النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سنة ٢٣٣ ٠ مملوء ثوماً(١)، فكان جميع ما قبض له مع قيمتة تسعين ألف دينار، وكان حبس ١٣٧٧/٣ المتوكل إياه يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر ووفاته يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت من شهر ربيع الأول . [ ذكر غضب المتوكل على عمر بن فرج ] وفيها غضب المتوكل على عمر بن فرج ؛ وذلك فى شهر رمضان ، فدُفع إلى إسحاق بن إبراهيم بن مُصعب ، فحُبس عنده ، وكتب فى قبض ضياعه وأمواله، وصار نجاح بن سَلَمة إلى منزله؛ فلم يجد فيه إلا خمسة عشر ألف درهم ، وحضر مسرور سمانة ، فقبض جواريه، وقُيِّد عمر ثلاثين رطلا، وأحضر مولاه نصر من بغداد ، فحمل ثلاثين ألف دينار ، وحمل نصر من مال نفسه أربعة عشر ألف دينار ، وأصيب له بالأهواز أربعون ألف دينار ، ولأخيه محمد بن فرج مائة ألف دينار وخمسون ألف دينار ، وحُمِل من داره من المتاع ستة عشر بعيراً فُرُشاً، ومن الجوهر قيمة أربعين ألف دينار، وحُمِل من متاعه وفرشه على خمسين جملا ، كرّت مراراً ، وألبس فَرَجِيّة (٢) صوف وقُيِّد، فمكث بذلك سبعًا ، ثم أطلق عنه وقبض قصره ، وأخذ عياله ، ففتّشوا وكنّ مائة جارية ؛ ثم صولح على عشرة آلاف ألف درهم ، على أن يردّ عليه ما حيز عنه من ضياع الأهواز فقط ، ونزعت عنه الجبة الصّوف والقيد ؛ وذلك فى شوال . وقال علىّ بن الجهم بن بدر لنجاح بن سلمة يحرّضه على عمر بن فرج : تمضِى بها الرِّيحُ إِصدرًا وإيرادًا (٣) أَبلِغْ نَجَاحًا فتى الكتّابِ مَأْلُكةً أَو يُغْمَدَ السَّيفُ فِى فَوْدَيْه إِغمادا ١٣٧٨/٣ لا يخرُج المالُ عفوًا مِن يَدَىْ عمرٍ والرخَّجيّات لا يُخلِفْنَ ميعادا الرُّخَّجِدُّونَ لا يوفُون ما وعَدُوا وقال أيضًا يهجوه : جَمَعتَ أَمرَيْنِ ضاعَ الحزمُ بينهما تِيهَ المُلوكِ وأَفعالَ المماليكِ (٤) (١) كذا فى ا،د، س وفى ط: ((ثوباً)). (٢) !: ((جبة صوف)) (٣) ديوانه ١٣٤ (٤) ديوانه ١٦١ تاريخ الطبري - تاسع ١٦٢ سنة ٢٣٣ لقد سَلَكتَ سبيلا غيرَ مسلوك أَردتَ شكراً بلا برِّ وَمَرْزِئَةٍ وما أَراك على حالٍ بِمتروكِ ظَنَنْتَ عِرْضَك لم يُقرَعْ بقارعة وفى هذه السنة أمر المتوكّل بإبراهيم بن الجنيد النصرانى، أخى أيوب كاتب سمانة، فضُرِب له بالأعمدة حتى أقرّ بسبعين ألف دينار، فوجته معه مباركاً المغربى إلى بغداد حتى استخرجها من منزله ، وجىء به فحبس . ٠ # [ ذكر غضب المتوكل على أبى الوزير وغيره ] وفيها غضب المتوكل على أبى الوزير فى ذى الحجة ، وأمر بمحاسبته ، فحمل نحواً من ستين ألف دينار ، وحمل بدورَ دراهم وحليًّا، وأخذ له من متاع مصر اثنين وستين سقطا واثنين وثلاثين غلاماً وفرشاً كثيراً ، وحبس بخيانته محمد بن عبد الملك أخا موسى بن عبد الملك والهيثم بن خالد النصرانىّ وابن أخيه سعدون بن علىّ ، وصولح سعدون على أربعين ألف دينار ، وصولح ابنا أخيه عبد الله وأحمد على نيّف وثلاثين ألف دينار ؛ وأخذت ضياعهم : بذلك . ٠ ٠ وفى هذه السنة استكتب المتوكل محمد بن الفضل الجرجرائىّ. ١٣٧٩/٣ # وفى هذه السنة عزل المتوكل يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان عن ديوان الخراج الفضل بن مروان ، وولاّه يحيى بن خاقان الحُراسانىّ مولى الأزْد، وولَى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صُول فى هذا اليوم ديوان زمام النفقات وعزل عنه أبا الوزير . ٠ ٥ وفيها ولى المتوكل ابنه محمداً المنتصر الحرمين واليمن والطائف ، وعقد له ١٦٣ سنة ٢٣٣ يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان . وفيها فُلج أحمد بن أبى دواد لستّ خلون من جمادى الآخرة . وفيها قدم يحيى بن هرثمة مكة وهو والى طريق مكة بعلىّ بن محمد بن علىّ الرضىّ بن موسى بن جعفر من المدينة . وفيها وثب ميخائيل بن توفيل على أمّه تذورة فشمّسها وأدخلها الدير ، وقتل اللُّغُشِيط لأنه اتهمها به ؛ وكان ملكها ستّ سنين . وحج بالناس فی هذه السنة محمد بن داود . ١٦٤ ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين ذ کر الخبر عما كان فيها من الأحداث ٠٠ ٠ [ ذكر الخبر عن هرب محمد بن البعيث ] فمن ذلك ما كان من هرب محمد بن البعيث بن حَلْبَس ؛ جىء به أسيراً من قبل أذْرَبيجان فحبس . * ذكر الخبر عن سبب هربه وما كان آل إليه أمره: ذكر أنّ السبب فى ذلك كان أنّ المتوكل كان اعتَلّ فى هذه السنة؛ وكان مع ابن البعيث رجلٌ يخدمه يسمتى خليفة، فأخبره بأنّ المتوكل قد تُوفّىَ، وأعدّ له دواب، فهرب هو وخليفة الذى أخبره الخبر إلى موضعه من أُذْرَبيجان، وموضعه منها مَرَنْد - وقيل: كانت له قلعتان تُدْعى إحداهما شاهى والأخرى يكدُر (١) - ويكدر خارج البحيرة، وشاهى فى وسط البحيرة، والبحيرة قدرُ خمسين فرسخًا من حدّ أرْمِية، إلى رُستاق داخَرّقَان بلاد محمد بن الرّوّاد، وشاهى قلعة ابن البعيث حصينة يحيط بها ماء قائم ثَمَّ، يركب الناس من أطراف المراغة إلى أرْمِيَة وهى بحيرة لا سمك فيها ولا خير . و ◌ُذُكِرِ أنّ ابن البَعيث كان فى حبس إسحاق بن إبراهيم بن مصعب ، فتكلم فيه بُغًا الشرابىّ، وأخذ منه الكُفَلاء نحواً من ثلاثين كفيلاً ، منهم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد الشيبانىّ؛ فكان يتردّد بسامرًا؛ فهرب إلى مَرَّنْد، فجمع بِمَرَنْد الطعام؛ وفيها عيون ماء، فرَمَّ ما كان وَهَى من سُورها ، وأتاه من أراد الفتنة من كلّ ناحية ؛ من ربيعة وغيرهم؛ فصار فى نحو من ألفين ومائتى رجل . وكان الوالى بأذربيجان محمد بن حاتم بن هرثمة، فقصّر فى طلبه ، فولّى (١) س: ((بكذر)). ١٣٨٠/٣ ١٦٥ سنة ٢٣٤ ١٣٨١/٣ المتوكل حمدويه بن علىّ بن الفضل السعدىّ أذْرَبيجان، ووجّهه من سامرًا على البريد ، فلما صار إليها جمع الجند والشاكريّة ومَن استجاب له ، فصار فى عشرة آلاف، فزحف إلى ابن البعيث ، فألجأه إلى مدینة مرنْد -وهی مدينة استدارتها فرسخان وفى داخلها بساتين كثيرة ، ومن خارجها كما تدور شجر إلاّ فى موضع أبوابها - وقد جمع فيها ابن البعيث آلة الحصار ، وفيها عيون ماء ، فلما طالت مدّته، وجّه المتوكل زِيرَك التركىّ فى مائتى ألف فارس من الأتراك ؛ فلم يصنع شيئاً؛ فوجّه إليه المتوكل عمروبن سيسل بن كال فى تسعمائة من الشاكرّية ، فلم يُغنِ شيئًا، فوجّه إليه بغا الشرابىّ فى أربعة آلاف ما بين تركىّ وشاكرىّ ومغربّ، وكان حمدويه بن علىّ وعمر بن سيسل وزيرك زحفوا إلى مدينة مَرَنْد، وقطعوا ما حولتها من الشجر، فقطعوا نحواً من مائة ألف شجرة وغير ذلك من شجر الغياض ، ونصبوا عليها عشرين مِنْجَنيقا ، وبنوا بحذاء المدينة ما يستكنّون فيه، ونصب عليهم ابن البعيث من المجانيق مثلَ ذلك؛ وكان مَنْ معه من عُوج رساتيقه يرمون بالمقاليع، فكان الرَّجُل لا يقدر على الدنوّ من سُور المدينة، فقُتل من أولياء السلطان فى حَرْبه فى ثمانية أشهر نحو من مائة رجل ، وجُرح نحو من أربعمائة، رقتل وجرح من أصحابه مثل ذلك . وكان حمدويه وعمرو وزيرك يغادونه القتال ويتراوحونه ؛ وكان السور من قِبَل المدينة ذليلاً ، ومن القرار نحواً من عشرين ذراعًا ، وكانت الجماعة من أصحاب ابن البعيث يتدلَّوْن بالحبال معهم الرماح فيقاتلون؛ فإذا حُمِل عليهم من أصحاب السلطان لجئوا إلى الحائط ؛ وكانوا ربما فتحوا باباً يقال له باب الماء ؛ فيخرج منه العِدّة يقاتلون ثم يرجعون . ولما قرب بُغا الشرابىّ من مَرَنْد بعث- فيما ذكر - عيسى بن الشيخ بن ١٣٨٢/٣ السَّليل الشيبانىّ، ومعه أمانات لوجوه أصحاب ابن البعيث، ولا بن البعيث أن ينزلوا وينزل على حكم أمير المؤمنين ؛ وإلاّ قاتلهم، فإن ظفر بهم لم يستبقٍ منهم أحداً، ومَنْ نزل فله الأمان؛ وكان عامة مَنْ مع ابن البَعيث من ربيعة من قوم عيسى بن الشيخ ؛ فنزل منهم قوم كثير بالحبال ، ونزل ختن ابن البعيث ١٦٦ سنة ٢٣٤ على أخته أبو الأغر . وذكر عن أبى الأغرّ هذا أنه قال: ثم فتحوا باب المدينة ، فدخل أصحاب حمدويه وزيرك ، وخرج ابن البعيث من منزله هارباً يريد أن يخرج من وجه آخر ؛ فلحقه قوم من الجند ، معهم منصور قمَهر مانه ؛ وهو راكب دابةً، يريد أن يصير إلى نهر عليه رحًا ليستخفى فى الرحا ، وفى عنقه السيف، فأخذوه أسيراً وانتهب الجند منزله ومنازل أصحابه وبعض منازل أهل المدينة ، ثم نودى بعد ما انتهب الناس : برئت الذّمة ممن انتهب وأخذوا له أختين وثلاث بنات وخالته والبواقى سرارىّ ؛ فحصل فى يد السلطان من حرمه ثلاث عشرة امرأة، وأخذ من وجوه أصحابه المذكورين نحوٌ من مائتى رجل ، وهرب الباقون؛ فوافاهم بُغا الشرابىّ من غد ، فنادى مناديه بالمنع من النهْب ، فكتب بُغا الشرابى بالفتح لنفسه . ٠ وخرج المتوكل فيها إلى المدائن فى جمادى الأولى . ٥ ٠ ١٣٨٣/٣ [ ذكر الخبر عن حج إيتاخ وسببه ] وحجّ فى هذه السنة إيتاخ ، وكان وإلى مكة والمدينة والموسم ، ودُعِى له على المنابر. • ذكر الخبر عن سبب حجه فى هذه السنة : ◌ُذكر أن إيتاخ كان غلامًا خَزَريًّا لسلام الأبرش طباخاً، فاشتراه منه المعتصم فى سنة تسع وتسعين ومائة، وكان لإيتاخ رُجْلة (١) وبأس، فرفعه المعتصم ومِنْ بعده الواثق؛ حتى ضمّ إليه من أعمال السلطان أعمالاً كثيرة، وولاه المعتصم معونة سامرًا مع إسحاق بن إبراهيم؛ وكان مین قبله رجل، ومن قبَل إسحاق رجل؛ وكان مَنْ أراد المعتصم أو الواثق قَتْلَه فعند إيتاخ (١) الرجلة بالضم ، مثل الرجولية. ١٦٧ سنة ٢٣٤ يُقتل ، وبيدهُ يُحْبس؛ منهم محمد بن عبد الملك الزيات ، وأولاد المأمون من سُنْدس، وصالح بن عُجيف وغيرهم؛ فلمَّاً ولىّ المتوكل كان إيتاخ فى مرتبته، إليه الجيش والمغاربة والأتراك والموالى والبريد والحجابة ودار الخلافة؛ فخرج المتوكل بعد ما استوتْ له الخلافة متنزِّها إلى ناحية القاطُول، فشرب ليلة، فعربَد على إيتاخ؛ فهمّ إيتاخ بقتله؛ فلما أصبح المتوكل قیلله، فاعتذر إليه والتزمه، وقال له: أنت أبى وربَّيْتَنِى، فلما صار المتوكل إلى سامرًا دسّ إليه مَنْ يشير عليه بالاستئذان للحجّ، ففعل وأذن له، وصيّره أمير كلّ بلدة يدخلها، وخلع عليه، وركب جميع القوَّاد معه، وخرج معه من الشاكرّية والقوّاد والغلمان سوى غلمانه وحتشمه بشر كثير ؛ فحين خرج صُيُّرت الحجابة إلى وصيف ، وذلك يوم السبت لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى القعدة . ١٣٨٤/٣ وقد قيل إن هذه القصة من أمر إیتاخ کانت فى سنة ثلاث وثلاثين ومائتین وإن المتوكل إنما صيّر إلى وصيف الحجابة لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة من سنة ثلاث وثلاثين ومائتين . وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى (١). (١) ط: ((موسى بن عيسى). ١٦٨ ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين ذ کر الخبر عما کان فيها من الأحداث ٥ ٠ ٠ [ ذكر الخبر عن مقتل إيتاخ ] فمن ذلك مقتل إيتاخ الخزرىّ . ذكر الخبر عن صفة مقتله : ٠ ◌ُذكر عن إيتاخ أنه لما انصرف من مكّة راجعاً إلى العراق، وجّه المتوكل إليه سعيد بن صالح الحاجب مع كسوة وألطاف ، وأمره أن يلقاه بالكُوفة أو ببعض طريقه ؛ وقد تقدّم المتوكل إلى عامله على الشرطة ببغداد بأمره فيه . فذكر عن إبراهيم بن المدبّر، أنه قال : خرجت مع إسحاق بن إبراهيم حين قَرُب إيتاخ من بغداد ، وكان يريد أن يأخذ طريق الفُرات إلى الأنبار، ثم يخرج إلى سامرًا، فكتب إليه إسحاق بن إبراهيم: إنّ أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، قد أمر أن تدخل بغداد، وأنْ يلقَاك بنو هاشم ووجوه الناس، وأن تقعد لهم فى دار خُزيمة بن خازم ، فتأمر لهم بجوائز. قال: فخرجنا حتى إذا كنا بالياسرّية، وقد شحن ابن إبراهيم الجسر بالجُنْد والشاكرّية، وخرج فى خاصّته ، وطُرِح له بالياسرية صُفَّة، فجلس عليها حتى قالوا : قد قَرُب منك . فركب فاستقبله ؛ فلما نظر إليه أهوى إسحاق لينزل ، فحلف عليه إيتاخ ألا يفعل . قال : وكان إيتاخ فى ثلثمائة من أصحابه وغلمانه ، عليه قباء أبيض، متقلّداً سيفًا بحمائل ، فسارا جميعًا؛ حتى إذا صارا عند الجسر تقدّمه إسحاق عند الجسر ، وعبرَ حتى وقف على باب خُزيمة بن خازم ، وقال لإيتاخ: تدخل أصلح الله الأمير ! وكان الموكَّلون بالجسْر كلما مرّ بهم غلام من غلمانه قدموه ؛ حتى بقى فى خاصّة غلمانه ، ودخل بين يديه قوم ، وقد فرشت له دار خزيمة ، وتأخّر إسحاق ، وأمر ألا يدخل الدار من غلمانه إلا ١٣٨٥/٣ ١٦٩ سنة ٢٣٥ ثلاثة أو أربعة ، وأخذت عليه الأبواب، وأمر بحراسته من ناحية الشطّ ، وكسرت كل درجة فى قصر خُزيمة بن خازم، فحين دخل أغلق الباب خلفه، فنظر فإذا ليس معه إلاّ ثلاثة غلمان، فقال: قد فعلوها ! ولو لم يؤخذ ببغداد ما قدروا على أخذه ؛ ولو دخل إلى سامرًا، فأراد بأصحابه قتل جميع من خالفه أمكنه ذلك . قال : فأتىَ بطعام قرب الليل، فأكل فمكث يومين أو ثلاثة ، ثم ركب إسحاق فى حَرّاقة وأعدّ لإيتاخ أخرى، ثم أرسل إليه أن يصير إلى الحرّاقة، وأمر بأخذ سيفه، فحدَرَوه إلى الحرّاقة، وصُّيِّرَ معه قوم فى السلاح وصاعَدَ إسحاق، حتى صار إلى منزله، وأخر ج إيتاخ حين (١) بلغ دار إسحاق، فأدخِل ناحية منها، ثم قيِّد فأثقل بالحديد فى عنقه ورجليه؛ ثم قدِّم بابنيه منصور ومظفر ، وبكاتبيه سليمان بن وهْب وقدامة بن زياد النصرانىّ بغداد . وكان سليمان على أعمال السلطان ، وقدامة على ضياع إيتاخ خاصّة ، فحبسوا ببغداد ؛ فأما سليمان وقُدامة فضُرِ با ، فأسلم قُدامة وحُبس منصور ومظفر . وذكر عن تُرْك مولى إسحاق أنه قال: وقفت على باب البيت الذى فيه إيتاخ محبوس ، فقال لى : يا ترك ، قلت : ما تريد يا منصور ؟ قال: أقرئ الأمير السلام ، وقل له : قد علمتَ ما كان يأمر نى به المعتصم والواثق فى أمرك؛ فكنت أدفع عنك ما أمكننى ؛ فلينفعْنى ذلك عندك ؛ أما أنا فقدمرّبى شدّة ورخاء ؛ فما أبالى ما أكلت وما شربت ، وأّما هذان الغلامان ؛ فإنهما عاشا فى نعمة ولم يعرفا البؤس ، فصيّرْ لهما مَرّقة ولحماً وشيئاً يأكلان منه. قال : ترْك فوقفتُ على باب مجلس إسحاق ، قال لى : مالك يا ترك ؟ أتريد أن تتكلم بشىء ؟ قلت : نعم، قال لى إيتاخ كذا ، كذا ، قال : وكانت وظيفة إيتاخ رغيفًا وكوزاً من ماء، ويأمر لابنيه بخوان فيه سبعة أرغفة وخمس غُرف ؛ فلم يزل ذلك قائماً حياة إسحاق، ثم لا أدرى ما صنع بهما؛ فأما إيتاخ فقُيِّد وصُيِّر فى عنقه ثمانون رطلا، وقَيْدٌ ثقيل، فمات يوم الأربعاء لخمس خلوْن من جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين ومائتين ، وأشهد إسحاق على موته أبا الحسن إسحاق بن ثابت بن أبى عباد وصاحب بريد بغداد والقضاة ، وأراهم إياه لاضَرْبَ به ولا أثر. ١٣٨٦/٣ (١) س: ((حتى)). ١٧٠ سنة ٢٣٥ وحدثنى بعض شيوخنا أن إيتاخ كان موته بالعطش، وأنه أطعم (١) فاستسفى فمنع الماء، حتى مات عطشاً ، وبقى ابناه فى الحبس حياة المتوكل، فلما أفضى الأمر إلى المنتصر أخرجهما ؛ فأما مظفر فإنه لم يعش بعد أن أخرج من السجن إلا ثلاثة أشهر حتى مات ؛ وأما منصور فعاش بعده. ٠٠٠ [ذكر خبر أسر ابن البعيث وموته ] وفى هذه السنة قدم بُغا الشرابىّ بابن البَعِيث فى شوّال وبخليفته (٢) أبیالأغرّ وباخوى ابن البعیٹ صقر وخالد ۔ و کانا نزلا بأمانــ وبابن لابن البعيث ، يقال له العلاء ؛ خرج بأمان ، وقدم من الأسرى بنحو من مائة وثمانين رجلا، ومات باقيهم قبل أن يصلوا ؛ فلمّا قربوا من سامرًا حملوا على الجِمال يستشرفهم الناس ، فأمر المتوكل بحبسه وحبسهم ، وأثقله حديداً. فذُكر عن علىّ بن الجهم ، أنه قال : أتِىّ المتوكل بمحمد بن البعيث ، فأمر بضرب عنقه ، فطرح على نِطَع ، وجاء السيَّافون فلوّحوا له ، فقال المتوكّل ، وغلظ عليه: ما دعاك يا محمد إلى ما صنعتَ ؟ قال: الشقوة ، وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه ؛ وإن لى فيك لظنَّيْن أسبقهما إلى قلبى أوْلاهما بك ؛ وهو العفو؛ ثم اندفع بلا فضل ، فقال : إِمامَ الهُدَى والصفح بالناسِ أَجمَلُ (٣) أَبَى الناسُ إِلاَّ أَنك اليومَ قائِنى وعفوك من نور النبوَّةِ يُجْبَلُ وهل أَنَا إِلا جُبلةٌ من خَطِيَّةٍ ولا شكَّ أَنْ خير الفعَالِيْنِ تَفعَل فإِنَّك خيرُ السابقين إلى العُلَا قال علىّ: ثم التفت إلىّ المتوكل ، فقال: إن معه لأدباً، وبادرت فقلت : بل يفعل أمير المؤمنين خيرَهما ويمنّ عليك ؛ فقال: ارجع إلى منزلك . وحدثنى ... (٤) أنه أنشدنى بالمراغة جماعة من أشياخها أشعاراً لابن (١) س: ((طعم)). (٢) س: ((وبحليفه)). (٣) ابن الأثير: ((بالمره)، المسعودى: ((بالحر)). (٤) نقص فى ط، ولم يرد الخبر فى ا، د. ١٣٨٧/٣ ١٣٨٨/٣ ١٧١ سنة ٢٣٥ البعيث بالفارسية ، ويذكرون أدبه وشجاعته، وله أخبار وأحاديث . وحدثنى بعضُ مَنْ ذكر أنه شهد المتوكّل حين أتِىَ بابن البَعِيث، وكلّمه ابن اليسَعيث بما كلّمه به، فتكلّم فيه المعتزّ؛ وهو جالس مع أبيه المتوكل، فاستوهبه فُوهِب له ، وعُفى عنه . وكان ابن البّعيث حين هرب قال : غيرِى وقد أَخذ الإِفلاسُ بالكَظَم كمْ قد قضيت أمورًا كان أَهمَلَها إليكِ عنى جَرَى المِقدارُ بالقَلمِ لا تَعْذلِيْنِىَ فيما ليس ينفعُنِى إِن الجوَادَ الذى يُعْطِى على العدَمِ سأُتْلِفُ المالَ فى عُسرٍ وفى يسَرٍ ١٣٨٩/٣ وكان ابن البعيث حين هرب خلّف فى منزله ثلاثة بنين له، يقال لهم: البَعيث وجعفر وحَكْبس، وجوارىَ ، فحبيسوا ببغداد فى قصر الذّهب، فتكلم بُغا الشرابیّ بعد موت ابن البعیث- ومات بعد دخوله سامُرًا بشهر- فى أبى الأغرّ خَتَنه، فأطلِقٍ وأطلقتْ خالةٌ لابن البعيث ، فخرجتْ من السجن، فماتت فرحًا من يومها ، وبقى الباقون فى الحبس . وذكر أنّ ابن البعيث صُيِّر فى عنقه مائة رطل ، فلم يزل مكبوبًا على وجهه حتى مات . ولما أخذ ابنُ البعيث أخرج من الحبس مَنْ كان محبوسًا بسبب كفالته به ، وقد كان بعضهم مات فى الحبْس، فأخرج بعدُ باقى عياله وصُيِّرَ بنوه: حَكْبسَ والبعيث وجعفر فى عيداد الشاكرّية مع عبيد الله بن خاقان، وأجْريتْ عليهم الأنزال . # [ أمر المتوكل مع النصارى ] وفى هذه السنة أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذّمة كلهم بلبس الطيالسة العسليّة والزّنانير وركوب السروج بركب الخشَب وبتصيير كُرَتَيْن على مؤخّرّ السروج، وبتصيير زِرّين على قَلانس مَنْ لبس منهم قلنسوة مخالفة لون القلنسوة التى يلبسها المسلمون ، وبتصيير رقعتين على ما ظهر من لباس ١٧٢ سنة ٢٣٥ ١٣٩٠/٣ مماليكهم مخالفٌ لونهما لون الثوب الظاهر الذى عليه؛ وأن تكون إحدى الرُّفعتين بین یدیه عند صدره، والأخرى منهما خلف ظهره ؛ وتكون کلُ واحدة من الرُّقعتين قَدْر أربع أصابع، ولونهما عسليًّا ، ومن لبس منهم عمامة فكذلك يكون لونها لون العسلى"، ومن خرج من نسائهم فبرزتْ فلا تبرزإلا فى إزار عسلىّ، وأمر بأخذ مماليكهم بلبس الزَّنانير وبمنعهم لبسَ المناطق، وأمر بهدم بيعهم المحدثة ، وبأخذ العشر من منازلهم ، وإن كان الموضع واسعاً صُيِّر مسجداً، وإن كان لا يصلح أن يكون مسجدًاً صُيِّر فضاء ، وأمر أن يجعل على أبواب دورهم صورَ شياطين من خشب مسمورة ؛ تفريقاً بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يستعان بهم فى الدواوين وأعمال السلطان التى يجرى أحكامهم فيها على المسلمين، ونهى أن يتعلّم أولادهُم فى كتاتيب المسلمين ، ولا يعلِّمهم مسلم، ونهى أن يُظهروا فى شعانينهم صليبا، وأن يشمعدّوا(١) فى الطريق ، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض ، لئلا تشبه قبور المسلمين . وكتب إلى عماله فى الآفاق : بسم الله الرحمن الرحيم؛ أما بعد؛ فإن الله تبارك وتعالى بعزّته التى لاتحاول وقدرته على ما يريد ؛ اصطفى الإسلام فَرَضيَهُ لنفسه ، وأكرم به ملائكته ، وبعث به رسله، وأيّد به أولياءه، وكَنفَه بالبرّ ، وحاطه بالنصر، وحرسه من العاهة، وأظهره على الأديان ، مبرَّءًا من الشبهات ، معصومًا من الآفات، محبوًا بمناقب الخير، مخصوصاً من الشرائع بأطهرها وأفضلها ، ومن الفرائض بأزكاها وأشرفها، ومن الأحكام بأعدلها وأقنعها، ومن الأعمال بأحسنها وأقصدها؛ وأكرم أهله بما أحلّ لهم من حلاليه، وحرّم عليهم من حرامه ؛ وبيّن لهم من شرائعه وأحكامه ، وحدّ لهم من حدوده ومناهجه ، وأعدّ لهم من سعة جزائه وثوابه ، فقال فى كتابه فيما أمر به ونهى عنه ، وفيما حضّ عليه فيه ووعظ : ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالْعَدْلِ والإِحْسَان وإِيتَاءِ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ والْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لعلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾(٢)، وقال فيما حرّم على أهله ١٣٩١/٣ (١) أن يشمعلوا : أن يسرعوا . (٢) سورة النحل ٩٠ . ١٧٣ سنة ٢٣٥ مما غمط فيه أهل الأديان من ردىء المطعم والمشرب والمنكح لينزّههم عنه وليظهر به دينهم، ليفضّلهم عليهم تفضيلا: ﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ والدَّمُ ولِحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ والمَنْخَنقَةُ ... ﴾(١) إلى آخر الآية، ثم ختم ما حرّم عليهم من ذلك فى هذه الآية بحراسة دينه ؛ ممن عند عنه وبإتمام نعمته على أهله الذين اصطفاهم ، فقال عز وجل: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكَمْ دِينَكُمْ ... ﴾(١) الآية، وقال عز وجل: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتِكُمْ وَبَنَاتُكُمُ ... ﴾(٢) وقال: ﴿إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ .. ﴾(٣) الآية ، فحرّم على المسلمين من مآكل أهل الأديان أرجستها وأنجسها ، ومن شرابهم أدعاه إلى العداوة والبغضاء ، وأصدّه عن ذكر الله وعن الصلاة ، ومن مناكحهم أعظمها عنده وزْراً ، وأولاها عند ذوى الحِجَى والألباب تحريماً ، ثم حباهم محاسن الأخلاق وفضائل الكرامات؛ فجعلهم أهلَ الإيمان والأمانة، والفَضْل والتراحم واليقين والصدق ؛ ولم يجعل فى دينهم التقاطع والتدابُر، ولا الحميّة ولا التكبر، ولا الخيانة ولا الغدر، ولا التباغىَ ولا التظالم ؛ بل أمر بالأولى ونهى عن الأخرى ، ووعد وأوعد عليها جَنّته ونارَه، وثوابه وعقابه؛ فالمسلمون بما اختصَّهم اللّه من كرامته ، وجعل لهم من الفضيلة بدينهم الذى اختاره لهم ، بائنون على الأديان بشرائعهم الزّاكية ، وأحكامهم المرضية الطاهرة، وبراهينهم المنيرة ، وبتطهير اللّه دينهم بما أحلّ وحرّم فيه لهم وعليهم، قضاء من اللّه عزّ وجل فى إعزاز دينه ؛ حتماً ومشيئةً منه فى إظهار حقه ماضية، وإرادةً منه فى إتمام نعمته على أهله نافذة ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَك عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيَا مَن حَىَّ عَنْ بَيِّنة﴾ (٤)، وليجعل الله الفوز والعاقبة للمتقين ، والخزى فى الدنيا والآخرة على الكافرين . ١٣٩٢/٣ وقد رأى أمير المؤمنين - وباللّه توفيقه وإرشاده - أن يحميل أهل الذمة جميعاً (١) سورة المائدة ٣ . (٣) سورة المائدة ٩٠ . (٢) سورة النساء ٢٣. (٤) سورة الأنفال ٤٤ . ١٧٤ سنة ٢٣٥ بحضرته وفى نواحى أعماله؛ أقربِها وأبعدِها ، وأخصّهم وأخسَّهم على تصيير طيالستهم التى يلبسونها ؛ مَنْ لبسها من تجارهم وكتابهم، وکبیرهم وصغيرهم، على ألوان الثياب العسليّة، لا يتجاوز ذلك منهم متجاوز إلى غيره ، ومَنّ قصر عن هذه الطبقة من أتباعهم وأرذالهم، ومَنْ يقعد به حاله عن لبس الطيالسة منهم أخِذ بتركيب خيرْقتين صبغهما ذلك الصَّبغ يكون استدارة كلّ واحدة منهما شبراً تامًا فى مثله ، على موضع أمام ثوبه الذى يلبسه ، تلقاء صدره ، ومن وراء ظهره ، وأن يؤخذ الجميع منهم فى قلانسهم بتركيب أزرّة عليها تُخالف ألوانها ألوان القلانس؛ ترتفع فى أماكنها التى تقع بها، لئلا تلصق فتُستَر ولا ما يركّب منها على حباك فتخفى؛ وكذلك فى سروجهم باتخاذ رُكب خشب لها، ونَصْبٍ أكَرٍ على قرابيسها ؛ تكون ناتئة عنها ، وموفية عليها ، لايرخَّص لهم فى إزالتها عن قرابيسهم، وتأخيرها إلى جوانبها ؛ بل يُتفقَّد ذلك منهم ؛ ليقع ما وقع من الذى أمر أمير المؤمنين بحملهم عليه ظاهراً يتبيّنتُه الناظر من غير تأمُّل ، وتأخذه الأعين من غير طلب ، وأن تؤخذ عبيدهم وإماؤهم ، ومَنْ يلبس المناطق من تلك الطبقة بشدّ الزنانير والكساتيج مكان المناطق التى كانت فى أوساطهم، وأن توعِزَ إلى عمالك فيما أمربه أمير المؤمنين فى ذلك إيعازاً تحدوهم به إلى استقصاء ما تقدّم إليهم فيه ، وتحذّرهم إدهاناً وميلا ، وتتقدّم إليهم فى إنزال العقوبة بمَنْ خالف ذلك من جميع أهل الذّة عن سبيل عناد وتهوين إلى غيره ؛ ليقتصر الجميع منهم على طبقاتهم وأصنافهم على السبيل التى أمر أمير المؤمنين بحملهم عليها ، وأخذهم بها إن شاء الله . فاعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين وأمره ، وأنفذ إلى عمالك فى نواحى عملك ما ورد عليك من كتاب أمير المؤمنين بما تعمل به إن شاء الله ؛ وأمير المؤمنين يسأل الله ربَّه ووليّه أن يُصَلّى على محمد عبده ورسوله صلى اللهعليه وملائكته، وأن يحفظه فيما استخلفه عليه من أمر دينه ، ويتولى ما ولاه مما لا يبلغ حقه فيه إلاّ بعونه ؛ حفظًا يحمل به ما حمله ، وولاية يقضى بها حقه منه ويوجب بها له أكمل ثوابه ، وأفضل مزيده ؛ إنه كريم رحيم . وكتب إبراهيم بن العباس فى شوال سنة خمس وثلاثين ومائتين . ١٣٩٣/٣ ١٣٩٤/٣ ١٧٥ سنة ٢٣٥ فقال علىّ بن الجهم : بين ذوى الرِّشْدَةِ والغَىِّ (١) العَسلِيَّاتُ التى فرَّقَتْ أَكثرُ للفَىِّ فإنه وما على العاقل إِنْ تَكْثِرُوا [ ظهور محمود بن الفرج النيسابورىّ ] وفى هذه السنة ظهر بسامراً رجلٌ يقال له محمود بن الفرج النيسابورىّ فزعم أنه ذو القرنين ، ومعه (٢) سبعة وعشرون رجلاً عند خشبة بابك، وخرج من أصحابه بباب العامة رجُلان، وببغداد فى مسجد مدينتها آخران، وزعما أنه نبيّ ، وأنه ذو القرنين؛ فأتى به وبأصحابه المتوكّل، فأمر بضربه بالسياط ؛ فضرب ضربا شديداً، فمات من بعد من ضَرْبِه ذلك، وحُبيس أصحابه ؛ وكانوا قدموا من نيسابور ، ومعهم شىء يقرءونه ، وكان معهم عيالاتهم، وفيهم شيخ يشهد له بالنبوّة ، ويزعم أنه يوحى إليه ، وأنّ جبريل يأتيه بالوحى ، فضُرب محمود مائة سوط ، فلم ينكر نبوته حين ضُرب، وضُرب الشيخ الذى كان يشهد له أربعين سوطًا، فأنكر نبوَّته حين ضرب . وحُمل محمود إلى باب العامّة ، فأكذب نفسه ، وقال : الشيخ قد اختدعنى، وأمر أصحاب محمود أن يصفعوه فصفعوه ؛ كلّ واحد منهم عشر صفعات ، وأخذ له مصحف فيه كلام قد جمعه ذكر أنه قرآنه ، وأن جبريل عليه السلام كان يأتيه به ، ثم مات يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذى الحجة فى هذه السنة ودفن فى الجزيرة . [ ذكر عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة] ١٣٩٥/٣ وفى هذه السنة عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة : لمحمد وسماه المنتصر ، ولأبى عبد الله بن قبيحة ۔۔ ویختلف فى اسمه ، فقيل إن اسمه محمد ، وقيل: (١) ديوانه ١٩٢ . (٢) ابن الأثير: ((وتبعه). ١٧٦ سنة ٢٣٥ اسمه الزبير، ولقبه المعتزّ - ولإبراهيم وسماه المؤيّد بولاية العهد ، وذلك - فيما قيل - يوم السبت لثلاث بقين من ذى الحجة - وقيل لليلتين بقيتا منه - وعقد لكلّ واحد منهم لواءين؛ أحدهما أسود وهو لواء العهد، والآخر أبيض وهو لواء العمل ، وضمّ إلى كلِّ واحد من العمل ما أنا ذاكره . فكان ما ضمّ إلى ابنه محمد المنتصر من ذلك إفريقية والمغرب كله من عريش مصر إلى حيث بلغ سلطانه من المغرب وجند قنَّسرين والعواصم والثغور الشأمية والخزريّة وديار مُضر وديار ربيعة والموصل وهِيت وعدَانات والخابُور وقَرقيسيا وكور باجتَرْمَى وتكريت وطساسيج السواد وكور دجلة والحرَمين واليمسَن وعلكّ وحضرموت واليمامة والبحرين والسند ومكران وقندابيل وفَرْج بيت الذهب وكُور الأهواز والمستغلاّت بسامراً وماهالكوفة وما ه البصرة وماسبذان ومِهرجان قَذَق وشهر زُور ودراباذ والصامغان وأصبهان وقمّ وقاشان وقزوين وأمور الجبل والضّياع المنسوبة إلى الجبال وصدقات العرب بالبصرة . و کان ما ضم إلى ابنه المعتزّ حُور خراسان وما يضاف إليها، وطبرستان والرّىّ وإرمينيَة وَأَذْرَبيجان وكُور فارس. ضم إليه فى سنة أربعين خَزْن بيوت الأموال فى جميع الآفاق ، ودور الضرب ، وأمر بضرب اسمه على الدراهم . و کان ما ضم إلى ابنه المؤيد جند دمشق وجند حمص وجند الأردن وجند فلسطين ، فقال أبو الغصْن الأعرابيّ : محمّدٌ ثم أَبو عَبْدِ الله إِنَّ وُلاةَ المسلمينَ الجِلَّهْ بُورِكَ فِى بِنِى خليفةِ الله ثمَّتَ إِبراهيمُ آبى الذِّلهْ و کتب بينهم كتابًا نسخته : هذا كتاب كتبه عبد اللّه جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ، وأشهد الله على نفسه جميع ما فيه ومَنْ حضر من أهل بيته وشيعته وقوّاده وقُضاته وكفاته وفقهائه وغيرهم من المسلمين لمحمد المنتصر بالله، ولأبى عبد الله المعتزّ باللّه، وإبراهيم المؤيد بالله ؛ بنى أمير المؤمنين ؛ فى أصالة من رأيه ، وعمومٍ من عافية بدنه، واجتماع من فهمه ؛ مختاراً لما شهد به، متوخًّا بذلك طاعة ربه ، وسلامة رعيّته واستقامتها وانقياد طاعتها ، واتساع كلمتها ؛ ١٣٩٦/٣ ١٧٧ سنة ٢٣٥ وصلاح ذات بينها ؛ وذلك فى ذى الحجة سنة خمسة وثلاثين ومائتين [ أنه جعل](١)؛ إلى محمد المنتصر بالله بن جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ولاية عهد المسلمين فى حياته والخلافة عليهم من بعده ؛ وأمره بتقوى الله التى هى عِصْمة مَن اعتصم بها ونجاةُ من لجأ إليها ، وعزّ من اقتصر عليها ؛ فإن بطاعة الله تمّ النعمة، وتجب من الله الرحمة، والله غفور رحيم. وجعل عبد اللّه جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين الخلافة من بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين إلى أبى عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين ، ثم من بعد أبى عبد الله المعتز ابن أمير المؤمنين الخلافة إلى إبراهيم المؤيد باللّه ابن أمير المؤمنين. ١٣٩٧/٣ وجعلَ عبدُ اللّه جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين لمحمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين على أبى عبد الله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله ابنى أمير المؤمنين السمع والطاعة والنصيحة والمشايعة والموالاة لأوليائه والمعاداة لأعدائه، فى السرّ والجهر، والغضب والرضا، والمنع والإعطاء ، والتمسك ببيعته ، والوفاء بعهده، لا يَبغيانه غائلة، ولا يحاولانه محاتَةً ، ولا يمالثان عليه عدوًّا، ولا يستبدّان دونه بأمر يكون فيه نقضٌ لما جعل إليه أمير المؤمنين من ولاية العهد فى حياته والخلافة من بعده . وجعل عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لأبى عبد الله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله ابنى أمير المؤمنين الوفاء بما عقده لهما ، وعهد به إليهما من الخلافة بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، وإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين الخليفة من بعد أبى عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، والإتمام(٢) على ذلك، وألّ يَخْلعهما ولا واحداً منهما، ولا يعقد دونهما ولا دون واحد منهما بيعةً لولد، ولا لأحد من جميع البرّية، ولا يؤخّر منهما مقدّماً، ولا يقدّم منهما مؤخرًا، ولا يَنْقصهما ولا واحداً منهما شيئاً من أعمالهما التى ولاهما عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين وكلّ واحد منهما؛ من الصلاة والمعاون والقضاء ١٣٩٨/٣ (١) من ا، د. (٢) ا،د: ((والإمام)). ١٧٨ سنة ٢٣٥ والمظالم والخراج والضّياع والغنيمة والصّدقات وغير ذلك من حقوق أعمالهما، وما فى عمل كلّ واحد منهما؛ من البريد والطّرُر وخَزْن بيوت الأموال والمعاون ودُور الضَّرْب وجميع الأعمال التى جعلها أمير المؤمنين ، ويجعلها إلى كلّ واحد منهما ، ولا ينقل عن واحد منهما أحداً من ناحيته من القوّاد والجند والشاكرّية والموالى والغلمان وغیرهم ؛ ولا يعترض عليه فى شىء من ضياعه وإقطاعاته وسائر أمواله وذخائره وجميع ما فى يده ، وما حواه وملكتْ بده من تالد وطارف ، وقديم ومستأنف؛ وجميع ما يستفيده ويُستفاد له بنقص، ولا يحرم ولا يجنف (١)، ولا يعرض لأحد من عماله وكتّابه وقضاته وخدمه ووكلائه وأصحابه ، وجميع أسبابه بمناظرة ولا محاسبة ؛ ولا غير ذلك من الوجوه والأسباب كلها، ولا يفسخ فيما وكّده أمير المؤمنين لهما فى هذا العقد والعهد ، بما يزيل ذلك عن جهته ، أو يؤخّره عن وقته ، أو يكون ناقضًا لشىء منه . ١٣٩٩/٣ وجعل عبد اللّه جعفر المتوكل على الله أمير المؤمنين على أبى عبد الله المعتزّ باللّه ابن أمير المؤمنين إن أفضت إليه الخلافة بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لإبراهيم المؤيد بالله ابن أميرالمؤمنين مثل الشرائط التى اشترطها على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين بجميع ما سمّی فیه ووصف فى هذا الكتاب، وعلى ما بين وفسّر ، مع الوفاء من أبى عبدالله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، بماجعله أميرالمؤمنين لإبراهيم المؤيد بالله ابن أميرالمؤمنين من الخلافة وتسليم ذلك راضياً (٢) به ممضياً له ؛ مقدّماً ما فيه حق الله عليه وما أمره به أمير المؤمنين، غير ناكث ولا ناكب بذلك، ولا مبدّل، فإن الله تعالى جدّه وعزّ ذكره یتوعّد من خالف أمره ، وعّد عن سبيله فى محكم كتابه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بِعْدَ مَا سَمِعَهُ فإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينِ يُبَدِّلونه إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(٣). على أن لأبى عبد الله المعتزّ باللّه ابن أمير المؤمنين ولإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين ، الأمان، وهما مقيمان بحضرته أو أحدهما، أوكانا غائبين عنه؛ أو مجتمعين كانا أو متفرّقين. ويستمرأبو عبد الله (١) أ: ((يحميف)). (٣) سورة البقرة ١٨١. (٢) ط: ((رضيا)). ١٧٩ سنة ٢٣٥ المعتز بالله ابن أمير المؤمنين فى ولايته بخراسان وأعمالها المتصلة بها والمضمومة إليها ، ويستمر إبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين فى ولايته بالشأم وأجنادها ؛ فعلى محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، أن يمضى أباعبد الله المعتز باللّه ابن أمير المؤمنين إلى خُراسان وأعمالها المتصلة بها والمضمومة إليها ، وأن يسلّم له ولايتّها وأعمالها كلها وأجنادها والكُور الداخلة فيما ولى جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين أبا عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، فلا يعوّقه عنها ، ولا يحبسُه قبله ولا فى شئ من البلدان دون خراسان والكور والأعمال المضمومة إليها ، وأن يعجّل إشخاصه إليها واليًا عليها وعلى جميع أعمالها، مُفْرَداً بها فرضًا إليه أعمالها كلها؛ لينزل حيث أحبّ من كُور عمله، ولا ينقله عنها، وأن يتشخص معه جميع من ضّم إليه أمير المؤمنين، ويضمّ من مواليه وقوّاده وشا كرّيته وأصحابه وكتابه وعماله وخد مه ومن اتبعه من صُنوف الناس بأهاليهم وأولادهم وعيالهم (١) وأموالهم ؛ ولا يحبس عنه أحداً، ولا يشرك فى شىء من أعماله أحداً ، ولا يوجّه عليه أمينًا ولا كاتباً ولا بريداً، ولا يضرب على يده فى قليل ولا كثير . ١٤٠٠/٣ وأن يطلق محمد المنتصر بالله لإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين الخروج إلى الشأم وأجنادها(٢) فيمن ضمّ أمير المؤمنين ويضمه إليه من مواليه وقوّاده وخدمه وجنوده وشاكريّته وصحابته وُمّاله وخدّامه ومن اتبعه من صنوف الناس بأهاليها وأولادهم وأموالهم ، ولا يحبس عنهم أحداً ، ويسلّم إليه ولا يتها وأعمالها وجنودها كلّها، لا يعوّقه عنها، ولا يحبسه قبله ولا فى شىء من البلدان دونتَها ، وأن يعجِّل إشخاصه إلى الشأم وأجنادها واليًا عليها، ولا ينقله عنها؛ وأنّ عليه له فيمن ضمّ إليه من القوّاد والموالى والغلمان والجنود والشاكرية وأصناف الناس وفى جميع الأسباب والوجوه مثل الذى اشترط على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لأبى عبد الله المعتزّ باللّه ابن أمير المؤمنين فى خُراسان وأعمالها على ما رسم من ذلك ، وبيّن ولخص ، وشرح فى هذا الكتاب . ولإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين على أبى عبد الله المعتز بالله ابن (١) س: ((وعمالهم)). (٢) س: ((وأجناده)) ١٤٠١/٣ ١٨٠ سنة ٢٣٥ أمير المؤمنين- إذا أفضت الخلافة إليه، وإبراهيم المؤيد بالله مقيم بالشام - أن يُقرّه بها أو كان بحضرته ، أو كان غائباً عنه، أن يمضيبه إلى عمله من الشأم، ويسلّم إليه أجنادَها وولايتها وأعمالها كلها ، ولا يعوّقه عنها ، ولا يحبسه قيبله ولا فى شىء من البلدان دونها ، وأن يُعجّلَ إشخاصه إليها واليًا عليها وعلى جميع أعمالها ؛ على مثل الشرط الذى أخذ لأبى عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين فى خراسان وأعمالها؛ على ما رسم ووصف وشرط فى هذا الكتاب ؛ لم يجعل أمير المؤمنين لواحد ممن وقعت عليه وله هذه الشروط ؛ من محمد المنتصر بالله، وأبى عبد الله المعتزّ بالله، وإبراهيم المؤيد بالله ؛ بنى أمير المؤمنين ، أن يزيل شيئًا مما اشترطنا فى هذا الكتاب ، ووكّدنا، وعليهم جميعًا الوفاءُ به ؛ لا يقبل اللّه منهم إلاّ ذلك، ولا التمسُّك إلا بعهد الله فيه ؛ وكان عهد الله مسؤلا . أشهد اللّهَ ربّ العالمين جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ومن حضره من المسلمين بجميع ما فى هذا الكتاب على إمضائه إياه ؛ على محمد المنتصر بالله، وأبى عبد الله المعتز بالله، وإبراهيم المؤيد بالله ، بنى أمير المؤمنين بجميع ما سمّى ووصَف فيه ، وكفى بالله شهيداً ومعينًا لمن أطاعه راجياً، ووفَّى بعهده خائفًا وحسيبًا؛ ومعاقبًا من خالفه معانداً، أوصَدَف عن أمره مجاهداً. وقد كتب هذا الكتاب أربع نسخ ، وقعت شهادة الشهود بحضرة أمير المؤمنين فى كلّ نسخة منها؛ فى خزانة أمير المؤمنين نسخة، وعند محمد المنتصر ابن أمير المؤمنين نسخة ، وعند أبى عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين نسخة ، ونسخة عند إبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين . وقد ولى جعفر الإمام المتوكل على الله أبا عبد اللّه المعتز بالله ابن أمير المؤمنين أعمال فارس وإرمينيَة وأذْرَبيجان إلى ما يلى أعمال خراسان وكُورها والأعمال المتّصلة بها والمضمومة إليها ، على أن يجعل له على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين فى ذلك الذى جعل له فى الحياطة فى نفسه ، والوثاق فى أعماله ، والمضمومين إليه ، وسائر من يستعين به من الناس جميعًا فى خُراسان والكُور المضمومة إليها والمتصلة بها على ما سَمّى ووصف فى هذا الكتاب . ١٤٠٢/٣