النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ سنة ٢٢٤ مضى الدرّى هرب الموكلون بالسجن ، وكسر أهل السجن أقيادهم، وخرجوا هاربين ، ولحق كلّ إنسان ببلده . واتّفق خروج أهل سارية الذين كانوا فى حبس المازيار وخروج هؤلاء الذين كانوا فى حبس الدرّىّ فى يوم واحد ، وذلك فى شعبان لثلاث عشرة ليلة خلت منه سنة خمس وعشرين ومائتين فى قول محمد بن حفص . وقال غيره: كان ذلك فى سنة أربع وعشرين ومائتين . وذكر عن داود بن قحذم أن محمد بن رستُم ، قال: لما التقى الدرّى ومحمد ١٣٠٠/٣ ابن إبراهيم بساحل البحر، بين الجبل والغَيْضة والبحر، والغَيْضة متصلة بالديلم، وكان الدرّى شجاعًا بطلاً، فكان(١) يحمل بنفسه على أصحاب محمد حتى يكشفهم ؛ ثم يحمل معارضةً من غير هزيمة ، يريد دخول الغَّيْضة ، شدّ عليه رجل من أصحاب محمد بن إبراهيم يقال له فند بن حاجبة، فأخذَه أسيراً واسترجع ، واتبع الجند أصحابه وأخذ جميع ما كان معه من الأثاث والمال والدواب والسلاح، فأمر محمد بن إبراهيم بقتل بزرجشنس أخى الدّرىّ، ودُعى بالدرّىّ فمدّ يده فقُطعت من مرفقه، ومدّت رجله فقطعت من الركبة ؛ وكذا باليد الأخرى والرّجل الأخرى، فقعد الدرّى على استه؛ ولم يتكلم ولم يتزعزع، فأمر بضرب عنقه. وظفر محمد بن إبراهيم بأصحاب الدرّى فحملهم مكبّلين . # وفى هذه السنة ولى جعفر بن دينار اليمن . وفيها تزوّج الحسن بن الأفشين أترنجة بنت أشناس ، ودخل بها فى .. العمرىّ ، قصر المعتصم فى جمادى الآخرة ، وأحضر عرسها عامة أهل سامرًا فحُدَّثَّت أنهم كانوا يغلفُون (٢) العامة فيها بالغالية (٣ فى تغار٣) من فضة، ١٣٠١/٣ وأن المعتصم كان يباشر بنفسه تفقّدَ من حضرها . وفيها امتنع عبد اللّه الوَرْثانىّ بِوَرْثان . (١) ف: ((وكان)). (٢) يغلفون : يطيبون، والغالية : نوع من الطيب. (٣) فى القاموس: ((التيغار: الإجانة))، ولعل التغار لغة فيه. ١٠٢ سنة ٢٢٤ [ ذكر الخبر عن خلاف منكجور الأشر وسنى" ] وفيها خالف مَنكجور الأشْرُوسنى قرابة الأفشين بأذْرَبيجان . * ذكر الخبر عن سبب خلافه : ◌ُذكر أنّ الأفشين عند فراغه من أمر بابك ومنصرفه من الجبال ولىّ أذْرَ بيجان - وكانت من عمله - واليه مَنكجورَ هذا، فأصاب فى قرية بابك فى بعض منازله مالا عظيماً ، فاحتجنه لنفسه ؛ ولم يعلم به الأفشين ولا المعتصم؛ وكان على البريد بأذْرَبيجان رجل من الشيعة يقال له عبد الله بن عبد الرحمن ؛ فكتب إلى المعتصم بخبر ذلك المال ، وكتب منكجور يكذب ذلك ؛ فوقعت المناظرة بين مَنْكَجور وعبد الله بن عبد الرحمن ؛ حتى همّ منكجور بقتل عبد الله بن عبد الرحمن ، فاستغاث عبد اللّه بأهل أردبيل ، فمنعوه مما أراد به مَنْكجور؛ وبلغ ذلك المعتصم ، فأمر الأفشين أن يوجّه رجلا من قبلهبعزل منکجور ،فوجه رجلاً من قُوّاده فی عسكر ضخم؛فلما بلغ مَتكجور ذلك ، خلع وجمع إليه الصعاليك، وخرج من أردبيل ، فرآه القائد فواقعه، فانهزم منكجُور، وصار إلى حصن من حصون أذْرَبيجان - التى كان بابك أخربها - حَصِينٍ فى جبل منيع ، فبناه وأصلحه، وتحصّن فيه ؛ فلم يلبث إلا أقلّ من شهر حتى وثب به أصحابه الذين كانوا معه فى الحصن ، فأسلموه ودفعوه إلى القائد الذى كان يحاربه؛ فقدم به إلى سامرًا(١)، فأمر المعتصم بحسبه ، فاتّهم الأفشين فى أمره . ١٣٠٢/٣ وقيل: إن القائد الذى وُجّه لحرب مَنْكجور هذا كان بُغا الكبير . وقيل : إنّ بغا لمّا لقى مسكجور خرج منكجور إليه بأمان . وفيها مات ياطس الرومىُّ، وصُلب بسامراً إلى جانب بابك. وفيها مات إبراهيم بن المهدىّ فى شهر رمضان وصلّى عليه المعتصم. وحج بالناس فی هذه السنة محمد بنداود . (١) !: ((سر من رأى)). ١٠٣ ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث فمن ذلك كان قدوم الوَرْثانىّ على المعتصم فى المحرّم بالأمان. وفيها قدم بُغا الكبير بمنكجور سامرًا . وفيها خرج المعتصم إلى السّنّ ، واستخلف أشناس . وفيها أجلس المعتصم أشناس على كرسىّ ، وتوجتَه ووشّحه فى شهر ربيع الأول . وفيها أحرِقٍ غنّام المرتّد . ١٣٠٣/٣ وفيها غضب المعتصم على جعفر بن دینار ، وذلك من أجل وُثوبه على مَنْ كان معه من الشاكريّة(١)، وحبسه عند أشناس خمسة عشر يومًا ، وعزّله عن اليمن ، وولاً ها إيتاخ ، ثم رضىّ عن جعفر وفيها عزل الأفشين عن الحرس ووليه إسحاق بن يحيى بن معاذ . وفيها وجّه عبد الله بن طاهر بمازيار، فخرج إسحاق بن إبراهيم إلى الدَّسكرة ؛ فأدخله سامرًا فى شوال ، وأمر بحمله على الفيل، فقال محمد بن عبد الملك الزيات : يحملُ جيلانَ خُرَاسانِ قد خُضِبَ الفِيلُ کعاداتِهِ إلا لِذِى شأنٍ من الشانِ والفيلُ لا تخضَبُ أَعضاؤهُ فأبى مازيار أن يركب الفيل، فأُدخيلَ على بغْل بإكاف، فجلس المعتصم فى دار العامة، لخمس ليال خلون من ذى القعدة، وأمر فجمع بينه وبين الأفشين ؛ وقد كان الأفشين حُبِس قبل ذلك بيوم ، فأقرّ المازيار أنّ (١) الشاكرية : الأجراء. ١٠٤ سنة ٢٢٥ الأفشين كان يكاتبه، ويصوّب له الخلاف والمعصية(١)، فأمر بردّ الأفشين إلى محبسه ، وأمر بضرب مازيار، فضرب أربعمائة سوط وخمسين سوطًا ، وطلب ماء فسُقِىَ، فمات من ساعته . [ ذكر الخبر عن غضب المعتصم على الأفشين وحبسه ] وفيها غضب المعتصم على الأفشين فحبسه . * ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وحبسه إياه : ذكر أن الأفشين كان أيّام حربه بابك ومُقامه بأرض الحرّميّة؛ لا يأتيه ١٣٠٤/٣ هدية من أهل إرمينيَة إلا وجه بها إلى أشْر وسَنَة، فيجتاز ذلك بعبد الله بن طاهر ، فيكتب عبد الله إلى المعتصم بخبره ؛ فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمر بتعريف جميع ما يوجِّه به الأفشين من الهدايا إلى أشْر وسنة؛ ففعل عبد الله بذلك ؛ وكان الأفشين كلّما تهيّأ عنده مال حمّله أوساط أصحابه من الدنانير والهمايين بقدْر طاقتهم ؛ كان الرجل يحمل من الألف فما فوقه من الدنانير فى وسطه ؛ فأخبير عبد الله بذلك ؛ فبينا هو فى يوم من الأيام ، وقد نزل رُسل الأفشين معهم الهدايا نيسابوروجه إليهم عبد الله بن طاهر ، وأخذهم ففتّشهم ، فوجد فى أوساطهم همايين ، فأخذها منهم ، وقال لهم : مِن أين لكم هذا المال ؟ فقالوا : هذه هدايا الأفشين؛ وهذه أمواله . فقال : كذبتم؛ لو أراد أخى الأفشين أن يرسل بمثل هذه الأموال لكتب إلىّ يُعلمنى ذلك لآمر بحراسته وبَذْرَقتِه (٢)؛ لأن هذا مال عظيم ؛ وإنما أنتم لصوص. فأخذ عبد الله بن طاهر المال، وأعطاه الجند قبله، وكتب إلى الأفشين يذكر له ما قال القوم، وقال : أنا أنكر أن تكون وجّهت بمثل هذا المال إلى أشْر وسنة، ولم تكتب إلىّ تعلمنى لأبَذْرقه ؛ فإن كان هذا المال ليس لك فقد أعطيته الجند مكان المال الذى يوجهه إلىّ أمير المؤمنين فى كلّ سنة، وإن كان المال لك - كما زعم القوم . فإذا جاء المال من قِبَل أمير المؤمنين رددته إليك؛ ١٣٠٥/٣ وإن يكن غير ذلك(٣) فأمير المؤمنين أحق" بهذا المال؛ وإنما دفعته إلى الجند (١) س: ((فى المعصية)). (٣) ف: ((هكذا)). (٢) البذرقة : الخفارة . ١٠٥ سنة ٢٢٥ لأنى أريد أن أوجههم إلى بلاد الترك . فكتب إليه الأفشين يعلمه أن مالتَه ومال أمير المؤمنين واحد ، ويسأله إطلاق القوم ليمضوا إلى أشر وسنة؛ فأطلقهم عبدُ اللّه بن طاهر ، فمضوا ؛ فكان ذلك سبب الوحشة بين عبد الله بن طاهر وبين الأفشين . ثم جعل عبد اللّه يتْتَبَّعَ عليه، وكان الأفشين يسمع أحيانًا من المعتصم كلامًا يدلّ على أنه يريد أن يعزل آل طاهر عن خراسان، فطميع الأفشين فى ولايتها ، فجعل يكاتب مازيار، ويبعثه على الخلاف، ويضمَن له القيام بالدّفْع عنه عند السلطان؛ ظنًّا منه أن مازيار إن خالف احتاج المعتصم إلى أن يوجّهه لمحاربته، ويعزل عبد الله بن طاهر ويولّيه خراسان ؛ فكان من أمر مازیار ما قد مضى ذكره . وكان من أمر منكجور بأذْرَبيجان ما قد وصفنا قبل. فتحقّق عند المعتصم-بما كان من أمر الأفشین ومکاتبته مازیار بما کانیکاتبه به- ما كان اتهمه به من أمر مَنكجور ؛ وأنّ ذلك كان عن رأى الأفشين وأمْرِه إياه به ، فتغيّر المعتصم للأفشين لذلك ؛ وأحسّ الأفشين بذلك ، وعلم تغيَّر حاله عنده، فلم يَدْر ما يصنع، فعزم - فيما ذكر - على أن يهيئ أطوافًا فى قصره ، ويحتال فى يوم شغل المعتصم وقوّاده أن يأخذ طريق الموصل ، ويعبر الزاب على تلك الأطواف؛ حتى يصير إلى بلاد أرمينية، ثم إلى بلاد الخزر، فعسر ذلك عليه، فهيأ سمًّاً كثيراً، وعزم على أن يعمل طعامًا ويدعو المعتصم وقُوّاده فيسقيهم(١)؛ فإن لم يجبه المعتصم استأذنه فى قوّاد الأتراك، مثل أشناس وإيتاخ وغيرهم فى يوم تشاغل أمير المؤمنين، فإذا صاروا إليه أطعمهم وسقاهم وسمّهم ؛ فإذا انصرفوا من عنده خرج من أوّل الليل ، وحمل تلك الأطواف والآلة التى يعبرُ بها على ظهور الدواب حتى يجىء إلى الزّاب فيعبر بأثقاله على الأطراف، ويعبُر الدوابُ سباحةً كما أمكنه ، ثم يرسل الأطراف حتى يعبُر فى دجْلة، ويدخل هو بلاد أرمينية ؛ وكانت ولاية أرمينية إليه، ثم ١٣٠٦/٣ (١) ف: ((فيطعمهم)). ١٠٦ سنة ٢٢٥ يصير هو إلى بلاد الخزر مستأمناً، ثم يدور من بلاد الخزر إلى بلاد الترك ، ويرجع من بلاد الترك إلى بلاد أشْرُ وسنة، ثم يستميل الخزر على أهل الإسلام؛ فكان فى تهيئة ذلك ، وطال به الأمر فلم يمكنه ذلك . ١٣٠٧/٣ وكان قوّاد الأفشين ينوبون فى دار أمير المؤمنين كما ينوبُ القوّاد ؛ فكان واجن الأشْرُوسنىّ قد جرى بينه وبين من قد اطلع على أمر الأفشين حديث ؛ فذكر له واجن أنّ هذا الأمر لا أراه يمكن ولا يتمّ؛ فذهب ذلك الرجل الذى سمع قول واجن ، فحكاه للأفشين. وسمع بعض من يميل إلى واجن من خدم الأفشين وخاصّته ما قال الأفشين فى واجن ، فلما انصرف واجن من النوبة فى بعض الليل أتاه فأخبره أنْ (١) قد أُلْفِىَ ذلك إلى الأفشين، فحذر (٢) واجن على نفسه ، فر کب من ساعته فى جوف الليل حتى أتى دار أمير المؤمنين ؛ وقد نام المعتصم؛ فصار(٣) إلى إيتاخ، فقال: إن لأمير المؤمنين عندى نصيحة، فقال له إيتاخ : أليس الساعة كنتَ ها هنا! قد نام أمير المؤمنين . فقال له واجن : ليس يمكننى أن أصبر إلى غد ، فدقّ إيتاخ الباب على بعض من يُعلم المعتصم بالذى قال واجن، فقال المعتصم: قل له ينصرف الليلة إلى منزله، ويبكّر علىّ فى غد. فقال واجن: إن انصرفت الليلة ذهبت نفسى ، فأرسل المعتصم إلى إيتاخ: بيّتْه الليلة عندك. فبيته إيتاخ عنده ؛ فلما أصبح بكَّرِ به مع صلاة الغداة ، فأوصله إلى المعتصم، فأخبره بجميع ما كان عنده ؛ فدعا المعتصم محمد بن حماد بن دَنْقَش الكاتب، فوجّهه يدعو الأفشين، فجاء الأفشين فى سواد ، فأمر المعتصم بأخذ سواده ، وحبسه ، فحبس فى الجوسق ؛ ثم بنى له حبساً مرتفعاً، وسّاه لؤلؤة داخل الجوسيق، وهو يعرف إلى الآن بالأفشين. وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر فى الاحتيال للحسن بن الأفشين ١٢٠٨/٣ ۔۔وکانالحسن قد کثرت کتبه إلیعبد اللهبن طاهر فی نوح بن أسد - يعلمهتحامله على ضياعه وناحيته ، فكتب عبد الله بن طاهر إلى نوح بن أسد يعلمه ما كتب به أمير المؤمنين فى أمره، ويأمره بجمع أصحابه والتأهّب له؛ فإذا قدم عليه الحسن ابن الأفشين بكتاب ولايته استوثّق منه، وحمله إليه . فكتب عبد الله بن طاهر (٣) ف: ((فصاح)). (٢) س: ((فحذروا)). (١) !، س: ((أنه)). ١٠٧ سنة ٢٢٥ إلى الحسن بن الأفشين يُعلمه أنه عزل نوح بن أسد، وأنه قد ولاه الناحية، ووجّه إلیه بکتاب عزل نوح بن أسد . فخرج الحسن بن الأنشین فی قلّة من أصحابه وسلاحه؛حتى ورد على نوح بن أسد، وهو يظنّ أنه والى الناحية، فأخذه نوح بن أسد، وشدّه وثاقاً. ووجّه به إلى عبد الله بن طاهر، فوجه به عبد اللّه إلى المعتصم . وكان الحبس الذى بُنِى للأفشين شبيهًا بالمنارة ، وجعل فى وسطها مقدار مجلسه ؛ وكان الرجال ينوبون تحتها كما تدور . وذُكِرٍ عن هارون بن عيسى بن المنصور، أنه قال: شهدت دار المعتصم وفيها أحمد بن أبى دُواد وإسحاق بن إبراهيم بن مصعب ومحمد بن عبد الملك الزيات، فأتىَ بالأفشين ولم يكن بعد فى الحبس الشديد ، فأحضر قوم من الوجوه لتبكيت الأفشين بما هو عليه ، ولم يترك فى الدار أحدٌ من أصحاب المراتب إلا ولد المنصور ، وصُعرف الناس . وكان المناظر له محمّد بن عبدالملك الزيات، وكان الذين أحضرُوا المازيار صاحب طبرستان والمؤْبذ والمرزبان بن تركش -وهو أحد ملوك السُّغد- ورجلان من أهل السُّغد ؛ فدعا محمد بن عبد الملك بالرَّجُلين، وعليهما ثياب رثة ، فقال لهما محمد بن عبد الملك : ما شأنكما ؟ فكشفا عن ظهورها وهى عارية من اللَّحْم، فقال له محمد: تعرف هذين ؟ قال : نعم ؛ هذا مؤذن ، وهذا إمام، بنيا مسجداً بأشْر وسنة، فضربتُ(١) كلَّ واحد منهما ألّف سوط ؛ وذلك أن بينى وبين ملوك السُّغد عهداً وشرطًا ، أن أترك كلَّ قوم على دينهم وما هم عليه ؛ فوثب هذان على بيت كان فيه أصنامهم - يعنى أهل أشر وسنة . فأخرجا الأصنام، واتخذاه مسجداً، فضربتهما على هذا ألفاً ألفاً لتعدّيهما، ومنعهما القوم من بيعتهم(٢). فقال له محمد: ما كتاب عندك قد زيَّشْتَه. بالذهب والجواهر والديباج ، فيه الكفر بالله؟ قال : هذا كتاب ورثْتُه عن أبى ، فيه أدب من آداب العجم؛ وما ذكرت من الكفر ؛ فكنت أستمتع منه بالأدب (٣)، وأترك ما سوى ذلك، ووجدتُه محلى، فلم تضطرفى الحاجة إلى ١٣٠٩/٣ (١) ف: ((فضرب)). (٣) ف: ((أستمع منه الأدب)). (٢) ا: ((بيتهم)). ١٠٨ سنة ٢٢٥ أخذ الحلية منه؛ فتركته على حاله؛ ككتاب كليلة ودمنة وكتاب مَزْدَك فى منزلك ؛ فما ظننت أن هذا يخرج من الإسلام . ١٣١٠/٣ قال : ثم تقدم الموبذ ، فقال : إن هذا كان يأكل المخنوقة ، ويحملنى على أكلها ، ويزعم أنها أرطب لحماً من المذبوحة ؛ وكان يقتل شاة سوداء كلّ" يوم أربعاء (١) ، يضرب وسطها بالسَّيف يمشى بين نصفيها ويأكل لحمها . وقال لى يوماً : إنى قد دخلت لهؤلاء القوم فى كلّ شيء أكرهه ؛ حتى أكلتُ لهم الزيت وركبت الجمل(٢)، ولَبِسْت النعل؛ غير أنى إلى هذه الغاية لم تسقط عنى شعرة - يعنى لم يَطَّلِ (٣) ولم يختتن. فقال الأفشين: خَبر ونى عن هذا الذى يتكلم بهذا الكلام، ثقةٌ هو فى دينه؟ -وكان الموبذ مجوسیًا أسلم بعد علىيد المتوكل ونادمهقالوا : لا،قال: فما معنى قبولكم شهادة (٤) مَنْ لا تثقون به ولا تعدّاونه! ثم أقبل على الموبذ، فقال: هل كان بين منزلى ومنزلك باب أو كوّة تطلع علىّ منها وتعرف (٥) أخبارى منها ؟ قال : لا ، قال : أفليس كنت أدخلك إلىّ وأبثك سرى وأخبرك بالأعجمية وميلى إليها وإلى أهلها ؟ قال : نعم، قال : فلستَ بالثقة فى دينك ولا بالكريم فى عهدك؛ إذا أفشيت علىّ سرًّا أسررتُه إليك. ثم تنحى الموبذ ، وتقدّم المرزبان بن تركش ، فقالوا الأفشين : هل تعرف هذا ؟ قال : لا ، فقيل للمرزبان : هل تعرف هذا ؟ قال : نعم ، هذا الأفشين، قالوا له : هذا المرزبان، فقال له المرزبان: يأُمَخْرق ، كم تدافع وتموّه! قال له الأفشين : يا طويل اللحية ، ما تقول ؟ قال : كيف يكتب إليك أهل مملكتك ؟ قال : كما كانوا يكتبون إلى أبى وجدى . قال : فقل ، قال : لا أقول ، فقال المرزبان : أليس يكتبون. إليك بكذا وكذا ١٣١١/٣ بالأشروسنية؟ قال: بلى، قال: أفليس تفسيره بالعربية ((إلى إله الآلهة من (١) س: ((أربعة)). (٣) س: ابن الأثير: ((أخذ شعر العانة)). (٥) س: ((أو تعرف)). (٢) س: ((لهم الخيل)). (٤) ف: ((شهادته)). ١٠٩ سنة ٢٢٥ عبده فلان بن فلان))، قال : بلى! قال محمد بن عبد الملك: والمسلمون يحتملون أن يقال لهم هذا!فما بقّت لفرعون حين قال لقومه: ﴿أنا رَبَّكُمُ الْأعْلَى﴾(١)! قال : كانت هذه عادة القوم لأبى وجدّى ، ولى قبل أن أدخل فى الإسلام ، فكرهت أن أضع نفسى دونهم فتفسد علىّ طاعتهم . فقال له إسحاق بن إبراهيم بن مصعب: ويحك يا خيذر (٢)! كيف تحلف بالله لنا فنصدّقك ونصدق يمينك ونُجريك مجرى المسلمين ، وأنت تدّعى ما ادّعى فرعون ! قال : يا أبا الحسين ؛ هذه سورة قرأها عنجيف على علىّ بن هشام ، وأنت تقرؤها علىّ ، فانظر غداً من يقرؤها عليك ! قال : ثم قدِّم مازيار صاحب طبرستان، فقالوا الأفشين: تعرف هذا ؟ قال : لا ، قالوا للمازيار : تعرف هذا ؟ قال : نعم ، هذا الأفشين ، فقالوا له : هذا المازيار ؟ قال : نعم، قد عرفتُه الآن ، قالوا : هل كاتبته ؟ قال : لا ، قالوا للمازيار : هل كتب إليك ؟ قال: نعم ، كتب أخوه خاش إلى أخى قوهيار ؛ أنه لم يكن ينصر هذا الدّين الأبيض غيرى وغيرُك وغير بابك؛ فأما بابك فإنه بحمْقه قتيلُ نفسِهِ، ولقد جهدت أن أصرف عنه الموت (٣) فأبى حمقه (٤) إلا أن دلاه فيما وقع فيه، فإن خالفت لم يكن للقوم مَنْ يرسُونك به غيرى ومعى الفرسان وأهل النجدة والبأس ؛ فإن وجهت إليه لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة : العرب، والمغاربة ، والأتراك، والعربىّ بمنزلة الكلب اطرَحْ له كسرة ثم اضرب رأسه بالدّبوس؛ وهؤلاء الذّباب - يعنى المغاربة - إنما هم أكتلة رأس ، وأولاد الشياطين - يعنى الأتراك - فإنما هى ساعة حتى تنفذ سهامُهم ، ثم تجول الخيل عليهم جولة فتأتى على آخرهم ؛ ويعود الدين إلى ما لم يزل عليه أيام العجم . فقال الأفشين : هذا يدّعى على أخيه وأخى(٥) دعوى لا تجب علىّ، ولو كنت كتبت بهذا الكتاب إليه لأستميله إلىّ ويثق بناحيتى كان غير مستنكّر ؛ لأنى إذا نصرتُ الخليفة بيدى ، كنتُ بالحيلة أحرى أن أنصره لآخذ بقفاه ، وآتى به الخليفة لأحظى به عنده، كما حظىَ ١٣١٢/٣ (١) سورة النازعات ٢٤ . (٣) س: ((الموت عنه)). (٥) ف: ((علىّ وعلى أخيه)). (٢) ط: ((حيدر)) . (٤) ابن الأثير: ((لحمقه)). ١١٠ سنة ٢٢٥ به عبد الله بنُ طاهر عند الخليفة . ثم نحتى المازيار. ولما قال الأفشين للمرزبان التركَشىّ ما قال، وقال لإسحاق بن إبراهيم ما قال ، زجر ابن أبى دواد الأفشين ، فقال له الأفشين : أنت يا أبا عبد الله ترفع طيلسانك بيدك ، فلا تضعه على عاتقك حتى تقتل به جماعة ، فقال له ابن أبى دواد: أمطهّر أنت ؟ قال: لا ، قال : فما منعك من ذلك ، وبه تمام الإسلام ، والطهور من النجاسة ! قال : أوَ ليس فى دين الإسلام استعمال التقيّة ؟ قال: بلى ، قال : خفت أن أقطع ذلك العضو من جسدى فأموت ، قال: أنت (١) تطعن بالرمح، وتضرب بالسيف ، فلا يمنعك ذلك من أن تكون فى الحرب وتجزع (٢) من قطع قتلفة! قال: تلك ضرورة تعنینی فأصبر عليها إذا وقعتْ؛ وهذا شىء أستجلبه فلا آمنُ معه خروج نفسى، ولم أعلم أن فی تر کها الخروج من الإسلام ، فقال ابن أبىدواد: قد بان لكم أمره يابغا - لبغا الكبير أبى موسى التر کیّ - عليك به ! قال : فضرب بيده بغا على منطقته فجذ بها، فقال قد كنت أتوقع هذا منكم قبل اليوم ، فقلَب بغا ذَيْل القباء على رأسه، ثم أخذ بمجامع القَباء من عند عنقه ، ثم أخرجه من باب الوزيرىّ إلى محبسه . وفى هذه السنة حمل عبد الله بن طاهر الحسن بن الأفشين وأترنجة بنت أشناس إلى سامراً . ٠ ٠ ٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن داود . (١) ف: ((أن تطعن)). (٢) ف: ((وتفزع)). ١٣١٣/٣ ١١١ ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ٠ ٠ [ خبر وثوب على"بن إسحاق برجاء بن أبى الضحاك ] فمن ذلك ما كان فيها من وثوب علىّ بن إسحاق بن يحيى بن معاذ - وكان على المعُونة بدمشق من قبل صول أرتكين -برجاء بن أبى الضحاك ؛ وكان على الخراج، فقتله، وأظهر الوسواس ، ثم تكلم أحمد بن أبى دواد فيه ، فأطلِقٍ من محبسه ؛ فكان الحسن بن رجاء يلْقاه فى طريق سامرًا ، فقال البحترىّ الطائىّ : ١٣١٤/٣ على غرَائِبِ تِيدٍ كنَّ فى الحسَنِ (١) عَفًا علىُّ بن إسحاق بفتگَتِهِ لم تُبق فيه سوى التسليم للزمن أَنْسَتْهُ تَنْقِيعَهُ فى اللفظ. نازلةُ أَخی کلیبٍ ولا سیفٍ بن ذى يزنِ فلم یکن کابنٍ حُجْرٍ حین ثار ولا تلك المكارمُ لا فَعْبانِ من لَبنٍ ولم يُقَلْ لك فى وِترٍ طلبتَ به وفيها مات محمد بن عبدالله بن طاهر بن الحسين ، فصلّى عليه المعتصم فی دار محمد . * [ ذكر الخبر عن موت الأفشين ] وفيها مات الأفشين. · ذکر الخبر عن موته وما فُعل به عند موته وبعدہ : ذكر عن حمدون بن إسماعيل ، أنه قال : لما جاءت الفاكهة الحديثة ، جمع المعتصم من الفواكه الحديثة فى طَبق ، وقال لابنه هارون الوائق : اذهب (١) ديوانه ٢ : ٣٠٣. ١١٢ سنة ٢٢٦ بهذه الفاكهة بنفسك إلى الأفشين، فأدخلها إليه . فحملت مع هارون الواثق ١٣١٥/٣ حتى صعد بها إليه فى البناء الذى بُنى له الذى يسمى لؤلؤة ؛ فحُبِس فيه ؛ فنظر إليه الأفشين، فافتقدبعض الفاكهة؛ (١ إما الإجاص وإما الشاهلوج؛ فقال للواثق١) : لا إله إلا الله ، ما أحسنه من طبق ، ولكن ليس لى فيه إجاص ولا شاهلوج! فقال له الواثق: هو ذا (٢)، انصرف أوجَّه به إليك (٣)، ولم يمسّ من الفاكهة شيئاً؛ فلما أراد الواثق الانصراف قال له الأفشين : أقرئ سيدى السلام ، وقل له : أسألك أن توجه إلىّ ثقة من قبلك يؤدى عنى ما أقول، فأمر المعتصم حمدون بن إسماعيل - و کان حمدون فی أیام المتو کل فی حبس سليمان بن وهب فى حبس الأفشين هذا ؛ فحدّث بهذا الحديث وهو فيه : قال حمدون: فبعث بى المعتصم إلى الأفشين، فقال لى: إنه سيُطَوّلُ عليك فلا تحتبس . قال : فدخلت عليه، وطبق الفاكهة بين يديه لم يمسّ منه واحدةً فما فوقها ، فقال لى : اجلس ، فجلست فاستمالى بالدهقنة ، فقلت : لا تُطوّل؛ فإن أمير المؤمنين قد تقدم إلىّ ألاّ أحتبس عندك، فأوجز. فقال: قل لأمير المؤمنين ؛ أحسنتَ إلىّ وشرّفتسَنى، وأوطأت الرّجال عقبى، ثم قبلْتَ(٤) فىّ كلاماً لم يتحقّق عندك؛ ولم تتدّبرْه بعقلك ؛ كيف يكون هذا ، وكيف يجوز لى أن أفعل هذا الذى بلغك ! تخبّر بأنى دَسستُ إلى مستكجور أن يخرج، وتقبله، وتخبر أنى قلتللقائد الذى وجهته إلى منكجور : لا تحاربه ، واعْذِرْ، وإن أحسست بأحد منا فانهزم من بين يديه ؛ أنت ١٣١٦/٣ رجل قد عرفتَ الحرب، وحاربت الرجال، وسُسْتَ العساكر (٥)؛ هذا يمكن رأس عسكر يقول الجند يلقون قومًا : افعلوا كذا وكذا؛ هذا ما لا يسوغ لأحد أن يفعله ؛ ولو كان هذا يمكن ما كان ينبغى أن تقبله من عدوّ قد عرفت سببه ؛ وأنت أوْلى بى، إنما أنا عبد من عبيدك، وصنيعك(٦)؛ ولكن مثلِى ومثلك يا أمير المؤمنينمثل رجل ربّی عجلا له حتى أسمنه وکسبیر ، وحسنت (١-١) ف: ((فقال: ما أرى فيه إجاص ولا شاهلوج، فقال الواثق)). (٣) ف: ((فأوجه لك)). (٢) ف: ((هو هذا)). (٥) فى: ((ودبرت العساكر دستها)). (٤) ف: ((سمعت)). (٦) ف: ((وصنيعتك)). ١١٣ سنة ٢٢٦ حالُه، وكان له أصحاب اشتهوا أن يأكلوا من لحمه، فعرّضوا له بذبح العجثل فلم يجبهم إلى ذلك ، فاتفقوا جميعًا على أن قالوا له ذات يوم : ويحك ! لمَ تُربِّى هذا الأسد؟ هذا سبُعٌ، وقد كبر، والسَّبُع إذا كبر يرجع إلى جنسه! فقال لهم: ويحك هذا عجل بقر، ما هو سبع ، فقالوا : هذا سبع ؛ سلْ مَنْ شئت عنه؛ وقد تقدموا إلى جميع من يعرفونه، فقالوا له : إن سألكم عن العيجْل ، فقولوا له : هذا سبع؛ فكلما سأل الرّجل إنسانًا عنه، وقال له : أما ترى هذا العِجْل ما أحسنه! قال الآخر : هذا سبع؛ هذا أسد، ويحك ! فأمر بالعجل فذُبح ؛ ولكنى أنا ذلك العِجْل ، كيف أقدر أنْ أكون أسداً! الله الله فى أمرى؛ اصطنعتنى وشرّفتَتِى وأنت سيدى ومولای، أسأل الله أن يعطف (١) بقلبك علىّ . قال حمدون : فقمت فانصرفت، وتركت الطَّبّق على حاله لم يمسّ منه شيئًا ، ثم ما لبثنا إلا قليلا ؛ حتى قيل : إنه يموت أو قدمات؛ فقال المعتصم: أروه ابنه، فأخرجوه فطرحوه بين يديه ، فنتف لحيته وشعرَه ، ثم أمر به فحمل إلى منزل إيتاخ . ١٣١٧/٣ قال : وكان أحمد بن أبى دواد دعا به فى دار العامة من الحبس ، فقال له : قد بلغ أمير المؤمنين أنك يا خيدر (٢)، أقلف، قال: نعم ، وإنما أراد ابن أبى دواد أن يشهد عليه؛ فإن تكشّف نُسب إلى الخرّع؛ وإن لم يتكشف صحّ عليه أنه أقلف، فقال : نعم ، أنا أقلف ؛ وحضر الدار ذلك اليوم جميع القوّاد والناس ؛ وكان ابن أبى دواد أخرجه إلى دار العامة قبل مصير الواثق إليه بالفاكهة ، وقبل مصير حمدون بن إسماعيل إليه . قال حمدون : فقلت له : أنت أقلف كما زعمت ؟ فقال الأفشين : أخرجنى إلى مثل ذلك الموضع، وجميع القواد والناس قد اجتمعوا ، فقال لى ما قال؛ وإنما أراد أن يفضحنى؛ إن قلت له: نعم (٣) لم يقبل قولى، وقالَ لى: تكشّف، فيفضحنى بين الناس؛ فالموت كان أحبّ إلىّ من أن أتكشّف (١) ف)): ((قلبك)). (٣) !: ((إن قلت له: لا)). (٢) ط: ((حيدر)). ١١٤ سنة ٢٢٦ بين أيدى الناس ؛ ولكن يا حمدون إن أحببت أن أتكشّف بين يديك حتى ترانى فعلتُ؛ قال حمدون : فقلت له: أنت عندى صدُوق؛ وما أريد أن تكشّف . فلما انصرف حمدون فأبلغ المعتصم رسالته، أمر بمنع الطعام منه إلاّ القليل ؛ فكان يدفع إليه فى كلّ يوم رغيف حتى مات؛ فلما ذهِب به ١٣١٨/٣ بعد موته إلى دار إيتاخ، أخرجوه فصلَبُوه على باب العامة ليراه الناس ، ثم طُرِح بباب (١) العامة مع خشبته؛ فأحرِق وحُميل الرّماد، وطرح (٢) فى دِجْلة . وكان المعتصم حين أمر بحبسه وجّه سليمان بن وهب الكاتب يحصى جميع ما فى دار الأفشين ويكتُبه فى ليلة (٣) من الليالى، وقصر الأفشين بالمطيرة ، فوجد فى داره بيت فيه تمثال إنسان من خشب، عليه حلية كثيرة وجوهر ، وفى أذنيه حجران أبيضان مشتبكان ؛ عليهما ذهب ، فأخذ بعض مَنْ كان مع سليمان أحد الحجرين ؛ وظنّ أنه جوهر له قيمة ؛ وكان ذلك ليلاً ؛ فلما أصبح ونزع عنه شباك الذَّهب، وجده حجراً شبيهًا بالصَّدَف الذى يسمى الحبرون ، من جنس الصَّدَف الذى يقال له البوق ، من صدف أخرج من منزله صُوَرَ السماجة وغيرها وأصنام وغير ذلك ، والأطواف والخشب التى كان أعدّها؛ وكان له متاع بالوزيريّة، فوُجد فيه أيضًا صنم آخر، ووجدوا فى كتبه كتابًا من كتب المجوس يقال له زراوه وأشياء كثيرة من الكُتب؛ فيها دیانته التی کان یدین بها ربه . وكان موت الأفشين فى شعبان من سنة ست وعشرين ومائتين . ٠ ٠٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن داود بأمر أشناس؛ وكان أشناس. حاجاً فى هذه السنة، فولى كل بلدة يدخلها فدُعى له على جميع المنابر التى (١) ف: ((على باب)). (٢) ف: ((فطرح)). (٣) ف: ((ويكتبه ليلة)). 0 : ١١٥ سنة ٢٢٦ مرّ بها من سامرًا إلى مكة والمدينة . وكان الذى دعا له على منبر الكوفة محمد بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى ، وعلى منبر فَيْد هارون بن محمد بن أبى خالد المرورُوذىّ، وعلى منبر ١٣١٩/٣ المدینة محمد بن أيوب بن جعفر بن سلیمان ، وعلى منبر مکة محمد بن داود بن عيسى بن موسى، وسُلّم عليه فى هذه الكُور كلها بالإمارة ، وكانت له ولايتها إلى أن رجع إلى سامرًا . ١١٦ ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين ذ کر الخبر عما کان فيها من الأحداث ٠ [ ذکر خبر خروج أبی حرب البرقع ] فمن ذلك ما كان من خروج أبى حرب المُبَّرَقع اليمانىّ بفلسطين وخلافه على السلطان . * ذكر الخبر عن سبب خروجه وما آل إليه أمره : ذَكَرلى بعض أصحابى ممن ذكر (١) أنه خبير بأمره، أنّ سبب خروجه على السلطان كان أنّ بعض الجند أراد النزول فى داره وهو غائب عنها ، وفيها إما زوجته وإما أخته ، فمانعتْه ذلك ؛ فضربها بسوط كان معه ؛ فاتّقته بذراعها، فأصاب السوط ذراعها ، فأثّرفيها ؛ فلما رجعأبو حرب إلى منزله بكت وشكت إليه ما فعل بها ، وأرته الأثر الذى بذراعها من ضَرْبه؛ فأخذ أبو حرب سيفه ومشى إلى الجندىّ وهو غارّ ؛ فضربه به حتى قتله ؛ ثم هرب وألبس وجهه برقعاً كى لا يعرف ، فصار إلى جبل من جبال الأردن ؛ فطلبه السلطان فلم يُعرف له خبر ؛ وكان أبو حرب يظهر بالنهار فيقعد(٢) على الجبل الذى أوى إليه متبرقعًا ؛ فيراه الرائى فيأتيه ، فيذكره ويحرّضه على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ويذكر السلطان وما يأتى إلى الناس ويعيبه ؛ فما زال ذلك دأبه حتى استجاب له قوم من حرّائى أهل تلك الناحية وأهل القرى ؛ وكان يزعم أنه أموى ، فقال الذين استجابوا له : هذا هو السفيانيّ ؛ فلما كثرت غاشيته وتبّاعه من هذه الطبقة من الناس ، دعا أهل البُيوتات من أهل تلك الناحية ؛ فاستجاب له منهم جماعة من رؤساء اليمانية؛ منهم رجل يقال له ابن بَيْهس، كان مطاعاً فى أهل اليمن ورجلان آخران من أهل دمشق ، فاتتصل الخبر ١٣٢٠/٣ (١) س: ((ذكرنا)) (٢) س: ((فيصعد)). ١١٧ سنة ٢٢٧ بالمعتصم وهو عليل ؛ علَّته التى مات فيها ؛ فبعث إليه رجاء بن أيوب الحضارىّ فى زُهاء ألف من الجند ؛ فلما صار رجاء إليه وجده فى عالم من الناس . فذكر الذى أخبرنى بقصته أنه كان فى زُهاء مائة ألف ؛ فكره رجاء مواقعته وعسكر بحذائه ، وطاوله ؛ حتى كان أوّل عمارة الناس الأرضين وحيراثتهم ، وانصرف مَنْ كان من الحرّاثين مع أبى حرب إلى الحراثة وأرباب الأرضين إلى أرضيهم(١)، وبقى أبوحرب فى نفر زُهاء ألفٍ أو ألفين؛ ناجزه رجاء الحرب ، فالتقى العسكران : عسكر رجاء وعسكر المبرقع ؛ فلما التقوا تأمل رجاء عسكر المبرقع ، فقال لأصحابه : ما أرى فى (٢) عسكره رجلاً له فروسية غيره، وإنه سيُظهر لأصحابه من نفسه بعض ما عنده من الرُّجلة (٣)؛ فلا تعجلوا عليه . قال : وكان الأمر كما قال رجاء ؛ فما لبث المبرقتَع أن حمل على عسكر رجاء، فقال رجاء لأصحابه: أفرجوا له؛ فأفرجوا له؛ حتى جاوزهم ثم كرّ راجعًا، فأمر رجاء أصحابه أن يُفرجوا له ، فأفرجوا له حتى جاوزهم، ورجع إلى عسكر نفسه ؛ ثم أمهل رجاء ، وقال لأصحابه : إنه سيحمل عليكم مرّة أخرى ، فأفرجوا له؛ فإذا أراد الرجوع فحولوا بينه وبين ذلك، وخُذُوه . ففعل المبرقع ذلك ، فحمل على أصحاب رجاء ، فأفرجوا له حتى جاوزهم ، ثمّ كرّ راجعًا فأحاطوا به ؛ فأخذوه فأنزلوه عن دابته . ١٣٢١/٣ قال : وقد كان قدم على رجاء حين ترك معاجلة المبرقَع الحرب من قِبل المعتصم مستحثُّ ، فأخذ الرسول فقیّده إلى أن كان من أمره ، وأمر أبى حرب ما كان مما ذكرنا ، ثم أطلقه . قال : فلما كان يوم قدوم رجاء بأبى حرب على المعتصم، عزله المعتصم على ما فعل برسوله ، فقال له رجاء : يا أمير المؤمنين ؛ جعلنى الله فداك ! وجّهتَنى فى ألف إلى مائة ألف؛ فكرهت أن أعاجله فأهليك ويهلك مَنْ معى، ولا نغنى شيئًاً؛ فتمهّلت حتى خفَّ مَنْ معه ، ووجدت فرصة ، (١) ف: ((وأرباب الأرض إلى أرضهم)). (٣) الرجلة: القوة والشجاعة، وفى ١: ((الرجالة)). (٢) ف: ((من عسكره)). ١١٨ سنة ٢٢٧ ورأيت لحربه وجهًا وقياماً؛ فناهضته وقد خفَّ مَنْ معه وهو فى ضعف ؛ ونحن فى قُوّة ، وقد جئتك بالرجل أسيراً . ١٣٢٢/٣ قال أبو جعفر : وأما غير من ذكرت أنه حدثنى حديث أبى حرب على ما وصفت ؛ فإنه زعم أن خروجه إنما كان فى سنة ست وعشرين ومائتين بالرّملة، فقالوا : إنه سفيانيّ، فصار فى خمسين ألفًا من أهل اليمن وغيرهم ، واعتقد ابن بيهس وآخران معه من أهل دمشق ، فوجّه إليهم ، المعتصم رجاء الحضارىّ فى جماعة كبيرة ، فواقعهم بدمشق ؛ فقتل من أصحاب ابن بيهس وصاحبيه نحواً من خمسة آلاف ؛ وأخذ ابن بيهس أسيراً ، وقتل صاحبيه ، وواقع أبا حَرْب بالرّملة، فقتل من أصحابه نحوًا من عشرين ألفًا ، وأسرأبا حرب، فحميل إلى سامرًا ، فجعل وابن بيهس فى المطبق . ... وفى هذه السنة أظهر جعفر بن مهرجش الكردىّ الخلاف ، فبعث إليه المعتصم فى المحرّم إيتاخ إلى جبال الموصل لحربه ، فوثب بيجعفر بعض أصحابه فقتله .. وفيها كانت وفاة بشر بن الحارث الحافى فى شهر ربيع الأول وأصله من مرْو # # [ ذكر الخبر عن وفاة المعتصم والعلّة التى مات بها] وفيها كانت وفاة المعتصم وذلك - فيما ذكر - يوم الخميس ، فقال بعضهم: لثمانى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول لساعتين مضتا من النهار. * ذكر الخبر عن العلة التى كانت منها وفاته وقَدْر مدّة عمره وصفته: ذُكر أن بدء علّته أنه احتجم أوّل يوم من المحرم ، واعتلّ عندها ، فذكر عن محمد بن أحمد بن رشيد عن زُنَام الزامر ، قال : قد وجد المعتصم فى علته التى توفى فيها إفاقة؛ فقال: هيئوا إلى الزلال لأركب ، فركب وركبت معه ، فمرّ فى د جْلة بإزاء منازله، فقال: يا زنام ، ازمر لى : ١٣٢٣/٣ ١١٩ سنة ٢٢٧ حاشى لأَطلالك أَن تَبْلَى يا منزلا لم تَبْلَ أَطلاله بَكَيْتُ عَيْشى فيك إِذْوَلَّى لم أَبكِ أَطلالك لكنَّنى لا بدّ للمحزون أَن يَسْلَى والعيش أوْلى ما بكاه الْفَتَى قال : فما زلتُ أزمر هذا الصوت حتى دعا برطليّة ، فشرب منها قدحاً وجعلت أزمره وأكرّره ؛ وقد تناول مندیلا بين يديه ؛ فما زال ببكى ويمسح دموعتَه فيه وبنتحب؛ حتى رجع إلى منزله ، ولم يستثمّ شرب الرطلية. وذكر عن علىّ بن الجعدانة ، قال: لما احتضر المعتصم جعل يقول: ذهبت الحيل ليست حيلة ، حتى أُصْمِتَ . وذكر عن غيره أنه جعل يقول : إنى أخذت من بين هذا الخلق . وذكر عنه أنه قال: لو علمتِ أنّ عمرى هكذا قصير ما فعلتُ ما فعلت . فلما مات دُفن بسامُرًا ؛ فكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر ویومین. وقيل : كان مولده سنة ثمانين ومائة فى شعبان. وقيل: كان فى سنة تسع وسبعين ومائة؛ ١٣٢٤/٣ فإن كان مولده سنة ثمانين ومائة فإنّ عمره كله كان ستًا وأربعين سنة وسبعة أشهر وثمانية عشر يوماً، وإنْ كان مولده سنة تسع وسبعين ومائة؛ فإن" عمره كان سبعًا وأربعين سنة وشهرين وثمانية عشر يومًاً . وكان - فيما ذُكر - أبيض أصهب اللحية طويلتها، مربوعاً مشرّب اللون حمرة ، حسن العينين . وكان مولده بالمخُلْد. وقال بعضهم: ولد سنة ثمانين ومائة فى الشهر الثامن. وهو ثامن الخلفاء، والثامن من ولد العباس، وعمره كان ثمانياً وأربعين سنة. ومات عن ثمانية بنين وثمان بنات ، وملك ثمان سنين وثمانية أشهر، فقال محمد بن عبد الملك الزيات : عليك أَيدٍ بالتُّرْبِ والطينِ قد قلتُ إِذ غيبَّوك واصطَفَقَت للدین الظهير نیا ونعم اذهبْ فنِعْم الحفيظ. كنتَ على الدّ هارون بمثل مِثِلكَ إِلا لَا جَبرَ اللهُ أُمّةً فَقَدَتْ أُ ٠٠ اقة ١٢٠ سنة ٢٢٧ وقال مَرْوان بن أبى الجنوب وهو ابن أبى حفصة : أبو إسحاقَ ماتَ ضحّى فمتنا وأَمسينا بهارون حُبِينا لقد جاءَ الخميسُ بما هوينا لئن جاءَّ الخميسُ بما كرهنا * ذكر الخبر عن بعض أخلاق المعتصم وسيره "ذكير عن ابن أبى دواد أنه ذكر المعتصم بالله، فأسهب فى ذكره ، وأكثر فى وصفه، وأطنب فى فضله، وذكر من سعة أخلاقه وكَرَم (١) أعراقه وطيب مرْ كَبِه ولين جانبه ، وجميل عشرته ؛ فقال : قال لى يومًا ونحن بعمُوريَّة: ما تقول فى البُسْر يا أبا عبد اللّه؟ قلت: يا أمير المؤمنين ؛ نحن ببلاد الروم والبُسر بالعراق؛ قال : صدقت قد وجَّهت إلى مدينة السلام ، فجاءوا بكباستَيْن، وعلمت أنك تشتهيه . ثم قال: يا إيتاخ، هات إحدى الكِبَاستين، فجاء بكباسة بُسْرِ، فمدّ ذراعه، وقبض عليها بيده ، وقال : كُلْ بحياتى عليك من يدى ، فقلت: جعلنى الله فداك يا أمير المؤمنين ! بل تضعها فآ كل كما أريد، قال: لا والله إلاّ من يدى، قال: فوالله ما زال خاسراً عن ذراعه، ومادًّاً يده ، وأنا أجتنى من العِذْق، وآكلُ حتى رمى به خاليًا ما فيه بُسرة . قال: وكنت كثيراً ما أزامله فى سفره ذلك؛ إلى أن قلت له يومًا : يا أميرالمؤمنين، لو زاملك بعضُ مواليك وبطانتك فاسترحتَ منى إليهم مرّة، ومنهم إلىّ مرة أخرى ، كان ذلك أنشط لقلبك، وأطيب لنفسك ، وأشدّ لراحتك ؛ قال : فإنّ سييما الدمشقى يزاملنى اليوم، فمن يزاملك أنت ؟ قلت: الحسن ابن يونس ، قال: فأنت وذاك. قال: فَدعوت الحسن فزامنى. وتهيأ أن ركب المعتصم بغلا ، فاختار أن يكون منفرداً ، قال : فجعل يسير بسير بعيرى ؛ فإذا أراد أن يكلمنى رفع رأسه إلىّ ، وإذا أردتُ أن أكلمه خفضت رأسى ؛ (١) ف: ((وكريم)). ١٣٢٥/٣