النص المفهرس
صفحات 221-240
سنة ٢٤٦ ٢٢١ فتركتهما، [و] قلت : اقتلوهما، فإنهما رغَبًا فى النصرانية . (١ ) ومُطر أهلُ بغداد فى هذه السنة واحداً وعشرين يوماً فى شعبان ورمضان ؛ حتى نبت العشب فوق الأجاجير . وصلَّى المتوكلُ فيها صلاة الفطر بالجعفرّية، وصلى عبد الصمد بن ١٤٥٢/٣ موسى فى مسجد جامعها ، ولم يصلّ بسامرًا أحد . وورد فيها الخبر أنّ سكة بناحية بسَلْخ تنسب إلى الدَّهاقين مُطرت دماً عبيطاً . وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن سليمان الزينيّ . وحجّ فيها محمد بن عبد اللّه بن طاهر ؛ فولى أعمال الموسم . وضحتى أهل سامرًا فيها يوم الاثنين على الرؤية وأهل مكة يوم الثلاثاء . (١) فى ط: قلت. ٢٢٢ ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث # ٠ ٠ [ ذكر الخبر عن مقتل المتوكل ] فممّا كان فيها من ذلك مقتل المتوكل . ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف قتل : قال أبو جعفر : 'ذكر لى أنّ سبب ذلك كان أنّ المتوكل كان أمر بإنشاء الكتب بقبض ضياع وصيف بأصبهان والجبل وإقطاعها الفتح بن خاقان؛ فكُتِبت الكتب بذلك، وصارت إلى الخاتم على أن تنفذ(١) يوم الخميس لخمس خلوْن من شعبان؛ فبلغ ذلك وصيفًا، واستقرّ عنده الذى أمر به فى أمره ؛ وكان المتوكّل أراد أن يُصَلِّى بالناس يوم الجمعة فىشهر رمضان فى آخر جمعة منه؛ وكان قد شاع فى الناس فى أوّل رمضان أنّ أمير المؤمنين يصلى فى آخر جمعة من الشهر بالناس ، فاجتمع الناس لذلك واحتشدوا ، وخرج بنو هاشم من بغداد لرفع القصص وكلاميه إذا هو ركب (٢) . فلما كان يوم الجمعة أراد الرّكوبَ للصلاة، فقال له عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان: يا أمير المؤمنين، إنّ الناس قد اجتمعوا وكثروا؛ من أهل بيتيك وغيرهم؛ وبعض متظلم وبعض طالب حاجة؛ وأمير المؤمنين يشكو ضيق الصدر ووعكة (٣)؛ فإن رأى أميرُ المؤمنين أن يأمر بعضَ ولاة العهود بالصّلاة، ونكونَ معه جميعًا فليفعل . فقال: قد رأيتُ ما رأيتما؛ فأمر المنتصر بالصّلاة ، فلمّا نهض المنتصر ليركب للصلاة قالا : يا أمير المؤمنين ؛ قد رأينا رأياً ؛ وأمير المؤمنين أعلى عينًا، قال : وما هو ؟ اعرضاه علىّ، قالا: يا أمير المؤمنين، مُرْ أبا عبد الله المعتز بالله الصلاة ١٤٥٣/٣ (١) كذا فى ا، د، وفى ط: (تنقدم)). (٣) ا، د، وابن الأثير: ((وعلة)). (٢) س: (راكب)). ٢٢٣ سنة ٢٤٧ لتشرّفه بذلك فى هذا اليوم الشريف ؛ فقد اجتمع أهلُ بيته ؛ والناس جميعًا فقد بلغ الله به . قال: وقد كان وُلد للمعتزّ قبل ذلك بيوم؛ فأمر المعتزّ، فركب وصلّى بالناس، فأقام المنتصر فى منزله - وكان بالجعفرّية (١) - وكان ذلك مما زاد فى إغرائه به؛ فلمّا فرغ المعتزّ من خطبته قام إليه عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان ، فقبّلا يديه ورجليه ، وفرغ المعتزّ من الصلاة ، فانصرف وانصرفا معه ؛ ومعهم الناس فى موكب الخلافة ، والعالم بين يديه؛ حتى دخل على أبيه وهما معه ؛ ودخل معه داود بن محمد بن أبى العباس الطوسىّ ، فقال داود : يا أميرَ المؤمنين، ائذن لى فأتكلّم ، قال: قل، فقال : والله يا أمير المؤمنين؛ لقد رأيت الأمين والمأمون ورأيت (٢) المعتصم صلواتُ الله عليهم، ورأيت الواثق باللّه؛ فوالله ما رأيتُ رجلا على منبر أحسن قوامًا، ولا أحسن بديهياً ، ولا أجهر صوتًا، ولا أعذب لسانًا، ولا أخطب من المعتز بالله، أعزه الله يا أمير المؤمنين ببقائك، وأمتعك الله وإيانا بحياته! فقال له المتوكل: أسمعك الله خيراً، وأمتعنا بك ؛ فلما كان يوم الأحد ؛ وذلك يوم الفيطْر وجد المتوكّل فترة ، فقال : مُروا المنتصر فليصلّ بالناس، فقال له عبيد الله بن يحيى بن خاقان: يا أمير المؤمنين ؛ قد كان الناس تطلعوا إلى رؤية أمير المؤمنين فى يوم الجمعة فاجتمعوا واحتشدوا ، فلم يركب أمير المؤمنين ؛ ولا نأمن إن هو لم يركب أن يرجُف الناس بيعلته، ويتكلّموا فى أمره؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يَسُرّ الأولياء ویکبت الأعداء برکوبه فعل . فأمرهم بالتأهب والتھیؤلركوبه؛ فر کب فصلى بالناس وانصرف إلى منزله، فأقام يومه ذلك ومن الغد لم يدع بأحد (٣) من ندمائه. ١٤٥٤/٣ و ◌ُذكر أنه ركب يوم الفِطْر؛ وقد ضربت له المصاف نحواً من أربعة أميال، وترجَّل الناس بين يديْه، فصلّى بالناس ، ورجع إلى قصره ، فأخذ حِفْنةً من تراب ، فوضعها على رأسه، فقيل له فى ذلك، فقال : إنَّ رأيتُ (١) ف: ((بداره فى الجعفرية)) (٣) ف: ((أحدا)). (٢) ساقطة من ط . ٢٢٤ ١٤٥٥/٣ ١٤٥٦/٣ سنة ٢٤٧ كثرة هذا الجمع ، ورأيتهم تحت يدى، فأحببت أن أتواضع للّه عزّ وجلّ؛ فلمّا كان من غد يوم الفطر لم يدعُ بأحد من ندمائه ؛فلما كان اليوم الثالث وهو يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شوال - أصبح نشيطاً فرحًا مسروراً، فقال: كأنى أجد مسّ الدم، فقال الطَّيْفُورىّ وابن الأبرش - وهما طبيباه : يا أمير المؤمنين، عزم الله لك على الخير؛ افعل°، ففعل ؛ واشتهى لحم جَزور، فأمر به فأحضِير بين يديه ، فاتّخذه بيده . وذكر عن ابن الحفصىّ المغّى أنه كان حاضر المجلس، قال ابن الحفصىّ: وما كان أحدٌ ممن يأكل [بين يديه] (١) حاضراً غيرى وغير عَشْعت وزُنام وبُنان غلام أحمد بن يحيى بن معاذ؛ فإنه جاءمع المنتصر. قال: وكان المتوكل والفتح بن خاقان يأكلان معًاً، ونحن فى ناحية بإزائهم والندماء مفترقون فى حجرهم ؛ لم يدع بأحد منهم بعد . قال ابن الحفصىّ: فالتفت إلىّ أمير المؤمنين ، فقال : كلْ أنتَ وعشْعت بين يدىّ. ويأكل معكما نصر بن سعيد الجِهْبذ؛ قال : فقلت: يا سيدىّ ، نصر واللّه يأكلنى، فكيف ما يوضع بين أيدينا! فقال: كلُوا بحياتى ؛ فأكلنا ثم علَّقنا أيدينا بحذائِه . قال : فالتفت أميرُ المؤمنين التفاتةً ، فنظر إلينا معلّقى الأيدى ، فقال : ما لكم لا تأكلون ؟ قلت : يا سيّدى، قد نفد ما بين أيدينا؛ فأمر أن يُزاد ، فغُرِف لنا من بين يديه . قال ابن الحفصىّ : ولم يكن أميرُ المؤمنين فى يوم من الأيام أسرّ منه فى ذلك اليوم. قال: وأخذ مجلسته، ودعا بالندماء والمغنِّين فحضروا، وأهدت إليه قَبيحة أمّ المعتز مُطرَف خزّ أخضر؛ لم ير الناس مثله حسنًا، فنظر إليه فأطال النظر (٢)، فاستحسنه وكثر تعجّبه منه ، وأمر به فقطيع نصفين، وأمر بردّه عليها (٣)، ثم قال لرسولها: أذْكَرَتْنى به، ثم قال: والله إنّ نفسى لتحدّثنى أنى لا ألبسه، وما أحبّ أن يلبسه أحد بعدى ، وإنما أمرت بشقّه لئلا يلبسه أحد بعدى (٤)، فقلنا له : يا سيّدنا ، هذا يوم سرور (١) تكملة من ا. (٢) ف: ((إليها)). (٢) ف: ((فأطال النظر إليه)). (٤) ف: ((غيرى)). ٢٢٥ سنة ٢٤٧ يا أمير المؤمنين نعيذك بالله أن تقول هذا يا سيّدنا، قال: وأخذ فى الشراب واللهو ، ولهج بأن يقول (١): أنا واللّه مفارقكم عن قليل، قال: فلم يزل فى لهوه وسروره إلى الليل . وذكر بعضهم أنّ المتوكل عزم هو والفتح أن يصيّرا غداءهما عند عبد الله ابن عمر البازيار يوم الخميس لخمس ليال خلْون من شوال ؛ على أن يفتك بالمنتصر، ويقتل وصيفا وبُنا وغيرهما من قُوّاد (٢) الأتراك ووجوههم؛ فكثر عبدُه يوم الثلاثاء قبل ذلك بيوم ــ فيما ذكرابن الحفصىّ - بابنه المنتصر مرّة يشتمه، ومرّة يسقيه فوق طاقته، ومرّةً يأمر بصفعه، ومرّةً يتهدّده بالقتل . ١٤٥٧/٣ فذكر عن هارون بن محمد بن سليمان الهاشمىّ أنه قال: حدثنى بعض مَنْ كان فى الستارة من النساء ، أنه التفت إلى الفتح، فقال له: برئت من الله ومن قرابتى من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم تلطمْه - يعنى المنتصر - فقام الفتح ولطَمه مرّتين؛ يمرّ يده على قفاه ، ثم قال المتوكّل لمن حضر : اشهدوا جميعًا أنى قد خلعتُ المستعجل - المنتصر - ثم التفت إليه ، فقال : سمّيتُك المنتصر ، فسماك الناس لحمقك المنتظر ، ثم صرت الآن المستعجل ، فقال المنتصر : يا أميرَ المؤمنين، لو أمرتّ بضرب عنقى كان أسهلّ علىّ مما تفعله بى ، فقال: اسقوه ، ثم أمر بالعشاء فأحضر وذلك فى جوف الليل ، فخرج المنتصر من عنده ، وأمر بُنَاناً غلام أحمد ابن يحبى أن يلحقه : فلمّا خرج وضعت المائدة بين يدى المتوكل ، وجعل يأكلها ويلقم وهو سكران . وذُكرعن ابن الحفصىّ أنّ المنتصرلما خرج إلى حُجْرته أخذ بيد زرافة، فقال له: امض معى، فقال: يا سيّدى؛ إنّ أمير المؤمنين لم يقُ، فقال: إن أمير المؤمنين قد أخذه النبيذ ، والساعة يخرج بُغا والندماء ؛ وقد أحببت أن تجعل أمر ولدك إلىّ، فإن أوتامش سألنى أن أزوج ابنته من ابنتك، وابذلك من ابنته ، فقال له زُرافة : نحن عبيدك يا سيدى ، فمرنا بأمرك . وأخذ المنتصر (٢) ف: ((القواد)). (١) كذا فى ا، وفى س: ((يقول)). ١٤٥٨/٣ تاريخ الطبرى - تاسع ٢٢٦ سنة ٢٤٧ بیده وانصرف به معه . قال: وكان زُرافة قد قال لى قبل ذلك : ارفق بنفسك، فإنّ أمير المؤمنين سكران والساعة يُفيق(١)، وقد دعانى تمرة، وسألنى أن أسألك أن تصير إليه فنصير جميعًا إلى حجرته. قال: فقلت له: أنا أتقدّمّك إليه، قال : ومضى زرافة مع المنتصر إلى حجرته . فذكر بُنان غلام أحمد بن يحيى أنّ المنتصر قال له : قد أملكتُ ابن زرافة من ابنة أوتامش وابن أو تامش من ابنة زرافة ؟ قال بُنان : فقلت للمنتصر : يا سيدى ، فأين النّثار فهو يُحسّن الإملاك؟ فقال: غداً إن شاء اللّه؛ فإنّ الليل قد مضى. قال : وانصرف زرافة إلى حجرة ثمرة ، فلما دخل دعا بالطعام فأتِىَ به ، فما أكل إلا أيسر ذلك حتى سمعنا الضّجة والصراخ ؛ فقمنا ، فقال بنان : فما هو إلاّ أن خرج زرافة من منزل ثمرة ؛ إذا بُغا استقبل المنتصر، فقال المنتصر: ما هذه الضجة؟ قال: خيريا أمير المؤمنين ، قال: ما تقول ، ويلك ! قال : أعظم الله أجرك فى سيدنا أمير المؤمنين ! كان عبدًا لله دعاه فأجابه، قال: فجلس المنتصر؛ وأمر بباب البيت الذى قُتل فيه المتوكل والمجلس، فأغلق وأغلقت الأبواب كلها ، وبعث إلى وصيف يأمره بإحضار المعتزّ والمؤيد عن رسالة المتوكل . وذكر عن عَفْعَت أنّ المتوكل دعا بالمائدة بعد قيام المنتصر وخروجه ومعه زرافة، وكان بُغا الصغير المعروف بالشرابىّ قائمًا عند الستر؛ وذلك اليوم كان نوبة بغا الکبیر فی الدار ؛ وکان خليفته فى الدار ابنه موسى - وموسى هذا هو ابن خالة المتوكل ، وبُغا الكبير يومئذ بسُميساط ـ فدخل بُغا الصغير إلى المجلس ، فأمر الندماء بالانصراف إلى حُجرهم ، فقال له الفتح : ليس هذا وقت انصرافهم ، وأمير المؤمنين لم يرتفع ، فقال له بغا: إن أمير المؤمنين أمرنى إذا جاوز السبعة ألاّ أترك فى المجلس أحداً، وقد شُرُّبَ أربعة عشر رطلا ، فكره الفتح قيامتهم، فقال له بغا: إن حُرّم أمير المؤمنين خلْف الستارة، وقد سكر ، فقوموا. فاخرجوا ، فخرجوا جميعاً ، فلم يبق إلا الفتح وعثعث وأربعة من خدم الخاصّة ؛ منهم(٢) شفيع وفرج الصّغير ومؤنس وأبو عيسى مارد ١٤٥٩/٣ (١) ف: ((يرتفع)) (٢) ف: (معهم)). ٢٢٧ سنة ٢٤٧ المحْرِزِىّ . قال : ووضع الطباخ المائدة بين يدى المتوكل ، فجعل يأكل ويلقم ، ويقول لمارد : كل معی حتی أ کل بعض طعامه وهو سكران، ثم شرب أيضًا بعد ذلك . فذكر عثعت أن أبا أحمد بن المتوكل أخا المؤيد لأمه - كان معهم فى المجلس ، فقام إلى الخلاء ، وقد كان بُغا الشرابىّ أغلق الأبواب كلها غير باب الشطة، ومنه دخل القوم الذين عُيُّنُوا لقتْله، فبصرُبهم أبو أحمد ، فصاح بهم: ما هذا يا سفل! وإذا بسيوف مسلّلة(١)، قال: وقد كان تقدّم النفرّ ٣٪. الذين تولوا قتله بغلون الترکی وباغر وموسی بن بغا وهارون بن صوارتکین وبغا الشرابىّ ؛ فلمَّا سمع المتوكل صوتَ أبى أحمد رفع رأسه، فرأى القوم ، فقال : يا بغا، ما هذا ؟ قال: هؤلاء رجال النوبة التى تبيت على باب سيدى أمير المؤمنين، فرجع القوم إلى ورائهم عند كلام المتوكل لبُغا ؛ ولم يكن واجن وأصحابه وولد وصيف حضروا معهم بعد. قال عثعث : فسمعت بُغا يقول لهم: يا سفل، أنتم مقتولون لا محالة ، فموتوا كراماً؛ فرجع القوم إلى المجلس ، فابتدره بغلون فضربه ضَرْبَةٌ على كَتِفه وأذنه فقدّه ، فقال : مهلا قطع اللّه يدك ! ثم قام وأراد الوُثُوب به ، فاستقبله بيده فأبانها ، وشركه باغر ، فقال الفتح : ويلكم ، أمير المؤمنين !فقال بغا: يا حَلَقَىّ، لا تَسْكُتُ! فرمى الفتح بنفسه على المتوكل، فبجعه هارون بسيفه، فصاح: الموت! واعتوره هارون وموسى بن بُغا بأسيافهما ، فقتلاه وقطعاه ، وأصابت عثعتَ ضربة فى رأسه . وكان مع المتوكل خادم صغير ، فدخل تحت الستارة، فنجا، وتهارب (٢) الباقون . قال: وقد كانوا قالوا لوصيف فى وقت (٣) ما جاءوا إليه: كن معنا فإنا نتخوق ألاّ يتم ما نريد فنقتَّل ، فقال : لا بأس عليكم، فقالوا له: فأرسل معنا بعض ولدك، فأرسل معهم خمسة من ولده: صالحًا، وأحمد، وعبد الله، ونصراً، وعبيد اللّه؛ حتى صاروا إلى ما أرادوا . ١٤٦١/٣ وذكر عن زُرْقان خليفة زرافة على البوابين وغيرهم أنّ المنتصر لما أخذ بيد (١) ف: ((بسيوف مستلة)) .. (٣) فى ((عندما)). (٢) ا، د: ((وتطاير» ، ف: ((وتهارب)). ٢٢٨ سنة ٢٤٧ زرافة فأخرجه من الدّار ودخل القوم ، نظر إليهم عثعث، فقال للمتوكل : قد فرغنا من الأسد والحيات والعقارب ، وصرنا إلى السيوف ؛ وذلك أنه كان ربما أشلى الحيّة والعقرب أو الأسد ؛ فلما ذكر عثعث السيوف ، قال له : ويلك!أىّ شىءٍ تقول (١)؟ فما استثم"(٢) كلامه حتى دخلوا عليه، فقام الفتح فى وجوههم ، فقال لهم: يا كلاب؛ وراء كم وراءكم! فبدر إليه بُغا الشرابىّ، فبعج بطنه بالسَّيف، وبدر الباقون إلى المتوكل ، وهرب عثعث على وجهه . وكان أبو أحمد فى حُجْرته ، فلما سمع الضجة خرج فوقع على أبيه ، فبادره بغلون فضربه ضربتين ؛ فلما رأى السيوف تأخذه خرج وتركهم ، وخرج القوم إلى المنتصر ، فسلّمُوا عليه بالخلافة ، وقالوا : مات أمير المؤمنين، وقاموا على رأس زرافة بالسيوف ، فقالوا له : بايع، فبايعه. وأرسل المنتصر إلى وصيف : إنّ الفتح قتل أبى ، فقتلتُه ، فاحضر فى وجوه أصحابك. فحضر وصيف وأصحابه فبايعوا . قال : وكان عبيد الله بن يحيى فى حجرته لا يعلم بشىء من أمر القوم ينفذ الأمور . ١٤٦٢/٣ وقد ذكر أنّ امرأة من نساء الأتراك ألقت رقعة تخبر ما عزم عليه القوم ، فوصلت الرُّقعة(٣) إلى عبيد اللّه، فشاور الفتحَ فيها؛ وكان ذلك وقع إلى أبى نوح عيسى بن إبراهيم كاتب الفتح بن خاقان ، فأنهاه إلى الفتح ، فاتفق رأيهُم على كمان المتوكل لما رأوا من سروره ؛ فكرهوا أن ينغِّصوا عليه يومه؛ وهان عليهم أمرُ القوم ، ووثقوا بأنّ ذلك لا يجسر عليه أحد ولا يقدر . فذُكر أنّ أبا نوح احتال فى الهرب من ليلته، وعبيد اللّه جالس فى عمله ينفذ الأمور (٤)، وبين يديه جعفر بن حامد، إذْ طلع عليه بعض الحدم، فقال: يا سيدىّ، ما يجلسك؟ قال: وماذاك ! قال : الدار سيف واحد، فأمر جعفراً بالخروج؛ فخرج وعاد؛ فأخبره أنّ أمير المؤمنين والفتح قد قتلا، فخرج فيمن معه من خدمه وخاصّته، فأخبر أنّ الأبواب مغلقة، فأخذ نحو الشط، فإذا أبوابه أيضًا مغلقة ، فأمر بكسر ما كان مما يلى الشطّ ، فكسرت ثلاثة أبواب حتى (١) بعدها فى ا: ((أى سيوف)) (٣) فى: ((فصارت الرقعة)). (٢) فى ((فلا يستتم)). (٤) فى: ((ينفذ أمور السلطان)). ٢٢٩ سنة ٢٤٧ ١٤٦٣/٣ خرج إلى الشطّ ، فصار إلى زورق (١)، فقعد فيه ومعه جعفر بن حامد ، وغلام له ، فصار إلى منزل المعتزّ ، فسأل عنه فلم يصادفه ؛ فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ! قتلى وقتل نفسه، وتلهّف عليه، واجتمع إلى عبيد الله أصحابُه غداة يوم الأربعاء من الأبناء والعجم والأرمن والزّواقيل والأعراب والصّعاليك وغيرهم [وقد اختلف فى عدّتهم (٢)]، فقال بعضهم: كانوا زهاء عشرين ألف فارس وقال آخرون : كان معه ثلاثة عشر ألف رجل ، وقال آخرون : كان معه ثلاثة عشر ألف لحام، وقال المقلّلون: ما بين الخمسة آلاف إلى العشرة آلاف؛ فقالوا له : إنما كنت تصطنعنا لهذا اليوم ، فأمُر بأمرك ، وأذن لنا تميلْ على القوم ميلة؛ نقتل المنتصر ومَنْ معه من الأتراك وغيرهم . فأبى ذلك ، وقال: ليس فى هذا حِيلة، والرجل فى أيديهم - يعنى المعتزّ. وذُكر عن علىّ بن يحيى المنجم أنه قال : كنت أقرأ على المتوكل قبل قتله بأيام كتابًا من كتب الملاحم ، فوقفت على موضع من الكتاب فيه : إن الخليفة العاشر يُقتل فى مجلسه، فتوقّفت عن قراءته وقطعتُه، فقال لى : مالك قد وقفت ! قلت : خير، قال: لا بدّ واللّه من أن تقرأه، فقرأته وحدْتُ عن ذكر الخلفاء؛ فقال المتوكل : ليت شعرى مَنْ هذا الشّىّ المقتول! وذُكر عن سلمة بن سعيد النصرانىّ أنّ المتوكل رأى أشُوط بن حمزة الأرمنىّ قبل قتله بأيام، فتأفّف برؤيته ، وأمر بإخراجه ، فقيل له : یا أمير المؤمنين ؛ أليس قد كنت تحبُ خدمته ؟ قال : بلى ، ولکی رأيت فى المنام منذ لیال کأنى قد ر کبته ، فالتفت إلى وقد صار رأسه مثل رأس البغل الكلية فقال لى: إلى كم تؤذينا! إنما بقى من أجلك تمام خمسة عشر سنة غير أيام . قال : فكان بعدد أيام خلافته . ١٤٦٤/٣ وذ کر عن ابن أبى ربعی أنه قال : رأيتُ فی منامی کأنّ رجلا دخل من باب الرَّسْتَن على عجلة ووجهه إلى الصحراء وقفاه إلى المدينة ، وهو ينشد : (١) ف: ((فنزل إلى زورق)). (٢) تكملة من ا. (٣) ف: ((البعير)). ٢٣٠ سنة ٢٤٧ بالدمع سحًا واسبلى يا عَينُ ويلكِ فاهملى مةِ قِتِلُةُ المتوكل دَلَّتْ على قرْبٍ القيا وذكر أن حُبشىّ بن أبى ربعىّ مات قبل قَتْل المتوكل بسنتين. وذكر عن محمد بن سعيد ، قال : قال أبو الوارث قاضى نتَصِيبين : رأيت فى النوم آتياً أتانى ، وهو يقول : ما بالُ عينِكَ لا تبكى بتَهتانِ! يانائمَ العينِ فى جُمَانِ یقظانِ بالهاشمىِّ وبالفتح بن خاقان ! أَما رأَيتَ صُرُوفَ الدهرِ ما فَعَلَتْ حتى يصيروا كأمسٍ الذاهِب الفانى وسوفَ يَتبِعُهُمْ قَومٌ لهم غَدَروا ١٤٦٥/٣ فأتى البريد بعد أيام بقتلهما جميعًا . قال أبو جعفر : وقتل ليلة الأربعاء بعد العتمة بساعة لأربع خلون من شوال - وقيل: بل قتل ليلة الخميس - فكانت خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام . وقتل يوم قُتل وهو - فيما قيل - ابن أربعين سنة؛ وكان ولد بفم الصِّلح فى شوال من سنة ست ومائتين . وكان أسمر حسن العينين خفيف العارضين نحيفاً . # * ذكر الخبر عن بعض أمور المتوكل وسيرته : ◌ُذكر عن مروان بن أبى الجَنوب أبى السمط، أنه قال : أنشدتُ أمير المؤمنين فيه شعراً ، وذكرتُ الرَّافضة فيه ، فعقد لى على البحرين واليمامة ، وخلّع علىّ أربع خِلَع فى دار العامّة ، وخلع علىّ المنتصر وأمر لى بثلاثة آلاف دينار ، فثرت على رأسى ، وأمر ابنه المنتصر وسعداً الإيتاخىّ يلقطانها لى ، ولا أمسّ منها شيئًا؛ فجمعاها (١)، فانصرفت بها . (١) بعدها فى ف: ((وانصرفا)). ٠٫٦ ٢٣١ سنة ٢٤٧ قال : والشعر الذى قال فيه : سَلامَهْ الدين والدنيا مُلك الخليفةِ جعفرٍ وبِعَدْلِكُمْ تُنفَى الظلامه لكمُ تراث محمدٍ يرجو الثُّراثَ بنو البنا تِ وما لهم فيها قُلامَةْ ١٤٦٦/٣ والبنتُ لا تَرث الإِمامهْ والصِّهِرُ ليس بوارثٍ ما للذينَ تَنَخَّلوا ميراثكمْ إِلا الندامة فَعَلامَ لوُكُمُ علامةْ ! أَخَذ الوراثةَ أَهلُها قامتْ على الناس القيامه لَوْ كَانَ حقُّكُمُ لَما (١) لَّ والإِلهِ ولا حَرَّامَةْ لَيْس الثُّرَاثُ لغیرکمْ والمُبْغضِينَ لَكُمْ علامُةْ أَصْبَحْتُ بين محبِّكْ ثم نشَر على رأسى بعد ذلك لشعر قلته فى هذا المعنى - عشرة آلاف درهم. وذكر عن مروان بن أبى الجَنوب ، أنه قال : لما استُخلف المتوكل بعثتُ بقصیدة - مدحتُ فيها ابن أبى دواد - إلى ابن أبىدواد،و کان فىآخرها بيتان ذكرت فيهما أمر ابن الزيات وهما : وقيل لِيَ الزَّيات لاقى حِمامهُ فقلت أَتالى اللهُ بالفتح والنصرٍ فأُلقِىَ فيها بالخيانةِ والغدرِ لقد حَفَرَ الزياتُ بالغدر حُفْرَةً قال : فلما صارت القصيدة إلى ابن أبى دواد ذكرها المتوكل ، وأنشده البيتين فأمره بإحضاره ، فقال : هو باليمامة ، كان الواثق نفاه لمودّته لأمير المؤمنين. قال: يُحمَل، قال: عليه دين، قال: كَمْ هو ؟ قال: ستة آلاف دينار، قال: يُعطاها، فأعطِىَ وحُمل من اليمامة، فصار إلى ١٤٦٧/٣ سامرًا، وامتدح المتوكل بقصيدة يقول (٢) فيها: رَحَلَ الشبابُ وليتَهُ لم يَرْحَلِ والشيبُ حل ولَيْتَهُ لم يَحلُلِ (٣) (١). ط: ((لها)) وما أثبته منا. (٢) س: ((يذكر)). (٣) ف: ((فليته)). ٢٣٢ سنة ٢٤٧ فلما صار إلى هذين البيتين من القصيدة : جاءَتْ بِلاَ طَلَبٍ ولا بِتَنَخُلٍ كانتْ خلافة جعفر كنبوَّةٍ وهَبَ النبوّةَ للنبىِّ المُرْسَلِ وهبَ الإِلهُ له الخلافةَ مثل ما أمر له بخمسين ألف درهم . وذكر عن أبى يحيى بن مروان بن محمد الشىّ الكلبىّ ، قال: أخبرنى أبو السمط مَرْوان بن أبى الجَنوب، قال: لمّا صرتُ إلى أمير المؤمنين المتوكل على الله مدحت ولاة العهود ، وأنشدته : وياحبّذا نَجْدُ على النأَىِ والْبُعْدِ! سَفَى اللهُ نجْدًا والسلامُ على نجْدٍ لَعَلِّى أرى نَجْدًا وهَيْهاتَ مِنْ نَجْدِ! نَظَرْتُ إِلا تَجْدٍ وبَغدادُ دُونَهَا وَلَا شَىءَ أَحْلَى من زيارتهم عِنْدِى ونجدٌ بها قومٌ هواهُمْ زیارِتِی ١٤٦٨/٣ قال : فلمّا استتممت إنشادها، أمرلى بعشرين ومائة ألف درهم وخمسين ثوبًا وثلاثة من الظّهر : فرس وبغلة وحمار ، فما برحت حتى قلت فى شكره : فَمِلَّكَهُ أَمرَ العبادِ تَخَيُّرًا تخيَّرَ ربّ الناسِ للناسِ جعفرًا قال : فلما صرتُ إلى هذا البيت : فأمسِكْ نَدَى كَفَّيْكَ عنِّى ولا تَزِدْ فقد خِفِت أَنْ أَطغَى وَأَنْ أَتَجَبَّرَا قال: لا والله، لا أمسك حتى أعرِّفك بجودى، ولا برحتَ حتى تسأل حاجة ؛ قلت : يا أميرَ المؤمنين ، الضيعة التى أمرت بإقطاعى إياها بالمامة ؛ ذكر ابن المدبر أنها وقْف من المعتصم على ولده ، ولا يجوز إقطاعها . قال : فإنى أقبَّلكها بدرهم فى السنة مائة سنة ، قلت : لا يحسن يا أمير المؤمنين أن يؤدّى درهم فى الديوان ، قال : فقال ابن المدبر : فألف درهم ؟ فقلت : نعم ، فأنفذها لى ولعقبى ، ثمّ قال: ليس هذه حاجة ، هذه قبالة ، قلت : فضياعى التى كانت لى كان الواثق أمر بإقطاعى إياها ، فتفانى ابن الزيات ، ١٤٦٩/٣ وحال بينى وبينها، فتُنفذها لى. فأمر بإنفاذها بمائة درهم فى السنة وهى السَّيُوح. 2 ٢٣٣ سنة ٢٤٧ وذُكرعن أبى حشيشة أنه كان يقول: كان المأمون يقول: إنالخلیفة بعدی فى اسمه عين، فكان يُظَنُّ أنه العباس ابنه فكان المعتصم ، وكان يقول: وبعده هاء ، فيظنّ أنه هارون، فكان الواثق؛ وكان يقول: وبعده أصفر الساقين؛ فكان يظنّ أنه أبو الحائز (١) العباس فكان المتوكل ذلك،فلقد رأيته إذا جلس على السرير يكشف ساقيه ؛ فكانا أصفرين ؛ كأنما صُبِغا بزعفران . وذُكر عن يحيى بن أكثم ، أنه قال : حضرتُ المتوكل ، فجرى بينى وبينه ذكرُ المأمون وكتبه إلى الحسن بن سهل ، فقلت بتفضيله وتقريظه ووصف محاسنه وعلمه ومعرفته ونباهتِه قولا كثيراً ؛ لم يقع بموافقة بعض من حضر ؛ فقال المتوكل : كيف كان يقول فى القرآن ؟ قلت : كان يقول : ما مع القرآن حاجة إلى علم فرض ، ولا مع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وَحْشة إلى فعل أحد؛ ولا مع البيان والإفهام حجّة لتعلّم، ولا بعد الجحود للبرهان والحقّ إلا السيف لظهور الحجة. فقال له المتوكل: لم أرِدْ منك ما ذهبت إليه من هذا المعنى ، قال له يحيى : القول بالمحاسن فى المغيب فريضة على ذى نعمة ، قال : فما كان يقول خلال حديثه ؛ فإن المعتصم بالله يرحمه اللّه كان يقوله ، وقد أنسيته ؟ فقال : كان يقول: اللهم إنى أحمدك على النّعم التى لا يحصيها أحدٌ غيرُك، وأستغفرك من الذنوب التى لا يحيط بها إلا عفوك. قال : فما كان يقول إذا استحسن شيئًا أو بُشِّرَ بشىء ، فقد كان المعتصم باللّه أمر على بن يَزْداد أن يكتبه لنا؛ فكتبه فعلِّمناه ثم أنسيناه؟ قال : كان يقول: إنَّ ذِكِرَ آلاء اللّه ونشرَها وتعداد نِعَمِه والحديث بها فرض من اللّه على أهلها، وطاعة لأمره فيها، وشكرٌ له عليها؛ فالحمد لله العظيم الآلاء، السابع النَّعماء بما هو أهله، ومستوجبه من محامده القاضية حقه، البالغة شُكرّه ، الموجبة مزيدَه على ما لا يحصيه تعدادُنا، ولا يحيط به ذكرُنا ، من ترادُفٍ مِنَنِه، وتابع فضله، ودوام طَوْله، حَمْد من يعلم أن ذلك منه، والشكر له عليه . فقال المتوكل: صدقت، هذا هو الكلام بعينه ، وهذا كلّه حُكم من ذى حُنْكة وعلم ؛ وانقضى المجلس . ١٤٧٠/٣ (١) كذا وردت الكلمة فى جميع الأصول. ٢٣٤ سنة ٢٤٧ وقدم فى هذه السنة محمد بن عبد الله بن طاهر بغداد منصرفًا من مكة فى صفر ؛ فشكا ما ناله من الغمّ بما وقع من الخلاف فى يوم النَّحر؛ فأمر المتوكل بإنفاذ خريطة صفراء من الباب إلى أهل الموسم برؤية هلال ذى الحجة، وأن يُسار بها كما يساربالخريطة الواردة بسلامة الموسم، وأمر أن يقام على المشعر الحرام وسائر المشاعر الشَّمع مكان الزيت والنّفط. ١٤٧١/٣ وفيها ماتت أمّ المتوكل بالجعفرية لستّ خلوْن من شهر ربيع الآخر (١) وصلّى عليها المنتصر ، ودُفِنت عند المسجد الجامع . # ٥ خلافة المنتصر محمد بن جعفر وفيها بُويع للمنتصر محمد بن جعفر بالخلافة فى يوم الأربعاء لأربع خلون من شوال- وقيل لثلاث خلون منه- وهو ابن خمس وعشرين سنة . وكنيته أبو جعفر بالجعفرية، فأقام بها بعد ما بويع له عشرة أيام ، ثم تحوّل منه بعياله وقوّاده وجنوده إلى سامراً . وكان قد بايعه ليلة الأربعاء الذين ذكرناهم قبلُ ، فذُكر عن بعضهم ، أنه قال : لمّا كان صبيحة يوم الأربعاء ، حضر الناس الجعفريّة من القوّاد والكتّاب والوُجوه والشاكرّية والجُند وغيرهم؛ فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتابًا يخبر فيه عن أمير المؤمنين المُنْتَصر؛ أن الفتح بن خافان قتل أباه جعفراً المتوكل ، فقتله به، فبايع الناس، وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان ، فبايع وانصرف . وذكر عن أبى عثمان سعيد الصغير أنه قال: لما كانت الليلة التى قُتِل فيها المتوكل ، كنا فى الدّار مع المنتصر ؛ فكان كلّما خرج الفتْح خرج معه ، وكلّما رجع قام لقيامه وجلس لجلوسه، وخرج فى أثره ؛ وكلّما ركب أخذ بركابه، وسوّى عليه ثيابه فى سَرْج دابته؛ وكان اتّصل بنا الخبر أن عبيد الله بن يحيى قد أعدّ له قومًا فى طريقه ليغتالوه عند انصرافه؛ وقد كان ١٤٧٢/٣ (١) ف: ((الأول)). ٢٣٥ سنة ٢٤٧ المتوكل أسمعه وأحفظه قبل انصرافه ، ووثب به ؛ فانصرف على غضب ، وانصرفنا معه ، فلمّا صار إلى داره أرسل إلى نُدمائه وخاصّته - وقد كان واعد الأتراك على قتل المتوكل قبل انصرافه إذا ثمل من النبيذ - قال : فلم ألبث أن جاءنى الرّسول : أن احضر فقد جاءت رسل أمير المؤمنين إلى الأمير ؛ وهو على الركوب ؛ فوقع فى نفسى ما كان دار بيننا أنهم على اغتيال المنتصر ؛ وأنه إنما يُدعى لذلك؛ فركبت فى سلاح وعِدّة ، وصرت إلى باب الأمير، فإذا هم يموجون؛ وإذا واجن قد جاءه فأخبره أنه قد فَرَغَ (١) من أمره ، فركب فلحقتُهُ فى بعض الطريق وأنا مرعوب ؛ فرأى ما بى ، فقال : ليس عليك ! إنّ أمير المؤمنين قد شرق بقدح شربه بعد انصرافنا ، فمات رحمه الله . فأكبرت ذلك ، وشقّ علىّ ، ومضينا وأحمد بن الخصيب وجماعة من القوّاد معنا حتى دخلنا الخيْر (٢) ، وتتابعت الأخبار بقتل المتوكّل، فأخذت الأبواب، ووُكّل بها، وقلت : يا أميرَ المؤمنين، وسلَّمْتُ عليه بالخلافة ، وقلت : لا ينبغى أن نفارقك لموضع الشَّفَقة عليك من مواليك فى هذا الوقت ، قال: أجل ؛ فكن أنت من ورائی وسلیمان الرومىّ. وألقى مندیلٌ ، فجلس عليه ، وأحطْنا به ، وحضر أحمد بن الخصيب وكاتبه سعيد بن حميد لأخذ البيعة . فذكر عن سعيد بن حُميد أن أحمد بن الخصيب ، قال له : ويلك يا سعيد! معك (٣ كلمتان أو ثلاث٣) تأخذ بها البيعة ، قلت : نعم؛ وكلمات . وعملت كتاب البيعة ، وأخذتها على مَنْ حضر وكلّ من جاء حتى جاء سعيد الكبير ، فأرسله إلى المؤيّد ، وقال لسعيد الصغير : امض أنت إلى المعتزّ حتى تُحضره، قال سعيد الصغير: فقلت : أمّا ما دمْتَ يا أمير المؤمنين فى قلّة ممّن معك فلا أبرح والله من وراء ظهرك؛ حتى يجتمع الناس. قال أحمد بن الخصيب : ها هنا مَنْ يكفيك ، فامض ؛ فقلت : لا أمضى حتى يجتمع معَنْ يكفى؛ فإنَّى الساعة أوْلى به منك! فلما كثر القوّاد، وبايعوا، ومضيت وأنا آيس من نفسى ، ومعى غلامان ؛ فلما صرتُ إلى باب أبى نوح ، ١٤٧٣/٣ (٢) الخير : قصر كان بسر من رأى . (١) ط: ((فرع))، تصحيف. (٣-٣) ف: ((كلمات)). ٢٣٦ سنة ٢٤٧ والناس يموجون ويذهبون ويجيئون؛ وإذا على الباب جمعٌ كبير فى سلاح وعِدّة، فلما أحسُّوا بى لحقنى فارس منهم؛ فسألنى وهو لا يعرفى: مَنْ أنت ؟ فعمَّيَّت عليه خبرى، وأخبرته أنَّى مِنْ بعض أصحاب الفتح ، ومضيتُ حتى صرت إلى باب المعتزّ، فلم أجد به أحداً من الحرس والبوابين والمكبرين(١) ولا خلقًا من خلق اللّه حتى صرت إلى الباب الكبير، فدقَقتُه دقًّا عنيفًا مفرطًا، فأجبت بعد مدّة طويلة ، فقيل لى : من هذا ؟ فقلت : سعيد الصغير ؛ رسول أمير المؤمنين المنتصر؛ فمضى الرّسول، وأبطأ علىّ، وأحسست بالمنكر وضاقت علىّ الأرض. ثم فُتح الباب فإذا ببيدون الخادم قد خرج ؛ وقال لى : ادخل وأغلق الباب دونى ، فقلت : ذهبتْ واللّه نفسى ، ثم سألنى عن الخبر، فأخبرته أنَّ أمير المؤمنين شرق بكأسٍ شربها ومات من ساعته ؛ وأن الناس قد اجتمعوا وبايعوا المنتصر ، وأنه أرسلنى إلى الأمير أبى عبد الله المعتزّ بالله ليحضر البَيْعة. فدخل ثم خرج إلىّ ؛ فقال : ادخل ، فدخلت على المعتزّ ؛ فقال لى : ويلك يا سعيد ! ما الخبر ؟ فأخبرته بمثل ما أخبرت به بيدون ، وعزّيته وبكيت ، وقلت : تحضر يا سيّدى، وتكون فى أوائل مَنْ بايع ، فتستدعى بذلك قلب أخيك ، فقال لى : ويلك حتى نصبح ! فما زلت أفتِلُه فى الحبل والغارب ؛ ويُعيننى عليه بيدون الخادم، حتى تهيأ للصلاة، ودعا بثيابه فلبستها ، وأخرج لهدابة، وركب وركبت معه، وأخذت طريقاً غير طريق الجادّة ، وجعلت أحدثه وأسهل الأمر عليه ، وأذكره أشیاء يعرفها من أخيه، حتى إذا صرنا إلى باب عبيد الله بن يحيى بن خاقان سألنى عنه ، فقلت : هو يأخذ البيعة على الناس، والفتح قد بايع ، فيئس (٢) حينئذ ؛ وإذا بفارس قد لحق بنا ، وصار إلى بيدون الخادم ، فسارّه بشىء لا أعلمه ، فصاح به بيدون ؛ فمضى ثم رجع ثلاثاً ؛ كلّ ذلك يردّه بيدون ويصيح به : دعنا ؛ حتى وافينا بابَ الحَيْر فاستفحته فقيل لى: مَنْ أنت ؟ قلت : سعيد الصغير والأمير المعتزّ ، ففُتح لى الباب، وصرفا إلى المنتصر ؛ فلمَّا رآه قرّبه وعانقه وعزّاه ، وأخذ البيعة عليه ؛ ثم وافى المؤيد مع سعيد الكبير ، ففعل به مثل (١) ط: ((والمكترين)). صوابه من ا، د. (٢) كذا فى ١، د، وفى ط: ((تأنس)» ١٤٧٤/٣ ٣ /١٤٧٥ ٢٣٧ سنة ٢٤٧ ذلك، وأصبح الناس ، وصار المنتصر إلى الجعفرىّ. فأمر بدفن المتوكل والفتح، وسكن الناس ، فقال سعيد الصغير : ولم أزل أطالب المعتزّ بالبُشرى بخلافة المنتصر وهو محبوس فى الدار ؛ حتى وهب لى عشرة آلاف درهم . ٠ وفى (١) هذه السنة خلع المعتز والمؤيد أنفسهما ، وأظهر خلعهما فى القصر الجعفری المحدث١) وكانت نسخة البيعة التى أخذت للمنتصر : بسم الله الرحمن الرحيم. تُبايعون عبدَ الله المنتصر بالله أمير المؤمنين بسَيْعة" طوع واعتقاد ورضاً ، ورغبة بإخلاص من سرائركم، وانشراح من صدوركم، وصدق من نياتكم ؛ لا مكرّهين ولا مجبرين، بل مقرّين عالمين بما فى هذه البَيْعة وتأكيدها من طاعة الله وتَقْواه، وإعزاز دين الله وحقه، ومن عموم صلاح عباد اللّه، واجتماع الكلمة ، ولمّ الشعث، وسكون الدهماء، وأمْن العواقب ، وعزّ الأولياء، وقسَمْع الملحدين؛ على أن محمداً الإمام المنتصر بالله عبد الله وخليفته المفترض عليكم طاعته ومناصحته والوفاء بحقه وعقده ، لا تشكّون ولا تُدْهنون، ولا تميلون ولا ترتابون؛ وعلى السَّمْع له ، والطاعة والمسالمة ، والنُّصرة والوفاء والاستقامة، والنصيحة فى السرّ والعلانية، والحُفوف والوقوف عند كلّ ما يأمر به عبد اللّه الإمام المنتصر بالله أمير المؤمنين؛ وعلى أنّكم أولياء أوليائه، وأعداء أعدائه؛ من خاصٌ وعامٌ، وأبعد وأقربَ ، وتتمسكون ببيعته بوفاء العقد، وذمة العهد ؛ سرائرُكم فى ذلك مثل علانيتكم ، وضمائركم مثل ألسنتكم ؛ راضين بما يرضاه لكم أمير المؤمنين فى عاجيلكم وآجلكم . وعلى إعطائكم أمير المؤمنين بعد تجديدكم بيعته هذه على أنفسكم، وتأكيد كم إياها فى أعناقكم ؛ صَفْقة أيمانكم، راغبين طائعين، عن سلامة من قلوبكم وأهوائكم ونياتكم؛ وعلى ألاّ تسعوا فى نقض شىء مما أكد اللّه عليكم، وعلى ألا يميل بكم مميل فى ذلك عن نُصرة وإخلاص، ونصح وموالاة ، وعلى ألاّ تبدّلوا، ولا يرجع منكم راجع عن نيّته ، وانطوائه إلى غير علانيته ، وعلى أن تكون ١٤٧٦/٣ (١-١) ساقط من ط، وأثبته من ا ٢٣٨. ١٤٧٧/٣ سنة ٢٤٧ بيعتُكم التى أعطيتُ بها ألسنتكم وعهود كم بيعة يطلع الله من قلوبكم على اجتبائها واعتقادها ، وعلى الوفاء بذمّتِه بها، وعلى إخلاصكم فى نصرتها وموالاة أهلها ، لا يشوب ذلك منكم دَغَل ولا إدهان ولا احتيال ولا تأوّل ؛ حتى تلقوا الله ، مُوفين بعهده ، ومؤدِّين حقَّه عليكم، غير مستشرفين ولا نا كثين ، إذ كان الذين يبايعون منكم أميرَ المؤمنين إنما يبايعون اللّه ؛ يد الله فوق أيديهم ، فمن نَكَث فإنما ينكُتْ على نفسه، ومَنْ أوفى بما عاهد عليه اللّه فسيؤتيه أجراً عظيمًا .. عليكم بذلك وبما أكّدت هذه البيعة فى أعناقكم ، وأعطيتم بها من صَفْقة أيْمانكم؛ وبما اشترط عليكم بها من وفاء ونتَصْر ، وموالاة واجتهاد ونُصْح؛ وعليكم عهد الله؛ إنّ عهده كان مسئولا؛ وذمة الله وذمة رسوله. وأشدّ ما أخذ على أنبيائه ورسله، وعلى أحد من عباده من متأكَّد وثائقه، أن تسمعوا ما أخيذ عليكم فى هذه البيعة، ولا تبدّلوا، وأن تُطيعوا ولا تعصوا، وأن تُخلصوا ولا ترتابوا ، وأن تتمسكوا بما عاهدتم عليه تمسّك أهل الطاعة بطاعتهم وذوى العهد والوفاء بوفائهم وحقهم ؛ لا يلفتكم عن ذلك هوّى ولا مميل، ولا يزيغ بكم فيه ضلال عن هدی؛ باذلین فی ذلك أنفسكمواجتهادكم، ومقدّمین فیهحق الدین والطاعة بما جعلتم على أنفسكم ؛ لا يقبل الله منكم فى هذه البيعة إلا الوفاء بها . فمَنْ نَكَث منكم ممن بابع أمير المؤمنين هذه البيعة عما أكد عليه مسرًّا أو معلناً ، أو مصرّحاً أو محتالا ؛ فادّ هن فيما أعطى الله من نفسه، وفيما أخذَت به مواثيق أمير المؤمنين ، وعهود اللّه عليه؛ مستعملاً فى ذلك الهوی دون الحمد، والركون إلى الباطل دون نُصرة الحق ، وزاغ عن السبيل التى يعتصم بها أولو الوفاء منهم بعهودهم ؛ فكلّ ما يملك كلّ واحد ممن خان فى ذلك بشىء نقض عهدَه من مال أو عقار أوسائمة ، أو زرع أو ضَرْع صدقةٌ على المساكين فى وجوه سبيل اللّه، محرّمٌ عليه أن يرجع شىء من ذلك إلى ماله عن حيلة يقدّمها لنفسه، أو يحتال بها . وما أفاد فى بقية عمره من فائدة مال يقلّ خطرها أو يجلّ قدرها، فتلك سبيله إلى أن توافيَه منيَّتُه، ويأتى عليه أجلُه؛ وكلّ مملوك يملكه اليوم إلى ثلاثين سنة من ذكر أو أنثى أحرار لوجه الله ؛ ونساؤه ١٤٧٨/٣ ٢٣٩ سنة ٢٤٧ ٥ فى يومٍ يلزمه الحِنْث، ومن يتزوجه بعدهنّ إلى ثلاثين سنة طوالق البتّة طلاق الخرج والسنة؛ لا مثنويّة (١) فيه ولا رَجْعة. وعليه المشى إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجة ، لا يقبل الله منه إلاّ الوفاء بها؛ وهو برىء من اللّه ورسوله، واللّه ورسوله منه بريئان ؛ ولا قبلَ اللّه منه صَرْفًا ولا عدلا؛ واللّه عليكم بذلك شهيد ، وكفى بالله شهيداً . ٠ ٠ ١٤٧٩/٣ وذكر أنه لمّا كانت صبيحة اليوم الذى بويع فيه المنتصر شاع الخبر فى الماحوزة - وهى المدينة التى كان جعفر بناها فى أهل سامرًا - بقتل جعفر ، وتوافتَى الجندُ والشاكرّية بباب العامة بالجعفرىّ وغيرهم من الغوغاء والعوام، وكثر الناس وتسامعوا ، وركب بعضهم بعضًا ، وتكلموا فى أمرِ البيعة، فخرج إليهم عَتّاب بن عتّاب - وقيل: إنّ الذى خرج إليهم زُرافة - فأبلغهم عن المنتصر ما يحبون ، فأسمعوه ؛ فدخل إلى المنتصر فأخبره ؛ فخرج وبين يديه جماعة من المغاربة ، فصاح بهم : يا كلاب ! خذوهم ؛ فحملوا على الناس فدفعوهم إلى الثلاثة الأبواب ، فازدحم الناس ووقع بعضهم على بعض ؛ ثم تفرّقوا عن عِدّة قد ماتوا من الزّحْمة والدَّوْس ؛ فمنهم من ذكر أنهم كانوا ستة نفر ، ومنهم من قال : كانوا ما بين الثلاثة إلى الستة . ٠ وفيها ولَّى المنتصر أبا عَمْرة أحمد بن سعيد - مولى بنى هاشم ، بعد البيعة له بيوم - المظالم ، فقال قائل : مظالمَ النَّاسِ أَبو عَمْرَةْ ياضيعةَ الإِسلامِ لمّا وَلِ وليسَ مأموناً على بَعْرَهْ صُيِّرَ مأموناً على أمةٍ وفى ذى الحجة من هذه السنة أخرج المنتصر علىّ بن المعتصم من سامرًا إلى بغداد وو كّل به . وحجّ بالناس فيها محمد بن سليمان الزينبيّ . (١) لامثنوية، أى لا استثناء. ٢٤٠ ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث * [ ذكر غزاة وصيف التركىّ الروم] فمن ذلك ما كان من إغزاء المنتصر وصيفاً التركى صائفة (١) أرض الروم. · ذكر الخبر عن سبب ذلك ، وما كان فى ذلك من وصيف: ١٤٨٠/٣ *ذكر أنّ السبب فى ذلك أنه كان بين أحمد بن الخصيب ووصيف شحناء وتباغض؛ فلمّاً استُخلف المنتصر، وابن الخصيب وزيرُه، حرّضَ أحمدبن الخصيب المنتصر على وصيف، وأشار عليه بإخراجه من عسكره غازيًا إلى الثّغر ؛ فلم يزل (٢) به حتى أحضره المنتصر، فأمره بالغزو . وقد ذكر عن المنتصر أنه لمّا عَزَم على أن يُغزى وصيفًا الثغر الشأمىّ، قال له أحمد بن الخصيب: ومَنْ يجترئ على الموالى حتى تأمر وصيفاً بالشخوص! فقال المنتصر لبعض من الحجبة : ائذن لمن حضر الدار؛ فأذن لهم وفيهم وصيف، فأقبل عليه، فقال له : يا وصيف؛ أتانا عن طاغية الروم أنه أقبل يريد الثغور، وهذا أمر لا يمكن الإمساك عنه؛ فإمّا شخصتَ وإما شخصتُ؛ فقال وصيف: بل أشخصُ يا أمير المؤمنين، قال : يا أحمد ؛ انظر ما يحتاج إليه على أبْلَغ ما يكون فأقمه له . قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : ما نَعْم ! قم الساعة لذلك ؛ يا وصيف مُركاتبَك يوافقه على ما يحتاج إليه، ويلزمه حتى يزيح علّتك فيه . فقام أحمد بن الخصيب، وقام وصيف ، فلم يزل فى جهازه حتى خَرَج ، فما أفلح ولا أنجح . ١٤٨١/٣ وذكر أنّ المنتصر لما أحضر وصيفاً وأمره بالغزو، قال له: إنّ الطاغية - يعنى ملك الروم - قد تحرّك، ولست آمنه أن يهلك كلّ ما يمرّ به من بلاد (١) ف: ((الصائفة)). (٢) س: ((فلم يشعر)). :