغنّى - وكان فيما قيل أخصّ الناس بالمنتصر فى حياة أبيه وبعد ما ولى الخلافة - أنه قال: سألت المنتصر أن يهب لى ثوبَ ديباج وهو خليفة ؛ فقال : أوَخير لك من الثوب الديباج ؟ قلت : وما هو ؟ قال : تتمارض حتى أعودك؛ فإنه سيهدى لك أكثرُ من الثوّب الديباج؛ قال: فمات ١٠٠١/٣ فى تلك الأيام ، ولم يهب لى شيئًا . وفى هذه السنة بويع بالخلافة أحمد بن محمد بن المعتصم . (١) ف: ((إياه)). (٣) ف: ((عن أمره)). (٢) ف: ((كيف)». (٤) بعدها فى ف: ((عليه». ٢٥٦ سنة ٢٤٨ خلافة أحمد بن محمد بن المعتصم وهو المستعين ويكنى أبا العباس ذكر الخبر عن سبب ولايته والوقت الذى بويع له فيه : *ذكر أنّ المنتصر لما توفّىَ؛ وذلك يوم السبت عند العصر لأربع خلون من شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وأربعين ومائتين، اجتمع الموالى إلى الهارونى يوم الأحد ، وفيهم بُغا الصغير وبغا الكبير أوتامش ومَنْ معهم ، فاستحلفوا قوّاد الأتراك والمغاربة والأشر وسنيّة - وكان الذى يستحلفهم على بن الحسين ابن عبد الأعلى الأسكافىّ كاتب بغا الكبير - على أن يرضوا بمن يرضى به بُغا الصغير وبغا الكبير أوتامش ، وذلك بتدبير أحمد بن الخصيب ، فحلف القوم وتشاوروا بينهم، وكرهوا أن يتولَى الخلافة أحدٌ من ولد المتوكل؛ لقتلهم أباه(١)، وخوفهم أن يغتالهم مَنْ يتولى الخلافة منهم؛ فأجمع أحمد بن الخصيب ومَنْ حضر (٢) من الموالى على أحمد بن محمد بن المعتصم ، فقالوا: لانُخرج الخلافة من ولد مولانا المعتصم ؛ وقد كانوا قبله دكروا جماعة من بنى هاشم؛ فبايعوه وقت العشاء الآخرة من ليلة الاثنين ، لست خلوْن من شهر ربيع الآخر من السنة ؛ وهو ابن ثمان وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس . فاستكتب أحمد بن الخصيب ، واستوزر أوتامش . فلما كان يوم الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر صار إلى دار العامة من طريق العمرىّ بين البساتين، وقد ألبسوه الطويلة وزىّ الخلافة ؛ وحمل إبراهيم بن إسحاق بين يديه الحربة قبل طلوع الشمس، ووافى واجن الأشروسىّ باب العامة من طريق الشارع على بيت المال ، فصف أصحابه صفين ، وقام فى الصفّ هو وعدّة من وجوه أصحابه ، وحضر الدار أصحابُ المراتب من ولد المتوكّل والعباسيين والطالبيّين وغيرهم ممن لهم مرتبة ؛ فبيناهم كذلك، وقد مضى من النهار ساعة ونصف؛ جاءت صيحة من ناحية الشارع والسوق ؛ فإذا نحوٌّ من خمسين فارسًا من الشاكرية ؛ ذكروا أنهم من أصحاب ١٥٠٢/٣ ١٥٠٣/٣ (١) فى: ((المتوكل)). (٢) فى: ((حضره)). ٢٥٧ سنة ٢٤٨ أبى العباس محمد بن عبد اللّه، ومعهم قوم من فرسان طَبريّة وأخلاط من الناس ومعهم من الغَوْغاء والسوقة نحو من ألف رجل ؛ فشهروا السلاح ، وصاحوا : يا معتزّ (١) يا منصور، وشدّوا على صفّى الأشر وسنيّة الّذين صفّهما واجن، فتضعضعوا ، وانضم بعضهم إلى بعض ، ونفر من على باب العامة من المبيّضة ١٥٠٤/٣ مع الشاكرّية، فكثروا(٢)، فشدّ عليهم المغاربة والأشروسنيّة، فهزموهم حتى أدخلوهم الدّرْب الكبير المعروف بزُرافة وعَزَّون . وحمل قوم منهم على المعتزّية، فكشفوهم ؛ حتى جاوزوا بهم دار أخِى عَزّون بن إسماعيل وهم فى مضيق الطريق ، فوقف المعتزّية هنالك ، ورمى الأشر وسنية عدّة منهم بالنّشاب، وضربوهم بالسيوف، ونشبت الحرب بينهم؛ وأقبلت المعتزّيّة والغوغاءيكبرون ؛ فوقعت بينهم قتلى كثيرة ؛ إلى أن مضى من النهار ثلاث ساعات. ثم انصرف الأتراك وقد بايعوا أحمد بن محمد بن المعتصم ؛ وانصرفوا مما يلى العمرىّ والبساتين ، وأخذ الموالى قبل انصرافهم البسَيْعة على منْ حضر الدار من الهاشميين وغيرهم وأصحاب المراتب . وخرج المستعين من باب العامّة منصرفًا إلى الهارونىّ، فبات هنالك. ومضى الأشر وسنيّة إلى الهارونىّ، وقد قُتِل من الفريقين عدّدٌ كثير، ودخل قوم من الأشروسنيّة دوراً ، فظفرت بهم الغوغاء ، فأخذوا دروعهم وسلاحهم وجواشنَهم ودوابتهم، ودخل الغوغاء والمنتهبة دار العامّة منصرفين إلى الهارونىّ ، فانتهبوا الخزانة التى فيها السلاح والدروع والجواشن واللجم المغربية وأكثروا منها، وربّما مرّ أحدهم بالجواشن والحراب فأكثر، وانتهبوا فى دار أرمش ١٥٠٥/٣ ابن أبى أيوب بحضرة أصحاب الفقّاع تراس خيزران وقتًا بلا أسنّة ؛ فكثرت الرّماح والتراس فى أيدى الغوغاء وأصحاب الحمامات وغلمان الباقِلَّى، ثم جاءتهم جماعة من الأتراك منهم بُنا الصغير من درب زُرافة ، فأحدّوهم من الخزانة ، وقتلوا منهم محمدة، وأمسكوا قليلا. ثم انصرف الفريقان ، وقد كثرت القتلى بينهم؛ وأقبل الغوغاء لا يمرّ أحد من الأتراك من أسافل سامُرًا يريد باب العامة إلاّ انتهبوا سلاحه، وقتلوا جماعة منهم عند دار مبارك المغربى، وعنددار حيش (٣) (١) كذا فى ف، وفى ط: ((معتز))، بدون ((يا)). (٢) س: ((فكبروا)). (٣) كذا فى ا، وفى ط من غير نقظ . ٢٥٨ سنه ٢٤٨ أخى يعقوب قوصرّة فى شوارع سامُرًا، وعامّة من انتهب ـ فيما ذكر - هذا السلاح أصحاب الفقّاع والناطف وأصحاب الحمّامات والسقاءون وغوغاء الأسواق ؛ فلم يزل ذلك أمرهم إلى نصف النهار ، وتحرّك أهل السجن بسامرًا فى هذا اليوم ، فهرب منهم جماعة ، ثم وضع العطاء على البيعة ، وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فى اليوم الذى بُويع له فيه، وكان وصوله إلى محمد فى اليوم الثانى، ووافى به أخ لأنامش ومحمد بن عبدالله فى نزهة له، فوجه الحاجب إليه ، وأعلمه مكانه ، فرجع من ساعته ، وبعث إلى الهاشميين والقوّاد والجند ، ووضع لهم الأرزاق . ١٥٠٦/٣ ١٥٠٧/٣ ٠ وورد فى هذه السنة على المستعين وفاة طاهر عبد الله بن طاهر بخراسان فیرجب ،فعقد المستعین لابنه محمد بنطاهر بن عبد الله بن طاهر على خراسان ، ولمحمد بن عبد اللّه على العراق، وجعل إليه الحرمين والشرطة ومعاون السواد برأسه وأفرده به ، وعقد فى الجوسق لمحمد بن طاهر بن عبد الله ابن طاهر على خراسان والأعمال المضمومة إليها خاصّة يوم السبت لاثنى عشرة ليلة خلتْ من شعبان . ومرض بهُغا الكبير فى جمادى الآخرة، فعاده المستعين فى النصف منها، ومات بغا من يومه ، فعقد لموسى ابنه على أعماله وعلى أعمال أبيه كلّها . وولّىَ دیوان البريد . وفى هذه السنة وجّه أنوجو التركىّ إلى أبى العمود الثعلىّ، فقتله يوم السبت بكفَرْ توثّى لخمس بقين من شهر ربيع الآخر. وفيها خرج عبيد الله بن یحی بن خاقان إلى الحجّ ؛ فوجه خلفه رسول من الشيعة اسمه شعيب بنفيه إلى بَرْقة ، ومنعه من الحجّ. وفيها ابتاع المستعين من المعتزّ والمؤيد فى جمادى الأولى منها جميع ما كان لهما ، خلا شيئًا استثنى منه المعتزّ قيمته مائة ألف دينار، وأخذ له ولإبراهيم غلة بثمانين ألف دينار فى السنة؛ فلما كان يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت ٠ ٢٥٩ سنة ٢٤٨ من رمضان ابتيع من المعتز والمؤيد جميعُ ما لهما من الدّور والمنازل والضّياع (١) والقصور والفُرش والآلة وغير ذلك بعشرين ألف دينار، وأشهدا(٢) عليهما بذلك الشهود والعُدول والقضاة وغيرهم. وقيل: ابتيع (٣) ما لهما من الضياع وترك إلى أبى عبد الله ما يكون غلّته من العَيْن فى السنة عشرين ألف دينار (٤)، ولإبراهيم ما تبلغ قيمة غلته فى السنة خمسة (٥) آلاف دينار؛ فكان ما ابتيع من أبى عبد الله بعشرة آلاف ألف دينار وعشر حبّات لؤلؤ، ومن إبراهيم بثلاثة آلاف ألف درهم وثلاث حبات لؤلؤ؛ وأشهدا عليهما (٦) بذلك الفقهاء والقضاة . وكان الشّراء باسم الحسن بن مخلد للمستعين ،وذلك فى شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين وحُبيسا فى حجرة الجوسق ، ووُكِّل بهما ، وجعل أمرهما إلى بُغا الصغير ؛ وكان الأتراك قد أرادوا حين شغَّب الغوغاء والشاكرّية قتلهما ؛ فمنعهم من ذلك أحمد بن الخصيب، وقال : ليس لهما ذنب ولا المشغِّبة من أصحابهما ، وإنما المشغِّبة من أصحاب ابن طاهر ، ولكن احبسوهما فحُبسا . ١٥٠٨/٣ وفيها غضب الموالى على أحمد بن الخصيب ؛ وذلك فى جمادى الأولى منها، واستصفى ماله ومال ولده، ونُفى إلى إقريطش. وفيها صرف علىّ بن يحيى عن الثغور الشاميّة، وعقد له على إرمينية وأذْرَ بيجان فى شهر رمضان من هذه السنة . وفيها شَغَّب أهلُ حمص على كيدر بن عبيد اللّه عامل المستعين عليها فأخرجوه منها ، فوجّه إليهم الفضل بن قارن ، فمكَر بهم حتى أخذهم ، وقتل منهم خلقا كثيراً، وحمل منهم (٧) مائة رجل من عيونهم إلى سامرًا ، وهدم سورهم . وفيها غزا الصائفة وصيف ، وكان مقيماً بالثغر الشأمى حتى ورد عليه موت (١) !، فى: ((والمتاع)). (٣) بعدها فى ف: ((جميع)). (٥) س: ((عشرة)). (٧) ف: ((وأخذ منهم)). (٢) ف: ((وأشهد)). (٤) ف: ((درهم)). (٦) ف: ((وأشهد عليهم)). ٢٦٠ سنة ٢٤٨ المنتصر، ثم دخل بلاد الروم؛ فافتتح حصنًا يقال(١) له فرورية، وعقد المستعين فيها لأوتامش على مصر والمغرب واتخذه وزيراً. وفيها عقد لبُغا الشرابىّ على حُدْوان وماسبذان ومهرجان قذق ، وصيّر المستعين شاهك الخادم على داره وكُراعه وحرمه وخزائنه وخاصّ أموره ، وقدّمه أوتنامش على جميع الناس . . وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن سليمان الزينيّ . ١٥٠٩/٣ (١) فى: ((يدعى)).