النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سنة ٢٣١ وأغلال ؛ فأمر بحبسهم ، وأجييز وصيف بخمسة وسبعين ألف دينار، وقلّد سيفاً وحتى . ! [خبر الفداء بين المسلمين والرّوم ] وفى هذه السنة ، تمّ الفداء بين المسلمين وصاحب الرُّوم، واجتمع فيها المسلمون والرُّوم على نهر يقال له اللمس على سَلُوقيَةَ علَى مسيرة يوم من طَرَسُوس . . ذكر الخبر عن سبب هذا الفداء وكيف كان : ١٣٥٢/٣ ◌ُذُكرعن أحمد بن أبى قَحْطَبَة صاحب خاقان الخادم - وكان خادم الرشيد ، وكان قد نشأ بالثغر - أنّ خاقان هذا قدم على الواثق ، وقدم معه نفر (١) من وجوه أهل طَرَسوس وغيرها يشكون صاحب مظالم كان عليهم (٢)، يكنى أبا وهب؛ فأحضير، فلم يزل محمد بن عبد الملك يجمع بينه وبينهم فى دار العامّة عند (٣) انصراف الناس يوم الاثنين والخميس، فيمكثون إلى وقت الظهر؛ وينصرف محمد بن عبد الملك وينصرفون، فعُزل عنهم (٤)، وأمر الواثق بامتحان أهل الثغور فى القرآن ، فقالوا بخلقه جميعاً(٥) ؛ إلا أربعة نفر؛ فأمر الواثق بضرب أعناقهم إن لم يقولوه ، وأمر لجميع أهل الثغور بجوائز على ما رأى خاقان ، وتعجّل أهلُ الثغور إلى ثغورهم ، وتأخّر خاتان بعدهم قليلا ؛ فقدم على الواثق رسلُ صاحب الروم - وهو ميخائيل بن توفيل بن ميخائيل ابن أليون بن جورجس - يسأله أن يفادى بمن فى يده من أسارى المسلمين ، فوجه الواثق خاقان فى ذلك، فخرج خاقان ومَنْ معه فى فداء أسارى المسلمين فى آخر سنة ثلاثين ومائتين على موعد بين خاقان ورسل صاحب الرّوم للالتقاء للفداء فى يوم عاشوراء ؛ وذلك فى العاشر من المحرم سنة إحدى وثلاثين (١) س: ((بقوم)). (٣) س: ((بعد انصراف الناس)). (٥) فى: ((جميعاً بخلقه)). (٢) ف: ((عليها)). (٤) س: ((فعزله)). ١٤٢ سنة ٢٣١ ومائتين . ثم عقد الواثق لأحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلىّ على الثغور والعواصم، وأمره بحضور الفداء ؛ (١فخرج على سبعة عشر من البُرُّد١) وكان الرسل الذين قدموا فى طلب الفداء (٢) قد جرى بينهم وبين ابن الزّيات اختلاف فى الفداء، قالوا(٣): لا نأخذ فى الفداء امرأة عجوزاً ولا شيخًاً كبيراً ولا صبياً، فلم يزل ذلك بينهم أياماً حتى رضُوا عن كلّ نفس بنفس. فوجّه الواثق إلى بغداد والرّقة فى شرى مَنْ يباع من الرقيق من مماليك، فاشترى مَنْ قدَرَ عليه منهم ، فلم تتمّ العدة ، فأخرج الواثق من قصره من النساء الروميات العجائز(٤) وغيرهنّ؛ حتى تمّت العِدّة، ووجّه ممن مع ابن أبى دواد رجلين ، يقال لأحدهما يحيى بن آدم الكرخىّ ، ويكنى أبا رملة ، وجعفر [ بن أحمد ] بن الحذّاء؛ ووجه معهما كاتباً من كتّاب العَرْض (٥)، يقال له طالب بن داود ، وأمره بامتحانهم هو وجعفر، فمن قال: القرآن مخلوق فودى به ، ومن أبى ذلك تُرك فى أيدى الروم؛ وأمَرَ لطالب بخمسة آلاف درهم ؛ وأمر أن يعطوا جميع من قال: إن القرآن مخلوق؛ ممن فُودِى به ديناراً لكل إنسان من ماله(٦) حُمل معهم ، فمضى القوم . فذكر عن أحمد بن الحارث أنه قال : سألت ابن أبى قحطبة صاحب خاقان الخادم - وكان السفير الموجّه بين المسلمين والروم، وُجُّهُ (٧) ليعرف عدّة المسلمين فى بلاد الروم . فأتى ملك الروم وعرف عدّتهم قبل الفداء - فذكر أنه بلغت عدّتهم ثلاثة آلاف رجل وخمسمائة امرأة ؛ فأمر الواثق بفدائهم ، وعجّل أحمد بن سعيد على البَريد ليكون الفداء على يديه ، ووجّه من يمتحن الأسراء من المسلمين ، فمن قال منهم: إنّ القرآن مخلوق، وإنّ اللّه عزّ وجلّ لايُرَى فى الآخرة فُودى به؛ ومن لم يقل ذلك ترك فى أيدى الرّوم، ولم يكن فداء منذ أيام محمد بن زبيدة فى سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة . ١٣٥٤/٣ (١ - ١) ف: ((فخرج فى خمسة عشر من البريد)). (٢) ف: (( للفداء. (٤) ف: ((والعجائز)). (٦) كذا فى ا، وفى ط: ((من مال)). (٧) ف: ((ووجه)) . (٣) ف: ((فقالوا)). (٥) س: ((من الكتاب)). ٠ ١٣٥٣/٣ ١٤٣ سنة ٢٣١ قال: فلما كان يوم عاشوراء ، لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وثلاثين ومائتين، اجتمع المسلمون ومَنْ معهم من العُلوج وقائدان من قوّاد الروم؛ يقال لأحدهما أنقاس(١) وللآخر لمسنوس، والمسلمون والمطوّعة فى أربعة آلاف بين فارس وراجل ، فاجتمعوا بموضع يقال له اللمس ؛ فذكر عن محمد بن أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلىّ أن كتاب أبيه أتاه، أنْ من فُودِى به من المسلمين ومَنْ كان معهم من أهل ذمتهم أربعة آلاف وستمائة إنسان ؛ منهم صبيان ونساء ستمائة؛ ومنهم من أهل الذّمة أقلّ من خمسمائة والباقون رجالٌ من جميع الآفاق . وذ کر أبو قحطبة ۔۔ و کان رسول خاقان الخادم إلى ملك الروم لینظر كمْ عدد الأسرى ، ويعلم صحّة ما عزم عليه ميخائيل ملك الروم - أنّ عدد المسلمين قبل الفداء كان ثلاثة آلاف رجل وخمسمائة امرأة وصبيّ ، ممّن كان بالقسطنطينية وغيرها ؛ إلا مَنْ أحضره الرّوم ومحمد بن عبد الله الطرسوسيّ - وكان عندهم - فأوفده أحمد بن سعيد بن سلم وخاقان مع نتَفر من وجوه ١٣٥٥/٣ الأسرى على الواثق ، فحملهم الواثق على فرس فرس؛ وأعطى لكلّ رجل(٢) منهم ألف درهم . وذكر محمد هذا أنه كان أسيراً فى أيدى الرّوم ثلاثين سنة ، وأنه كان أسير فى غزاة رامية كان فى العلَّفة فأسير ، وكان فيمن فُودى به فى هذا الفداء ، وقال : فودىَ بنا فى يوم عاشوراء على نهر يقال له اللامس ، على سلّوقيّة قريبًا من البحر، وأنّ عدتهم كانت أربعة آلاف وأربعمائة وستين نفساً(٣)؛ النساء وأزواجهنّ وصبيانهنّ ثمانمائة وأهل ذمة المسلمين مائة أو أكثر ، فوقع الفداء كلّ نفس عن نفس صغيراً أو كبيراً ، فاستفرغ خاقان. جميعَ مَنْ كان فى بلد الرّوم من المسلمين ممن علم موضعه . قال : فلمّا جُمعوا الفداء، وقف المسلمون من جانب النهر الشرقىّ والرّوم من الجانب الغربىّ - وهو مخاضة - فكان هؤلاء يرسلون من ها هنا رجلا وهؤلاء (١) كذا فى ا، س، وفى باقى الأصول بدون نقط وما أثبته من ا. (٢) ف: ((لكل واحد)). (٣) ف: ((إناناً)). ١٤٤ سنة ٢٣١ من هاهنا رجلا ، فيلتقيان فى وسط النهر ، فإذا صار المسلم إلى المسلمين كبّر وكبّروا، وإذا صار الرومىّ إلى الروم تكلم بكلامهم، وتكلموا شبيهاً بالتكبير. وذكر عن السندىّ مولى حسين الخادم ، أنه قال : عقد المسلمون جسراً على النهر ، وعقد الرُّوم جسراً ؛ فكنا نرسل الرومىّ على جسرنا ويرسل(١) الروم المسلم على جسرهم ؛ فيصير هذا إلينا وذاك إليهم ، وأنكر أن يكون مخاضّة . ١٣٠٦/٣ وذكر عن محمد بن كريم أنه قال : لما صرنا فى أيدى المسلمين ، امتحننا جعفر ويحيى ، فقلنا ، وأعطينا دينارين دينارين . قال: وكان البطريقان اللذان قدما بالأسرى لا بأس بهما فى معاشرتهما . قال : وخاف الرّوم عدد المسلمين لقلّتهم وكثرة المسلمين؛ فآمنهم خاقان من ذلك، وضرب بينهم وبين المسلمين أربعين يومًا لا يُغْزون حتى يصلوا إلى بلادهم ومأمنهم ؛ وكان الفداء فى أربعة أيام ، ففضل مع خاقان ممن كان أمير المؤمنين أعدّ لفداء المسلمين (٢) عدّة كبيرة، وأعطى خاقان صاحب الروم ممن كان قد فضل فى يده مائة نفس ؛ ليكون عليهم الفضل استظهاراً مكان مَنْ يخشى أن يأسروه من المسلمين إلى انقضاء المدّة ، وردّ الباقين إلى طَرَسوس ، فباعهم . قال : و کان خرج معنا ممن كان تنصّر ببلاد الروم من المسلمين نحوٌ من ثلاثین رجلا فُودی بهم . قال محمد بن كريم : ولما انقضت المدّة بين خاقان والرّوم الأربعون يوماً، غزا أحمد بن سعيد بن سلم بن قُتيبة ، فأصاب الناس الثلج والمطر، فمات منهم قَدْ رمائتى إنسان وغرق منهم فى البَد ◌ْدُ ون قوم كثير، وأسر منهم نحو من مائتين ؛ فوجد أمير المؤمنين الواثق عليه لذلك ، وحصل جميع مسَنْ مات وغرق خمسمائة إنسان ؛ وكان أقبل إلى أحمد بن سعيد وهو فى سبعة آلاف (١) ط: ((ويرسلون)). (٢) ف: ((عد للفداء من المسلمين)). ٠٠ ١٤٥ سنة ٢٣١ بِطْريق من عظمائهم فجبُنَّ(١) عنه، فقال له وجوه الناس: إن عسكراً فيه ١٣٥٧/٣ سبعة آلاف لا يتخوّف عليه ؛ فإن كنت لا تواجه القوم فتطرّق بلادهم . فأخذ نحواً من ألف بقَرة وعشرة آلاف شاة ، وخرج فعزله الواثق ، وعقد لنصر بن حمزة الخُزاعىّ يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيتْ من جمادى الأولى من هذه السنة . ٠ وفى هذه السنة مات الحسن بن الحسين ، أخو طاهر بن الحسين بطبرستان فى شهر رمضان . وفيها مات الخطاب بن وجه الفُلْس. وفيها مات أبو عبد الله الأعرابىّ الراوية يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من شعبان وهو ابن ثمانين سنة . وفيها ماتت أم أبيها بنت موسى أخت علىّ بن موسى الرضىّ. وفيها مات مخارق المغنى، وأبو نصر أحمد بن حاتم راوية الأصمعىّ، وعمر و ابن أبى عمرو الشيبانىّ ومحمد بن سعدان النحوى. (١) كذا فى د، وهو الوجه، وفى ط: ((فحيز)). ١٤٦ ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [ ذكر الخبر عن مسير بغا الكبير إلى حرب بنی نمیر ] فمن ذلك ما كان من مسير بغا الكبير إلى بنى نمير حتى أوقع بهم . * ذكر الخبر عن سبب مسيره إليهم وكيف كان الأمر بينه وبينهم: ١٣٥٨/٣ حدثنى أحمد بن محمد بن مخلد(١) بمعظم خبرهم ؛ وذكر أنه كان مع بُغا فى ذلك السفر، وأما سياق الكلام فلغيره. ذكر أنّ سبب شخوص بُغا إلى بنى ◌ُنمير كان أنّ ◌ُمارة بن عُقَيل بن بلال بن جرير بن الخطّفى امتدح الواثق بقصيدة ، فدخل عليه فأنشده إياها، فأمر له بثلاثين ألف درهم،. وبنُزُل فكلّم ◌ُمارة الواثق فى بنى ◌ُنمير، وأخبره بعبثهم وفسادهم فى الأرض ، وإغارتهم على الناس وعلى اليمامة وما قرب منها ؛ فكتب الواثق إلى بُّغا يأمره بحربهم . فذكر أحمد بن محمد أنّ بُغا لما أراد الشخوص من المدينة إليهم حمل معه محمد بن يوسف الجعفرىّ دليلاً له على الطريق، فمضى نحو اليمامة يُريدهم، فلقى منهم جماعة بموضع يقال له الشُّريف؛ فحاربوه ، فقتل بُغا منهم ذَيّفا وخمسين رجلا ، وأسرنحواً من أربعين، ثم سار إلى حُظَيَّان، ثم سار إلى قرية لبنى تميم من عمل اليمامة تدعى مرأة، فنزل بها، ثم تابع إليهم رسله، يتعرض عليهم الأمان، ودعاهم إلى السمع والطاعة ؛ وهم فى ذلك يمتنعون عليه، ويشتمون رسله ، ويتفلّتون إلى حربه؛ حتى كان آخر من وجه إليهم رجلين ؛ أحدهما من بنى عدىّ من تميم والآخر من بنى ◌ُنمير ، فقتلوا التميمىّ وأثبتوا النميرىّ جراحاً ؛ فسار بُغا إليهم من مرأة . وكان مسيره إليهم فى أول صفر من سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، فورد بطن نخل، وسارحتى دخل نُخَيلة(٢)، وأرسل ١٣٥٩/٣ (١) ط: ((خالد))، وما أثبته من ا، د، و، وانظر الفهرس والتصويبات. (٢) !: ((نخلة)). ١٤٧ سنة ٢٣٢ إليهم أن ائتونى، فاحتملت بنو ضَبّة من نمَير ، فركبت جبالها مياسر جبال السَّوْد - وهو جبل خلف اليمامة أكثر أهله باهلة - فأرسل إليهم فأبوا أن يأتوه، فأرسل إليهم سرّية فلم تدركهم ، فوجَّه سرايا، فأصابت فيهم وأسرت منهم . ثم إنه أتبعهم بجماعة مَنْ معه وهم نحو من ألف رجل سوى مَنْ تخلّف فى العسكر من الضعفاء والأتباع ، فلقيهم وقد جمعوا له ، وحشدوا لحربه ؛ وهم يومئذ نحو من ثلاثة آلاف، بموضع يقال له روضة الأبتان وبطن السرّ من القرنين على مرحلتين ، ومن أضاخ على مرحلة ؛ فهزموا مقدّمّته ، وكشفوا میسرته ، وقتلوا من أصحابه نحوًا من مائة وعشرين أو مائة وثلاثين رجلا، وعقروا من إبل عسكره نحوًا من سبعمائة بعير ومائة دابة ، وانتهبوا الأثقال وبعض ما كان مع بُّغا من الأموال . قال لى أحمد: لقيهم بُغا وهجم عليهم، وغلبه (١) الليل، فجعل بسُغا يناشدهم، ويدعوهم إلى الرجوع وإلى طاعة أمير المؤمنين، ويكلّمهم بذلك محمد ابن يوسف الجعفرىّ ، فجعلوا يقولون له: يا محمد بن يوسف ، قد والله ولدناك فما رعيتَ حُرْمة الرَّحيم، ثم جئتَنا بهؤلاء العبيد والعلُوج تقاتلنا بهم! واللّه لنرينّك العُبْر، ونحو ذلك من القول . فلما دنا الصبح (٢) قال محمد بن يُوسف لبُغا: أوقع بهم من قبل أن يضىء الصبح ، فيروْا قِلَّة عددنا ، فيجترئوا علينا، فأبى بُغا عليه؛ فلمَّا أضاء الصبح ونظروا إلى عدد مَنْ مع بُغا - وكانوا قد جعلوا رجَّالتهم أمامهم وفرسانهم وراءهم ونعمهم ومواشيهم من ورائهم - حملوا علينا، فهزمونا حتى بلغت هزيمتنا معسكرنا ، وأيقنًا بالهلكة . ١٣٦٠/٣ قال : وكان قد بلغ بُغا أنّ خيلاً لهم بمكان من بلادهم، فوجه من أصحابه نحواً من مائتى فارس إليها . قال : فبينا نحن فيما نحن فيه من الإشراف على العَطَب، وقد هزِم بُغا ومَنْ معه إذ خرجت الجماعة التى كان بُغا وجّهها من الليل إلى تلك الخيل، وقد أقبلت منصرفة من الموضع الذى وُجُبُّهت (١) س: ((وعليه)). (٢) س: ((الصبح)). ١٤٨ سنة ٢٣٢ إليه من العسكر فى ظهور بنى ◌ُنمير، وقد فعلواما فعلوا ببُغا وأصحابه، فنفخوا فى صَفَّاراتهم ؛ فلما سمعوا نَفْخَ الصّفارات، ونظروا إلى مَنْ خرج عليهم فى أدبارهم، قالوا: غَدَرَ (١) واللّه العبد، وولّوا هاربين، وأسلم فرسانهم رجالتهم بعد أن كانوا على غاية المحاماة عليهم . قال لى أحمد بن محمد: فلم يفلت من رجَّالتهم كثير أحد ؛ حتى قُتلوا عن آخرهم ؛ وأما الفرسان فطاروا هُرّابًا على ظهور الخيل. وأما غير أحمد بن محمد فإنه قال : لم تزل الهزيمة على بُغا وأصحابه منذ غدوة إلى انتصاف النهار؛ وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة ثنتين وثلاثين ومائتين، ثم تشاغلوا بالنَّهب وعنَقْر الإبل والدواب حتى ثاب إلى بُغا من كان انكشف من أصحابه ، واجتمع إليه مَنْ كان تفرق عنه ، فكرُّوا على بنى ◌ُنمير، فهزمهم وقتل منهم منذ زوال الشمس إلى وقت العصر زهاء ألف وخمسمائة رجل . وأقام بُغا بموضع الوقعة على الماء المعروف ببطن السرّ، حتى جُمعت له رءوس مَنْ قتيل من بنى نمير، واستراح هو وأصحابه ثلاثة أيام . ١٣٦١/٣ فحدثنى أحمد بن محمد أنّ مَنْ هرب من فرسان بنى نمير من الوقعة أرسلوا إلى بُغا يطلبون منه الأمان ؛ فأعطاهم الأمان ، فصاروا إليه، فقيّدهم وأشخصهم معه . : وأمَّا غيره فإنه قال : سار بُغا من موضع الوقعة فى طلب من شذّ عنه منهم ، فلم يدرك إلاّ الضعيف ممن لم يكن له نهوض منهم وبعض المواشى والنَّعَ، ورجع إلى حصن باهلة. قال: وإنما قاتل بُغا من بنى ◌ُنمير بنو عبد الله بنُ نميروبنو بُسْرَة وبلحَجَّاج وبنوقَطَن وبنوسلاه وبنو شُرَّيح وبطون من الخوالف - وهم من بنى عبد الله بن نمير، ولم يكن فى القتال من بنى عامر بن نمير إلا القليل - وبنو عامر بن نمير أصحاب نخل وشاء ، وليسوا أصحاب خيل ، وعبد الله بن نمير هى التى تحارب العرب - فقال ◌ُمارة (١) ط: ((عذر))، والصواب ما أثبته من د. ! ١٤٩ سنة ٢٣٢ ٧٠٠٩ ابن عقيل لبُغا : ومَلَُّتَ السجونَ من القماشِ ترَكتَ الأَعقفين وبَطْنَ قَوِّ فحدثنى أحمد بن محمد أنّ الذين دخلوا إلى بُغا بالأمان من بنى ◌ُنمير لمَّا قيدهم وحبسهم وأشخصهم معه شَغَبُوا فى الطريق، وحاولوا كسر قبُودهم والهرب، فأمر بإحضارهم واحداً بعد واحد؛ فكان إذا حضر الواحد يضربه ما بين الأربعمائة إلى الخمسمائة وأقل من ذلك وأكثر؛ فزعم أحمد(١) أنه حنمر ضربهم ولم ينطق منهم ناطق يتوجَّع من الضرب ؛ وأنه أحضر منهم شيخ قد عَلّق فی عنقه مصحفًا ، ومحمد بن یوسف جالس إلى جنب بغا ، فضحك منه محمد بن يوسف ، وقال لبُغا: هذا أخبث ما كان - أصلحك الله ــ حين علَّق المصحف فى عنقه! فضربه أربعمائة أو خمسمائة، فما توجَّع وما استغاث . ١٣٦٢/٣ وذُكر أن فارساً من بنىُ نمير لتى بُغًا فى وقعتهم التى ذكرت أمرها يُدْعَى( المجنون، فطعن بُغا ورمى المجنونَ رجلٌ من الأتراك . فأفلت ، وعاش أيامًا ثلاثة ، ثم مات من رميته . قال : ثم قدم عليه واجن الأشروسنى الصُّغدىّ فى سبعمائة رجل مدداً له من الأشر وسنيّة الإشتبخنيّة، فوجَّهه بُنا ومحمد بن يوسف الجعفرىّ فى أثرهم؛ فلم يزل يتبعهم حتى وغلوا فى البلاد، وصاروا بتبالة وما يليها من حدّ عمل اليمن وفاتوه؛ فانصرف ولم يصر فى يديه منهم إلاّ ستّة نفر أو سبعة ، وأقام بحصن باهلة، ووجّه إلى جبال بنى نمير وسهلها من هلان والسَّوْد وغيرها من عمل اليمامة سرايا فى محاربة من امتنع ممن قبل الأمان منهم ، فقتلوا جماعة وأسروا جماعة، وأقبل عدّة من ساداتهم، كلّهم يطلب الأمان لنفسه والبطن الذى هو منه ، فقبل ذلك منهم وبسطهم وآنسهم ؛ ولم يزل مقيمًا إلى أن جمع إليه كلَّ مَنْ ظنّ أنه كان فى هذه النواحى منهم، وأخذ منهم زهاء ثمانمائة رجل ، فأثقلهم بالحديد وحملهم إلى البصرة ، فى ذى القعدة من سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكتب إلى صالح العباسىّ بالمسير بمَنْ قبله فى المدينة (١) ط: ((أحد)) وما أثبته من ا،د. (٢) ط: ((بدعاء))، تحريف، صوابه من د. - -- ١٣٦٣/٣ ١٥٠ سنة ٢٣٢ من بنى كِلاب وفَزارة ومُرّة وثعلبة وغيرهم واللحاق به ؛ فوافاه صالح العباسىّ ببغداد ، وصاروا جميعاً فى المحرّم إلى سامر اسنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وكانت عدّة مَنْ قدم به بُغا وصالح العباسىّ من الأعراب سوى مَنْ مات منهم وهرب . وقُتيل فى هذه الوقائع التى وصفناها ألفى رجل ومائتى رجل من بنى نمير ومن بنی كلاب ومن مرّة وفزارة ومن ثعلبة وطیّئُ . وفى هذه السنة أصاب الحاجّ فى المرجع عطش شديد فى أربعة منازل إلى الرَّبَذَة، فبلغت الشَّرْبة عدّة دنانير . ومات خلق كثير من العطش . وفيها ولَِّ محمد بن إبراهيم بن مصعب فارس . وفيها أمر الواثق بترك جباية أعشار سفن البحر . وفيها اشتدّ البرد فی نیسان حتى جمد الماء لخمس خلون منه. [ ذكر خبر موت الواثق ] وفيها مات الواثق . • ذكر الخبر عن العلة التى كانت بها وفاته : ذكرلى جماعةٌ من أصحابنا أنّ عِلَّتَه التى تُوفّىَ منها كانت الاستسقاء، فعُولج بالإقعاد فى تَنُّور مسخّن ، فوجبَد لذلك راحة وخفّة مما كان به، فأمرهم من غدٍ ذلك اليوم بزيادة فى إسخان التُّّور، ففعل ذلك وقعد فيه أكثر من قعوده فى اليوم الذى قبله، فحمِىَ عليه ، فأخرج منه، وصُيِّر فى محفّة؛ وحضره الفضل بن إسحاق الهاشمىّ وعمر بن فرَج وغيرهم؛ ثم حضر ابن الزيات وابن أبى دوار ، فلم يعلموا بموته حتى ضرب بوجهه المحفّة ، فعلموا أنه قد مات. وقد قيل : إن أحمد بن أبى دُواد حضره وقد أغمى (١) عليه، فقضى وهو (١) ط: ((أعمى))، تحريف، صوابه من أ، د . ۔۔۔۔۔ ١٥١ سنة ٢٣٢ ١٣٦٤/٣ عنده فأقبل يغمضه ويصلح من شأنه. وكانت وفاته لستُّ بقين من ذى الحجة وُدُفِن فى قصره بالهارونىّ. وكان الذى صلَّى عليه وأدخله قبره وتولّى أمره أحمد بن أبى دواد ؛ وكان الواثق أمر أحمد بن أبى دواد أن يُصَلِّىَ بالناس يوم الأضحى فى المصلَّى، فصلى بهم العيد ؛ لأن الواثق كان شديد العلّة فلم يقدر على الحضور إلى المصلَّى، ومات من عِلَّته تلك . . . ٠ ذكر الخبر عن صفة الواثق وسنه وقدر مدة خلافته ذكر من رآه وشاهده أنه كان أبيضَ مشربًا حُمرة، جميلاً رَبْعة ، حسن الجسم ، قائم العين اليسرى ؛ وفيها ذُكئة بياض. وتوفىَ فيما زعم بعضهم- وهو ابن ست وثلاثين سنة، وفى قول بعضهم: وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة ؛ فقال الذین زعموا أنه کان ابن ست وثلاثین: کان مولده سنة ست وتسعين ومائة ، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام . وقال بعضهم : وسبعة أيام واثنتى عشرة ساعة . وكان وُلد بطريق مكة ، وأمه أم ولد روميّة ؛ يقال لها قراطيس . واسمه هارون وكنيته أبو جعفر . وذكر أنه لما اعتلّ علته التى مات فيها وسفى بطنه أمر بإحضار المنجّمين ، فأحضروا؛ وكان ممن حضر الحسن بن سهل ، أخو الفضل بن سهل، والفضل بن إسحاق الهاشمىّ وإسماعيل بن نُوبخت ومحمد بن موسى الخُوارزمىّ المجوسى القطرُ بُّلىُّ وسند صاحب محمد بن الهيثم وعامة مَنْ ينظر فى النجوم، فنظروا فى علَّته ونجمه ومولده ، فقالوا : يعيش دهراً طويلا، وقدّروا له خمسين سنة مستقبلة ؛ فلم يلبث إلا عشرة أيام حتى مات . ٠ ٠ ذكر بعض أخباره ذكر الحسين(١) بن الضحاك أنه شهدالواثق بعد أن مات المعتصم بأيام، ١٣٦٥/٣ (١) ط: ((الحسن)) وصوابه من أ، د، وانظر الفهرس. ١٥٢ سنة ٢٣٢ وقد قعد مجلساً كان أوّل مجلس قعده ؛ فكان أوّل ما تُغُنّى به من الغناء فى ذلك المجلس ؛ أن تغنّت شارية جارية إبراهيم بن المهدىّ : نَعْشَه للثواءِ أَمْ للفناءِ (١) ما دَرَى الحامِلونَ يومَ استقدُّوا فليقل فيك باكِياتُكَ ماشِئْ نَ صباحاً ووقت كلِّ مَسَاء قال : فبكى واللّه وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ماكنّا فيه ، ثم اندفع بعض المغنيين فغّى : وهل تطِيقُ وداعاً أيها الرجلُ!(٢) وَدِّعْ هريرة إِنَّ الرِّكبَ مرتحِلُ قال : فازداد والله فى البكاء ؛ وقال: ما سمعت كاليوم قطّ تعزية بأب ونعىّ(٣) نفس؛ ثم ارفضّ ذلك المجلس. وذكر عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع أن علىّ بن الجهم قال فى الواثق بعد أن ولى الخلافة : بدولةٍ الواثق هارون (٤) قد فازَ ذو الدُّنيا وذو الدِّينِ ما أحسنَ الدنيا مع الدينِ ! أَفَاضَ من عَدْلٍ ومن نائلٍ فالناس فى خَفض وفى لِين قد عمّ بالإِحسانِ فى فضلهِ وأكثرَ التسالىِ بآمينٍ ١٣٦٦/٣ ما أكثرَ الداعِى له بالبقا وقال علىّ بن الجهم أيضًا فيه : بالمَلكِ الوا وثِقَتْ يشقَى به" الما ملكٌ السيفُ به واستـ أَنِسَ أسدٌ تَضْحَك عن يا بنى العباسِ يأبى الا ثِقٍ بالله النفوسُ (٥) لُ ولا يشقى الجليسُ النفيس وحشَ العِلْقُ شدّاتِهِ الحربُ العَبُوسِ ءُ إِلا أَنْ تَسُوسُوا (١) !، د: ((القاء ». (٣) ط: ((ونعى)). (٥) ديوانه ٠١٣ (٢) للأعثى، ديوانه ٥٥ ( طبعة النموذجية). (٤) ديوانه ١٨٨. ١٥٣ سنة ٢٣٢ فغنّت قلم جارية صالح بن عبد الوهاب فى هذين الشعرين، وغنّت فى شعر محمد بن كتناسة : جالَسْتُ أَهلَ الوفاءِ والكّرَمِ(١) فىَّ انقباضَ وحِشِمَةٌ فإِذا وقلتُ ما شئتُ غيرَ محتثِمٍ أرسلتُ نفسِى على سَجيّتها فغنّته الواثق ؛ فاستحسنه ؛ فبعث إلى ابن الزيات: ويحك من صالح ابن عبد الوهاب هذا ! فابعث إليه فأشخصْه ؛ وليحمل جاريته ؛ فغدا بها صالح إلى الواثق ، فأدخِلَتْ عليه ، فلما تغنّت ارتضاها ، فبعث إليه ، فقال : قل"، فقال: مائة ألف دينار يا أمير المؤمنين وولاية مصر ، فردّها، ثم قال أحمد بن عبد الوهاب أخو صالح فى الواثق : أَجدَّكَ ما رأَيتَ لها مُعينًا أَبَتْ دارُ الأَحِبَّةِ أَن تُبِينا نفوسٌ ما أُثبْن ولا جُزِينا تُقَطَّعُ حَسْرَةً من حُبِّ لَيْلى ١٣٦٧/٣ فصنعت فيه قلم جارية صالح ، فغنّاه زرزر الكبير الواثق ، فقال : لمن ذا ؟ فقال : لقلم ، فبعث إلى ابن الزيات ، فأشخص صالحًا ومعه قلم ؛ فلمّاً دخلت عليه ، قال : هذا لك ؟ قالت : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : بارك الله عليك! وبعث إلى صالح: اسَمْ وقُلْ قولا يتهيأ أن تُعطاه؛ فبعث إليه : قد أهديتُها إلى أمير المؤمنين ، فبارك اللّه لأمير المؤمنين فيها . قال : قد قبلتُها، يا محمد، عَوِّضْه خمسة آلاف دينار، وسماها ((اغتباط)) فطَله ابن الزّيات ، فأعادت الصوت وهو : أبت دار الأحبةِ أن تُبينًا أجدَّك هل رأيت لها معينا فقال لها : بارك الله عليك وعلى من ربّاك ؛ فقالت : يا سيّدى وما ينتفع مَنْ ربانى، وقد أمرت له بشىء لم يصل إليه! فقال الواثق: ياسمّانة(٢)، الدواة؛ فكتب إلى ابن الزّيات : ادفع إلى صالح بن عبد الوهاب ما عوّضناه من ثمن (١) ورد البيت محرفاً فى ط، وصواب ما أثبته من ا، د. (٢) ط: ((سيمانه)). ٨٠ ١٥٤ سنة ٢٣٢ اغتباط خمسة آلاف دينار، وأضعفها . قال صالح: فصرت إلى ابن الزّيات فقرّبنى ، وقال: هذه الخمسة الأولى ؛ خذها، والخمسة آلاف الأخرى أدفعها إليك بعد جمعة ؛ فإن سئلت ، فقل: إنى قبضت المال . قال : فكرهت أن أسألَ فأقرَّ بالقبض؛ فاختفيت فى منزلى حتى دفع إلىّ المال، فقال لى سمانة : قبضت المال ؟ قلت : نعم ، وترك عمل السلطان ، وتجر بها ، حتى تُوُفِّىَ . ١٣٦٨/٣ خلافة جعفر المتوكل على الله وفى هذه السنة بُويع لجعفر المتوكل على الله بالخلافة ؛ وهو جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد ذى الشَّفِنات بن علىّ السجاد ابن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب . ٠٠ ذكر الخبر عن سبب خلافته ووقتها حدّثنى غير واحد ؛ أن الواثق لما تُوُفِّىَ حضر الدار أحمد بن أبى دواد وإيتاخ ووصيف وعمر بن فرج وابن الزّيات وأحمد بن خالد أبو الوزير، فعزموا على البَيْعة لمحمد بن الواثق؛ وهو غلام أمْرَد ، فألبسوه درّاعة سوداء وقلنسوة رُصافية ، فإذا هو قصير ، فقال لهموصیف: أما تتقون الله ! تولّون مثل هذا الخلافة ؛ وهو لا يجوز معه الصلاة ! قال : فتناظروا فيمن يولونتها، فذكروا عدّة ، فذ کر عن بعض من حضر الدار مع هؤلاء، أنه قال : خرجتُ من الموضع الذى كنتُ فيه ، فمررت يجعفر المتوكل ؛ فإذا هو فى قميص وسروال قاعد مع أبناء الأتراك ، فقال لى : ما الخبر ؟ فقلت: لم ينقطع أمرهم ؛ ثم دعوا به ، فأخبره بُغا الشرابىّ الخبَر، وجاء به، فقال : أخاف أن يكون الواثق لم يمت ، قال : فمرّ به، فنظر إليه مسجى ، فجاء فجلس ، فألبسه أحمد بن أبى دواد الطويلة وعمّمه وقبّله بين عينيه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ! ثم غُسُلُ الواثق وصُلِّىَ عليه ودفن، ثم صاروا من فَوْرهم إلى دار العامة ؛ ولم يكن لقُّب المتوكل . ١٣٦٩/٣ ١٥٥ سنة ٢٣٢ وذكر أنه كان يوم بُويع له ابنَ ست وعشرين سنة؛ ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر ؛ وكان الذى كتب البيعة له محمد بن عبد الملك الزيات ؛ وهو إذ ذاك على ديوان الرسائل ؛ واجتمعوا بعد ذلك على اختيار لقب له، فقال ابن الزيات : نسميه المنتصر بالله؛ وخاض الناس فيها حتى لم يشكّوا فيها ، فلما كان غداة يوم بكر أحمد بن أبى دواد إلى المتوكل ، فقال : قدروّيت فى لقب أرجوأن يكون موافقًا حسنًا إن شاء اللّه؛ وهو المتوكل على الله ، فأمر بإمضائه، وأحضر محمدبن عبد الملك ، فأمر بالكتاب بذلك إلى الناس، فنفذت إليهم الكتب ، نسخة ذلك : بسم الله الرحمن الرحيم؛ أمَر - أبقاك الله - أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، أن يكون الرّسمُ الذى يجرى به ذكرُه على أعواد منابرِه ، وفى كتبه إلى قضاته وكُتّابِه وعمّاله وأصحاب دواوينه وغيرهم مِنْ سائر مَنْ تجرى المكاتبة بينه وبينه: ((من عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين))؛ فرأيك فى العمل بذلك وإعلامى بوصول كتابى إليك موفّقاً إن شاء الله. ١٣٧٠/٣ وذُكِر أنه لما أمر للأتراك برزق أربعة أشهر وللجند والشاكرّية ومنْ يجرى مجراهم من الهاشميين برزق ثمانية أشهر ، أمر للمغاربة برزق ثلاثة أشهر، فأبوا أن يقبضوا، فأرسل إليهم: من كان منكم مملوكًا؛ فليمض إلى أحمد بن أبى دواد حتى يبيعَه؛ ومَنْ كان حرًّا صيرناه أسْوَة الجند؛ فرضُوا بذلك؛ وتكلّم وصيف فيهم حتى رضىَ عنهم؛ فأعْطُوا ثلاثة، ثم أجروا بعد ذلكُ مُجْرَى الأتراك. وبويع للمتوكل ساعة مات الواثق بيعة الخاصّة وبايعته العامّة حين زالت الشمس من ذلك اليوم . وذكر عن سعيد الصَّغير أن المتوكل قبل أن يُستخلف ذكر له ولجماعة معه أنه رأى فى المنام أن سكَّراً سليمانيًا يسقط عليه من السماء ، مكتوبًا عليه ((جعفر المتوكل على الله))، فعبَّرها علينا، فقلنا: هى واللّه أيها الأمير أعزّك الله الخلافة ، قال : وبلغ الواثق ذلك فحبسه ، وحبس سعيداً معه ، وضيّق على جعفر بسبب ذلك . ٠ ٠٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة محمدُ بن داود . ١٥٦ ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ٠٠ ٠ [ ذكر خبر حبس محمد بن عبد الملك الزيات ووفاته ] فمن ذلك ما كان من غضب المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات وحبسه إياه . • ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ماآل إليه الأمرفيه : أما السبب فى غضبه عليه ؛ فإنه كان - فيما ذكر - أنّ الواثق كان استوزر محمد بن عبد الملك الزيات وفوّض إليه الأمور ؛ وكان الواثق قد غضب على أخيه جعفر المتوكل لبعض الأمور، فوكّل عليه عمر بن فرج الرُّحَّجىّ ومحمد بن العلاء الخادم ؛ فكانا يحفظانه ويكتبان بأخباره فى كل وقت؛ فصار جعفر إلى محمد بن عبد الملك يسأله أن يكلّم نه أخاه الواثق ليرضى عنه؛ فلمّا دخل عليه مكث واقفًا بين يديه مليًاً لا يكلمه، ثم أشار إليه أن يقعد فقعد ؛ فلما فرغ من نظره فى الكتب ، التفت إليه كالمتهدّد له ، فقال: ما جاء بك ؟ قال : جئت لتسأل أمير المؤمنين الرّضا عنى، فقال لمن حوله : انظروا إلى هذا، يُغضب أخاه، ويسألنى أن استرضيه له ! اذهب فإنك إذا صلحت رضِيَ عنك؛ فقام جعفر كئيباً حزينًا لما لقيه به من قُبْح اللقاء والتقصير به ؛ فخرج من عنده ؛ فأتى عمر بن فرج ليسأله أن يختم له صَكَّه ليقبض أرزاقه ، فلقيه عمر بن فرج بالخيبة ؛ وأخذ الصكّ، فرمى به إلى صَحْن المسجد . وكان عمر يجلس فى مسجد؛ وكان أبو الوزير أحمد بن خالد حاضراً، فقام لينصرف، فقام معه جعفر ، فقال : يا أبا الوزير؛ أرأيتَ ما صنع بى عمر ابن فرج ؟ قال: جعلت فداك! أنا زِمَامٌ عليه ؛ وليس يختم صَكى بأرزاقى ١٣٧١/٣ ١٥٧ سنة ٢٣٣ إلا بالطلب والترذَّق به ؛ فابعث إلى بوكیلك ؛ فبعث جعفربو کیله ؛ فدفع إليه عشرين ألفًا، وقال: أنْفِقِ هذا حتى يوميّى الله أمرك؛ فأخذها ثم أعاد إلى أبى الوزير رسوله بعد شهر ؛ يسأله إعانته ، فبعث إليه بعشرة آلاف درهم ؛ ثم صار جعفر من فوْرِه حين خرج من عند عمر إلى أحمد بن أبى دواد، فدخل عليه، فقام له أحمد، واستقبله على باب البيت، وقبَّله والتزمه، وقال : ما جاء بك ، جعلتُ فداك! قال : قد جئتُ لتسترضىّ لى أمير المؤمنين، قال : أفعل ونعمة عين وكرامة ، فكلّم أحمد بن أبى دواد الواثق فيه ، فوعده ولم يرض عنه ؛ فلما كان يوم الحلبة كلتم أحمد بن أبى دواد الواثق ، وقال : معروف المعتصم عندی معروف، وجعفر ابنه؛ فقد كلمتك فيه ، ووعدت الرضا؛ فبحقّ المعتصم يا أمير المؤمنين إلاَّ رضيت عنه ! فرضى عنه من ساعته و کساه،وانصرف الواثق وقد قلّد أحمد بن أبى دواد جعفراً بكلامه حتى رضى عنه أخوه شكراً ، فأحظاه ذلك عنده حین ملك . ١٣٧٢/٣ وذكر أنّ محمد بن عبد الملك كان كتب إلى الواثق حين خرج جعفر من عنده : يا أميرَ المؤمنين، أتانى جعفر بن المعتصم يسألنى أن أسأل أمير المؤمنين الرضا عنه فى زىّ المخنثين له شعر قفاً. فكتب إليه الواثق : ابعث إليه فأحضره، ومُرْ مَنْ يجزّ شعر قفاه، ثم سُرْ من يأخذ من شعره ويضرب به وجهه، واصرفه إلى منزله. فذكر عن المتوكّل أنه قال : لما أتانى رسوله ، ليست سواداً لى جديداً ، وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضا عنّى ، فقال: يا غلام، ادع لى حجّاماً، فدُعى به ، فقال: خذشعره واجمعه، فأخذه على السَّواد الجديد. ولم يأته بمنديل؛ فأخذ شعره وشعر قفاه وضرب به وجهه . قال المتوكّل : فما دخلَى من الجزع على شىء مثل ما دخلنى حين أخذنى على السواد الجديد؛ وقد جئته فيه طامعًاً(١) فى الرضا، فأخذ شعرى عليه. ولما تُوفّىَ الواثق أشار محمد بن عبد الملك بابن الواثق، وتكلّم فى ذلك (١) !، د: ((طمعاً)). ١٥٨ سنة ٢٣٣ ١٣٧٣/٣ وجعفر فى حُجْرة غير الحجرة التى يتشاورون فيها، فيمن يعقدون(١)، حتى بُعث إليه ، فعُقد له هناك ؛ فكان سبب هلاك ابن الزّيات . وكان بُغَا الشرابىّ الرسول إليه يدعوه ، فسلم عليه بالخلافة فى الطريق، فعقدوا له وبايعوا ، فأمهل حتى إذا كان يوم الأربعاء لسبع خَلَوْن من صفر؛ وقد عزم المتوكّل على مكروه أن يناله به، أمر إيتاخ بأخذه وعذابه ؛ فبعث إليه إيتاخ، فظنّ أنه دعى به، فركب بعد غدائه مبادراً يظنّ أن الخليفة دعا به؛ فلما حاذى منزل إيتاخ قيل له: اعدل إلى منزل أبى منصور، فعدل وأوجس فى نفسه خيفةً؛ فلمّا جاء إلى الموضع الذى كان ينزل فيه إيتاخ عُدِل به يمْنةً(٢)، فأحسّ بالشرّ، ثم أدخِل حجرة، وأخذ سيفه ومنطقته وقلنسوته ودرّاعته ؛ فدُفِع إلى غلمانه ، وقيل لهم : انصرفوا ، فانصرفوا لا يشكُّون أنه مقيم عند إيتاخ ليشرب النبيذ . قال : وقد كان إيتاخ أعدّ له رجلين من وجوه أصحابه ؛ يقال لهما يزيد ابن عبد اللّه الحلوانى وهَرْثمة شارباميان؛ فلما حصل محمد بن عبد الملك خرجا يركضان فى جُنْدهما وشاكريّتهما، حتى أتيا دار محمد بن عبد الملك، فقال لهم غلمان محمد : أين تريدون ؟ قدركب أبو جعفر ؛ فهجما على داره ، وأخذا جميع ما فيها . فذكر عن ابن الحلوانىّ أنه قال: أتيت البيت الذى كان محمد بن عبد الملك يجلس فيه ، فرأيته رتّ الهيئة قليل المتاع، ورأيت فيه طنافس أربعة وقنانىّ وطلبّات ، فيها شراب ؛ ورأيت بيتًا ينام فيه جواريه ؛ فرأيت فيه بُوريًا " ومحادَّ منضّدة فى جانب البيت؛ على أن جواريه كنّ ينمْنَ فيه بلا فُرش . وذكر أنّ المتوكل وجه فى هذا اليوم من قبض ما فى منزله من متاع ودوابٌ وجِوار وغلمان، فصيِّر ذلك كله فى الهارونىّ ، ووجه راشداً المغربىَّ إلى بغداد فى قبض ما هنالك من أمواله وخد مه، وأمر أبا الوزير بقبض ضياعه وضياع أهل بيته حيث كانت . فأمّا ما كان بسامرًا فحمل إلى خزائن ١٣٧٤/٣ (١) كذا فى ا، وفى ط: ((يفعلون)). (٢) كذا فى ا، د . ١٥٩ سنة ٢٣٣ مَسرور سمانة ، بعد أن اشتُرىَ للخليفة؛ وقيل لمحمد بن عبد الملك: وكّلْ ببيع متاعك. وأتوه بالعباس بن أحمد بن رشيد كاتب عنُجيف، فوكّله بالبيع عليه، فلم يزل أيامًا فى حَبْسه مطلقًا، ثم أمر بتقييده فقُيِّد ، وامتنع من الطعام ؛ وكان لا يذوق شيئًا، وكان شديد الجَزع فى حبسه، كثير البكاء ، قليل الكلام ، كثير التفكّر ، فمكث أيامًا ثم سُوهر، ومُنِع من النوم، يساهِر ويُنْخَس بمسلّة، ثم تُرك يومًاً وليلة، فنام وانتبه؛ فاشتهى فاكهة وعِنَباً؛ فأتِىَ به، فأكل ثم أعيد إلى المساهرة ، ثم أمر بتنور من خشب فيه مسامير حديد [قيام](١). فذكرعن ابن أبى دواد وأبى الوزير أنهما قالا: هو أوّل مَنْ أمر بعمل ذلك ؛ فعذّب به ابن أسباط المصرىّ حتى استخرج منه جميع ما عنده ، ثم ابتُلىّ به فعُذِّب به أياماً . فذُكر عن الدندانىّ الموكّل بعذابه أنه قال : كنت أخرج وأقفل الباب عليه ؛ فيمدّ يديه إلى السماء جميعًا حتى يدق" موضع كتفيه ؛ ثم يدخل التَُّّور فيجلس ، والتَّنُّور فيه مسامير حديد وفى وسطه خشبة معترضة ، يجلس عليها المعذِّب ؛ إذا أراد أن يستريح ، فيجلس على الخشبة ساعة، ثم يجىء المؤكّل به ؛ فإذا هو سمع صوت الباب يُفتح قام قائمًا كما كان ؛ ثم شدّدوا(٢) عليه . ١٣٧٥/٣ قال المعذِّب له : خاتلته يوماً، وأريتُه أنى أقفلت الباب ولم أقفله ؛ إنما أغلقته بالقفل ، ثم مكثت قليلا ، ثم دفعت الباب غَفْلة ؛ فإذا هو قاعد فى التّور على الخشبة ، فقلت : أراك تعمل هذا العمل ! فكنت إذا خرجت بعد ذلك شددت خناقه، فكان لا يقدر على القعود ، واستللت الخشبة حتى كانت تكون بين رجليه ؛ فما مكَث بعد ذلك إلا أيامًا حتى مات . واختلف فى الذى قتل به، فقيل : بُطِح، فضُرب على بطنه خمسين مَقْرعة، ثم قُلِب فضرب على استه مثلها ، فمات وهو يضرب؛ وهم لا يعلمون، فأصبح ميّاً قد التوت عنُقه ، وذُتفت لحيته . وقيل : ماتِ بغير ضرب . وذكر عن مبارك المغربىّ أنه قال: ما أظنه أكل فى طول حبسه إلاّ رغيفًا (٢) ا: ((تشددوا)). (١) من ا. ١٦٠ سنة ٢٣٣ واحداً ؛ وكان يأكل العنبة والعنبتين . قال : وكنت أسمعه قبل موته بيومين أو ثلاثة يقول لنفسه : يا محمد بن عبد الملك ؛ لم يقنعك النعمة والدواب الفُرَّه والدّار النظيفة والكسوة الفاخرة ؛ وأنت فى عافية حتى طلبت الوزارة ؛ 'ذق ما عملت بنفسك! فكان يكرّر ذلك على نفسه؛ فلمّا كان قبل موته بيوم؛ ذهب عنه عتابُ نفسه؛فكان لا یز یدعلی ١٣٧٦/٣ التشهد وذكر الله؛ فلما مات أحْضِير"(١) ابناه سليمان وعبيد الله كانا محبوسين- وقد طُرح على باب من خشب فى قميصه الذى حُبس فيه؛ وقد اتَّخ فقالا: الحمد لله الذى أراح من هذا الفاسق؛ فدُفعت جُشَّته إليهما، فغسلاه على الباب الخشب ، ودفناه وحفرا له ، فلم يعمِّقًا ؛ فذُكِرِ أن الكلاب نبشته ؛ وأكلت لحمه . وكان إبراهيم بن العباس على الأهواز، وكان محمد بن عبد الملك له صديقًا، فوجّه إليه محمد أحمدَ بن يوسف أبا الجهم، فأقامه للناس فصالحه عن نفسه بألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، فقال إبراهيم (٢) : وكنتَ أَخى بإخاءِ الزمانِ فلما نَبَا عُدْتَ حربًا عَوَانا(٣) فَأَصْبَحْتُ منك أَذْمُّ الزمانا وكنت أَذُّ إِليك الزمانَ فها أَنا أَطلبُ منك الأَّمانا وكنت أَعُدُّك للنائباتِ وقال : فى هيئةٍ تنذِرُ بِالصَّيْلَمِ(٤) أَصبحتُ مِن رأى أبى جعفرٍ مِنْ غيرِ ما ذَنبٍ ولكنَّها عَدارة الزنديق للمسلم وأحدر بعد ما قبض عليه مع راشد المغربىّ إلى بغداد ، لأخذ ماله بها ، فوردها، فأخذ روحًا غلامَه- وكان قهرمانهفى يده أمواله يتجر بها، وأخذ عدّة من أهل بيته ، وأخذ معهم حمل بغل ، ووجدت له بيوت فيها أنواع التجارة من الحِنْطة والشعير والدّقيق والحبوب والزيت والزبيب والتين وبيت (١) كذا فى ا، وفى ط: ((أحضره)). (٢) هو إبراهيم بن العباس بن محمد الصولى . (٣) ديوانه ١٦٦ . (٤ ) ديوانه ١٦٥