النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ سنة ٢٢٢ ١٢١٣/٣ أصحابك هذا سوى ما لهم عندى ، وما تضمن لهم علىّ من الزيادة فى أرزاقهم والكتاب إلى أمير المؤمنين بأسمائهم. فاشتبكت الحرب على الباب طويلا، ثم فتح الحُرّمية الباب، وخرجوا على أصحاب جعفر، فنحوهم عن الباب ،وشدُّوا على المطوّعة من الناحية الأخرى ؛ فأخذوا منهم علمين وطرحوهم عن السور ، وجرحوهم بالصّخر حتى أثّروا فيهم، فرقّوا عن الحرب، ووقفوا، وصاح جعفر بأصحابه ، فبدر منهم نحو من مائة رجل ، فبركوا خلف تيراسهم التى كانت معهم ، وواقفوهم متحاجزين ؛ لا هؤلاء يقدمون على هؤلاء ، ولا هؤلاء يقدمون على هؤلاء؛ فلم يزالوا كذلك حتى صلّى الناس الظهر؛ وكان الأفشين قد حمل عرّادات، فنصب عرّادة منها مما يلى جعفرًا على الباب، وعرّادة أخرى من طرف الوادى من ناحية المطوّعة ؛ فأما العرّادة التى من ناحية جعفر؛ فدافع عنها جعفر حتى صارت العرّادة فيما بينهم وبين الحُرّمية ساعة طويلة؛ ثم تخلّصها أصحاب جعفر بعد جهد ، فقلعوها وردّوها إلى العسكر ؛ فلم يزل الناس متواقفين متحاجزين ؛ يختلف بينهم النّشاب والحجارة أولئك على سورهم والباب، وهؤلاء قعود تحت أتراسهم ؛ ثم تناجزوا بعد ذلك؛ فلما نظر الأنشین . إلى ذلك كره أن يطمع العدوّ فى الناس، فوجّه الرَّجالة الذين كان أعد هم قبله؛ حتى وقفوا فى موضع المطوّعة ، وبعث إلى جعفر بكُردوس فيه رَجّالة ، فقال جعفر: لست أوتى من قلة الرَّجالة معى رجال فُرْه"(١) ولكنى لست أرى للحرب موضعًا يتقدمون ؛ إنما ها هنا موضع مجال رجل أو رجلين قد وقفوا عليه ، ١٢١٤/٣ وانقطعت الحرب ، فبعث إليه : انصرف على بركة الله ؛ فانصرف (٢) جعفر، وبعث الأفشين بالبيغال التى كان جاء بها معه، عليها المحامل؛ فجُعلت فيها الجرحى ومَنْ كان به وهن من الحجارة ولا يقدر على المشى ؛ وأمر الناس بالانصراف؛ فانصرفوا إلى ختَنْدقهم بروذ الرّوذ، وأيس الناس من الفتح فى تلك السنة ، وانصرف أكثر المطوّعة . ثم إنّ الأفشين تجهّز بعد جمعتين؛ فلمّا كان فى جَوْف الليل؛ بعث الرجالة الناشبة؛ وهم مقدار ألف رجل ، فدفع إلى كل واحد منهم شكْوة (١) ١: ((فرحة)). (٢) س: ((وانصرف)). ٤٢ ١٢١٥/٣ سنة ٢٢٢ وكتعنكاً ، ودفع إلى بعضهم أعلاماً سوداً وغير ذلك ، وأرسلهم عند مغيب الشمس ، وبعث معهم أدلاء ، فساروا ليلتهم فى جبال منكرة صعبة على غير الطريق؛ حتى داروا، فصاروا خلف التلّ الذى يقف آذين عليه - وهو جبل شاهق - وأمرهم ألا يعلم بهم أحد ؛ حتى إذا رأوا أعلام الأفشين وصلّوا الغداة ورأوا الوقعة ، ركَّبوا تلك الأعلام فى الرّماح، وضربوا الطبول، وانحدروا من فوق الجبل، ورموا بالنشاب والصخر على الخُرَّمية؛ وإن هم لم يروا الأعلام لم يتحرّكوا حتى يأتيهم خبره؛ ففعلوا ذلك. فوافَوْا رأس الجبل عند السّحر، وجعلوا فى تلك الشكاء الماء من الوادى؛ وصاروا فوق الجبل ، فلمّا كان فى بعض الليل وجَّه الأفشين إلى القواد أن يتهيئوا فى السلاح ؛ فإنه يركب فى السحر؛ فلما كان فى بعض الليل، وجه بشيراً التركى وقوّاداً من الفراعنة كانوا معه؛ فأمرهم أن يسيروا حتى يصيروا تحت التلّ مع أسفل الوادى الذى حملوا منه الماء ؛ وهو تحت الجبل الذى كان عليه آذين ؛ وقد كان الأفشين علم أنّ الكافر يكمن تحت ذلك الجبل كلّما جاءه العسكر؛ فقصد بشير والفراغنة إلى ذلك الموضع الذى علم أن للخرَّمية فيه عسكراً كامنين ، فساروا فى بعض الليل ؛ ولا يعلم بهم أكثر أهل العسكر . ثم بعث القوّاد: تأهبوا للركوب فى السلاح؛ فإن الأمير يغدو فى السحر؛ فلما كان السَّحر خرج وأخرج الناس، وأخرج النَّفاطين والنّفاطات والشمع على حسب ما كان يخرج، فصلّى الغداةَ ، وضرب الطبل ، وركب حتى وافَى الموضع الذى کان یقف فیہ فی گلّ مرّة، وبُسط له النّطع ، ووضع له الکرسی گعادته . و کان بخاراخذاہ یقف على العقبة التی کان یقف عليها فى كل يوم ؛ فلمّاً كان ذلك اليوم صير بخاراخذاه فى المقدمة مع أبى سعيد وجعفر الخياط وأحمد بن الخليل؛ فأنكر الناس هذه التعبية فى ذلك الوقت ، وأمرهم أن يدنوا من التلّ الذى عليه آذين ؛ فيحدقوا به ؛ وقد كان بنهاهم عن هذا قبل ذلك اليوم ؛ فمضى الناس مع هؤلاء القوّاد الأربعة الذين سمّينا ؛ حتى صاروا حول التلّ . وكان جعفر الخياط مما يلى باب البذّ ، وكان أبو سعيد مما يليه ، وبخاراخذاه مما يلى أبا سعيد، وأحمد بن الخليل بن هشام ممَّا يلِى بخاراخذاه؛ ٤٣ سنة ٢٢٢ ١٢١٦/٣ فصاروا جميعًا حَدْقة حول التلّ ، وارتفعت الضجة من أسفل الوادى ؛ وإذا الكمين الذى تحت التلّ الذى كان يقف عليه آذين قد وثب ببشير (١) التركى والفراغنة ؛ فحاربوهم واشتبكت الحرب بينهم ساعة . وسمع أهل العسكر ضجّتهم، فتحرّك الناس، فأمر الأفشين أن ينادوا : أيُّها الناس، هذا بشير التركىّ والفراغنة قد وجّهتُهم؛ فأثاروا كميناً فلا تتحرّ كوا. فلما سمع الرحّالة الناشبة (٢) الذين كانوا تقدموا ، وصاروا فوق الجبل ركبوا الأعلام كما أمرهم الأفشين؛ فنظر الناس إلى أعلام تجىء من جبل شاهق ؛ أعلام سود، وبين العسكر وبين الجبل نحو فرسخ؛ وهم ينحدرون على جبل آذ ین من فوقهم ؛قد ركّبوا الأعلام ، وجعلوا ينحدرون یریدون آذین ؛ فلما نظر إليهم أهل عسكر آذ ين وجّه آذين إليهم بعض رجالته الذين معه من الحُرّمية . ولما نظر الناس إليهم راعوهم ؛ فبعث إليهم الأفشين: أولئك رجالنا أنجدتنا على آذين ؛ فحمل جعفر الخياط وأصحابه على آذين وأصحابه، حتى صعدوا إليهم، فحملوا عليهم حملة شديدة، قلسَبوه وأصحابه فى الوادى ، وحمل علیھم رجل ممن فى ناحية أبیسعید من أصحاب أبی سعید، يقال له معاذ بن محمد - أو محمد بن معاذ - فیعدّة معه ؛ فإذا تحت حوافر دوابتهم آبار محفورة تدخل أيدى الدواب فيها ، فتساقطت فرسان(٣) أبى سعيد فيها؛ فوجّه الأفشين الكلْغَرية يُقْلعون حيطان منازلهم، ويطمُّون بها تلك الآبار؛ ففعلوا ذلك ؛ فحمل الناس عليهم حَمْلة واحدة ؛ وكان آذين قد هيّأ فوق الجبل عجلا عليها صخر؛ فلما حمل الناس عليه، دفع العجل على الناس فأفرجوا عنها ، فقد حرجت ؛ ثم حمل الناس من كلّ وجه (٤). فلمّاً نظر بابك إلى أصحابه قد أحدٍق بهم، خرج من طرف البذّ، من بابٍ مما يلى الأفشين، يكون بين هذا الباب وبين التلّ الذى عليه الأفشين قدر ميل . فأقبل بابك فى جماعة معه يسألون عن الأفشين ، فقال لهم أصحاب أبى دُلف: مَنَّ هذا؟ فقالوا: هذا بابك يريد الأفشين؛ فأرسل أبو دلف ١٢١٧/٣ (١) ف: ((البشير)). (٣) فى: ((دواب)). (٢) س: ((والناشبة)). (٤) ف: ((جانب)). ٤٤ ١٢١٨/٣ سنة ٢٢٢ إلى الأفشين يعلمه ذلك ؛ فأرسل الأفشين رجلا يعرف بابك ؛ فنظر إليه، ثم عاد إلى الأفشين، فقال : نعم هو بابك ؛ فركب إليه الأفشين ، فدنا منه حتى صارفى موضع يسمع كلامه وكلام أصحابه ، والحرب مشتبكة فى ناحية آذين، فقال له: أريد الأمان من أمير المؤمنين ، فقال له الأفشين : قد عرضتُ عليكِ هذا؛ وهو لك مبذولٌ متى شئتَ ، فقال : قد شئتُ الآن؛ على أن تؤجلنى أجلاً أحمل فيه عيالى، وأتجهّز. فقال له الأفشين: قد والله نصحتُك غير مرّة فلم تقبل نصيحتى ؛ وأنا أنصحك الساعة ، خروجك اليوم فى الأمان خيرٌ من غدٍ . قال : قد قبلت أيها الأمير ؛ وأنا على ذلك ؛ فقال له الأفشين : فابعث بالرهائن الذين كنت سألتك . قال: نعم، أما فلان وفلان فهم على ذلك التلّ ، فمرْ أصحابك بالتوقف . قال : فجاء رسول الأفشين ليردّ الناس ، فقيل له: إن أعلام الفراغنة قد دخلت البذّ وصعدوا بها القصور . فركب وصاح بالناس، فدخل ودخلوا ، وصعد الناس بالأعلام فوق قصور بابك ؛ وكان قدكّن فی قصوره - وهی أربعة-ستمائة رجل؛ فوافاهم الناس؛ فصعدوا بالأعلام فوق القصور(١)، وامتلأت شوارع (٢) البذ" وميدانها من الناس، وفتح أولئك الكُمناء أبواب القصور ، وخرجوا رجّالة يقاتلون الناس. ومرّ بابك حتى دخل الوادى الذى يلى هشتادسر، واشتغل الأفشين وجميع قُوّاده بالحرب على أبواب القصور ، فقاتل الخرّمية قتالا شديداً، وأحضر النَّفاطين، فجعلوا يصبّون عليهم النِّقْط والنار، والناس يهدمون القصور؛ حتى قتلوا عن آخرهم. وأخذ الأفشين أولاد بابك ومَنْ كان معهم فى البذّ من عيالاتهم؛ حتى أدركهم(٣) المساء، فأمر الأفشين بالانصراف فانصرفوا، وكان عامة الخرَّمية فى البيوت؛ فرجع الأفشين إلى الخندق بروذ الرُّوذ . فذُكر أن بابك وأصحابه الذين نزلوا معه الوادى حين علموا أنّ الأفشين قد رجع إلى خندقه ، رجعوا إلى البذّ ، فحملوا من الزاد ما أمكنهم حملُه ، وحملوا أموالهم ، ثم دخلوا الوادى الذى يلى هشتادسَر. فلمّا كان فى الغد خرج (١) فى: ((انقصر)). (٣) س: ((فأدركهم)). (٢٠) س: ((شارع)). ٦٠ ٤٥ سنة ٢٢٢ ١٢١٩/٣ الأفشين حتى دخل البذّ ، فوقف فى القرية ، وأمر بهدم القصور، ووجّه الرجّالة يطوفون فى أطراف القرية، فلم يجدوا فيها أحدًا من العلوج، فأصعد الكلغريّة ، فهدموا القصور وأحرقوها؛ فعل ذلك ثلاثة أيام حتى أحرق خزائنه وقصوره ؛ ولمَ يَدع فيها بيتاً ولا قصراً إلا أحرقه وهدمه ؛ ثم رجع وعلم أنّ بابك قد أفلت فى بعض أصحابه ؛ فكتب الأفشين إلى ملوك أرمينية وبطارقتها يعلمهم أنّ بابك قد هرب وعدّة معه، وصار إلى وادٍ، وخرج منه إلى ناحية إرمينية ؛ وهو مارّ بكم ، وأمرهم أن يحفظ كلُّ واحد منهم ناحيته ، ولا يسلكها أحدٌ إلا أخذوه حتى يعرفوه . فجاء الجواسيس إلى الأفشين ، فأخبروه بموضعه فى الوادى ؛ وكان واديًا كثير العشب والشجر، طرفُه بإرمينية وطرفُه الآخر بأذربيجان؛ ولم يمكن الخيل أن تنزل إليه ، ولا يُرى من يستخفى فيه لكثرة شجره ومياهه ؛ إنما كانت غيضةً واحدة ؛ ويسمى هذا الوادى غَيْضة . فوجّه الأفشين إلى كلّ موضع يعلم أن منه طريقاً ينحدر منه إلى تلك الغَيْضة، أو يمكن بابك أن يخرج من ذلك الطريق؛ فصيّر على كلّ طريق وموضع من هذه المواضع عسكراً فيه ما بين أربعمائة إلى خمسمائة مقاتل، ووجّه معهم الكُوهبانيّة ليقفوهم على الطريق، وأمرهم بحراسة الطريق فى الليل لئلا يخرج منه أحد . وكان يوجّه إلى كل عسكر من هذه العساكر الميرة من عسكره؛ وكانت هذه العساكر خمسة عشر عسكراً ، فكانوا كذلك حتىورد كتاب أمير المؤمنين ١٢٢٠/٣ المعتصم بالذهب مختوماً، فيه ((أمان)) لبابك. فدعا الأفشين من كان استأمن إليه من أصحاب بابك؛ وفيهم ابن له كبير، أكبر ولده، فقال له وللأسرى: هذا ما لم أكن أرجوه من أمير المؤمنين، ولا أطمع له فيه (١) أن يكتب إليه وهو فى هذه الحال بأمان ؛ فمن يأخذه منكم ويذهبُ به إليه؟ فلم يجسر على ذلك أحد منهم ، فقال بعضهم (٢): أيها الأمير؛ ما فينا أحدٌ يجترئ أن يلقاه بهذا ، فقال له الأفشين : ويحك ! إنه يفرح بهذا ، قالوا: أصلح الله الأمير! نحن أعرف (٣) بهذا منك؛ قال: فلا بدّ لكم من أن تهبوا لى أنفسكم ، وتُوصلوا (٣) س: ((أعلم)). (٢) ف: ((أحدم)). (١) ف: ((فيه له)). ٤٦ ١٢٢١/٣ سنة ٢٢٢ هذا الكتاب إليه . فقام رجلان منهم، فقالا له : اضمن لنا أنك تُجرِى على عيالاتنا ؛ فضمن لهما الأفشين ذلك ؛ وأخذا الكتاب وتوجّهًا فلم يزالا يدوران فى الغَيْضة حتى أصاباه ، وكتب معهما ابن بابك بكتاب يُعلمه الخبر ، ويسأله أن يصير إلى الأمان ؛ فهو أسلم له وخير . فدفعا إليه كتاب ابنه ، فقرأه، وقال : أىّ شىء كنتم تصنعون؟ قالا: أسِرَ عيالاتنا (١) فى تلك الليلة وصبياننا(٢)؛ ولم نعرف موضعك فنأتيك، وكنّا فى موضع تخوّفنا أن يأخذونا ؛ فطلبنا الأمان . فقال للذى كان الكتاب معه : هذا لا أعرفه ؛ ولكن أنت يابن الفاعلة ، كيف اجترأت على هذا أن تجيشى من عند ذاك ابن الفاعلة! فأخذه وضرب عنقه، وشدّ الكتاب على صدره مختومًا لم يفضّه ؛ ثم قال للآخر : اذهب وقل لذاك ابن الفاعلة - یعنی ابنه - حیث یکتب إلىّ ؛ وكتب إليه : لو أنك لحقت بى واتّبعت دعوتك حتى يجيئك الأمر يوماً كنت ابنى؛ وقد صحّ عندى الساعة فساد أمّك الفاعلة. يا بن الفاعلة، عسى أن أعيش بعد اليوم! قد كنت باسم هذه الرياسة وحيما كنت أو ذكرت كنت ملكاً ؛ ولكنك من جنس لا خير فيه ؛ وأنا أشهد أنك لست با بنى؛ تعيش يوماً واحداً وأنت رئيس خير ، أو تعيش أربعين سنة وأنت عبد ذليل ! ورحل من موضعه، ووجّه مع الرجل ثلاثة نفر حتى أصعدوه من موضع من المواضع، ثم لحقوا ببابك ؛ فلم يزل فى تلك الغَيْضة حتى فنى زاده ، وخرج ممّا يلى طريقاً كان عليه بعض العساكر، وكان موضع الطريق جبلاليس فيه ماء ؛ فلم يقدر العسكر أن يقيم على الطريق لبعده عن الماء ، فتنحى العسكر عن الطريق إلى قرب الماء، وصيّروا كوهبانيّين وفارسين على طرف الطريق يحرسونه ، والعسكر بينه وبين الطريق نحومن ميل ونصف ، كان ينوب على الطريق كلّ يوم فارسان وكوهبانيّان ؛ فبيناهم ذات يوم نصف النهار ؛ إذ خرج بابك وأصحابه ؛ فلم يروا أحدًا، ولم يروا الفارسين والكوهبانيين ، وظنوا أن ليس هناك عسكر؛ فخرج هو وأخواه (٣): عبدالله ومعاوية، وأمه وامرأة له (١) فى: ((عيالتنا)). (٢) ف: ((وأولادنا)). (٣) س: ((وإخوته))، ف: ((وأخوه))، ابن الأثير: ((وعبد اللّه أخوه)). ٤٧ سنة ٢٣٢ ١٢٢٢/٣ يقال لها ابنة الكتلاندانية. فخرجوا من الطريق؛ وساروا يريدون إرمینیة، ونظر إليهم الفارسان والكوهبانيّان، فوجتهوا إلى العسكر، وعليه أبو الساج: إنا قدررأينا فرسانًا يمرُّون ولا ندرى (١) مَنْ هم. فركب الناس، وساروا، فنظروا إليهم من بُعد وقد نزلوا علی عین ماء يتغدّون عليها ؛فلمّا نظروا إلى الناس بادر الكافر فركب وركب مَنْ كان معه، فأفلت وأخذ معاوية وأمّ بابك والمرأة التى كانت معه ، ومع بابك غلام له، فوجّه أبو الساج بمعاوية والمرأتين إلى العسكر ، ومرّ بابك متوجهاً حتى دخل جبال إرمينية يسير فى الجبال متكمّنًا، فاحتاج إلى طعام ؛ وكان جميع بطارقة إرمينيّة قد تحفّظوا بنواحيهم وأطرافهم، وأوصْوا مسالحهم ألا يجتاز عليهم أحد إلا أخذوه حتى يعرفوه ؛ فكان أصحاب المسالح كلهم متحفظين ؛ وأصاب بابك الجوع ، فأشرف فإذا هو بحرّات يحرث على فدان له فى بعض الأودية ، فقال لغلامه : انزل إلى هذا الحرّاث ، وخذ معك دنانير ودواهم ؛ فإن كان معه خبز فخذه وأعطه؛ وكان للحرّاث شريك ذهب لحاجته ؛ فنزل الغلام إلى الحرّاث، فنظر إليه شریکه من بعيد ، فوقف بالبعد يفرق من أن يجىء إلى شريكه وهوينظر ما يصنع شريكه ، فدفع الغلام إلى الحرّاث شيئًا، فجاء الحراث فأخذ الخبز ، فدفعه إلى الغلام وشريكه قائم ينظر إليه؛ ويظنّ أنما اغتصبه خبزه؛ ولم يظنّ أنه أعطاه شيئاً ، فعدا إلى المسلحة ؛ فأعلمهم أن رجلا جاءهم عليه سيف وسلاح ؛ وأنه أخذ خبز شريكه من الوادى ؛ فركب صاحب المسلحة - وكان فى جبال ابن سُنباط .. ووجّه إلى سهل بن سنباط بالخبر، فركب ابن سنباط وجماعة معه حتى جاءه مسرعًا، ١٢٢٣/٣ فوافى الحرّاث والغلام عنده، فقال له: ما هذا ؟ قال له الحراث: هذا رجل مر بى، فطلب منى خبزاً فأعطيته، فقال الغلام : وأين مولاك ؟ قال: ها هنا . وأوى إليه - فاتبعه فأدركه وهو نازل ؛ فلمّا رأى وجهه عرفه ، فترجل له ابن سنباط عن دابته، ودنا منه فقبّل بده، ثم قال له: يا سيّداه ؛ إلى أين ؟ قال : أريد بلاد الروم - أو موضعاً سمّاه - فقال له: لا تجد موضعاً ولا أحداً أعرف بحقك؛ ولا أحق أن تكون عنده منی، تعرف موضعی؛ لیس بینی وبین (١) س: ((يدرون)). ٤٨ ١٢٢٤/٣ ٣٠ سنة ٢٢٢ السلطان عمل ؛ ولا تدخل على أحد من أصحاب السلطان وأنت عارف بقضيتى وبلدى؛ وكلُّ مَنْ ها هنا من البطارقة إنما هم أهل بيتك ، قد صار لك منهم أولاد؛ وذلك أن بابك كان إذا علم أن عند بعض البطارقة ابنة أو أختاً جميلة وجّه إليها يطلبها ؛ فإن بعث بها إليه وإلا بيّته وأخذها ، وأخذ جميع ماله من متاع وغير ذلك ، وصار به إلى بلده غصباً . ثم قال ابن سنباط له : صرْ عندى فى حصنى ؛ فإنّما هو منزلك؛ وأنا عبدك ؛ كُنْ فيه شتوتك هذه ثم ترى رأيك . وكان بابك قد أصابه الضرّ والجهد ، فركن إلى كلام سهل بن سنباط ؛ وقال له : ليس يستقيم أن أكون أنا وأخى فى موضع واحد ؛ فلعله أن يُعثَر بأحدنا فيبفى الآخر ؛ ولكن أقيم عندك أنا ، ویتوجته عبد الله أخی إلی ابن اصطفانوس ؛ لا ندری ما یکون ؛ وليس لنا خَلفٌ يقوم بدعوتنا . فقال له ابن سنباط : ولدك كثير ، قال : ليس فيهم خير. وعزم على أن يصيِّر أخاه فى حصن ابن اصطفانوس - وكان يثق به - فصارهو مع ابن سنباط فى حيصْنه ، فلما أصبح عبد الله مضى إلى حصن ابن اصطفانوس ؛ وأقام بابك عند ابن سنباط ، وكتب ابن سنباط إلى الأفشين يعلمُه أن بابك عنده فی حصنه . فكتب إليه : إن كان هذا صحيحاً فلك عندى وعند أمير المؤمنين - أيّده الله الذى تحبّ؛ وكتب يجزيه خيراً، و وصف الأنشین صفة بابك لرجل من خاصته، ممتن یثق به، ووجه به إلى ابن سنباط وكتب إليه يعلمه أنه قد وجه إليه برجل من خاصته ، يحبّ أن يرى بابك ليحكى للأفشين ذلك. فكره ابن سنباط أن يُوحش بابك ، فقال الرجل: ليس يمكن أن تراه إلا فى الوقت الذى يكون منكبًا على طعامه يتغدى؛ فإذا رأيتنا قد دعونا بالغداء فالبس ثياب الطبّاخين الذين معنا على هيئة علوجنا وتعال كأنّك تقدم الطعام ، أو تناول شيئًاً؛ فإنه يكون منكبًا على الطعام ؛ فتَفَقَّدُ منه ما تريد ؛ فاذهب فاحْكه لصاحبك . ففعل ذلك فى وقت الطعام ، فرفع بابك رأسه فنظر إليه فأنكره ، فقال: مَنْ هذا الرجل؟ فقال له ابن سنباط : هذا رجل من أهل خراسان ، منقطع ٠ ٤٩ سنة ٢٢٢ إلينا منذ زمان؛ نصرانىّ. فلقْنَ ابْنُ سنباط الأشروسىَّ ذلك. فقال له بابك: ١٢٢٥/٣ منذكم أنت ها هنا؟ قال : منذ كذا وكذا سنة ، قال : وكيف أقمتَ هاهنا ؟ قال : تزوّجت ها هنا، قال : صدقت إذا قيل للرجل : من أين أنت ؟ قال : مين حيث امرأتى (١). ثم رجع إلى الأنشین فأخبره ، ووصف له جميع ما رأی ثمّ من بابك. ووجّه الأفشين أبا سعيد وبُوزبارة إلى ابن سنباط ، وكتب إليه معهما، وأمرهما إذا صارا إلى بعض الطريق قدّما كتابه إلى ابن سنباط مع عيلْج من الأعلاج، وأمرهما ألاّ يخالفا ابن سنباط فيما يشير به عليهما . ففعلا ذلك ، فكتب إليهما ابن سنباط فى المقام بموضع - قد سماه ووصفه لهما- إلى أن يأتيتهما رسوله. فلم يزالا مقيمين بالموضع الذى وصفه لهما، ووجّه إليهما ابن سنباط بالميرة والزاد؛ حتى تحرك بابك للخروج إلى الصّيْد ، فقال له : هاهنا واد طيب ، وأنت مغموم فى جوف هذا الحصن ! فلو خرجنا ومعنا بازى وباشق وما يحتاج إليه ، فنتفرّج إلى وقت الغداء بالصّيد ! فقال له بابك : إذا شئت . فأنفذ لير كبا بالغداة، و کتب ابن سنباط إلى أبى سعيد وبوزبارة يعلمهما ما قد عزم عليه، ويأمرهما أن يوافياه، واحد من هذا الجانب من الجبل والآخر من الجانب الآخر فى عسكرهما وأن يسيرا متكمنين مع صلاة الصبح؛ فإذا جاءهما رسوله أشرفا ١٢٢٦/٣ على الوادى ، فانحدروا عليه إذا رأوهم وأخذوهم . فلما رکب ابن سنباط وبابك بالغداة وجّه ابن سنباط رسولا إلى أبى سعيد ورسولا إلى بوز بارة ، وقال لکل رسول: جئ بهذا إلى موضع کذا ، وجئ بهذا إلى موضع كذا؛ فأشرِفا علينا؛ فإذا رأيتمونا فقولوا: هم هؤلاء خذوهم ؛ وأراد أن يشبه على بابك، فيقول: هذه خيل جاءتنا، فأخذتنا، ولم يحبّ أن يدفعه إليهما من منزله؛ فصار الرّسولان إلى أبى سعيد وبوزبارة، فمضيا بهما حتى أشرفا على الوادى؛ فإذا هما ببابك وابن سنباط ، فنظرا إليه وانحدرا وأصحابهما عليه؛ هذا من ها هنا، وهذا من ها هنا ، وأخذاهما ومعهما البواشيق ؛ وعلى بابك دُرّاعة بيضاء وعمامة بيضاء ، وخُفّ قصير. ويقال كان بيده باشق؛ فلما نظر إلى (١) انظر الأغانى ٢١: ٢٤١ (ساسى). ٥٠ سنة ٢٢٢ العساكر قد أحدقت به وقف، فنظر إليهما، فقالا له : انزل ، فقال : ومن أنما ؟ فقال أحدهما: أنا أبو سعيد، والآخر: أنا بوزبارة، فقال: نعم، وثنى رجله، فنزل، وكان ابنُ سنباط ينظر إليه؛ فرفع رأسه إلى ابن سنباط فشتمه، وقال: إنما بعتَنى لليهود بالشىء اليسير؛ لو أردت المال وطلبته لأعطيتك(١) أكثر مما يعطيك هؤلاء، فقال له أبو سعيد : قم فاركب ، قال : نعم . فحملوه وجاءوا به إلى الأفشين ؛ فلما قرب من العسكر صعد الأفشين برزند ، فضربت له خيمة على بَرْزند ، وأمر الناس فاصطفوا صفّين ، وجلس الأنشین فی فازة(٢) ، وجاءوا به، وأمر الأفشين ألاّ یتر کوا عربيًّا يدخل بين الصفين فرقاً أن يقتله إنسان أو يجرحه ممّن قتل أولياءه، أو صنع به داهية . وكان قد صار إلى الأفشين نساء كثير وصبيان؛ ذكروا أن بابك كان أسرهم؛ وأنهم أحرار من العرب والدهاقين ، فأمر الأفشين فجعلت لهم حظيرة كبيرة ، وأسکنهم فيها، وأجرى لهم الخبز ،وأمرهم أن یکتبوا إلى أوليائهم حیث کانوا، فكان كلّ من جاء فعرف (٣) امرأة أو صبيًّا أو جارية، وأقام شاهدين أنه يعرفها وأنّها حرمة له أو قرابة دفعها إليه ؛ فجاء الناس ، فأخذوا منهم خلقًاً كثيراً ، وبقى منهم ناس كثير ينتظرون أن يجىء أوليا ؤهم . ولما كان ذلك اليوم الذى أمر الأفشين الناس أن يصطفّوا ، فصار بين بابك وبينه قَدْر نصف ميل ، أنزل بابك يمشى بين الصَّفين فى دُرّاعته وعمامته وخفّيه ، حتى جاء فوقف بين يدى الأفْشين فنظر إليه الأفشين ، ثم قال: انزلوا به إلى العسكر؛ فنزلوا به راكباً ، فلما نظر النساء والصبيان الذين فى الحظيرة إليه لطموا على وجوههم ، وصاحوا وبكوا حتى ارتفعت أصواتهم ، فقال لهم الأفشين: أنتم بالأمس؛ تقولون أسرنا، وأنتم اليوم تبكون عليه! عليكم ١٢٢٨/٣ لعنة الله. قالوا: كان يحسن إلينا. فأمر به الأفشين فأدخلى بيتاً، ووكل به رجالا من أصحابه . وكان عبد الله أخو بابك لما أقام بابك عند ابن سنباط، صار إلى عيسى (١) ف: ((أعطيتك)). (٢) الفازة: بناء العاكر. (٣) ف: ((كان يعرف)). ١٢٢٧/٣ ٥١ سنة ٢٢٢ ابن يوسف بن اصطفانوس؛ فلما أخذ الأفشين بابك، وصيّره معه فى عسكره ووكل به، أعلم بمكان عبد الله أنه عند ابن اصطفانوس ؛ فكتب الأفشين إلى ابن اصطفانوس أن يوجّه إليه بعبد الله ؛ فوجه به ابن اصطفانوس إلى الأفشين ، فلما صار فى يد الأفشين حبسه مع أخيه فى بيت واحد ؛ ووكّل بهما قومًا يحفظونهما . وكتب الأفشين إلى المعتصم بأخذه بابك وأخاه، فكتب المعتصم إليه يأمره بالقدوم بهما (١) عليه، فلما أراد أن يسير إلى العراق وجّه إلى بابك فقال : إنى أريد أن أسافر بك ، فانظر ما تشتهى من بلاد أُذْرَبيجان ، فقال : أشتهى أن أنظر إلى مدينتى. فوجّه معه الأفشين قومًا فى ليلة مُقْمرة إلى البذّ حتى دار فيه، ونظر إلى القتلى والبيوت (٢) إلى وقت الصبح، ثم رده إلى الأفشين ؛ وكان الأفشين قد وكّل به رجلا من أصحابه فاستعفاه منه بابك ، فقال له الأفشين: لم استعفيت منه؟ قال : يجىء ويده ملأى غمَراً (٣)، حتى ينام عند رأسى فيؤذينى ريحُها . فأعفاه منه . وكان وصول بابك إلى الأفشين ببرزند لعشر خلون من شوال بين بوزبارة ودیوداد . وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن داود . (٣) الغمر: ريح اللحم . (١) ف؛ ((بقدومهما)). (٢) ف: ((فى البيوت)). ١ ٥٢ ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين ١٢٢٩/٣ ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث # [ ذكر خبر قدوم الأفشين ببابك على المعتصم ] فمن ذلك قدوم الأفشين على المعتصم ببابك وأخيه ، ذكر أنّ قدومه عليه به كان ليلة الخميس لثلاث خَلَوْن من صفر بسامراً ، وأنّ المعتصم كان يوجّه إلى الأفشين كلّ يوم من حين فصل من برزند إلى أن وافى سامرًا فرساً وخيلْعة، وأنّ المعتصم لعنايته بأمر بابك وأخباره ولفساد الطريق بالثلج وغيره ، جعل من سامرًا إلى عقبة حُكْوان خيلا مضمّرة(١) ، على رأس كلّ فرسخ فرساً معه ◌ُجْرٍ مرّتب؛ فكان يركض بالخبر ركضًا حتى يؤديه من واحد إلى واحد، يداً بيد؛ وكان ما خَلْف حُدْوَان إلى أذْرَبيجان قد رتَّبوا فيه المرْج؛ فكان يركض بها يوماً أو يومين ثم تبدّل ويصيّر غيرها، ويُحمل عليها غلمان من أصحاب المرْج كلّ دابة على رأس فرسخ ، وجعل لهم ديادبة على رءوس الجبال بالليل والنهار، وأمرهم أن ينعروا إذا جاءهم الخبر ؛ فإذا سمع الذى يليه النعير تهيأ فلا يبلغ إليه صاحبه الذى نعر حتى يقف له على الطريق ؛ فيأخد الخريطة منه ؛ فكانت الخريطة تصل من عسكر الأفشين إلى سامرًا فى أربعة أيام وأقلّ ؛ فلما صار الأفشين بقناطر حُذيفة تلقّاه هارون بن المعتصم وأهل بيت المعتصم ؛ فلما صار الأفشين ببابك إلى سامرًا أنزله الأفشين فى قصره (٢) بالمتطيرة؛ فلما كان فى جوف الليل ذهب أحمد بن أبى دواد متنكراً ، فرآه وكلمه ، ثم رجع إلى المعتصم ، فوصفه له ، فلم يصبر المعتصم حتى ركب إليه بين الحائطين فى الحيْر؛ فدخل إليه متنكّراً، ونظر إليه وتأمله ، وبابك لا يعرفه ؛ فلما كان من غدٍ قعد له المعتصم يوم اثنين أو خميس ، واصطف الناس من باب العامّة إلى المطيرة ، وأراد المعتصم أن يُشهره ويريتَه الناس، فقال: على أىّ ١٢٣٠/٣ (١) س: ((تضمر بهم)). : 1. (٢) س: ((بقصره)). 1 ٥٣ سنة ٢٢٣ شىء يحمل هذا؟ وكيف يُشهر! فقال حزام: يأمير المؤمنين ؛ لا شىء أشهر من الفيل ، فقال : صدقت ؛ فأمر بتهيئة الفيل ، وأمر به فجُعل فى قباء ديباج وقلنسوة سمور مدوّرة؛ وهو وحده ؛ فقال محمد بن عبد الملك الزيات : يَحملُ شيطانَ خراسانِ قد خُضِبَ الفيلُ كعاداته إِلا لذى شأنٍ من الشانِ والفيلُ لا تُخضَبُ أَعضاؤه ١٢٢١/٣ فاستشرفه الناس من المطيرة إلى باب العامة؛ فأدخل دار العامة إلى أمير المؤمنين، وأحضر جزّاراً ليقطع يديه ورجليه؛ ثم أمر أن يحضر سيّافُه، فخرج الحاجب من باب العامة ؛ وهو ينادى: نودنود - وهو اسم سياف بابك- فارتفعت الصيحة بنودنود حتى حضر ، فدخل دار العامة ، فأمره (١) أمير المؤمنين أن يقطع يديه ورجليه ، فقطعهما فسقط ، وأمر أمير المؤمنين بذبحه وشقّ بطن أحدهما، ووجه برأسه إلى خُراسان، وصلب بدنه بسامرًا عند العقبة، فموضع خشبته مشهور ، وأمر بحمل أخيه عبد اللّه مع ابن شَرْوِين الطَّبَرِىّ إلى إسحاق بن إبراهيم خليفته بمدينة السَّلام ، وأمره بضرب عنقه ، وأن يفعل به مثل ما فعل بأخيه، وصلبه؛ فلما صار به الطبرى إلى البرد ان ، نزل به ابن شروين فى قصر البردان ، فقال عبد اللّه أخو بابك لابن شروين: مَنْ أنت؟ فقال : ابن شروين ملك طبرستان ، فقال : الحمد لله الذى وفّق فى رجلا من الدّهاقین یتولی قتلى. قال : إنما یتولّی قتلك هذا ۔ و کان عنده نودنود ، وهو الذى قتل بابك - فقال له: أنت صاحبى، وإنما هذا علْج، فأخبرنى، أأمرت أن تطعمنى شيئًا أم لا ؟ قال : قل ما شئت ، قال : اضرب لى فالوذجة ، قال : فأمر فضُربت له فالوذجة فى جوف الليل ، فأكل منها حتى تمّلأ ، ثم قال : يا أبا فلان ، ستعلم غدًا أنى دهقان إن شاء الله. ثم قال : تقدر أن تسقيَنى نبيذا؟ قال: نعم، ولا تُكثِر(٢)، قال: فإنى لا أكثر، قال: فأحضر أربعة أرطال خمر ، فقعد فشربها على مسَهل إلى قريب من الصبح ، ثم رحل (١) ف: ((فأمر)). (٢) كذا فى ا، وفى ط: ((ولا بكثير)). ٥٤ سنة ٢٢٣ فى السَّحْصَر ، فوافى به مدينة السلام، ووافى به رأس الجسر ، وأمر إسحاق ابن إبراهيم بقطع يديه ورجليه ، فلم ينطق ولم يتكلّم ، وأمر بصلْبه فصُلِب ١٢٣٢/٣ فى الجانب الشرقىّ بين الجسريْن بمدينة السلام. وذكر عن طَوْق بن أحمد، أنّ بابك لما هرب صار إلى سهل بن سنباط فوجّه الأفشين أبا سعيد وبوزبارة ، فأخذاه منه، فبعث سهل مع بابك بمعاوية ابنه(١) إلى الأفشين، فأمر لمعاوية بمائة ألف درهم، وأمر لسهل بألف (٢) ألف درهم استخرجها له من أمير المؤمنين ، ومنطقة مغرقة بالجوهر وتاج البطرقة، فبطرق (٣) سهل بهذا السبب، والذى كان عنده عبد اللّه أخو بابك عيسى بن يوسف المعروف بابن أخت اصطفانوس ملك البَيْلقان . وذكر عن محمد بن عمران كاتب علىّ بن مرّ، قال: حدّثنى علىّ بن مرّ، عن رجل من الصعاليك يقال له متطر، قال : كان والله يا أبا الحسن بابك ابنى ، قلت : وكيف؟ قال : كنا مع ابن الرّوّاد ، وكانت أمه ترتومیذ العوراء من عملوج ابن الرّواد، فكنت أنزل عليها ، وكانت مصكّة (٤)، فكانت تخدمنى وتغسل ثيابى ، فنظرتُ إليها يومًا ، فوائبتها بشَبق السفر وطول الغربة ، فأقررتُه فى رحمها . ثم قال : غبْنا غيبة بعد ذلك ، ثم قدمنا فإذا هى تطلبنى(٥)، فنزلت فى منزل آخر، فصارت إلىّ يومًا، فقالت: حين ملأتَ بطنى تنزل ها هنا وتتركنى! فأذاعت أنه مِنِّى ، فقلت: والله لئن ذكرتينى لأقتلنَّك ؛ فأمسكتْ عنى ، فهو واللّه ابنى. وكان يُحْزَى الأفشينُ فى مقامه بإزاء بابك سوى الأرزاق، والأنزال والمعاون فى كلّ يوم يركب فيه عشرة آلاف درهم ، وفى كلّ يوم لا يركب فيه خمسة آلاف درهم . ١٢٣٣/٣ وكان جميع من قتل بابك فى عشرين سنة مائتى ألف وخمسة وخمسين (١) ف: «بابنه معاوية)). (٣) كذا فى ا، وفى ط من غير نقط. (٥) كذا فى ا، وفى ط: ((تطلق)). (٢) س: ((بمائة ألف درهم)). (٤) المصكة : القوية . سنة ٢٢٣ ٥٥ ألفا وخمسمائة إنسان . وغلب يحيى بن معاذ وعيسى بن محمد بن أبى خالد وأحمد بن الجُنيد، وأسره وُزريق بن علىّ بن صدقة ومحمد بن حميد الطوسى وإبراهيم بن الليث، وأسير مع بابك ثلاثة آلاف وثلاثمائة وتسعة أناسى ، واستُنقذ ممّن كان فى بده من المسلمات وأولادهم سبعة آلاف وستمائة إنسان ، وعدّة مَنْ صار فى يد الأفشين من بنى بابك سبعة عشر رجلا ومن البنات والكنَّات ثلاث وعشرون امرأة ، فتوج المعتصم الأفشين وألبسه وشاحين بالجوهر ، ووصله بعشرين ألف ألف درهم، منها عشرة آلاف ألف صلة وعشرة آلاف ألف درهم يفرّقها فى أهل عسكره ، وعقد له على السِّند وأدخل عليه الشعراء يمدحونه ، وأمر الشعراء بصلات ، وذلك يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر ، وكان مما قيل فيه قول أبى تمام الطائىّ: ما إِنّ به إلّ الوحوش قطينُ(١). بذُّ الجلادُ البذَّ فهو دفينُ هُبْجَاءٌ إِلَّا عَزَّ هذا الدينُ لم يُقْرَ هذا السيفُ هَذَا الصّبر فى بالسيفٍ فَحْلُ المشرِقِ الأَفشينُ قد كان عُذْرةَ سُودَد فافتَضَّها ولقد تُرَى بالأمس وهى عرينُ فأَعادها تّحوِى الثعالبُ وسْطُها دِيَمُ أَمَارَتُهَا ◌ُلّى وشئونُ هطلتْ عليها من جَماجِم أُهلِها (٢) عسِرًا، فأَضحتْ وهْىَ منه مُعينُ(٤) كانت من المُهَجات قبلُ مفازةٌ (٣) ١٢٣٤/٣ * * ٠ [ ذكر خبر إيقاع الروم بأهل زبطرة ] وفى هذه السنة أوقع تسّوْفِيل بن ميخائيل صاحب الروم بأهل زِيتَطْرة ، فأسرهم وخرّب بلدهم، ومضى من فوره إلى مسكتطية فأغار على أهلها وعلى أهل حصون من حصون المسلمين ؛ إلى غير ذلك؛ وسبا من المسلمات - فيما قيل - أكثر من ألف امرأة ، ومثّل بمن صار فى يده من المسلمين ، وسمل أعينهم ، وقطع آذانهم وآ نافهم . (١) ديوانه ٣ : ٣١٦. (٣) ديوانه. ((كانت من الدم قبل ذاك)). (٢) ديوانه: ((جادت عليها)). (٤) ديوانه: ((غوياً فأمست)). أ ٥٦ سنة ٢٢٣ • ذكر الخبر عن سبب فعل صاحب الروم بالمسلمين ما فعل من ذلك : ◌ُذكر أنّ السبب فى ذلك كان ما لحق بابك من تضييق الأفشين عليه وإشرافه على الهلاك، وقَهْر الأفشين إياه ؛ فلما أشرف على الهلاك، وأيقن بالضَّعْف من نفسه عن حربه، كتب إلى ملك الروم تَوْفيل بن ميخائيل بن جُورجس؛ يعلمه أن ملك العرب قد وجّه عساكره ومقاتلته إليه حتى وجَّه خيّاطه - يعنى جعفر بن دينار - وطباخه -يعنى إيتاخ - ولم يبقَ على بابه أحد ؛ فإن أردت الخروج إليه فاعلم أنه ليس فى وجهك أحد يمنعك ؛ طمعاً منه بكتابه ذلك إليه فى أن ملك الروم إن تحرّك انكشف عنه بعض ما هو فيه يصرف المعتصم بعض مَنْ بإزائه من جيوشه إلى ملك الروم، واشتغاله به عنه. ١٢٣٥/٣ فذ کر أن توفیل خرج فیمائة ألف ۔۔ وقیل اکثر- فیھم منالجند نيف وسبعون ألفًا، وبقيّتهم أتباع حتى صار إلى زِبتَطْرة، ومعه من المحمّرة الذين كانوا خرجوا بالجبال فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مُصعب جماعة رئيسهم بارسيس(١). وكان ملك الروم قد فَرَض لهم، وزوّجهم وصيرهم مقاتلة يستعين بهم فى أهمّ أموره إليه ؛ فلما دخل ملك الروم زِبَطْرة وقتل الرجال الذين فيها ، وسبى الذراريّ والنساء التى فيها وأحرقها، بلغ النفير - فيما ذكر - إلى سامرًا، وخرج أهل ثغور الشأم والجزيرة وأهل الجزيرة إلا من لم يكن عنده دابة ولا سلاح ، واستعظم المعتصم ذلك . فذكر أنه لما انتهى إليه الخبر بذلك صاح فى قصره النفير ، ثم ركب دابته وسّط خلفه شكالا وسكة حديد وحقيبة ، فلم يستقم له أن يخرج إلا بعد التعبية ، فجلس - فيما ذكر - فى دار العامة ، وقد أحضر من أهل مدينة السلام قاضيها عبد الرحمن بن إسحاق وشعيب (٢) بن سهل، ومعهما ثلثمائة وثمانية وعشرون رجلا من أهل العدالة ، فأشهدهم على ما وقف من الضياع ، فجعل ثلثاً لولده ، وثلثًا لله، وثلثًا لمواليه . ثم عسكر بغربىّ د جلة ؛ وذلك يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى . ١٢٣٦/٣ (١) !: ((باذسيس)). (٢) ابن الأثير: ((وشعبة)). ٥٧ سنة ٢٢٣ ووجّه عُجيف بن عنبسة وعمراً (١) الفرغانىّ ومحمد كُوتَة (٢) وجماعة من القُواد إلى زِبَطْرة إعانة لأهلها ، فوجدوا ملك الروم قد انصرف إلى بلاده بعد ما فعل ما قد ذكرناه ، فوقفوا قليلا ؛ حتى تراجع الناس إلى قراهم ، واطمأنّوا . فلما ظفير المعتصم ببابك ، قال : أىّ بلاد الروم أمنع وأحصن؟ فقيل: عمُورية ، لم يعرض لها أحد من المسلمين منذ كان الإسلام، وهى عين النصرانية وبُنْكها(٣)؛ وهى أشرف عندهم من القسطنطينية. ٠ ٠ [ ذكر الخبر عن فتح عمورية ] وفى هذه السنة شخص المعتصم غازياً إلى بلاد الروم . وقيل كان شخوصه إليها من سامرًا فى سنة أربع وعشرين ومائتين- وقيل فى سنة اثنتين وعشرين ومائتين- بعد قتله بابك . فذكر أنه تجهّز جهازاً لم يتجهز مثله قبله خليفة قطّ ، من السلاح والعُدد والآلة وحياض الأدَم والبغال والرّوَايا والقِرَب وآلة الحديد والنَّقْط، وجعل على مقدّمته أشناس ، ويتلوه محمد بن إبراهيم ، وعلى ميمنته إيتاخ، وعلى ميسرته جعفر بن دينار بن عبد الله الخياط، وعلى القلب عنُجَيف بن عنبسة . ولما دخل بلاد الروم أقام على نهر اللميس (٤). وهو على سلُوقية قريبًا من البحر ، بينه وبين طرَسُوس مسيرة يوم ، وعليه يكون الفداء إذا فُودی بین المسلمين والروم ، وأمضى المعتصم الأفشِينَ خيذر (٥) بن كاوس إلى سَرُوج، وأمره بالبروز منها والدخول من درب الحدّث، وسمّى له يومًا أمره أن يكون دخوله فيه ، وقدّر لعسكره وعسكر أشناس يوماً جعله بينه وبين اليوم الذى يدخل فيه الأفشين ، بقدر ما بين المسافتين إلى الموضع الذى رأى أن يجتمع العساكر فيه - وهو أنقرة - ودبّر النزول على أنقرة، فإذا فتحها اللّه عليه صار ٢٣٧/٣! (٢) ابن الأثير: ((كوتاه)). (١) ابن الأثير: ((وعمر)). (٣) البنك، بالضم: أصل الشىء وخالصه. (٤) ابن الأثير: ((السن)). (٥) ط: ((حيدر))، وانظر الفهرس والتصويبات. ٥٨ سنة ٢٢٣ إلى عَمُورية، إذ لم يكن شىء مما يقصد له من بلاد الروم أعظم من هاتين المدينتين ، ولا أحرى أن تجعل غايته التى يؤمها . وأمر المعتصم أشناس أن يدخل من درب طّرسُوس، وأمره بانتظاره بالصفصاف فکان شخوص أشناس یوم الأربعاء للان بقین من رجب ، وقدّم المعتصم وصيفًا فى أثر أشناس على مقدّمات المعتصم ، ورحل المعتصم يوم الجمعة لست بقین من رجب . ١٢٣٨/٣ فلما صار أشناس بمرْج الأسقُف، ورد عليه كتاب المعتصم من المطامير يعلمه أن الملك بين يديه، وأنه يريد أن يجوز العساكرُ الليس، فيقف على الخاضة، فيكبسهم، ويأمره بالمقام بمرج الأسقُف - وكان جعفر بن دينار على ساقة المعتصم - وأعلم المعتصم أشناس فى كتابه أن ينتظر موافاة الساقة، لأن فيها الأثقال والمجانيق والزّاد وغير ذلك؛ وكان ذلك بعد فى مضيق الدرب لم يخلص، ويأمره بالمقام إلى أن يتخلص صاحب الساقة من مضيق الدّرْب بمن معه ، ويُصحر حتى يصير فى بلاد الروم. فأقام أشناس بمرج الأسقف ثلاثة أيام ؛ حتى ورد كتاب المعتصم ، بأمره أن يوجّه قائداً من قُوّاده فى سريّة يلتمسون رجلامن الروم، بسألونه عن خبر الملك ومَن معه، فوجه أشناس عمراً الفرغانى فى مائتى فارس ، فساروا ليلتهم حتى أتوا حصن قرّة فخرجوا يلتمسون رجلا من حول الحصن ؛ فلم يمكن ذلك، ونذرٍ بهم صاحب قُرّة ، فخرج فى جميع (١) فرسانه الذين كانوا معه بالصرّة، وكمن فى الجبل الذى فيما بين قُرّة وُدُرّة؛ وهو جبل كبير يحيط برستاق يسمى رستاق قُرّة، وعلم عمرو الفرغانى أن صاحب قُرّة قد نذِربهم، فتقدّم إلى دُرّة، فكمن بها ليلَته؛ فلما انفجر عمود الصبح صير عسكره ثلاثة كراديس، وأمرهم أن يركُضوا ركضاً سريعاً، بقدر ما بأتونه بأسير عنده خبر الملك ، ووعدهم أن يوافُوه به فى بعض المواضع التى عرفها الأدلاء، ووجه مع كل گردوس دليلين. (١) ف: ((بجميع)). ١ ٥٩ سنة ٢٢٣ وخرجوا مع الصبح ، فتفرّقوا فى ثلاثة وجوه ؛ فأخذوا عِدّة من الروم ؛ بعضهم من أهل عسكر الملك ، وبعضهم من الضواحى ؛ وأخذ عمرو رجلاً من الروم من فرسان أهل القرّة ، فسأله عن الخبر؛ فأخبره أن الملك وعسكره ١٢٣٩/٣ بالقرب منه وراء اللمس بأربعة فراسخ، وأنّ صاحب قُرّة نذر بهم فى ليلتهم(١) هذه، وأنه ركب فكمن(٢) فى هذا الجبل فوق رءوسهم ؛ فلم يزل عمرو فى الموضع الذى كان وعد فيه أصحابه ، وأمر الأدلاء الذين معه أن يتفرّقوا فى رءوس الجبال ، وأن يشرفوا على الكراديس الذين وجَّههم إشفاقاً أن يخالفهم صاحب قُرّة إلى أحد الكراديس، فرآهم الأدلاء، ولوّحوا (٣) لهم، فأقبلوا فتوافواهم وعمرو فى موضع غیر الموضع الذی کانوا اتعدوا له ، ثم نزلوا قليلا ، ثم ارتحلوا يريدون العسكر ، وقد أخذوا عدّة ممن كان فى عسكر الملك، فصاروا (٤) إلى أشناس فى اللَّمِس، فسألهم عن الخبر ، فأخبروه أن الملك مقيم منذ أكثر من ثلاثين يومًا ينتظر عُبور المعتصم ومقدّمته باللَّميس؛ فيواقعهم من وراء اللَّمِس، وأنه جاءه الخبر قريبًا ؛ أنه قد رحل من ناحية الأرمنياق عسكرٌ ضخم ، وتوسط البلاد - يعنى عسكر الأفشين - وأنه قد صار خلفه. فأمر الملك رجلاً من أهل بيته ابن خاله ، فاستخلفه على عسكره ، وخرج ملك الروم فى طائفة من عسكره يريد ناحية الأفشين ، فوجّه أشناس بذلك الرجل الذى أخبره بهذا الخبر إلى المعتصم ، فأخبره بالخبر، فوجته المعتصم من عسكره قومًاً من الأدلاء ، وضمين لهم لكلّ رجل منهم عشرة آلاف درهم ؛ على أن يوافُوا بكتابه الأفشين ، وأعلمه فيه أنّ أمير المؤمنين مقيم ، فليقم إشفاقًا من أن یواقعه ملك الروم . و کتب إلى أشناس کتابًا یأمره أن یوجه من قيبله رسولا من الأدلاء الذين يعرفون الجبال والطرق والمشبهة (٥) بالرّوم ، وضمین لكل رجل منهم عشرة آلاف درهم إن هو أوصل الكتاب ، ویکتب إليه أن ملك الروم قد أقبل نحوه فليُقم مكانه حتى يوافيه كتاب أمير المؤمنين . ١٢٤٠/٣ فتوجّهت الرسل إلى ناحية الأفشين ، فلم يلحقه أحد منهم؛ وذلك أنه كان (٣) س: ((فلوحوا)). (٢) س: (( وکمن )). (١) ف: ((ليلته)). (٤) ف: ((وصاروا)). (٥) !: ((والمتشبهة)). : ٦٠ سنة ٢٢٣ وغل(١) فى بلاد الروم، وتوافت آلات المعتصم وأثقاله مع صاحب الساقة إلى العسكر ، فكتب إلى أشناس يأمره بالتقدّم ؛ فتقدّم أشناس والمعتصم من ورائه ، بينهم مرحلة ، ينزل هذا ويرحل هذا . ولم يرد عليهم من الأفشين خبر ؛ حتى صاروا من أنقرة على مسيرة ثلاث مراحل ؛ وضاق عسكر المعتصم ضِيقًاً شديداً من الماء والعسلّف . وكان أشناس قد أسر عدّة أسرى فى طريقه ، فأمر بهم فضُربت أعناقهم حتى بقى منهم شيخٌ كبير ؛ فقال الشيخ: ما تنتفع (٢) بقتلى؛ وأنت فى هذا الضيق، وعسكرك أيضًا فى ضيق من الماء والزاد، وها هنا قوم قد هربوا من أنقرة خوفًا من أن ينزل بهم ملك العرب ؛ وهم بالقرب منّا ها هنا (٣)، معهم من المِيرة والطعام (٤) والشعير شىء كثير، فوجُّهْ معى قومًا لأدفعهم إليهم، وخلّ سبيلى! ١٢٤١/٣ فنادى منادى أشناس : من كان به نشاط فليركب ، فركب معه قريب من خمسمائة فارس ؛ فخرج أشناس حتى صار من العسكر علی میل ، وبرز معه مَنْ نشط من الناس، ثم برز فضرب دابته بالسوط، فركض قريبًا من مِيلين ركضًا شديداً، ثم وقف ينظر إلى أصحابه خَلْفه؛ فمَنْ لم يلحق بالكُردوس لضعف دابته ردّه إلى العسكر ، ودفع الرجل الأسير إلى مالك بن كَيْدر، وقال له: متى ما أراك هذا سَبْيًا وغنيمة كثيرة فخلّ سبيله على ما ضِمِينًا له . فسار(٥) بهم الشيخ إلى وقت العتمة، فأوردهم على واد وحشیش کثیر ، فأمرج(٦) الناس دوابتهم فى الحشیش حتی شبعت، وتعشى الناس وشربوا حتى رَووا ، ثم سار بهم حتى أخرجهم من الغَيْضة ، وسار أشناس مين موضعه الذى كان به متوجّهاً إلى أنقره . وأمر مالك بن كيدر والأدلاء الذين معه أن يوافُوه بأنقرة ، فسار بهم الشيخ العْلج بقية ليلتهم يدُور بهم فى جبل ليس يخرجهم منه، فقال الأدلاء (١) ابن الأثير: ((أوغل)). (٣) ف: ((من هاهنا)). (٥) ف: ((وسار)). (٢) ف: ((ما ينتفع)). (٤) ف: ((من الطعام وغيره)). (٦) أمرجوا دوابهم : جعلوها ترعى .