النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
سنة ٢٤١
يكتب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بضرب عيسى هذا بالسياط ، فإذا
مات رَمَى به فى دجلة ، ولم تدفع جيفته إلى أهله .
فکتب عبيد اللّه إلى الحسن بن عثمان جواب کتابه إليه فی عيسى :
١٤٢٥/٣
بسم الله الرحمن الرحيم؛ أبقاك الله وحفظك، وأتمّ نعمته عليك؛
وصل كتابك فى الرّجل المسمّىّ عيسى بن جعفربن محمد بن عاصم صاحب
الخانات ، وما شهد به الشهود عليه من شَتْ أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم ولعنهم وإكفارِهِم، ورميهم بالكبائر، وسبتهم إلى النفاق ؛ وغير ذلك
مما خرج به إلى المعاندة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وتثبُّتك فى أمر أولئك
الشهود وما شهدوا به ، وما صحّ عندك من عدالة مسَنْ عدل منهم، ووضح لك
من الأمر فيما شهدوا به ، وشرحك ذلك فى رُقعة درج كتابك ؛ فعرضت على
أمير المؤمنين أعزّه اللّه ذلك ؛ فأمر بالكتاب إلى أبى العباس محمد بن طاهر
مولى أمير المؤمنين أبقاه الله بما قد نفذ إليه، مما يشبه ما عنده أبقاه الله (١)، فى
نُصرة دين الله، وإحياء سنّته، والانتقام ممن ألحد فيه، وأن يُضرب الرجل
حدًّا فى مجمع الناس حدّ الشّم، وخمسمائة سوط بعد الحدّ للأمور العظام
التى اجترأ عليها ، فإن مات ألقى فى الماء من غير صلاة ليكون ذلك ناهياً لكل
مُلْحِد فى الدين، خارج من جماعة المسلمين؛ وأعلمتك ذلك لتعرفه إن شاء الله
تعالى - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته .
وذُكر أن عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم هذا - وقد قال بعضهم:
إن اسمه أحمد بن محمد بن عاصم - لما ضُرِب ترك فى الشمس حتى مات،
ثم رُمِيَ بَه فى دِجلة.
١٤٢٦/٣
وفى هذه السنة انقضّت الكواكب ببغداد وتناثرت، وذلك ليلة الخميس لليلة
خلتْ من جمادى الآخرة .
وفيها وقع بها الصدام فنفقت الدّوابّ والبقر .
وفيها أغارت الروم على عين زَرْبة، فأسَرَت مَنْ كان بها من الزّط ؛
مع نسائهم وذراريتهم وجواميسهم وبقرهم .
(١) ا: ((أيده الله)).
.

٢٠٢
سنة ٢٤١
[خبر الفداء بين المسلمين والروم فى هذه السنة]
وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم.
• ذكر الخبر عن السبب الذى كان ذلك من أجله :
١٤٢٧/٣
ذكر أن تَذُورة صاحبة الروم أمّ ميخائيل ، وجّهت رجلا يقال له
جُورْ جيس بن قر يافس (١) يطلب الفداء لمن فى أيدى الرّوم من المسلمين، وكان
المسلمون قدقاربوا عشرين ألفًا، فوجه المتوكل رجلا من الشيعة يقال له نصربن
الأزهر بن فرج (٢) ؛ ليعرف صحة مَنْ فى أيدى الروم من أسارى المسلمين ، ليأمر
بمفاداتهم؛ وذلك فى شعبان من هذه السنة بعد أن أقام عندهم حينًا . فذكر
أنْ تَذُورة أمرتْ بعد خروج نصر بعرض من فى إسارها من المسلمين على
النصرانية؛ فمن تنصّر منهم كان أسوة من تَنَصّر قبل ذلك، ومن أبى قتلته؛ فذ کر
أنها قتلت من الأسرى اثنى عشر ألفًا؛ ويقال إن قنقلة (٣) الخصى" كان يقتلهم
من غير أمرها . ونفذَ كتاب المتوكل إلى عمال الثغور الشامية والجزرّية أن
شُنيفًا الخادم قد جرى بينه وبين جورجس رسول عظيم الروم فى أمر الفداء
قول، وقد اتفق الأمر بينهما، وسأل جورجس هذا هدنة لخمس ليال تخلو من
رجب سنة إحدى وأربعين ومائتين إلى سبع ليال بقين من شوّال من هذه السنة،
ليجمعوا الأسرى ، ولتكون مدّة لهم إلى انصرافهم إلى مأمنهم . فنفذ الكتاب
بذلك يوم الأربعاء لخمس خلوْن من رجب؛ وكان الفداء يقع فى يوم الفطر
من هذه السنة .
وخرج جورجس رسول ملكة الروم إلى ناحية الثغور يوم السبت لثمان بقين
من رجب على سبعين بغلا اكْتُرِيت له ، وخرج معه أبو قحطبة المغربى
الطرطوسىّ لينظروا وقتَ الفطر(٤)؛ وكان جورجس قدم معه جماعة من البطاركة
وغلمانه بنحو من خمسين إنسانًا ، وخرج شُنيف الخادم للفداء فى النصف
من شعبان، معه مائة فارس: ثلاثون من الأتراك، وثلاثون من المغاربة، وأر بعون من
فرسان الشاكرّية ؛ فسأل جعفر بن عبد الواحد - وهو قاضى القضاة - أن يؤذن
١٤٢٨/٣
(١) كذا فى ا، وفى ط من غير ضبط. (٢) د: ((فروخ)).
(٣) !: ((قيفلة)).
(٤) !: ((الغداء)).

٢٠٣
سنة ٢٤١
له فى حضور الفداء ، وأن يستخلف رجلا يقوم مقامه - فأذن له، وأمر له
بمائة وخمسين ألفًا مَعُونة وأرزاق ستين ألفًا؛ فاستخلف ابن أبى الشوارب-
وهو يومئذ فتَّ حدث السنّ - وخرج فلحق شُنيفًا ، وخرج أهل بغداد من
أوساط الناس ، فذكر أن الفداء وقع من بلاد الروم على نهر اللامس ، يوم
الأحد لاثنتى عشرة ليلة خلت من شوال سنة إحدى وأربعين ومائتين ، فكان
أسرى المسلمين سبعمائة وخمسة وثمانين إنسانًا ، ومن النساء مائة وخمساً
وعشرين امرأة .
٠
وفى هذه السنة جعل المتوكل كُورة شمشاط عُشْراً، ونقلهم من الخراج
إلى العشر، وأخرج لهم بذلك كتاباً .
[ ذكر غارة البجة على مصر]
وفى هذه السنة غارت البُجَة على حرس (١) من أرض مصر، فوجّه المتوكل
لحربهم محمد بن عبد الله القُمّىّ.
* ذكر الخبر عن أمرهم وما آلت إليه حالهم :
◌ُذكر أن البُجمَة كانت لا تغزو المسلمين ولا يغزوهم المسلمون الهدنة بينهم
قديمة، قد ذكرناها فيما مضى قبل من كتابنا هذا، وهم جنس من أجناس الحبّش
بالمغرب، وبالمغرب من السودان - فيما ذكر - البُجة وأهل غانة الغافر وبينور(٢)
ورعوين والفرويّة وبيكسوم ومكاره أكرم والنوبة والحبش (٣). وفى بلاد البجة
معادن ذهب ؛ فهم يقاسمون مَنْ يعمل فيها ، ويؤدون إلى عمال السلطان فى
مصر فى كلّ سنة عن معادنهم أربعمائة مثقال تِبْر قبل أن يطبخ ويصفَّى.
فلما كان أيام المتوكل امتنعت البُجَة عن أداء ذلك الخراج سنين متوالية
فذُكرأنّ المتوكل ولَّى بريد مصررجلا من خَدَميه يقال له يعقوب بن إبراهيم
الباذغيسى مولى الهادى، وهو المعروف بقوصرة، وجعل إليه بريد مصر والإسكندرية
وبرقة ونواحى المغرب ؛ فكتب يعقوب إلى المتوكل أن البُجة قد نقضت العهد
١٤٢٩/٣
(١) !: ((خرش)) (٢) كذا فى ا،وفى ط من غير فقط (٣) كذا فى د، وفى ط: ((والخمس)».

٢٠٤
١٤٣٠/٣
سنة ٢٤١
الذى كان بينها وبين المسلمين، وخرجت من بلادها إلى معادن الذّهب والجوهر ؛
وهى على التّخوم فيما بين أرض مصر وبلاد البُجة ؛ فقتلوا عدّة من المسلمين
ممن كان يعمل فى المعادن ويستخرج الذهب والجوهر، وسبَوْا عدّة من ذراريّهم
ونسائهم ؛ وذكروا أن المعادن لهم فى بلادهم ، وأنهم لا يأذنون للمسلمين فى
دخولها ؛ وأن ذلك أوحش جميع من كان يعمل فى المعادن من المسلمين ؛
فانصرفوا عنها خوفاً على أنفسهم وذراريّهم فانقطع بذلك ما كان يؤخذ للسلطان
بحقّ الخمس من الذهب والفضة والجوهر الذى يستخرج من المعادن؛ فاشتد
إنكار المتوكل لذلك (١) وأحفظه، وشاور فى أمر البُجة، فأنهيِىَ إليه أنهم
قوم أهل بدو وأصحاب إبل وماشية ، وأن الوصول إلى بلادهم صعب لا يمكن
أن يسلك إليهم الجيوش ؛ لأنها مفاوز وصحارى، وبين أرض الإسلام وبينها
مسيرة شهر ؛ فى أرض قفر وجبال وعر ، لا ماء فيها ولا زرع ولا معقيل ، ولا
حصن ؛ وأن مَنْ يدخلها من أولياء السلطان يحتاج أن يتزوّد لجميع المدّة
التى (٢ يتوهم أن يقيمها٢) فى بلادهم إلى أن يخرج إلى أرض الإسلام، فإن امتدّ
به المقام حتى يتجاوز تلك المدة هلك وجميع (٣) من معه، وأخذتهم البُجّة
بالأيدى دون المحاربة ، وأنّ أرضهم أرض لا تردُّ على السلطان شيئًا من خراج
ولا غيره .
فأمسك المتوكل عن التوجيه إليهم، وجعل أمرُهم يتزيّد، وجرأتهم على
المسلمين تشتدّ حتى خاف أهلُ الصعيد من أرض مصر على أنفسهم وذراريهم
منهم ؛ فولّى المتوكل محمد بن عبد اللّه المعروف بالقمىّ محاربتهم، وولاًه
معاون تلك الكور - وهى قفط والأقصر وإسنا وأرمنت وأسوان - وتقدّم إليه
فى محاربة البُجمَة؛ وأن يكاتب عنبسة بن إسحاق الضبيّ العامل على حرب
مصر . وكتب إلى عنبسة بإعطائه جميعَ ما يحتاج إليه من الجند والشاكرّية
المقيمين بمصر .
١٤٣١/٣
فأزاح (٤) عنبسة عِلّته فى ذلك، وخرج إلى أرض البُجّة، وانضمّ إليه
(١) ا، ف: ((ذلك)).
(٣) ف: ((بجميع)).
(٢ - ٢) ف: ((ينوون أنهم يقيمونها)).
(٤) ف: ((وأزاح)).

٢٠٥
سنة ٢٤١
جميع مَنْ كان يعمل فى المعادن وقوم كثير من المتطوّعة ؛ فكانت عدّة من
معه نحواً من عشرين ألف إنسان؛ بين فارس وراجل، ووجّه إلى القلزم، فحمل
فى البحر سبعة مراكب موقدرة بالدّقيق والزيت والتمر والسويق والشعير، وأمر
قومًا من أصحابه أن يلجيّجوا بها فى البحر حتى يوافُوه فى ساحل (١) البحر من
أرض البُجتَة ؛ فلم يزل محمد بن عبد الله القمىّ يسير فى أرض البُجَة حتى
جاوز المعادن التى يعمل فيها الذّهب ، وصار إلى حصونهم وقلاعهم ، وخرج
إليه ملكهم - واسمه على بابا واسم ابنه (٢) لعيس - فى جيش كثير وعددأضعاف
مَنْ كان مع القمىّ من الناس؛ وكانت البُجَة على إبلهم ومعهم الحراب
وإبلهم فرّهٌ تشبّه بالمهارى فى النجابة، فجعلوا يلتقون أيامًا متوالية، فيتناوشون
ولا يصحّحون المحاربة، وجعل ملك البُجَة يتطارد للقمى لكىْ تطول الأيام طمعاً
فى نفاد الزاد والعلوفة التى معهم ؛ فلا يكون لهم قوّة ، ويموتون هزلا ، فيأخذهم
البُجَة بالأيدى.
فلما توهّم عظيم البُجَة أن الأزواد قد نفدت، أقبلت السبع المراكب التى
حملها القمىّ حتى خرجت إلى ساحل من سواحل البحر فى موضع يعرف
بصنجة ، فوجّه القمىّ إلى هنالك جماعة من أصحابه يحمون المراكب من
البُجة، وفرّق ما كان فيها على أصحابه ، فاتّسعوا فى الزاد والعارفة؛ فلما رأى
ذلك على بابا رئيس البُجّة قصد لحاربتهم ، وجمع لهم، والتقوا فاقتتلواقتالا
شديداً؛ وكانت الإبل التى يحاربون عليها إبلا زعِرة، تكثر الفزع والرّعب
من كل شىء ؛ فلما رأى ذلك القمىّ جمع أجراس الإبل والخيل التى كانت
فى عسكره كلها، فجعلها فى أعناق الخيل، ثم حمل على البُجسّة، فنفرت إبلهم
الأصوات الأجراس ، واشتدّ رعبها، فحملتهم على الجبال والأودية ، فمزّقتهم
كلّ ممزّق، " واتبعهم القمىّ بأصحابه، فأخذهم قتلاً وأسراً حتى أدركه
الليل ؛ وذلك فى أول سنة إحدى وأربعين، ثم رجع إلى معسكره ولم
يقدر على إحصاء القتلى لكثرتهم ؛ فلما أصبح القمىّ وجدهم قد جمعوا جمعًا
من الرّجالة، ثم صاروا إلى موضع أمنوا فيه طلب القمىّ ، فوافاهم القمىّ فى
١٤٣٢/٣
(١) ا، ف: ((سواحل)).
(٢) ا، س: ((أبه)).

٢٠٦
١٤٣٣/٣
سنة ٢٤١
الليل فى خيله ، فهرب ملكهم ؛ فأخذ تاجه ومتاعتَه ، ثم طلب على بابا الأمان
على أن يُرَدّ إلى مملكته وبلاده، فأعطاه القمىّ ذلك، فأدى إليه الخراج للمدة
التى كان منعها - وهى أربع سنين- لكل (١) سنة أربعمائة مثقال، واستخلف
على بابا على مملكته ابنه لعيس ، وانصرف القمىّ بعلى بابا إلى باب المتوكل ،
فوصل إليه فى آخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، فكسا على بابا هذا درّاعة
ديباج وعمامة سوداء، وكساجمله رحْلامُدبّجًا وجلال ديباج، ووقف بباب العامّة
مع قوم من البُجَة نحو من سبعين غلامًا على الإبل بالرّحبّال، ومعهم الحراب
فى رءوس حرابهم رءوس القوم الذين قتلوا من عسكرهم؛ قتلهم القمىّ. فأمر المتوكل
أن يقبضوا من القمىّ يوم الأضحى من سنة إحدى وأربعين ومائتين. وولَّى
المتوكل البُجة وطريق ما بين مصر ومكة سعداً الخادم الإيتاخىّ، فولّی سعد
محمد بن عبد الله القمىّ، فخرج القمىّ بعلى بابا؛ وهو مقيم على دينه ؛ فذكر
بعضهم أنه رأى معه صنماً من حجارة كهيئة الصبىّ يسجد له .
#
ومات فى هذه السنة يعقوب بن إبراهيم المعروف بقوصرة فى جمادى الآخرة.
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود ، وحجّ جعفر بن
دينار فيها ، وهو والى طريق مكة وأحداث الموسم .
(١) ف: ((فى كل)).

٢٠٧
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
#
[ ذكر أحداث الزلازل بالبلاد ]
فمما كان فيها من ذلك الزلازل الهائلة التى كانت بقومِس ورساتيقها فى
شعبان ؛ فتهدّمت فيها الدّور، ومات من الناس بها مما سقط عليهم من الحيطان
وغيرها بشرٌ كثير؛ ذُكر أنه بلغت عدّتهم خمسة وأربعين ألفًا وستة وتسعين
نفساً (١)؛ وكان عنُظْم ذلك بالدامَغان.
وذكر أنه كان بفارس وخراسان والشأم فى هذه السنة زلازل وأصوات منكرة، ١٤٣٤/٣
وكان باليمن أيضًا مثل ذلك مع خسف بها (٢).
*
[ ذكر خروج الروم من ناحية شِمْشاط ]
وفيها خرجت الروم من ناحية شمْشاط بعد خروج علىّ بن يحيى الأرمنىّ
من الصّائفة حتى قاربوا آمد ، ثم خرجوا من الثغور الجزريّة، فانتهبوا عدّة
قرى ، وأسروا نحوًا من عشرة آلاف إنسان؛ وكان دخولهم من ناحية أبريق؛
قرية قربياس ؛ ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم ، فخرج قربياس وعمر بن
عبد الله الأقطع وقوم من المتطوّعة فى أثرهم ، فلم يلحقوا منهم أحداً ، فكتب
إلى علىّ بن يحيى أن يسير إلى بلادهم شاتياً .
* *
وفيها قتل المتوكل عطاردًا - رجلا(٣) كان نصرانيًا فأسلم - فمكث مسلماً
(١) ف: ((إنساناً)).
(٣) ف: ((رجلا عطاراً)).
(٢) ف: ((كان فيها)).

٢٠٨
سنة ٢٤٢
سنين كثيرة ثم ارتدّ فاستُتيب، فأبى الرجوع إلى الإسلام، فضُربت
عنقه لليلتين خلتًا من شوال ، وأحرِق بباب العامة.
وفى هذه السنة مات أبو حسان الزيادىّ قاضى الشرقيّة فى رجب.
وفيها مات الحسن بن علىّ بن الجعد قاضى مدينة المنصور .
١٤٣٥/٣
وحجّ بالناس فيها عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام بن
محمد بن علىّ ؛ وهو والى مكة (١) .
وحجّ فيها جعفر بن دينار وهو والى طريق مكة وأحداث الموسم .
(١) بعدها فى س: ((وأحداث الموسم)).

٢٠٩
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائتين
ذ کر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ففيها كان شخوص المتوكّل إلى دمشق لعشر بقين من ذى القعدة ،
فضحّى ببلد ؛ فقال يزيد بن محمد المهلبيّ حين خرج :
إِذَا عزم الإِمامُ على انطلاقِ
أَظُنُّ الشّامَ تشمَتُ بالعِراقِ
فقد تبْلى المليحةُ بالطَّلاقِ
فإِن تدَع العراقَ وساكِنِيها
...
وفيها مات إبراهيم بن العبّاس ، فولى ديوان الضّاع الحسن بن مخلَِّد بن
الجرّاح ، خليفة إبراهيم فى شعبان ، ومات هاشم بن بسجور فى ذى الحجة .
٠٠
١٤٣٦/٤
وحجّ بالناس فيها عبد الصمد بن موسى .
وحجّ جعفر بن دينار ، وهو والى طريق مكة وأحداث الموسم .

٢١٠
ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك دخولُ المتوكل دمشق فى صفر ؛وكان من لدن شخص من
سامُرًا إلى أن دخلها سبعة وتسعون يوماً - وقيل سبعة وسبعون يوماً - وعزم على
المقام بها، ونقل دواوين الملك إليها، وأمر بالبناء بها فتحرّك الأتراك فى أرزاقهم
وأرزاق عيالاتهم، فأمر لهم بما أرضاهم يه . ثم استوْبأ البلد ؛ وذلك أنّ الهواء بها
بارد ندی والماء ثقیل ، والریح تھبّ فیھا مع العصر ؛ فلا تزال تشتدّ حتی
يمضى عامّة الليل؛ وهى كثيرة البراغيث، وغلسّت فيها الأسعار، وحال الثلج
بين السَّبيلة والميرة .
٠
٥
وفيها وجّه المتو کّل بُغا من دمشق لغزو الروم فى شهر ربيع الآخر،فغزا
الصائفة ، فافتتح صُمُلّة، وأقام المتوكل بدمشق شهرين وأيامًا، ثم رجع إلى
سامُرًا، فأخذ فى منصرفه على الفرات ، ثم عدل إلى الأنبار ، ثم عدل من
الأنبار على طريق الخُرْف إليها، فدخلها يوم الاثنين لسبع بَقيين من جمادى
الآخرة .
٠ ٠ ٠
وفيها عقد المتوكّل(١) لأبى الساج على طريق مكة مكان جعفر بن دينار
- فيما زعم بعضهم - والصواب عندى أنه عقد له على طريق مكة فى سنة ثنتين
وأربعين ومائتين .
وفيها أتيِىّ المتوكل - فيما ذكر - بحربة كانت للنبىّ صلى الله عليه وسلم
تسمى العنزة ؛ ذكر أنها كانت للنجاشى ملك الحبشة ، فوهبها للزّبير بن
العوّام ، فأهداها الزُّبيرُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكانت عند المؤذّنين،
وكان يُمْشَى بها بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى العبيدين؛ وكانت
١٤٣٧/٣
(١) د، س: ((المنتصر)).

٢١١
سنة ٢٤٤
تركز بين يديه فى الفناء فيصلَّى إليها (١) فأمر المتوكل بحملها بين يديه؛ فكان
يحملها بين يديه صاحب الشرطة ، ويحمل حربته خليفة صاحب الشرطه .
*
وفيها غضب المتوكل على بختيُشُوع، وقبض ماله، ونفاه إلى البحرين،
فقال أعرابيّ :
ثار له الليث على اقتدارِ
يا سَخطةً جاءت على مقدارِ
لمَّا سَعِى بالسّادةِ الأَقمارِ
منه وبَخْتِيشُوعُ فى اغتِرارِ
وُلاةِ عهدِ السَّيِّدِ المختارِ
بالأمرَاءِ القادةِ الأَبرارِ
رَمِى به فى مُوحِش القِفَارِ
وبنِى الأَحرارِ
وبالموالی
* بساحِلِ البحرينِ الصَّغَارِ .
وفى هذه السنة اتفق عيد المسلمين الأضحى وشعانين النصارى وعيد الفطر
لليهود .
وحجّ بالناس فيها عبد الصمد بن موسى .
(١) بعدها فى ف: ((فى القضاء)).

٢١٢
ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
٠ ٠
[ ذكر خبر بناء الماحوزة ]
ففيها أمر المتوكل ببناء الماحُوزَة، وسماها الجعفرىّ، وأقطع القوّاد وأصحابه
فيها ، وجدّ فى بنائها، وتحوّل إلى المحمدية ليتمّ أمر الماحوزة، وأمر بنقض
القصر المختار والبديع ، وحمل ساجهما إلى الجعفرىّ ، وأنفق عليها - فيما قيل -
أكثر من ألفى ألف دينار، وجمع فيها القُرّاء فقرءوا، وحضر (١) أصحاب الملاهى
فوهب لهم ألفى ألف درهم؛ وكان يسميها هو وأصحابه الخاصّة المتوكلية، وبنى
فيها قصراً سمّاه لؤلؤة، لم يُرّ مثله فى علوّه ، وأمر بحفر نهر يأخذ رأسه خمسة
فراسخ فوق الماحوزة من موضع يقال له كَرْمى يكون شِرْباً لماحولها من فُوهة
النهر إليها، وأمر بأخذ جَبَلْتا والخَصَاصَة العليا والسفلى وكرْمَى، وحمل أهلها
على بيع منازلهم وأرضهم، فأجبروا على ذلك حتى تكون الأرض والمنازل فى تلك
القرى كلها له ، ويخرجهم عنها، وقدّر للنهر من النفقة مائتى ألف دينار ،
وصيّر النفقة عليه إلى دليل بن يعقوب النصرانىّ كاتب بغا فى ذى الحجة من
سنة خمس وأربعين ومائتين ، وألقى فى حفر النهر اثنى عشر ألف رجل يعملون
فيه ؛ فلم يزل دليل يعتمل فيه ، ويحمل المال بعد المال (٢) ويقسم عامّته فى
الكتاب ؛ حتى قتل المتوكل ، فبطل النهر ، وأخربت الجعفريّة ، ونقضت
ولم يتمّ أمر النهر.
١٤٣٨/٣
١٤٣٩/٣
٠ ٠
وزلزلت فى هذه السنة بلاد المغرب حتى تهدّمت الحصون والمنازل والقناطر ؛
فأمر المتوكل بتفرقة ثلاثة آلاف درهم فى الذين أصيبوا بمنازلهم، وزلزل عسكر
(١) د: ((وحضرها)).
(٢) س: ((الماء)).

٢١٣
سنة ٢٤٥
المهدى ببغداد فيها ، وزلزلت المدائن (١).
٠
وبعث ملك الروم فيها بأسْرَى من المسلمين؛ وبعث يسأل المفاداة بمن
عنده ؛ وكان الذى قدم من قِبَل صاحب الروم رسولا إلى المتوكّل شيخًا يدعى
أطروبَيْليس معه سبعة وسبعون رجلا من أسرى المسلمين ، أهداهم ميخائيل
ابن تَوْفِيل ملك الروم إلى المتوكّل ، وكان قدومه علیه لخمس بقین من صفر
من هذه السنة ، فأنزل على شُنيف الخادم . ثمّ وجّه المتوكل نصر بن الأزهر
الشيعىّ مع رسول صاحب الروم، فشخص فى هذه السنة، ولم يقع الفداء إلا فى
سنة ست وأربعين .
وذكر أنه كانت فى هذه السنة بأنطاكية زلزلة ورجْفة فى شوّال، قتلت
خلقاً كثيراً ، وسقط منها ألف وخمسمائة دار ، وسقط من سورها نيف
وتسعون برجاً ، وسمعوا أصواتًا هائلة لا يحسنون وصفتها من كُوى المنازل ،
وهرب أهلها إلى الصحارى ، وتقطع جبلها الأقرع، وسقط فى البحر ؛ فهاج
البحر فى ذلك اليوم ؛ وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن، وغار منها نهر ١٤٤٠/٣
على فرسخ لا يدرى أين ذهب .
وسمع فيها - فيما قيل - أهلُ تِنَّيس فى مصر ضجّة دائمة هائلة ، فمات
منها خلق كثير .
وفيها زُلزلت بالس والرّقة وحَرّان ورأس عين وحمص ودمشق والرُّها
وطرَسُوس والمَصِّيّصة وأذنة(٢) وسواحل الشأم. ورجفت اللاذقية، فما بقى منها
منزل، ولا أفلت من أهلها إلا اليَسير ، وذهبت جَبَلَة بأهلها .
وفيها غارت مُشاش - عين مكة - حتى بلغ ثمن القربة بمكة ثمانين درهماً ،
فبعثتْ أم المتوكل فأنفقت(٣) عليها .
وفيها مات إسحاق بن أبى إسرائيل وسوّار بن عبد الله وهلال الرازى
. .
(١) ف: ((الميادين)).
(٢) ط: ((أدنه))، صوابه من د.
(٣) ط: ((فأنفق))، وما أثبته من ا

٢١٤
سنة ٢٤٥
[ ذكر الخبر عن هلاك نجاح بن سلمة ]
وفيها هلك نجاح بن سلمة .
• ذكر الخبر عن سبب هلاكه :
١٤٤١/٣
حدثنى الحارث بن أبى أسامة ببعض ما أنا ذا كره من أخباره وببعض
ذلك غيره ؛ أن نجاح بن سلمة كان على ديوان التوقيع والتتبّع على العمال ،
وكان قبل ذلك كاتب إبراهيم بن رباح الجوهرىّ ؛ وكان على الضياع ؛ فكان
جميع العمال يتّقونه ويقضون حوائجه ؛ ولا يقدرون على مَنْعِه من شىء
يريدُه ؛ وكان المتوكل ربما نادمه، وكان انقطاع الحسن بن مخلد وموسى بن
عبد الملك إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان وهو وزير المتوكل ؛ وكانا يحملان
إليه كلَّ ما يأمرهما (١) به ، وكان الحسن بن مخلد على ديوان الضياع ، وموسى
على ديوان الخراج؛ فكتب نجاح بن سلمة رُقْعة إلى المتوكل فى الحسن وموسى
يذكر أنهما قد خانا وقصّرا فيما هما بسبيله ؛ وأنه يستخرج منهما أربعين ألف
ألف درهم؛ فأدناه المتوكّل وشار به تلك العشيّة، وقال: يا نجاح؛ خذَل اللّه
من يخذلك ، فبكرْ إلى غداً حتى أدفعهما إليك؛ فغدا وقد رتّب أصحابه،
وقال : يا فلان خذ أنت الحسن ، ويافلان خذ أنت موسى ؛ فغدا نجاح إلى
المتوكل ، فلقى (٢) عبيد اللّه، وقد أمر عبيد اللّه أن يحجب نجاح عن المتوكل؛
فقال له : يا أبا الفضل ، انصرف حتى ننظر وتنظر فى هذا الأمر ؛ وأنا أشير
عليك بأمرٍ لك فيه صلاح؛ قال : وما هو ؟ قال : أصلِح بينك وبينهما؛
وتكتب رقعة تذكر فيها أنك كنت شاربًا ، وأنك تكلمت بأشياء تحتاج إلى
معاودة النّظر فيها ، وأنا أصلح الأمر عند أمير المؤمنين ؛ فلم يزل يخدعه حتى
كتب رقعة بما أمره به ، فأدخلها على المتوكل ، وقال : يا أمير المؤمنين قد رجع
نجاح عَمّاً قال البارحة ؛ وهذه رقعة موسى والحسن يتقبّلان به بما كتبا؛ فتأخذ
ما ضمنا عنه ، ثم تعطف عليهما ، فتأخذ منهما قريباً مما ضمن لك عنهما .
فسرّ المتوكل، وطمع فيما قال له عبيد اللّه، فقال : ادفعه إليهما؛
١٤٤٢/٣
(١) ف: ((يأمر)).
(٢) ف: ((وقد لقى)).

٢١٥
سنة ٢٤٥
فانصرفا به ؛ وأمرا بأخذ قلنسوته عن رأسه وكانت خَزًّا، فوجد البرد ، فقال :
ويحك يا حسن ! قد وجدت البرد ؛ فأمر بوضع قلنسوته على رأسه ، وصار به
موسى إلى ديوان الخراج ، ووجّها إلى ابنيه أبى الفرج وأبى محمد، فأخذ أبو الفرج
وهرب أبو محمد، ابن بنت حسن بن شنيف، وأخذ كاتبه إسحاق بن سعد بن
مسعود القُطْرَبُّلىّ وعبد الله بن مخلد المعروف بابن البواب ــ وكان انقطاعه إلى
نجاح - فأقرّ لهما نجاح وابنه بنحو من مائة وأربعين ألف دينار سوى قيمة
قصورهما وفرشهما ومستغلاتهما بسامرًا وبغداد، وسوى ضياع لهما كثيرة ،
فأمر بقبض ذلك كله ، وضُرِب مراراً بالمقارع فى غير موضع الضرب نحواً
من مائتى مَقْرعة ، وغُمز وخُفِقٍ، خنقه موسى الفرانق والمعلوف .
١٤٤٣/٣
فأما الحارث فإنه قال : عصر خصيتيه حتى مات ؛ فأصبح ميتًا يوم
الاثنين لثمان بقين من ذى القعدة من هذه السنة ، فأمر بغسله ودفنه،فدُفن
ليلا ؛ وضرب ابنه محمد وعبد الله بن مخلد وإسحاق بنسعد نحواً من خمسين
خمسين ، فأقرّ إسحاق بخمسين ألف دينار ، وأقرّ عبد اللّه بن مخلد بخمسة
عشر ألف دينار - وقيل عشرين ألف دينار .
وكان ابنه أحمدابن بنت حسن قد هرب فظُفر به بعد موت نجاح ،
فحبس فى الديوان، وأخذ جميع ما فى دار نجاح وابنه أبى الفرج من متاع،
وقبضت دورهما وضياعهما حيث كانتْ وأخرجت عيالهما، وأخذ وكيله بناحية
السَّواد ؛ وهو ابن عياش، فأقرّ بعشرين ألف دينار. وبعث إلى مكة فى طلب
الحسن بن سهل بن نوح الأهوازىّ وحسن بن يعقوب البغدادى، وأخذ بسببه
قوم فحبسوا .
وقد ذکر فی سبب هلا كه غیر ما قد ذكرناه ، ذکر أنه کان یضادّ
عبيد الله بن يحيى بن خاقان - وكان عُبيد اللّه متمكنًا من المتوكل ، وإليه
الوزارة وعامة أعماله ؛ وإلى نجاح توقيع العامة - فلما عزم المتوكل على بناء
الجعفرىّ قال له نجاح - وكان فى الندماء(١) - يا أمير المؤمنين؛ أسمى
(١) ف: ((فى ندماء أمير المؤمنين)).

٢١٦
سنة ٢٤٥
١٤٤٤/٣ لك قومًا تدفعهم (١) إلىّ حتى أستخرج لك منهم أموالا تبنى بها مدينتك هذه؛
إنه يلزمك من الأموال فى بنائها ما يعظم قدره ، ويجلّ ذكره . فقال له :
سَمَّهم، فرفع رقعة يذكر فيها موسى بن عبد الملك وعيسى بن فَرُّخانشاه
خليفة الحسن بن مخلد، والحسن بن مخلد وزيدان بن إبراهيم، خليفة موسى بن
عبد الملك، وعبيد الله بنيحيى وأخويه : عبد الله بن يحييوز کریاء، ومیمون بن
إبراهيم ومحمد بن موسى المنجم وأخاه أحمد بن موسى؛ وعلىّ بن يحيى بن أبى منصور
وجعفراً المعلوف مستخرج ديوان الخراج وغيرهم نحواً من عشرين رجلا؟
فوقَعَ ذلك من المتوكل موقعًا أعجبه، وقال له: اغْدُ غَدوةَ، فلما أصبح لم
يشك فى ذلك. وناظر عبيد الله بن يحيى المتوكل، فقال له : يا أمير المؤمنين،
أراد ألاّ يدع كاتباً ولا قائداً إلاّ أوقع بهم؛ فمن يقوم بالأعمال يا أمير المؤمنين !
وغدا نجاح؛ فأجلسه عبيد اللّه فى مجلسه ، ولم يُؤذن له ، وأحضر موسى بن
عبد الملك والحسن بن مخلد ، فقال لهما عبيد اللّه: إنه إن دخل إلى أمير المؤمنين
دفعكُما إليه فقتلكما وأخذ ما تملكان؛ ولكن اكتبان" (٢) إلى أمير المؤمنين
رُقعة تقبَّلان به فيها بألفى ألف دينار؛ فكتبا رقعة بخطوطهما، وأوصلها عبيد الله
ابن يحيى ، وجعل يختلف بين أمير المؤمنين ونجاح وموسى بن عبد الملك والحسن
ابن مخلد ؛ فلم يزل يدخل ويخرج ويعين موسى والحسن ؛ ثم أدخلهما على
المتوكل ، فضمنا ذلك ؛ وخرج معهما فدفعه إليهما جميعاً ؛ والناس جميعاً
الخواص والعوام"؛ وهما لا يشكّان أنهما وعبيد الله بن يحي مدفوعون إلى نجاح؛
للكلام الذى دار بينه وبين المتوكل، فأخذاه، وتولى تعذيبه موسى بن عبد الملك ،
فحبسه فى ديوان الخراج بسامُرًا(٣)، وضربه درَراً وأمر المتوكل بكاتبه إسحاق
ابن سعد - وكان يتولى خاصً أموره وأمر ضياع بعض الولد .. أن يغرّم واحداً
وخمسين ألف دينار ، وحُلِّف على ذلك، وقال: إنه أخذ منى فى أيام الواثق
وهو يخلف عن عمر بن فرج خمسين ديناراً ؛ حتى أطلق أرزاقى، فخذوا لكل
دينار ألفاً وزيادةَ ألف فضلاً كما أخذ فضلا. فحبس ونُجُمّ عليه فى ثلاثة
١٤٤٥/٣
(١) ف: ((أسمى لك أقواماً حتى تدفعهم)).
(٣) ف: ((فى سامراً)).
(٢) ف: ((اكتبا)).

٢١٧
سنة ٢٤٥
١٤٤٦/٣
أنجم؛ ولم يطلق حتى أدّى تعجيلَ سبعة عشر ألف دينار، وأطلِق بعد أن
أخذ منه كُفلاء بالباقى، وأخذ عبدالله بن مخلد ، فأغرم سبعة عشر ألف
دينار. ووجّه عبيد الله الحسين بن إسماعيل- وكان أحد حجاب المتوكل- وعتّاب
ابن عتاب عن رسالة المتوكل أن يضرّب نجاح خمسين مقرعة إن هو لم يقرّ
ويؤدّ ما وُصف عليه، فضربه ثم عاوده (١) فى اليوم الثانى بمثل ذلك ، ثم عاوده
فى اليوم الثالث بمثل ذلك ؛ فقال : أبلغْ أمير المؤمنين أنى ميّت . وأمر موسى
ابن عبد الملك جعفراً المعلوف ومعه عوْنان من أعوان ديوان الخراج ، فعصروا
مذا كيره حتى برد فمات . وأصبح فركب إلى المتوكل فأخبره بما حدث من وفاة
نجاح، فقال لهما المتوكل : إنى أريد مالى الذى ضمنتاه ، فاحتالاه، فقبضا من
أمواله وأموال ولده جملة، وحبسا أبا الفرج- وكان على ديوان زمام الضياع من
قبل أبى صالح بن يَزْداد - وقبضا أمتعته كلها وجميع ملكه، وكتباعلى ضياعه
لأمير المؤمنين ، وأخذا ما أخذا من أصحابه؛ فكان المتوكل كثيراً ما يقول لهما
كلّما شرب: ردُّوا علىّ كاتبى؛ وإلا فهاتوا المال ، وضمّ توقيع ديولن العامة
إلى عبيد الله بن يحيى ، فاستخلف عليه يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان، ابن
عمّة ، ومكث موسى بن عبد الملك والحسن بن مخلد على ذلك يطالبهما المتوكل
بالأموال التى ضمناها من قبل نجاح ؛ فما أتى على ذلك إلا يسيراً حتى ركب
موسى بن عبد الملك يشيّع المنتصر من الجعفرىّ، وهو يريد سامرًا إلى منزله
الذى ينزله بالجوْسق ؛ فبلغه معه ساعة ، ثم انصرف راجعًاً(٢)؛ فبينا هو يسير
إذ صاح بمن معه : خذونى ، فبدروه فسقط على أيديهم مفلوجًا ، فحمل
إلى منزله ، فمكث يومه وليلته، ثم توفَّىَ، فصيِّر على ديوان الخراج أيضًا عبيد الله
ابن يحيى بن خاقان ، فاستخلف عليه أحمد بن إسرائيل كاتب المعتزّ ؛ وكان
أيضًا خليفته على كتابة المعتزّ فقال القصّافىّ:
١٤٤٧/٣
حتَّى أُدِيلَ لموسى منه والحَمَنِ
مَا كانَ بِخْشِى نجاحٌ صَوْلة الزِّمنِ
فراحَ وهُو سَليبُ المال والبدنِ
غدا على نِعَمِ الأحرارِ يَسلبُها
(١) ف: ((ثم ضربه وعاوده)).
(٢) فى: ((ثم رجع منصرفاً)).
١

٢١٨
سنة ٢٤٥
وفيها ضُرب بَخْتِيشوع المتطبّب مائة وخمسين مقرعة، وأثقِل بالحديد،
وحبيس فى المطَبق فى رجب .
#
[ غارة الروم على سميساط ]
وفيها أغارت الروم على سُمُيْساط ، فقتلوا وسبوا نحواً من خمسمائة .
وغزا علىّ بن يحيى الأرمنىّ الصائفة ومنع أهل لؤلؤة رئيسهم من الصعود
١٤٤٨/٣ إليها ثلاثين يومًا، فبعث ملك الروم إليهم بيطريقًا يضمن لكلّ رجل منهم
ألف دينار ، على أن يسلموا إليه لؤلؤة ، فأصعدوه إليهم ثم أعطوا أرزاقهم
الفائتة وما أرادوا ، فسلّموا لؤلؤة والبطريق إلى بَلْكاجُور فى ذى الحجة؛ وكان
البطريق الذى كان صاحب الروم وجّهه إليهم يقال له لُغُشِيط ، فلما دفعه أهل
لؤلؤة إلى بَلْكاجور . وقيل: إن علىّ بن يحيى الأرمنى حمله إلى المتوكل إلى
الفتح بن خاقان ، فعرض عليه الإسلام فأبى ، فقالوا : نقتلك ، فقال : أنتم
أعلم ؛ وكتب ملك الروم يبذل مكانه ألف رجل من المسلمين .
٠ ٠
#
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم
الإمام ، وهو يعرف بالزينيّ ؛ وهو والى مكة .
وكان نيروز المتوكل الذى أرفق أهل الخراج بتأخيره إياه عنهم فيها يوم
السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، ولسبع عشرة ليلة خلت
من حزيران ولثمان وعشرين من أرديوهشت ماه ، فقال البحترىّ الطائىّ:
إِنَّ يومَ النِّيرُوزِ عادَ إلى العهـ دِ الذى كان سَنَّهُ أَرْدَشِيرُ (١)
(١) ديوانه ٢ : ٥٢ .

٢١٩
ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
١٤٤٩/٣
فمن ذلك غزو عمر بن عبد اللّه الأقطع الصّائفة، فأخرج سبعة آلاف
رأس . وغزوة قربياس ، فأخرج خمسة آلاف رأس ، وغزو الفضل بن قارن
بحراً فى عشرين مركباً؛ فافتتح حصن أنطالبية . وغزوة بلكاجور فغنم وسبي .
وغزو علىّ بن يحيى الأرمنىّ الصائفة، فأخرج خمسة آلاف رأس ومن الدواب
والرّمّك (١) والحمير نحواً من عشرة آلاف .
وفيها تحوّل المتوكل إلى المدينة التى بناها الماحوزة، فنزلها يوم عاشوراء من
هذه السنة .
[ذكر خبر الغداء بين الروم والمسلمين فى هذه السنة ]
وفيها كان الفداء فى صفر على يدى علىّ بن يحيى الأرمنى، فقُودى بألفين
وثلثمائة وسبعة وستين نفسًا. وقال بعضهم : لم يتمّ الفداء فى هذه السنة إلا فى
جمادى الأولى .
وذكر عن نصر بن الأزهر الشّعىّ - وكان رسول المتوكل إلى ملك الروم
فى أمر الفداء - أنه قال: لمّا صرتُ إلى القسطنطينية حضرت دار ميخائيل الملك
بسوادى وسيفى وخنجرى وقلنسوتى ، فجرت بينى وبين خال الملك بطرناس
المناظرة - وهو القيّم بشأن الملك - وأبوْا أن يدخلونى بسيفى وسوادى، فقلت:
أنصرف ، فانصرفت فرُدِدِتُ من الطريق ومعى الهدايا(٢) نحو من ألف نافجة
مسك وثيابٌ حريرٌ وزعفران كثير وطرائف ؛ وقد كان أذن لوفود بُرْجان
وغيرهم ممن ورد عليه ، وحُملت الهدايا التى معى، فدخلت عليه؛ فإذا هو على
١٤٥٠/٣
(١) الرمك ، محركة : الفرس والبرذونة تتخذ للنسل .
(٢) ف: ((هدايا)).

٢٢٠
سنة ٢٤٦
سرير فوق سرير ، وإذا البطارقة حوله قيام، فسلمت ثم جلست على طرف
السرير الكبير ، وقد ◌ُهيِّئ لى مجلس ، ووضعت الهدايا بين يديه ، وبين يديه
ثلاثة تراجمة : غلام فرّاش كان لمسرور الخادم ، وغلام لعباس بن سعيد
الجوهرىّ ، وترجمان له قديم يقال له سُرْحُون؛ فقالوا لى : ما نبلغه؟ قلت :
لا تزيدون على ما أقول لكم شيئًا ؛ فأقبلوا يترجمون ما أقول ، فقبل الهدايا ولم
يأمر لأحد منها بشىء، وقربنى وأكرمنى، وهيّأ لى منزلا بقربه ؛ فخرجت
فنزلت فى منزلى ، وأتاه أهل لؤلؤة برغبتهم فى النصرانية، وأنهم معه ، ووجّهوا
برجلين ممّن فيها رهينة من المسلمين .
قال : فتغافل عنى نحواً من أربعة أشهر ؛ حتى أتاه كتاب مخالفة أهل
لؤلؤة ، وأخذهم رسلَه واستيلاء العرب عليها؛ فراجعوا مخاطبتى ، وانقطع الأمر
بينى وبينهم فى الفِداء ؛ على أن يعطوا جميع مَنْ عندهم وأعْطِىَ جميع مَنْ
عندى"؛ وكانوا أكثر من ألف قليلا ؛ وكان جميع الأسرى الذين فى أيديهم
أكثر من ألفين؛ منهم عشرون امرأة ؛ معهنّ عشرة من الصبيان، فأجابونى
إلى المخالفة؛ فاستحلفت خاله، فحلف عن ميخائيل، فقلت : أيّها الملك قد
حلف لى خالك ؛ فهذه اليمين لازمة لك ؟ فقال برأسه: نعم، ولم أسمعه يتكلم
بكلمة منذ دخلت بلاد الروم إلى أن خرجت منها ، إنما يقول الترجمان وهو
يسمع، فيقول برأسه: نعم أوْلا، وليس يتكلّم وخالُه المدبّر أمرَه، ثم خرجتُ
من عنده بالأسْرى بأحسن حال ؛ حتى إذا جئنا موضع الفداء أطلقنا هؤلاء
جملة وهؤلاء جملة؛ وكان عداد مَنْ صار فى أيدينا من المسلمين أكثر من
ألفين منهم عدّة ممن كان تنصّر وصار فى أيديهم أكثر من ألف قليلا ؛ وكان
قوم تنصَّرُوا؛ فقال لهم ملك الروم : لا أقبل منكم حتى تبلغوا موضع الفداء،
فمن أراد أن أقبله فى النصرانية فليرجع من موضع الفداء؛ وإلا فليضمن ويمضٍ
مع أصحابه؛ وأكثر من تنصّر أهل المغرب، وأكثر من تنصّر بالقسطنطينية ؛
و کان هنالك صائغان قد تنصّرا ، فكانا يحسنان إلى الأسرى ؛ فلم يبق فى بلاد
الروم من المسلمين ممن ظهر عليه الملك إلا سبعة نفر ، خمسة أتيى بهم من سقلية،
أعطيتُ فداءهم على أن يوجّه بهم إلى سقليّة ، ورجلان كانا من رهائن لؤلؤة ،
١٤٥١/٣