النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سنة ٢٢٧
قال: فانتهينا إلى وادٍ ولم نعرف غَوره، وقد خلَّقنا العسكر وراءنا، فقال ١٣٢٦/٣
لى : مكانتَك حتى أنتقدَّم . فأعرف غَوْر الماء وأطلب قلته ، واتبع أنت موضع
سيرى ، قال : فتقدّم فدخل الوادى ، وجعل يطلب قلة الماء ، فمرّة ينحرف
عن يمينه، ومرّة ينحرف عن شماله، وتارة يمشى لسََّنِه؛ وأنا خلفه متبع لأثره
حتى قطعنا الوادى .
قال : واستخرجت منه لأهل الشاش ألفى ألف درهم لکرى نهرٍ لهم اندفن
فى صدر الإسلام؛ فأضرّ ذلك بهم، فقال لى: يا أبا عبد الله، مالى ولك ؛
تأخذ مالى لأهل الشاش وَفَرْغانة! قلت: هم رعيَّتك يا أمير المؤمنين، والأقصى
والأدنى فى حُسن نظر الإمام سواءٌ.
وقال غيره : إنه إذا غضب لا يبالى مَن قتل ولا ما فعل .
وذكر عن الفضل بن مروان أنه قال : لم يكن للمعتصم لذّة فى تزيين
البناء؛ وكانت غايته فيه الإحكام . قال: ولم يكن بالنفقة على شىء أسمح
منه بالنّفقه فى الحرب .
وذكر محمد بن راشد ، قال : قال لى أبو الحسين إسحاق بن إبراهيم :
دعانى أمير المؤمنين المعتصم يومًا ، فدخلت عليه وعليه صُدرة وشْى ومنطقة
ذهب وخفّ أحمر، فقال لى: يا إسحاق ، أحببت أن أضرب معك بالصوالحة؛
فبحياتى عليك إلاّ لبستَ مثل (١) لباسى؛ فاستعفيتُّه مِنْ ذلك فأبى، فلبست
مثل لباسه ، ثم قُدّم إليه فرس محلآة (٢) بحلية الذهب، ودخلنا(٣) الميدان، ١٣٢٧/٣
فلما ضرب ساعة، قال لى : أراك كسلان ، وأحسبك تكره هذا الزّىّ، فقلت:
هو ذاك يا أمير المؤمنين ،فنزل وأخذ بیدی، ومضى يمشی وأنا معه إلى أن صار
إلى حجرة الحمّام، فقال : خذ ثيابى يا إسحاق؛ فأخذت ثيابه حتى تجرّد ،
ثم أمرنى بنزع ثيابى ففعلت؛ ثم دخلنا أنا وهو الحمّام ؛ رليس معنا غلام ؛
فقمت عليه ودلكته ، وتولى أمير المؤمنين المعتصم منى مثل ذلك، وأنا فى كل
ذلك أستعفیه ، فيأبى علىّ ، ثم خرج من الحمّام فأعطيته ثيابته ، وليست
ثيابى ، ثم أخذ بيدى ومضى يمشى ؛ وأنا معه حتى صار إلى مجلسه فقال :
(٣) س: ((ودخلت)).
(٢) ف: ((محلى)).
(١) س: (( معی)» . ..

١٢٢
سنة ٢٢٧
يا إسحاق ؛ جثنى بمصلَّى ومخدّتين ، فجئته بذلك ، فوضع المخدّتين ، ونام
على وجهه ، ثم قال : هات مصلّى ومخدّتين، فجئت بهما، فقال : ألقيه ونم
عليه بحذائى، فحلفتُ ألا أفعلَ، فجلست عليه، ثم حضر إيتاخ التركىّ
وأشناس، فقال لهما: امضيا إلى حيث إذا صحت سمعتها، ثم قال : يا إسحاق،
فى قلبى أمر أنا مفكّر فيه منذ مدّة طويلة ؛ وإنما بسطتلك فى هذا الوقت لأفشيه
إليك ، فقلت : قل يا سيدى يا أمير المؤمنين ؛ فإنما أنا عبدك وابن عبدك ،
قال : نظرت إلى أخى المأمون وقد اصطنع أربعةً أنجبوا، واصطنعت أنا أربعة
لم يفلحْ أحدٌ منهم ؛ قلت: ومَن الذين اصطنعهم أخوك ؟ قال : طاهر بن
١٣٢٨/٣ الحسين؛ فقد (١) رأيتُ وسمعتُ، وعبد الله بن طاهر، فهو الرّجل الذى لم يُمَرّ
مثله، وأنت، فأنت والله لا يعتاض السلطان منك أبداً، وأخوك محمد بن إبراهيم،
وأين مثل محمد! وأنا فاصطنعت الأفشين فقد رأيتَ إلى ما صار أمْرُه، وأشناس
ففشيل آيه (٢) وإيتاخ فلاشىء، ووصيف فلامغنى فيه؛ فقلت: يا أمير المؤمنين،
جعلني الله فداك! أجيب على أمان من غضبك، قال: قل، قلت: يا أمير المؤمنين
أعزّك اللّه نظر أخوك إلى الأصول ؛ فاستعملها ، فأنجبت فروعها ، واستعمل
أمير المؤمنين فروعًا لم تنجب إذ لا أصول لها ، قال: يا إسحاق لمقاساةُ ما مرّ
بى فى طول هذه المدّة أسهلُ علىّ من هذا الجواب.
وذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ، أنه قال: أتيتُ أمير المؤمنين
المعتصم بالله يومًا وعنده قينة كان معجنّبًا بها، وهى تغنِِّه، فلما سلّمتُ
وأخذت مجلسى ، قال لها: خذى فيما كنت فيه ، فغنّت فقال لى : كيف
تراها يا إسحاق ؟ قلت: يا أمير المؤمنين ، أراها تقهره بحذْق وتختله برفق ،
ولا تخرج من شىء إلاّ إلى أحسن منه ، وفى صوتها قطع شذور أحسن من
نظم الدرّ على النحور، فقال : يا إسحاق، لحصفتُك لها أحسن منها ومن غنائها،
وقال لابنه هارون : اسمع (٣) هذا الكلام .
وذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ أنه قال: قلت للمعتصم فى شىء ،
١٣٢٩/٣ فقال لى: يا إسحاق؛ إذا نصر الهوى بطل الرّأى؛ فقلت له: كنت أحبّ
(٣) س: ((اكتب)).
(٢) كذا فى ا.
(١) ف: ((وقد رأيت)).

١٢٣
سنة ٢٢٧
يا أمير المؤمنين أن يكون معى شبابى ؛ فأقوم (١) مِنْ خدمتك بما أنويه ، قال
لى: أوَلست كنت تبلغ إذ ذاك جهدك ؟ قلت : بلى ، قال : فأنت الآن
تبلغ جهدك فسيّان إذاً .
وذكر عن أبى حسان أنه قال: كانت أمّ أبى إسحاق المعتصم من مولّدات
الكوفة يقال لها ماردة .
وذكر عن الفضل بن مروان ، أنه قال : كانت أمّ المعتصم ماردة سُغدّيّة،
وكان أبوها نشأ بالسّواد ، قال: أحسبه بالبَنْدَتيجين .
وكان للرشيد من ماردة مع أبى إسحاق، أبو إسماعيل، وأمّ حبيب، وآخران
لم يُعرف اسماهما.
وذكر عن أحمد بن أبى دواد أنه قال : تصدّق المعتصم ووهب على يدى
وبسبى بقيمة مائة ألف ألف درهم .
خلافة هارون الواثق أَبى جعفر
وبُويع فى يَوم تنُوُ فَّىَ المعتصم أبنه هارون الواثق بن محمد المعتصم، وذلك
فى يوم الأربعاء لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين
وكان يكنى أبا جعفر ، وأمه أمّ ولد رومية تسمى قراطيس .
وهلك هذه السنة توفيل ملك الروم وكان ملكه اثنتى عشرة سنة
وفيها ملكت بعده امرأته تذورة (٢)، وابنها ميخائيل بن توفيل صبىّ.
١٣٣٠/٣
وحجّ بالناس فيها(٣) جعفر بن المعتصم، وكانت أم الواثق (٤) خرجت معه ..
تريد الحج، فماتت بالحيرة لأربع خلون من ذى القعدة ودفنت بالكوفة فى دار
داود بن عيسى .
(١) ف: ((وأقوم)).
(٣) س: فى هذه السنة)).
(٢) ط: ((تدورة)).
(٤) ف: ((امرأة الواثق)).

١٢٤
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من الواثق إلى أشناس أن توّجه وألبسه وشاحين بالجوهر
فی شهر رمضان .
وفيها مات أبو الحسن المدائنىّ فى منزل إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ .
وفيها مات حبيب بن أوس الطائىّ أبو تمام الشاعر .
وفيها حجّ سلمان بن عبد الله بن طاهر.
وفيها غلا السعر بطريق مكة، فبلغ رطل خبز بدرهم وراوية ماء بأربعين
درهماً . وأصاب الناس فى الموقف حرّ شديد ثم مطر شديد فيه برد ، فأضرّ
بهم شدّة الحر، ثم شدة(١) البرد فى ساعة واحدة، ومُطروا بمنَى فى يوم
النحر مطراً شديداً لم يروا مثله ، وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة
قتلت (٢) عدّة من الحاج ..
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن داود .
(١) ف: ((وشدة)).
(٢) ف: ((وقتلت)).

١٢٥
ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
٠ ٠
[ذكر الخبر عن حبس الواثق الكتّاب وإلزامهم الأموال ]
فمن ذلك ما كان من حبس الواثق بالله الكتّاب وإلزامهم أموالا، فدفع ١٣٣١/٣
أحمد بن إسرائيل إلى إسحاق بن يحيى بن معاذ صاحب الحرس ، وأمر بضربه
كلّ يوم عشرة أسواط ؛ فضربه - فيما قيل - نحواً من ألف سوط، فأدّى
ثمانين ألف دينار . وأخذ من سليمان بن وهب كاتب إيتاخ أربعمائة ألف دينار،
ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار . وأخذ من أحمد بن الخصيب
و کتّابہ ألف ألف دينار ، ومن إبراهيم بن رباح و کتابه مائة ألف دينار ، ومن
نَجتاح ستين ألف دينار، ومن أبى الوزير صلحًا مائة ألف وأربعين ألف
دينار؛ وذلك سوى ما أخذ من العمّال بسبب عِمَالاتهم . ونصب محمد بن
عبد الملك لابن أبى دواد وسائر أصحاب المظالم العداوة ، فكُشفوا وحُبسوا ،
وأجلس إسحاق بن إبراهيم ؛ فنظر فى أمرهم وأقيموا للناس ولقوا كلّ جهد.
* ذكر الخبر عن السبب الذى بعث الواثق على فعله
ما ذكرت بالكتّاب فى هذه السنة :
ذكر عن عزُّون بن عبد العزيز الأنصارىّ، أنه قال: كنّا ليلةً فى
هذه السنة عند الواثق، فقال : لست أشتهى الليلة النبيذ؛ ولكن هلمّوا نتحدث
الليلة ؛ فجلس فى رواقه الأوسط فى الهارونىّ فى البناء الأول الذى كان إبراهيم
ابن رَبَاح بناه؛ وقد كان فى أحد شِقَى ذلك الرّواق قُبَةٌ مرتفعة فى السماء
بيضاء ، كأنها بيضة إلا قدْر ذراع - فيما ترى العين - حولها (١) فى وسطها
ساج منقوش مغشّ باللازورد والذّهب، وكانت (٢) تسمى قبة المنطقة؛
وكان ذلك الرواق يسمى رواق قبّة المنطقة .
١٣٣٢/٣
(١) ف: ((حواها)).
(٢) س: ((فكانت)).

١٢٦
سنة ٢٢٩
قال: فتحدَّثَنا عامة الليل ، فقال الواثق: مَنْ منكم يعلم السبب الذى
به وثب جدّى الرشيد على البرامكة فأزال نعمتهم ؟ قال عزّون : فقلت : أنا
واللّه أحدثك يا أميرَ المؤمنين، كان سبب ذلك أن الرشيد ذُكرت له جارية
لعون الخياط، فأرسل إليها فاعترضها ، فرضِىَ جمالها وعقلتها وحسن أدبها ،
فقال لعون : ما تقول فى ثمنها ؟ قال : يا أميرَ المؤمنين ، أمر ثمنها واضح
مشهور ؛ حلفتُ بعتقها وعتق رقيفى جميعًا وصدقة مالى الأيمان المغلظة التى
لا مخرج منها لى، وأشهدت علىّ بذلك العدول ألاّ أنقص ثمنها عن مائة ألف
دينار ، ولا أحتال فى ذلك بشىء من الحيل ، هذه قضيتها . فقال أمير المؤمنين:
قد أخذتها منك بمائة ألف دينار ، ثم أرسل إلى يحيى بن خالد يخبره بخبر
الجارية ، ويأمره أن يرسل إليه بمائة ألف دينار، فقال يحيى : هذا مفتاح سوء ؛
إذا اجترأ فى ثمن جارية واحدة على طلب مائة ألف دينار فهو أحْرَى أن يطلب
المال على قدر ذلك ؛ فأرسل يخبره أنه لا يقدر على ذلك، فغضب عليه الرّشيد،
وقال: ليس فى بيت مالى مائة ألف دينار ، فأعاد عليه : لا بدّ منها ، فقال
يحيى : اجعلوها دراهم، ليراها فيستكثرها، فلعله يردّها، فأرسل بها دراهم ،
وقال : هذه قيمة مائة ألف دينار ، وأمر أن تُوضع فى رواقه الذى يمرّ فيه إذا
أراد المتوضّأ لصلاة الظهر . قال : فخرج الرّشيد فى ذلك الوقت ؛ فإذا جبل
من بِدَرَ، فقال : ما هذا ؟ قالوا: ثمن الجارية، لم تحضر دنانير ، فأرسل
قيمتها دراهم ، فاستكثر (١) الرشيد ذلك، ودعا خادمًا له ، فقال : اضمم
هذه إليك، واجعل لى بيت مال لأضمّ إليه ما أريده وسمّاه بيت مال العروس،
وأمر بردّ الجارية إلى عون ، وأخذ فى التفتيش عن المال ، فوجد البرامكة قد
استهلكوه(٢)، فأقبل يهمّ بهم ويمسك؛ فكان يرسل إلى الصحابة وإلى قوم
من أهل الأدب من غيرهم فيسامرهم (٣) ، ويتعشّ معهم ؛ فكان فيمن يحضر.
إنسان كان معروفًا بالأدب ، وكان يعرف بكنيته يقال له أبو العُود ؛ فحضر
ليلة فیمن حضره ، فأعجبه حديثه ؛ فأمر خادمًا له أن یأتی یحی بن خالد
١٣٣٣/٣
(١) س: ((فاستكبر)).
(٣) س: ((فيسامرونه)).
(٢٠) س: ((استهلكوا)).

١٢٧
سنة ٢٢٩
إذا أصْبَح ، فيأمره أن يعطيه ثلاثين ألف درهم ، ففعل ، فقال يحي
لأبى العود: أفعلُ؛ وليس بحضرتنا اليوم مال، غداً يجىء المال، ونعطيك إن شاء الله. ثم
دافعه حتى طالت به الأيام ، قال : فأقبل أبو العود يحتال أن يجد من الرشيد
وقتًا محرّضه فیه على البرامكة- وقد کان شاع فى الناس ما كان يهمّ به الرشيد فى
أمرهم - فدخل عليه ليلةً ، فتحدّثوا ، فلم يزل أبو العود يحتال للحديث حتى
وصله بقول عمر بن أبى ربيعة :
١٣٣٤/٣
ليتَ هندًا أَنْجَزَتنَا مَا تَعِدْ(١).
وَعَدَتْ هندُ وما كانت تَعِدْ
إنما العاجز مَن لا يَسْتَبدّ
واسْتَبَدَّتْ مِرَّة واحدةً
فقال الرشيد: أجل واللّه؛ إنما العاجز من لا يستبدّ، حتى انقضى المجلس.
وكان يحيى قد اتخذ من خدم الرشيد خادمًا يأتيه بأخباره ، وأصبح يحيى غادياً
على الرَّشيد ، فلما رآه قال : قد أردت البارحة أن أرسل إليك بشعر أنشدنيه
بعضُ مَنْ كان عندى ، ثم كرهت أن أزعجك، فأنشده البيتين ، فقال :
ما أحسَنهما يا أمير المؤمنين ! وفطن لما أراد ، فلما انصرف أرسل إلى ذلك
الخادم ، فسأله عن إنشاد ذلك الشعر ؛ فقال : أبو العود أنشده ، فدعا الوزير
يحيى بأبى العود ، فقال له : إنا كنا قد لويناك بمالك ، وقد جاءنا مال ، ثم
قال لبعض خدمه : اذهب فأعطه ثلاثين ألف درهم(٢) من بيت مال
أمير المؤمنين، وأعطه من عندى عشرين ألف درهم لمُطْلنا إياه، واذهب إلى الفضل
وجعفر فقل لهما هذا رجل مستحقّ(٣) أن يبرّ ، وقد كان أمير المؤمنين أمر
لَه بمال فأطلْت مطله ، ثم حضر المال ؛ فأمرت أن يعطى ووصلتُه من عندى
صلة، وقد أحببت (٤) أن تصلاه، فسألا: بكتم وصله قال: بعشرين ألف درهم؛
فوصله كلّ واحد منهما بعشرين ألف درهم ؛ فانصرف بذلك المال كله إلى
منزله . وجدّ الرشيد فى أمرهم حتى وثب عليهم ، وأزال نعمتهم ، وقتل جعفراً
وصنع ما صنع.
١٣٣٥/٣
(١) ديوانه ٣٢٠ مع اختلاف فى الرواية
(٣) س: ((يستحق)).
(٢) ف: ((ثلاثين ألفاً)).
(٤) ف: ((وأحببت)).

١٢٨
سنة ٢٢٩
فقال الواثق : صدق واللّه جدّى؛ إنما العاجز من لا يستبدّ! وأخذ فى
ذكر الخيانة وما يستحق أهلها .
قال عزُّون : أحسبه: سيوقع بكتّابه، فما مضى أسبوع حتى أوقع بكتّابه ،
وأخذ إبراهيم بن رباح وسليمان بن وهب وأبا الوزير وأحمد بن الخصيب وجماعتهم.
قال: وأمر الواثق بحبس سليمان بن وَهْب كاتب إيتاخ، وأخذه بمائتى ألف
درهم - وقيل دينار - فقيد وألبس مدرعة من مدارع الملاحين ، فأدّى مائة
ألف درهم ، وسأل أن يؤخذ بالباقى عشرين شهراً، فأجابه الواثق إلى ذلك ،
وأمر بتخلية سبيله وردّه إلى كتابة إيتاخ ، وأمره بلبس السواد.
. ..
وفى هذه السنة ولىَ شاربامِيَان لإيتاخ اليمن وشَخص إليها فى شهر ربيع
الآخر.
وفيها وليىَ محمد بن صالح بن العباس المدينة .
وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن داود .

١٢٩
ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين
ذ کر خبر الخبر عما کان فيها من الأحداث
[ ذكر مسير بغا إلى الأعراب بالمدينة]
فمن ذلك ما كان من توجيه الواثق بُغا الكبير إلى الأعراب الذين عاثوا
بالمدينة وما حواليها(١) . ..
• ذكر الخبر عن ذلك :
ذكر أن (٢ بدء ذلك كان أن بني سليم كانت٢) تطاول على الناس حول المدينة ١٣٣٦/٣
بالشرّ، وكانوا إذا وردوا سوقًا من أسواق الحجاز أخذوا سعرها(٣) كيف شاءوا،
ثم ترقّى (٤) بهم الأمر إلى أن أوقعوا بالحجاز بناس (٥) من بنى كنانة وباهلة،
فأصابوهم وقتلوا بعضهم(٦)، وذلك فى جمادى الآخرة سنة ثلاثين ومائتين ،
وكان رأسهم عزيزة بن قطَّب السُّلَمِىّ. فوجه إليهم محمدُ بن صالح بن
العباس الهاشمىّ؛ وهو يومئذ عامل المدينة ؛ مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم
حماد بن جرير الطبرىّوكان الواثق وجّه حماداً مسلحة للمدينة لئلا يتطرّقها (٧)
الأعراب، فى مائتى فارس من الشاكريّة - فتوجّه إليهم حمّاد فى جماعة من
الجند ومَنْ تطوّع للخروج من قريش والأنصار ومواليهم وغيرهم من أهل
المدينة ؛ فسار إليهم فلقيتْه طلائعهم . وكانت بنو سليم كارهة للقتال ، فأمر
حماد بن جرير بقتالهم، وحمل عليهم بموضع يقال له الرّوَيْئة من المدينة على
ثلاث مراحل ؛ وكانت بنو سليم يومئذ وأمدادها جاءوا من البادية فى ستمائة
وخمسين، وعامة مَنْ لقيتهم من بنى عَوْف من بنى سُلَيم، ومعهم أشهب
(١) ف: ((حولها)).
(٣) س: ((بيوعها)).
(٥) س: ((بالحجاز بناس)).
(٧) ف: ((ليلا فطرقها الأعراب)).
(٢-٢) ف: ((أمر بدء ذلك أن كان بنوسليم)).
(٤) كذا فى ١، س. وفى ط: ((تراقى)).
(٦) ف: ((وقتلوهم وبعضهم أثر)).
تاريخ الطبري - تاسع

١٣٠
١٣٣٧/٣
سنة ٢٣٠
ابنُدُوَيَكل بن يحيى بن حمير العوفىّ وعمه سلمة بن يحيى وعزيزة بن قطَّاب
اللَّبيدىّ من بنى لبيد بن سُليم؛ فكان(١) هؤلاء قوّادهم ، وكانت خيلهم
مائة وخمسين فرساً ، فقاتلهم حماد وأصحابه؛ ثم أتت بنى سليم أمدادُ ها(٢)
خمسمائة من موضع فيه بَدْوهم؛ وهو موضع يسمى أعلى الرويئة؛ بينها وبين
موضع القتال أربعة أميال ؛ فاقتتلوا قتالا شديداً ، فانهزمت سودان المدينة
بالناس ؛ وثبت حمّاد وأصحابه وقريش والأنصار، فصلُوا بالقتال حتى قُتِل
حمّاد وعامة أصحابه، وقُتل مِمْن ثبت من قريش والأنصار عددٌ صالح ،
وحازت بنوسُكسيم الكُراع والسلاح والثياب؛ وغلظ أمربنى سُلسَمٍ، فاستباحت (٣)
القرى والمناهل (٤)؛ فيما بينها وبين مكة والمدينة؛ حتى لم يمكن أحداً أن يسلك
ذلك الطريق ؛ وتطرّقوا مَنْ يليهم من قبائل العرب.
فوجه إليهم الواثق بُغا الكبير أبا موسى التركىّ فى الشاكرّية والأتراك
والمغاربة ، فقد مها بُغا فى شعبان سنة ثلاثين ومائتين ، وشخص إلى حَرّة
بنى سليم، لأيام بقين من شعبان؛ وعلى مقد مته طردوش التركىّ ، فلقيهم ببعض
مياه الحَرّة؛ وكانت الوقعة بشقّ الحرّة من وراء السُّوارِقِيَّة، وهى قريتهم
التى كانوا يأوون إليها - والسوارقية حصون - وكان جُلّ من لقيه منهم من بنى عوف
فيهم عزيزة بن قطَّب والأشهب- وهما رأسا القوّاد يومئذ - فقتل بُغا منهم
نحواً من خمسين (٥) رجلاً، وأسر مثلهم ؛ فانهزم الباقون، وانكشف بنوسليم
لذلك ؛ ودعاهم بُنا بعد الوقعة إلى الأمان على حُكْ أمير المؤمنين الواثق ،
وأقام بالسوارقيّة فأتوْه، واجتمعوا إليه ، وجمعهم من عشرة واثنين وخمسة
وواحد ، وأخذ مَن جمعت السوارقيّة من غير بنى سليم من أفناء الناس، وهربت
خُفُتَاف بنى سُلَمٍ إلاّ أقلها ؛ وهى التى كانت تؤذى الناس ، وتطرّق
الطريق، وجلّ مَنْ صار فى يده ممّن ثبت من بنى عَوْف، وكان آخر من أخذ
منهم من بنى حُبْشىّ من بنى سُلَم، فاحتبس عنده من وُصف بالشرّ
١٣٣٨/٣
(١) ف: ((فكانوا)).
(٢) ف: ((ثم أتت بنوسليم وأمدادها)).
(٣) أ، د، س: ((واستباحت)).
(٤) س: ((والمنازل)).
(٥) ف: ((نحواثنين وخمسين رجلا)).

١٣١
سنة ٢٣٠
والفساد ؛ وهم زُهاء ألف رجل، وخلى سبيلَ سائرهم؛ ثم رحل عن السوارقيّة بمَن
صار فى يده من أسارى بنى سُلسَيم ومستأمِنِيهم(١) إلى المدينة فى ذى القعدة
سنة ثلاثين ومائتين ، فحبسهم فيها فى الدّار المعروفة بيزيد بن معاوية ، ثم
شخص إلى مكة حاجًا فى ذى الحجة ؛ فلمّا انقضى الموسم انصرف إلى ذات
عرْق، ووجه إلى بنى هلال مَنْ عرض عليهم مثل الذى عرض على بنى سُليم
فأقبلوا ، فأخذ من معَرَدتهم وعُتاتهم نحوًاً من ثلثمائة رجل، وخلَّى سائرهم،
ورجع من ذات عِرْق وهى على مرحلة من البستان، بينها وبين مكة مرحلتان .
. .
[ ذكر الخبر عن وفاة عبد الله بن طاهر]
وفى هذه السنة مات أبوالعباس عبد الله بن طاهر بنيسابوريوم الاثنين لإحدى
عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول بعد موت أشناس التركىّ بتسعة أيام(٢).
ومات عبد الله بن طاهر وإليه الحرب والشرطة والسوّاد وخُراسان وأعمالها والرىّ
وطبرستان وما يتصل بها وكِرْمان، وخراج هذه الأعمال كان يوم مات ثمانية
وأربعين ألف ألف درهم، فولَّى الواثق أعمال عبد الله بن طاهر كلها ابنه ١٣٣٩/٣
طاهراً (٣).
وحجّ فى هذه السنة إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فولىَ أحداث الموسم.
...
وحج بالناس فى هذه السنة محمد بن داود .
(١) كذا فى ا، س: ((ومستأمنتهم)).
(٢) أ، د: ((بسبعة)).
(٣) فى ابن الأثير ٥ : ٢٧١، ٢٧٢ فصل عقده فى سيرة عبد اللّه بن طاهر وشعره
وما قيل فيه من المدائح .

١٣٢
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين
ذکر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من أمر الفداء الذى جرى على يد خاقان الخادم بين
المسلمين والرّوم فى المحرّم منها ، فبلغت عدّة المسلمين - فيما قيل - أربعة
آلاف وثلثمائة واثنين وستين إنسانًا .
[ ذكر الخبر عن أمر بنى سليم وغيرهم من القبائل ]
وفيها قُتِل مَنْ قُتِل من بنى سُليم بالمدينة فى حبس بُغا.
• ذكر الخبر عن سبب قتلهم وما كان من أمرهم :
ذكر أنّ بُغا لمّا صارإليه بنو هلال بذات عِرْق، فأخذ منهم مَنْ ذكرت
أنه أخذ منهم ، شخص (١) مُعْتمراً مُمْرة المحرَّم ، ثم انصرف إلى المدينة ،
فجمع كلّ من أخذ من بنى هلال واحتبسهم عنده مع الذين كان أخذ من
بنى سُليم، وجمعهم جميعًاً فى دار يزيد بن معاوية فى الأغلال والأقياد (٢)
وکانت بنوسليم حُست قبل ذلك بأشهر. ثم ساربغا إلى بنی مرّة، وفی حبس
المدينة نحو من ألف وثلثمائة رجل من بنى سُليم وهلال ، فنقبوا الدار ليخرجوا ،
قرأت امرأة من أهل المدينة النَّقْب ، فاستصرخت أهل المدينة فجاءوا ، فوجدوهم
قد وثبوا (٣) على الموكَّلين بهم، فقتلوا منهم رجلا أو رجلين، وخرج بعضهم
أو عامّتهم؛ فأخذوا سلاح الموكَّلِين بهم، واجتمع عليهم أهل المدينة؛ أحرارهم
وعبيدهم - وعامل المدينة يومئذ عبد الله بن أحمد بن داود الهاشمىّ - فمنعوهم
الخروج ، وباتوا محاصريهم حول الدار حتى أصبحوا ؛ وكان وثوبهم عشيّة
الجمعة ؛ وذلك أن عزيزة بن قَطَّاب قال لهم: إنى أتشاءم بيوم السبت ؛
4.
١٣٤٠/٣
(١) ف: ((فشخص)).
(٣) س: ((فوثبوا)).
(٢) ف: ((فى أغلال وقيود)).
٠٫٠

١٣٣ .
سنة ٢٣١
ولم يزل أهل المدينة يعتقبون القتال، وقاتلتْهم بنو سُليم ، فظهر أهل المدينة
عليهم ، فقتلوهم أجمعين ، وكان عُزيزة يرتجز ، ويقول :
إنى أَنا عُزَيزة بنُ القَطَّابْ
لا بُدَّ مِنْ زَحْم وإِن ضاقَ البابْ
هذا وربِّى عملٌ لِلْبَوَّابْ
لَلموْت خيرٌ للفتَى من العَابْ
وقيْده فى يده قد فكّه، فرمى به رجلا، فخرّ صريعاً. وقُتلوا جميعًا ،
وقتلت سودان المدينة مَنْ لقيت من الأعراب فى أزقة المدينة ممّن دخل يمتار،
حتى لقوا أعرابيًّا خارجًا من قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوه ؛ وكان أحد
بنى أبى بكر بن كلاب من ولد عبد العزيز بن زرارة . وكان بُغا غائبًا عنهم؛
فلمّا قدم فوجدهم قد قُتِلوا شقَّ ذلك عليه، ووجد منه وجداً شديداً(١) .
وذُكر أن البوّاب كان قد ارتشى منهم ، ووعدهم أن يفتح لهم الباب ،
فعجلوا قبل ميعاده ؛ فكانوا يرتجزون ويقولون وهم يقاتلون :
الموت خيرٌ للفتى مِنَ العارْ قد أَخَذَ البوابُ أَلْف دينارْ
وجعلوا يقولون حين أخذهم بُغّا :
١٣٤١/٣
وجاذِبَ الجورِ الْبَعيدِ المشتَبِهْ
يا بُغيَة الخيرِ وَسَيْفَ المُنتبِهِ
افْعَلْ هَدَاك اللهُ ما أُمرتَ بَهْ
مَنْ كان منا جازِياً فلستُ بِهْ
فقال: أمِرْت أن أقتلكم. وكان عزيزة بن قَطّاب رأس بنى سُليم
حين قتيل أصحابه صار إلى بئر ،فدخلها، فدخل عليه رجل من أهل المدينة
فقتله ، وصُفَّت القتلى على باب مَرْوان بن الحكم ؛ بعضها فوق بعض .
وحدثنى أحمد بن محمد أن مؤذّن أهل المدينة أذن ليلة حراستهم بنى سليم
بليل ترهيباً لهم بطلوع الفجر، وأنهم قد أصبحوا، فجعل الأعراب يضحكون،
ويقولون: يا شرَبَة السَّويق؛ تُعلموننا بالليل، ونحن أعلم به منكم !فقال رجل
من بنى سُليم :
(١) ف: ((عظيماً)).

١٣٤
١٣٤٢/٣
.. .
سنة ٢٣١
صَرِيفُ
يَصِلُّ لِصَقلِ نابیْهِ
متى كانَ ابنُ عباسٍ أَميرًا
ضعيف
ويَسطو ما لِوَقعَتِهِ
يجورُ ولا يُرَدُّ الجَوْرُ منه
إِذا انتُضِيتْ بأيدينا السُّيوفُ
وقد كنا نَرُدُّ الجور عنَّا
سُمُوَّ الليثِ ثار من الغَرِيفِ
أَميرُ المؤمنينَ سَمَا إِلينا
وإِن يَقتلْ. فقاتِلنا شَريفُ
يَمْنُنْ فَعَفْوَ اللهِ نرجو
فإنْ
وكان سبب غَيْبة بُغا عنهم أنه توجه (١) إلى فَدَك لمحاربة مَنْ فيها
ممّن كان تغلّب عليها من بنى فزارة ومُرّة؛ فلما شارفهم وجّه إليهم رجلامن
فَزارة يعرض عليهم الأمان ، ويأتيه بأخبارهم، فلمّا قدم عليهم الفزارىّ حذّرّهم
سطوته، وزيّن لهم الهرب، فهربوا ودخلوافى البرّ، ودخلوا فَدَك إلاّ نفرًا بقُوا
فيها منهم؛ وكان قصدهم خَيْبَر وجَنَّفاء(١) ونواحيها؛ فظفر ببعضهم،
واستأمن بعضهم ، وهرب الباقون مع رأس لهم يقال له الرّكاض إلى موضع من
البلْقاء من عمل دمشق ، وأقام بُغا بحسَنَّفاء وهى قرية من حدّ عمل الشأم (٣)،
مما يلى الحجاز نحواً من أربعين ليلة ، ثم انصرف إلى المدينة بمن صارفى يديه
من بنى مُرّة وفَزارة .
وفى هذه السنة صار إلى بُغا من بطون غَطَفان وفَزارة وأشْجع جماعة ؛
وكان وجّه إليهم وإلى بنى ثعلبة؛ فلمّا صاروا إليه - فيما ذكر - أمر محمد
ابن يوسف الجعفرىّ ، فاستحلفهم الأيمان الموكدة ألا يتخلّفوا عنه متى
دعاهم. فحلفوا ، ثم شخص إلى ضَرِيَّة لطلب بنى كِلاب ، ووجه إليهم
رسلتّہ ، فاجتمع إليه منھم ـ فیما قيل - نحو من ثلاثة آلاف رجل ، فاحتبس
منهم من أهل الفساد نحواً من ألف رجل وثلثمائة رجل ، وخلَّى سائرهم ، ثم
قدم بهم المدينة فى شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين ومائتين ، فحبسهم فى دار
يزيد بن معاوية، ثم شخص(٤) إلى مكة بُغا، وأقام بها حتى شهِد الموسم ، فبقى
(١) !، س: ((سار)).
(٣) س: ((الحجاز)).
(٢) ا، ف: ((وحيفا)).
(٤) س: ((وشخص)).

١٣٥
سنة ٢٣١
١٣٤٣/٣
بنو كلاب فى الحبس لا يجرى عليهم شىءٌ مدّة غيبة بُغا؛ حتى رجع (١)
إلى المدينة ، فلما صار إلى المدينة أرسل إلى مَنْ كان استحلف من ثعلبة
وأشجع وفزارة فلم يجيبوه ، وتفرقوا فى البلاد ، فوجّه فى طلبهم فلم يلحق منهم
كثير أحد .
٠
:
[ ذكر مقتل أحمد بن نصر الخزاعى على يد الواثق]
وفى هذه السنة تحرّك ببغداد قومٌ فى رَبَض عمرو بن عطاء ، فأخذوا
على أحمد بن نصر الخُزاعىّ البيعة .
• ذكر الخبر عن سبب حركة هؤلاء القوم وما آل إليه أمرهم وأمر أحمد بن نصر:
وكان السبب فى ذلك أنّ أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخُزَاعِىّ .-
ومالك بن الهيثم أحد نقباء بنى العبّاس ، وكان ابنه أحمد يغشاه أصحاب
الحديث ؛ كيحيى بن معين وابن الدَّوْرَفىّ وابن خَيْئمة، وكان يُظهر
المباينة لمن يقول : القرآن مخلوق ؛ مع منزلة أبيه كانت من السلطان فى دولة
بنى العباس ، ويبسط لسانه فيمن يقول ذلك ، مع غِيْظة الواثق كانت على
من يقول ذلك وامتحانه إياهم فيه ، وغلبة أحمد بن أبى دواد علیه - فحدثی
بعض أشياخنا (٢)، عمّن ذكره، أنه دخل على أحمد بن نصر فى بعض تلك
الأيام وعنده جماعة من الناس، فذُكر عنده الواثق، فجعل يقول: ألاّ فعل
هذا الخنزير (٣)! أو قال: هذا الكافر؛ وفشا ذلك من أمره ، فخُوّف
بالسلطان (٤)، وقيل له : قد اتّصل أمرُك به ، فخافه .
١٣٤٤/٣
وكان فيمن(٥) يغشاه رجل - فيما ذكر - يعرف بأبى هارون (٦) السرّاج
وآخريقال له طالب، وآخر من أهل خُراسان من أصحاب إسحاق بن إبراهيم بن
(١) س: ((قدم)).
(٣) س: ((ألا فعل اللّه بهذا الخنزير)).
(٢) د، س: ((شيوخنا)).
(٤) د، ف: ((فخوف السلطان)).
(٥) ف: ((من)).
(٦) ف: ((يقال له أبو هارون)).

١٣٦
سنة ٢٣١
مُصعب صاحب الشرطة ممّن يظهر له القول بمقالته ، فحرّك المطيفون به - يعنى
أحمد بن نصر - من أصحاب الحديث، وممّن ينكر القول بخلق القرآن من
أهل بغداد - أحمد ، وحملوه على الحركة لإنكار القول بخلق القرآن ،
وقصدوه بذلك دون غيره ؛ لما كان لأبيه وجدّه فى دولة بنى العباس من الأثَر ،
ولما كان له ببغداد، وأنه كان أحدَ مَنْ بايع له أهل الجانب الشرقىّ على
الأمر بالمعروف والنهى عن المنکر والسمع له فى سنة إحدى ومائتين، لمّا کثر
الدّعَّار بمدينة السلام ، وظهر بها الفساد والمأمون بخراسان ؛ وقد ذكرنا خبره
فيما مضى . وأنه لم يزل أمره على ذلك ثابتًا إلى أن قدم المأمون بغداد فى سنة
أربع ومائتين ، فرجوا استجابة العامة له إذا هو تحرّك للأسباب التى ذكرت .
فذ کر أنه أجاب من سأله ذلك ؛ وأنّ الذی کان یسعی نه فى دعاء الناس
له الرجلان اللذان ذكرت اسميهما(١) قبل. وإن أبا هارون السرّاج وطالباً فرّقا
فى قوم مالا، فأعطيا كلّ رجل منهم دينارًا دينارًا، وواعداهم ليلةً يضربون
فيها الطَّبْل للاجتماع فى صبيحتها للوثوب بالسلطان ؛ فكان طالب بالجانب
الغربىّ من مدينة السَّلام(٢) فيمن عاقده على ذلك، وأبو هارون بالجانب (٣)
الشرقىّ فيمن عاقده عليه؛ وكان طالب وأبو هارون أعطيا فيمَنْ أعطيا (٤)
رجلين من بنى أشرس القائد دنانير يفرّقانها فى جيرانهم، فانتبذ بعضُهم نبيذاً ،
واجتمع عدّة منهم على شربه، فلمّا ثمِلوا ضربوا بالطبل(٥) ليلة الأربعاء قبل
الموعد بليلة ؛ وكان الموعد لذلك ليلة (٦) الخميس فی شعبان سنة إحدى وثلاثين
ومائتين، لثلاث تخلو (٧) منه ، وهم يحسبونها ليلة الخميس التى اتعدوا لها ،
فأكثروا ضرب الطبْل، فلم يجبهم أحد . وكان إسحاق بن إبراهيم غائبًا عن
بغداد وخليفته بها أخوه محمد بن إبراهيم، فوجه إليهم محمد بن إبراهيم غلاماً
له يقال له رَحش ، فأتاهم فسألهم عن قصّتهم، فلم يظهر له أحد ممن ذكر
بضرب الطَّبْل، فدُلّ على رجل يكون فى الحمامات مصاب بعينه ، يقال له
١٣٤٥/٣
(١) ط: ((أسماءها))، وما أثبته من ا
(٣) ف: ((فى الجانب)).
(٥) ف: ((الطبل)).
(٧) س: ((خلون)).
(٢) ف: ((بغداد)).
(٤) بعدها فى ف: ((ذلك)).
(٦) ف: ((يوم الخميس)).

١٣٧
سنة ٢٣١
١٣٤٦/٣
عيسى الأعور ، فهدّده بالضرب، فأقرّ على ابنى أشرس وعلى أحمدبن نصربن
مالك وعلى آخرين سماهم، فتتبّع القوم من ليلتهم؛ فأخذ بعضهم، وأخذ طالباً
ومنزلُه فى الرَّبض من الجانب الغربى، وأخذ أبا هارون السرّاج ومنزله فى الجانب
الشرقىّ ، وتتبَّعَ مَنْ سَّاه عيسى الأعور فى أيام وليال ، فصُيّروا فى الحبس
فى الجانب الشرقىّ والغربىّ، كلُ قوم فى ناحيتهم التى أخذوا فيها، وقيد
أبو هارون وطالب بسبعين (١) رطلاً من الحديد كلّ واحد منهما، وأصيب
فى منزل ابنى أشرس عَلَمان أخضران فيهما حُمرة فى بئر، فتولَّى إخراجهما
رجلٌ من أعوان محمد بن عيّاش - وهو عامل الجانب الغربيّ، وعامل الجانب
الشرقىّ العباس بن محمد بن جبريل القائد الخراسانىّ- ثم أخِذَ خصىّ لأحمد
ابن نصر فتُهُدِّد، فأقرّ بما أقرَّ به عيسى الأعور، فضى إلى أحمدبن نصر وهو
فى الحمّام ، فقال الأعوان السلطان: هذا منزلى؛ فإن أصبتم فيه علماً أو عندَّة
أو سلاحما لفتنة فأنتم فى حِلّ منه ومن دمى ؛ ففتش فلم يُوجد فيه شىء ،
فحميل إلى محمد بن إبراهيم بن مصعب وأخذوا خصيّين وابنين له ورجلاً ممن
كان يغشاه يقال له إسماعيل بن محمد بن معاوية بن بكر الباهلى ، ومنزله
بالجانب الشرقىّ، فحميل هؤلاء الستة إلى أمير المؤمنين الواثق وهو بسامرًا على
بغال بأكُفٍ ليس تحتهم وطاء، فَقيُّد(٢) أحمد بن نصر بزوج قيود، وأخرجوا
من بغداد يوم الخميس لليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين ،
و کان الواثق قد أعليم (٣) بمكانهم ، وأحضر (٤) ابن أبى دواد وأصحابه، وجلس
لهم مجلسًا عامًا ليُمتحنوا امتحانًا مكشوفًا، فحضر القوم واجتمعوا عنده.
وكان أحمد بن أبى دواد - فيما ذكر - كارهًا قتله فى الظاهر؛ فلما أتىّ ١٣٤٧/٣
بأحمد بن نصر لم يناظره الواثق فى الشَّخَب ولا فيما رُفع (٥) عليه من إرادته الخروج
عليه ؛ ولكنه قال له : يا أحمد ، ما تقول فى القرآن ؟ قال : كلام الله -
وأحمد بن نصر مستقتل (٦) قد تنوّر وتطيّب، قال: أفمخلوق هو ؟ قال : هو
(١) د، ف: ((بتسعين)).
(٣) ف: ((علم)).
(٥) ف: ((روى)).
(٢) س: ((مقيدا)).
(٤) ف: ((أحضروا)).
(٦) ف: ((مستقيل)).

١٣٨
سنة ٢٣١
كلام الله، قال : فما تقول فى ربّك، أتراه يوم القيامة؟ قال: يا أمير المؤمنين
جاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ترون ربكم يوم القيامة
كما ترون القمر لا تضامون فى رؤيته))؛ فنحن على الخبر. قال : وحدثنى سفيان
ابن عيينة بحديث يرفعه: ((أن قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الله يقلُّبه))؛
وكان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يدعو: ((يا مقلِّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك))؛
فقال له إسحاق بن إبراهيم : ويلك ! انظر ماذا تقول ! قال : أنت أمرتنى
بذلك ؛ فأشفق إسحاق من كلامه ، وقال : أنا أمرتُك بذلك ! قال: نعم ،
أمَرَتَّنى أن أنصح له إذا كان أمير المؤمنين، ومِنْ نصيحتى (١) له ألا يخالف
حديث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . فقال الواثق لمن حوله : ما تقولون فيه ؟
فأكثروا ، فقال عبد الرحمن بن إسحاق - وكان قاضيًا على الجانب الغربىّ
فعزل ؛ وكان حاضراً وكان أحمد بن نصرودًا له - : يا أمير المؤمنين؛ هو
حلال الدّم ، وقال أبو عبد الله الأرمنى صاحب ابن أبى دواد: استمنى دمه
يا أمير المؤمنين ، فقال الواثق : القتل يأتى على ما تريد ، وقال ابن أبى دواد:
يا أميرَ المؤمنين كافر يُستتاب؛ لعلّ به عاهة أو تتغيُّر (٢) عقل - كأنه كره
أن يقتَل بسببه - فقال الواثق: إذا رأيتمونى قد قمتُ إليه، فلا يقومن" أحد
معى ، فإنى أحتسب خُطاى إليه . ودعا بالصَّمصامة - سيف عمرو بن
معد يكرب الزّبيدىّ وكان فى الخزانة ، كان أهدى إلى موسى الهادى، فأمر
سَلْمًا الخاسر الشاعر أن يصفه له، فوصفه فأجازه ـ- فأخذ الواثق الصّمصامة-
وهى صفيحة موصولة من أسفلها مسمورة بثلاثة مسامير تجمع بين الصّفيحة
والصلة (٣) - فمشى إليه وهو فى وسط الدار، ودعا بنطع فصير فى وسطه، وحبْل
فشُدَّ رأسه، ومُدّ الحبل ، فضربه الواثق ضربة، فوقعت على حبل العاتق ،
ثم ضربه أخرى على رأسه ، ثم انتضى سيما الدمشقىّ سيفه ، فضرب عنقه
وحزّ رأسه .
١٣٤٨/٣
وقد ذُكر أن بُغا الشرابىّ ضربه ضربة أخرى ، وطعنه الواثق بطرف
(١) ابن الأثير: ((فنصيحتى)).
(٣) س: ((وبين الصلة)) وفى د: ((الصفحة)).
(٢) ابن الأثير: ((نقص)).

١٣٩
سنة ٢٣١
الصَّمْصامة فى بطنه، فحمل معترضًا حتى أتىَ به الخطيرة التى فيها بابك،
فصليب فيها وفى رجله زَوْج قيود ، وعليه سراويل وقميص، وحميل رأسه إلى
بغداد ، فنُصب فى الجانب الشرقىّ أياماً، وفى الجانب الغربىّ أيامًا، ثم حُوّل
إلى الشرقىّ، وحُظر على الرأس حظيرة ، وضرب عليه فسطاط ، وأقيم عليه
الحرس ، وعُرف ذلك الموضع برأس أحمد بن نصر ؛ وكتب فى أذنه رُقْعة:
هذا رأس الكافر المشرك الضالّ؛ وهو أحمد بن نصر بن مالك؛ ممّن قتله اللّه
على يدى عبد الله هارون الإمام الواثق بالله أمير المؤمنين، بعد أن أقام عليه
الحجة فى خَلْق القرآن ونفى التشبيه ، وعرض عليه التوبة ، ومكّنه من الرجوع
إلى الحق؛ فأبى إلا المعاندة والتصريح، والحمد لله الذى عجّل به إلى ناره وأليم
عقابه. وإنّ أمير المؤمنين سأله عن ذلك؛ فأقرّ بالتشبيه وتكلّم بالكفر، فاستحل
بذلك أمير المؤمنين دمه، ولعنه .
١٣٤٩/٣
وأمر أن يُتتبع من وُسِم بصحبة أحمد بن نصر؛ ممن ذكرأنه كان متشايعًاً
له ؛ فوُضِعوا فى الحبوس، ثم جُعل نيِّف وعشرون رجلا وُموا فى حبوس الظلمة؛
ومُنعوا من أخذ الصدقة التى يُعطاها أهل السجون، ومُنِعوا من الزُّوّار ،
وثقّلوا بالحديد. وحمل أبو هارون السراج وآخَرُ معه إلى سامرًا، ثم رُدُّوا
إلى بغداد ، فجعلوا فى المحابس .
وكان سبب أخذ الذين أخذوا بسبب أحمد بن نصر، أنّ رجلا قصّاراً
كان فى الرَّبض جاء إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فقال : أنا أدلّك
على أصحاب أحمد بن نصر ، فوجّه معه من يتبعهم؛ فلما اجتمعوا وجدوا على
القصّار سبباً حبسوه معهم؛ وكان له فى المِهْر زار نخل، فقُطع وانتُهبَ (١)
منزله ؛ وكان ممن حبس بسببه قوْم من ولد عمرو بن اسفنديار، فماتوا فى ١٣٥٠/٣
الحبس ؛ فقال بعض الشعراء فی أحمد بن أبى دواد :
ما إِنْ تحوّلتَ من إيادٍ (٢). صِرْتَ عذاباً على العبادِ
(١) ف: ((ونهب)).
(٢) ا: ((أأن تحولت فى إياد)).

١٤٠
سنة ٢٣١
فارْفقْ بهذا الخلقِ يا إِبادِى
أَنتَ كما قلتَ مِن إِیادٍ
وفى هذه السنة أراد الواثق الحجّ، فاستعدّ له ، ووجّه عمر بن فرج إلى
الطريق لإصلاحه ، فرجع فأخبره بقلّة الماء فبدا له .
وحجّ بالناس فيها محمد بن داود بن عيسى .
وفيها ولى الواثق جعفر بن دينار اليمن ، فشخص إليها فى شعبان . وحجّ
هو وبُنا الكبير ، وعلى أحداث الموسم بُغا الكبير ؛ وكان شخوص جعفر إلى
اليمن فى أربعة آلاف فارس وألفى راجل وأعطى رزق ستة (١) أشهر.
وعقد محمد بن عبد الملك الزيات لإسحاق بن إبراهيم بن أبى خميصة
مولى بنى قُشير من أهل أضاخ فيها على اليمامة والبحرين وطريق مكة ، مما يلى
البصرة فى دار الخلافة؛ ولم يذكر أن أحداً عقد لأحد فى دار الخلافة إلاّ
الخليفة غير محمد بن عبد الملك الزّيات .
١٣٥١/٣
وفى هذه السنة نقب قوم من اللصوص بيت المال الذى فى دار العامّة فى
جوف القصر، وأخذوا اثنين وأربعين ألفًا من الدراهم (٢)؛ وشيئًا من الدنانير
يسيراً ، فأخذوا بعدُ وتتبع أخذهم يزيد الحلوانىّ ، صاحب الشرطة خليفة
إيتاخ .
وفيها خرج محمد بن عمرو الخارجی من بنی زید بن تغلب فى ثلاثة عشر
رجلا فى ديار ربيعة ، فخرج إليه غانم بن أبى مسلم بن حُميد الطوسىّ،
وكان على حرب الموصل فى مثل عدّته ، فقتل من الخوارج أربعة ، وأخذ محمد
ابن عمرو أسيراً فبعث به إلى سامراً ، فبعث به إلى مطبق بغداد، ونُّصبت
رءوس أصحابه وأعلامه عند خشبة بابك .
وفى هذه السنة قدم وصيف التركىّ من ناحية أصبهان والجبال وفارس ؛
وكان شخص فى طلب الأكراد، لأنهم قد كانوا تطرّقوا إلى هذه النواحى، وقدم
معه منهم بنحو من خمسمائة نفس ؛ فيهم غلمان صغار ، جمعهم فى قيود
(١) س: ((سبعة)).
(٢) س: ((ألف درهم)).