النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
سنة ٢١٣
عليه ؛ فإنه لن يأتى أمراً يُعتذر منه؛ لأنه قسّم أيامَه بين أيام الفضل ، فجعل
لكل خلُق نوية، إذا نظرت فى أمرِه لم تدرأىّ حالاته أعجب! إما هداه إليه
عقله؛ أم إما اكتسبه بالأدب، قال: لقد مدحتَه على سوء رأيك فيه ! قال :
لأنّه فيما قلت(١) كما قال الشاعر:
١١٠١/٣
كفى شكرًا بما أَسْدَيتَ أَنِّى
مدَحتُك فى الصَّديق وفى عِداتِى(٢)
قال : فأعجب المأمونَ كلامُه ، واسترجح أدبه .
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد.
(١) بعدها فى ابن الأثير: ((فيه)).
(٢) ابن الأثير: (( صلقتك» ..

٦٢٢
ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فممّا كان فيها من ذلك مقتل محمد بن حُميد الطوسىّ ، قتله بابك
بهَشْتَادْ سَر، (١يوم السبت لخمس ليال١) بقين من شهر ربيع الأول، ورفض
عسكره ، وقتل جمعًاً كثيراً ممن كان معه .
وفيها قُتل أبو الرازىّ باليمن .
وفيها قُتل ◌ُمَير بن الوليد الباذَ غيسىّ عامل أبى إسحاق بن الرشيد بمصر
بالحوْف فى شهر ربيع الأول ، فخرج أبو إسحاق إليها فافتتحها ، وظفر
بعبد السلام وابن جَليس، فقتلهما فضرب المأمونُ بن الحروريّ وردّه إلى مصر.
وفيها خرج بلال الضَّبابىّ الشارى ، فشخص المأمون إلى العَلْث ، ثم رجع
١١٠٢/٣ إلى بغداد، فوجّه عباسًا ابنه فى جماعة من القوّاد، فيهم علىّ بن هشام
وعُجيف وهارون بن محمد بن أبى خالد ، فقتلَ هارون بلالا .
وفيها خرج عبد الله بن طاهر إلى الدّينَور، فبعث المأمون إليه إسحاق
ابن إبراهيم ويحيى بن أكثم يخيّرانه بين خُراسان والجبال وأرمينية وأذْرَ بيجان،
ومحاربة بابك ، فاختار خُراسان ، وشخص إليها .
وفيها تحرّك جعفر بن داود القُمى، فظفر به عز یز مولی عبدالله بن طاهر ،
وكان هرب من مصر فرُدّ إليها .
وفيها ولّى علىّ بن هشام الجبل وقُمٌّ وإصبهان وأذر بيجان.
#
#
وحجّ بالناس فى هذه السنة إسحاق بن العباس بن محمد.
(١ -١) ((يوم الخميس اليال)) ..

٦٢٣
ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
٠٠
[ ذكر خبر شخوص المأمون لحرب الروم ]
وفى هذه السنة شخص المأمون من مدينة السّلام لغزو الروم ، وذلك
يوم السبت - فيما قيل - لثلاث بقين من المحرّم - وقيل كان ارتحاله من
الشماسيّة إلى البَرّدان يوم الخميس بعد صلاة الظهر، لستّ بقين من المحرّم
سنة خمس عشرة ومائتين - واستخلف حين رحل عن مدينة السلام عليها
إسحاق بن إبراهيم بن مُصعب، وَوُلِّىَ مع ذلك السواد وحُدْوان وكُوردِ جْلة.
فلما صار المأمون بتکریت قدم علیه محمد بن على بن موسى بن جعفر بن
محمد بن علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب رحمه الله، من المدينة فى صفر
ليلة الجمعة من هذه السنة، ولقيته بها فأجازه، وأمره أن يدخل بابنته أم الفضل
وكان زوّجها منه؛ فأدخلت عليه فى دار أحمد بن يوسف التى على شاطئ
دِجْلة ، فأقام بها ؛ فلما كان أيام الحجّ خرج بأهله وعياله حتى أتى مكة ،
ثم أتى منزله بالمدينة؛ فأقام بها، ثم سلك المأمون طريق الموصل؛ حتى صار إلى
متَنْبج، ثم إلى دابق، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى المَصِّيصة، ثم خرج منها إلى
طَرَسُوس، ثمّ دخل من طَرَسوس إلى بلاد الرّوم للنصف من جمادى
الأولى. ورحل العباس بن المأمون من ملَطْيَة ؛ فأقام المأمون على حصن يقال
له قُرّة؛ حتى فتحه عَنْوة؛ وأمر بهدمه؛ وذلك يوم الأحد لأربع بقين من
جمادى الأولى؛ وكان قد افتتح قبل ذلك حصنًا يقال له ماجدة؛ فمنّ على
أهلها .
١١٠٣/٣
وقيل إن المأمون لما أناخ على قُرّة، فحارب أهلها طلبوا الأمان، فآمنهم
المأمون ، فوجه أشناس إلى حصن سندس، فأتاه برئيسه، ووجه عجيفًا وجعفرًا

٦٢٤
سنة ٢١٥
الخياط إلى صاحب حصن سنان ، فسمع وأطاع .
٠
وفى هذه السنة انصرف أبو إسحاق بن الرشيد من مصر ، فلقى المأمون
قبل دخوله الموصل ، ولقيه متْوِيل وعباس ابنه برأس العين.
وفيها شخص المأمون بعد خروجه من أرض الروم إلى دمشق .
٠
٠٠
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد .

٦٢٥
ثم دخلت سنة ست عشرة ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
١١٠٤/٣
#
[ عود إلى ذكر غزو المأمون أرض الروم ]
فمن ذلك كرّ المأمون إلى أرض الروم .
· ذکر السبب فی کرّه إليها :
اختلف فى ذلك، فقيل : كان السبب فيه ورودُ الخبر على المأمون يقتل ملك
الرّوم قومًا من أهل طَرَسوس والمَصِّيصَة؛ وذلك فيما ذكر - ألف وستمائة.
فلما بلغه ذلك شخص حتى دخل أرض الرّوم يوم الاثنين لإحدى عشرة
بقيتْ من جمادى الأولى من هذه السنة ، فلم يزل مقيمًا فيها إلى النّصف
من شعبان .
وقيل: إن سبب ذلك أن تَوْفيل بن ميخائيل كتب إليه ، فبدأ بنفسه ،
فلمّا ورد الکتاب علیه لم يقرأه، وخرج إلى أرضالرُّوم، فوافاه رسل توْفيل بن
ميخائيل بأذ نة ، ووجه بخمسمائة رجل منأساری المسلمین إليه ؛ فلما دخل
المأمون أرض الروم، ونزل على أنطيغوا، فخرج أهلها على صلح وصار إلى هرَقْلة ،
فخرج أهلها إليه على صلح ، ووجّه أخاه أبا إسحاق ، فافتتح ثلاثين
حصنًا ومطمورة . ووجّه يحيى بن أكثم من طُوانة، فأغار وقتل وحرّق، وأصاب
سبْيًا ورجع إلى العسكر. ثم خرج المأمون إلى كيسوم، فأقام بها يومين أو ثلاثة،
ثم ارتحل إلى دمشق .
وفى هذه السنة ظهر عَبْدُوُس الفِهْرىّ، فوثب بمن معه على عمّال
أبى إسحاق، فقتل بعضهم؛ وذلك فى شعبان، فشخص المأمون من دمشق يوم
الأربعاء لأربعَ عشرة بقيتْ من ذى الحجّة إلى مصر .
وفيها قدم الأفشين من بَرْقة منصرفًا عنها ، فأقام بمصر .
١١٠٥/٣

٦٢٦
سنة ٢١٦
وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتَّكْبير إذا
صلُّوا ، فبدءوا بذلك فى مسجد المدينة والرّصافة يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة
بقيتْ من شهر رمضان من هذه السنة ، حين قضوا الصلاة ، فقاموا قيامًا ،
فكبّروا ثلاث تكبيرات ، ثم فعلوا ذلك فى كلِّ صلاة مكتوبة .
وفيها غضب المأمون على علىّ بن هشام ، فوجّه إليه عُجيف بن عنبسة
وأحمد بن هشام ، وأمر بقبض أمواله وسلاحه .
وفيها ماتت أمّ جعفر ببغداد فى جمادى الأولى .
وفيها قدم غسان بن عباد من السِّنْد ، وقد استأمن إليه بشربن داود
المهلبيّ ، وأصلح السند ، واستعمل عليها عمران بن موسى البرمكىّ!)، فقال
الشاعر :
وسمامُ الحُتوفِ فِى ظُبَتَيْهِ
سيفُ غِسانَ رَونَقُ الحربِ فِيه
دِ فأَلْقَى المَقادَ بِشرٌ إِليهِ
فإِذا جرَّه إلى بلدِ السن
١١٠٦/٣
ه مُصَلّ وما رمى جَمْرَتَيْهِ
مُقْسِماً لا يعودُ ما حجَّ لا
لُ جُنُودًا تأْوَى إِلى ذِروَتَيْهِ
غادِرًا يَخلَعُ الملوكَ ویغتا
فرجع غسان إلى المأمون، وهرب جعفر بن داود القمىّ إلى قمّ، وخلع بها.
وفى هذه السنة كان البَرْد الشديد.
٠ ٠
وحجّ بالناس - فى قول بعضهم - فى هذه السنة سليمان بن عبد الله بن
سليمان بن على بن عبد الله بن عباس ، وفى قول بعضهم: حجّ بهم فى هذه السنة
عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن على بن عبدالله بن العباس ؛
وكان المأمون ولآه اليمن ، وجعل إليه ولاية كلّ بلدة يدخلها حتى يدخل إلى
الیمن ، فخرج من دمشق حتى قدم بغداد ، فصلى بالناس بها يوم الفطر،
فشخص من بغداد يوم الاثنين لليلة خلَتْ من ذى القَعْدة، وأقام الحجّ للناس.
(١) ابن الأثير: ((المتكى))

٦٢٧
ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ظَفَرُ الأفشيْن فيها بالبِيما (١) ؛ وهى من أرض مصر، ونزل
أهلها بأمان على حُكْم المأمون، قُرِئ كتاب فتحها لليلة بقيت من شهر ١١٠٧/٣
ربيع الآخر.
وورد المأمون فيها مصرفى المحرّم، فأُتّىَ بعبدوس الفهرىّ فضرب عنقه ،
وانصرف إلى الشأم .
٥
#
[ ذكر الخبر عن قتل على" وحسين ابنى هشام ]
وفيها قتل المأمون ابنى هشام عليًّا وحُسينًا بأذنَّة فى جمادى الأولى .
* ذكر الخبر عن سبب قتله عليًّا :
وكان سبب ذلك ، أنّ المأمون للذى بلغه من سوء سيرته فى أهل عمله الذى
كان المأمون ولا هـ وكان ولآه كُور الجبال- وقتلِه الرجال، وأخذه الأموال؛
فوُجّه إليه عُجيف ، فأراد أن يفتك به ويلحق ببابك ، فظفر به عنجيف ،
فقدم به على المأمون ، فأمر بضرب عنقه ، فتولى قتله ابن الجليل . وتولّى
ضربَ عُق الحسين محمد بن يوسف ابن أخيه بأذَنَة، يوم الأربعاء لأربع
عشرة ليلة بقيتْ من جمادى الأولى ، ثم بعث رأس على بن هشام إلى بغداد
وخُراسان ، فطِيف به، ثم رُدّ إلى الشأم والجزيرة فطِيف به كورةً كورةً،
فقدم به دمشق فى ذى الحجة، ثم ذهب به إلى مصر ، ثم ألقى بعدذلك فى البحر.
وذُكر أن المأمون لما قتل علىّ بن هشام، أمر أن يكتب رقعة وتُعلَّق على
رأسه ليقرأها الناس ؛ فكتب :
(١) ابن الأثير: ((بالفرما)).

٦٢٨
١١٠٨/٣
سنة ٢١٧
أما بعد، فإن أمير المؤمنين كان دعا علىّ بن هشام فيمن دعا من أهل
خُراسان أيام المخلوع، إلى معاونته والقيام بحقه، وكان فيمن أجاب وأسرع
الإجابة ، وعاون فأحسن المعاونة . فرعى أمير المؤمنين ذلك له واصطنعه (١)،
وهو يظنّ به تقوى الله وطاعته والانتهاء إلى أسر أمير المؤمنين فى عمل إن أسند
إليه فى حسن السيرة وعفاف الطُّعمة (٢)، وبدأه أمير المؤمنين بالإفضال عايه ،
فولآه الأعمال السنيّة، ووصله بالصلات الجزيلة التى أمر أمير المؤمنين بالنظر
فى قدرها، فوجدها أكثر من خمسين ألف ألف درهم، فمدّ يده إلى الخيانة
والتضييع لما استرعاه من الأمانة ، فباعده عنه وأقصاه، ثم استقالَ أميرَ المؤمنين
عثرته فأقاله إيّاها، وولاه الجبل وأذر بيجان وكُور أرمينية، ومحاربة أعداء الله
الخرّميّة ، على ألا يعود لما كان منه؛ فعاود أكثر ما كان بتقديمه الدينار والدرهم
على العمل لله ودينه، وأساء السيرة وعسْف الرعية وسفك الدماء المحرّمة، فوجّه
أمير المؤمنين عنجيف بن عتَنْبسة مباشراً لأمره ، وداعيًا إلى تلافى ما كان
منه ؛ فوثب بعُجَيف يريد قتله ، فقوّى الله عُجيفًا بنيّته الصادقة فى طاعة
أمير المؤمنين ؛ حتى دفعه عن نفسه، ولو تمّ ما أراد بُعجَيف لكان فى ذلك
ما لا يستدرك ولا يستقال؛ ولكنّ اللّه إذا أراد أمراً كان مفعولا. فلما أمضى
أميرُ المؤمنين حكم الله فى علىّ بن هشام، رأى ألا يؤاخذ مَنْ خلفه بذنبه، فأمر
أن يجرى لولده ولعياله ولمن اتصل بهم ومَنْ كان يجرى عليهم مثل الذى كان
جاريًا لهم فى حياته ؛ ولولا أن علىّ بن هشام أراد العُظمى بعُجيف، لكان
فى عداد مَنْ كان فى عسكره ممن خالف وخان، كعيسى بن منصور ونظرائه.
والسلام :
١١٠٩/٣
وفى هذه السنة دخل المأمونُ أرض الرّوم ، فأناخ على لؤلؤة مائة يوم ،
ثم رحل عنها وخلّف عليها عُجَيَفًا، فاختدعه أهلُها وأسروة؛ فمكث أسيرًا
فى أيديهم ثمانية أيام ، ثم أخرجوه ، وصار تسوفيل إلى لؤلؤة ، فأحاط بعجيف،
فصرف المأمون الجنود إليه ، فارتحل تَوْفيل قبل موافاتهم ، وخرج أهل لؤلؤة
إلى عُجَيَّف بأمان .
(١) اصطنعه: اختاره خاصة أمره .
(٢) الطعمة : المأكلة ووجه الكسب .

٦٢٩
سنة ٢١٧
[ كتاب توفيل إلى المأمون ورّد المأمون عليه ]
وفيها كتَب تَوْفيل صاحب الرُّوم إلى المأمون يسأله الصلح، وبدأ بنفسه فى
كتابه، وقدم بالكتاب الفضل وزير توْفيل يطلب الصلح، وعرض الفدية .
وكانت نسخة كتاب توفيل إلى المأمون :
أما بعد، فإن اجتماع المختلفين على حظّهما أوْلى بهما فى الرأى مما عاد
بالضّرر عليهما ؛ ولستَ حريًا أن تدع لحظُّ يصل إلى غيرك حظًّا تحوّزه
إلى نفسك، وفى عامك كافٍ عن إخبارك؛ وقد كنت كتبت إليك داعيًا إلى
المسالمة ، راغبًا فى فضيلة المهادنة ، لتضع أوزار الحرب عنا، ونكون كلّ"
واحد لكل واحد وليًّا وحزبًا؛ مع اتصال المرافق والفُسَح (١) فى المتاجر، وفك"
المستأسر، وأمن الطرق والبَيْضة؛ فإن أبيتَ فلا أدبّ لك فى الخمر(٢)، ولا
أزخرف لك فى القول ؛ فإنى لخائض إليك غمارها ، آخذ عليك أسدادها(٣)؛
شانٌّ خيلتها ورجالها، وإن أفعل فبعد أن قدّمت المعذرة، وأقمت بينى وبينك
عَلَ الحجّة. والسلام.
١١١٠/٣
فكتب إليه المأمون :
أما بعد ؛ فقد بلغنى كتابُك فيما سألتَ من الهدنة ، ودعوتَ إليه من
. المواد عة، وخلطت فيه من اللِّين والشدّة؛ مما استعطفتَ به؛ من شرح المتاجر
واتصال المرافق، وفكّ الأسارى، ورفع القَتْل والقتال، فلولا ما رجعت إليه من
أعمال التؤدة والأخذ بالحظّ فى تقليب الفكرة، وألاّ أعتقد الرأى فى مستقبله
إلا فى استصلاح ما أوثره فى معتقبه، لجعلت جواب كتابك خيلاً تحمل رجالا
(١) الفسح: جمع فسحة أو هى السعة.
(٢) الخمر، بالتحريك: كل ما واراك من شجر أو بناء أو غيره . وخمر كفرح: توارى
ومن أمثال العرب: ((يدب له الضراء ويمشى الخمر)). والضراء كسحاب: الشجر الملتف فى الوادى؛
يقال : توارى الصيد فى ضراء، وفلان يمشى الضراء؛ إذا مشى مستخفيًا فيما يوارى من الشجر ،
مثل يضرب للرجل يختل صاحبه .
(٣) الأسداد : جمع سد وهو الحاجز .

٦٣٠
سنة ٢١٧
من أهل البأس والنّجدة والبصيرة ينازعونكم عن ثُكلكم (١) ويتقرّبون إلى الله
بدمائكم ، ويستقدّون فى ذات الله ما نالهم من ألم شوكتكم، ثم أوصل إليهم من
الأمداد، وأبلغ لهم كافيًا من العُدّةِ والعتاد، هم أظمأ إلى موارد المنايا منكم إلى
السلامة من مخوف معرّتهم عليكم؛ موعدُهم إحدى الحسنيين: عاجل غلبة ،
أو كريم منقلَب ؛ غير أنى رأيت أن أتقدّم إليك بالموعظة التى يثبت الله بها
عليك الحجة ؛ من الدعاء لك ولمن معك إلى الوحدانية والشريعة الحنيفيّة؛ فإن
أبيتَ فقدية توجب ذّمة ، وتُثبت نظرة، وإن تركتَ ذلك، ففى يقين المعاينة
لنعوتنا ما يُغنى عن الإبلاغ فى القول والإغراق فى الصفة . والسلام على من
اتبع الهدى .
وفيها صار المأمون إلى سَلَغُوس .
وفيها بعث علىّ بن عيسى القمىّ جعفر بن داود القمىّ فضرب أبوإسحاق
ابن الرّشيد عنقه .
وحجّ بالناس فى هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علىّ .
(١) الثكل: الموت والهلاك.
١١١١/٣

٦٣١
ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من شخوص المأمون من سَلَغُوس إلى الرّقة، وقتله بها ابن
أخت الدارى .
وفيها أمر بتفريغ الرّافقة لينزلها حشمه ، فضجّ من ذلك أهلها فأعفاهم .
وفيها وجّه المأمون ابنَه العباس إلى أرض الرّوم، وأمره بنزول الطُّوانة
وبنائها ، وكان قد وجّه الفَعلة والفروض، فابتدأ البناء ، وبناها ميلاً فى
ميل ، وجعل سورَها على ثلاثة فراسخ ، وجعل لها أربعة أبواب ، وبنى على
كلّ باب حِصْنًا ؛ وكان توجيهُه ابنَه العباس فى ذلك فى أوّل يوم من
جمادى .
١١١٢/٣
و کتب إلى أخيه أبى إسحاق بن الرّشید ؛ أنه قد فرضعلى جُند دمشق
وحمْص والأردن وفلسطين أربعة آلاف رجل ، وأنه يجرى على الفارس مائة
درهم، وعلى الرّاجل أربعين درهماً، وفرضَ على مصر فَرْضًا، وكتب إلى
العباس بمَنْ فَرضَ على قِنَّرين والجزيرة، وإلى إسحاق بن إبراهيم بمن فرض
على أهل بغداد وهم ألفا رجل، وخرج بعضهم حتى وافَى طُوانة ونزلها مع العباس.
*
[ ذكر خبر المحنة بالقرآن ]
وفى هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم فى امتحان القضاة
والمحدّثين، وأمر بإشخاص جماعة منهم إليه إلى الرّقّة؛ وكان ذلك أوّل كتاب
کتب فى ذلك، ونسخة کتابه إليه :
أما بعد ؛ فإن حقّ اللّه على أئمة المسلمين وخلفائهم الاجتهادُ فى إقامة
دين الله الذى استحفظهم، ومواريث النبوّة التى أورثهم، وأثْرِ العلم الذى
استودعهم، والعملُ بالحقّ فى رعيّتهم والتشمير لطاعة اللّه فيهم، واللّهَ

٦٣٢
سنة ٢١٨
يسألَ أميرُ المؤمنين أن يوفقه لعزيمة الرّشد وصريمته(١) والإقساط فيما ولآه الله
من رعيّته برحمته ومنّته . وقد عرف أمير المؤمين أنّ الجمهور الأعظم والسواد
١١١٣/٣ الأكبر من حَشْو الرعية وسفْلة العامة ممن لا نظَر له ولا روّيّة ولا استدلال
له بدلالة اللّه وهدايته والاستضاءة بنور العلم وبرهانه فى جميع الأقطار والآفاق
أهلُ جهالة باللّه، وعمّى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به.
ونكوب عن واضحات أعلامه وواجب سبيله ، وقصور أن يقدروا الله حقّ
قدره، ويعرفوه كنهَ معرفته، ويفرّقوا بينه وبين خلقه، لضعف آرائهم ونقص
عقولهم وجفائهم عن التفكّر والتذكر ؛ وذلك أنهم ساووا بين اللّه تبارك وتعالى
وبين ما أنزل من القرآن، فأطبقوا مجتمعين ، واتّفقوا غير متعاجمين، على أنهقديم
أوّل لم يخلقه اللّه وُيُحْدِثه ويخترعه، وقد قال الله عز وجل فى محكم كتابه
الذى جعله لما فى الصدور شفاءً، وللمؤمنين رحمةً وهدّى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ
قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٢)، فكلُّ ما جعله الله فقد خلقه، وقال: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِى
خَلَقَ السَّمُوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلمَاتِ وَالنُّورَ﴾(٣)، وقال عزّ وجلّ:
﴿كَذَلِكَ نقصٌّ عَلَيْكَ من أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبق﴾(٤)، فأخبر أنه قصص الأمور
١١١٤/٣ أحدثه بعدها وتلا به متقدّمها، وقال: ﴿الَرَ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ
فُصِّلَتْ مِنْ لَدُن حَكِيمٍ خَبِير﴾(٥)، وكل محكَمٍَ مفصَّل فله محكم مفصِّل،
واللّه محكم كتابه ومفصله ؛ فهو خالقه ومبتدعه .
ثم هم الذين جادلوا بالباطل فدعوا إلى قولهم، ونسبوا أنفسهم إلى السنة، وفى
كلّ فصل من كتاب اللّه قصَص من تلاوته مبطل قولهم، ومكذّب دعواهم، يرد
عليهم قولهم ونِحْلتهم . ثم أظهروا مع ذلك أنهم أهل الحقّ والدين والجماعة،
وأن مَنْ سواهم أهل الباطل والكفر والفُرْقة ، فاستطالوا بذلك على النّاس،
وغرّوا به الجهّال حتى مال قوم من أهل السَّمْت الكاذب، والتخشع لغير اللّه،
والتقشّف لغير الدين إلى موافقتهم عليه، ومواطأتهم على سئ آرائهم، تزّيّناً
(١) الصريمة: العزيمة وقطع الأمر، وفى ف: ((وصريمة)).
(٣) سورة الأنعام !
(٢) سورة الزخرف ٣ .
( ٤) سورة طه ٩٩ .
(٥) سورة هود ١، ٢.

٦٣٣
سنة ٢١٨
بذلك عندهم وتصنعًا للرياسة والعدالة فيهم ، فتركوا الحق إلى باطلهم ،
واتّخذُوا دون اللّه وليجة إلى ضلالتهم، فقبلت بتزكيتهم لهم شهادتهم، ونفذت
أحكام الكتاب بهم على دَغَل دينهم، ونغَل أديمهم، وفساد نيّاتهم ويقينهم.
وكان ذلك غايتهم التى إليها أجرْوا، وإياها طلبوا فى متابعتهم والكذب على
مولاهم، وقد أخذ عليهم ميثاق الكتاب ألاّ يقولوا على اللّه إلا الحقّ، وَدرَسوا ١١١٥/٣
ما فيه، أولئك الذين أصمّهُم اللّهُ وأعمى أبصارهم، ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن
أَمْ عَلى قلُوبٍ أَقْفَالُها﴾(١).
فرأى أمير المؤمنين أنَّ أولئك شرُّ الأمة ورءوس الضّلالة، المنقوصون من
التوحيد حظًّاً، والمخسوسون من الإيمان نصيباً، وأوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان
إبليس الناطق فى أوليائه، والهائل على أعدائه؛ من أهل دين الله، وأحقّ من
يُتّهم فى صدقه، وتطرح شهادته، لا يوثَق بقوله ولا عمله؛ فإنه لاعمل إلا بعد
يقين، ولا يقينَ إلاّ بعد استكمال حقيقة الإسلام ، وإخلاص التوحيد ، ومن
عَمیَ عن رُشْده وحظّه من الإيمان بالله وبتوحیده ؛ کان عمّا سوى ذلك من
عمله والقصد فى شهادته أعمتى وأضلّ سبيلا. ولعمرُ أمير المؤمنين إنَّ أحجى (٢)
الناس بالكذب فى قوله، وتخرّص الباطل فىشهادته، من كذب علىالله ووحیه،
ولم يعرف الله حقيقة معرفته، وإنّ أولاهم بردّ شهادته فى حكم الله ودينه من
ردّ شهادة اللّه على كتابه ، وبَهت حق الله بباطله .
فاجمعْ من بحضْرتك من القُضاة ، واقرأ عليهم كتابَ أمير المؤمنين هذا
إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون وتكشيفهم عما يعتقدون ، فى خلق اللّه القرآن ١١١٦/٣
وإحداثه ، وأعلمهم أنّ أمير المؤمنين غير مستعين فى عمله ، ولا واثق فيما قلده
اللّه، واستحفظه من أمور رعيّته بمن لا يوثق بدينه وخلوص توحيده ويقينه؛ فإذا
أقرّوا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه ، وكانوا على سبيل الهدى والنجاة . فمرهم
بنصّ(٣) من يحضُرُهم من الشهود على الناس ومسألتهم عن علمهم فى القرآن ،
وترك إثبات شهادة من لم يقرّ أنه مخلوق محدث ولم يره، والامتناع من توقيعها
(١) سورة محمد ٢٤ .
(٣) نصه: استقصى مسألته عن الشىء.
(٢) أحجى : أحق وأجدر.

٦٣٤
سنة ٢١٨
عنده . واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك عن قضاة أهل عملك فى مسألتهم ؛
والأمر لهم بمثل ذلك ؛ ثم أشرف عليهم وتَفَقَّد آثارهم حتى لا تنفذ أحكام
الله إلا بشهادة أهل البصائر فى الدّين والإخلاص للتوحيد (١)، واكتب إلى
أمير المؤمنين بما يكون فى ذلك . إن شاء الله .
وكتب فى شهر ربيع الأول سنة ثمان عشرة ومائتين .
وكتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم فى إشخاص سبعة نفر، منهم محمد
ابن سعد كاتب الواقدىّ ، وأبو مسلم مستملى يزيد بن هارون ، ويحيى بن
معين ، وزهير بن حرب أبو خيثمة ، وإسماعيل بن داود ، وإسماعيل بن
أبى مسعود ، وأحمد بن الدّوْرقىّ ؛ فأشخصِوا إليه ، فامتحنهم وسألهم عن
خلْق القرآن ، فأجابوا جميعًا إن القرآن مخلوق، فأشخصهم إلى مدينة السلام
وأحضرهم إسحاق بن إبراهيم دارَه ، فشهر أمرهم وقولهم بحضْرة الفقهاء والمشايخ
من أهل الحديث ، فأقرُّوا بمثل ما أجابوا به المأمون ، فخلَّى سبيلهم. وكان
ما فعل من ذلك إسحاق بن إبراهيم بأمر المأمون .
١١١٧/٣
وكتب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم :
أما بعدُ ، فإنّ من حق الله على خلفائه فى أرضه ، وأمنائه على عباده،
الذين ارتضاهم لإقامة دينه، وحمّلهم رعاية" (٢) خلقه وإمضاء حكمه وسُنَّنه(٣)
والائتمام بعدله فى بريته ، أن يجهدوا لله أنفسهم، وينصحوا له فيما استحفظهم
وقلدهم ، ويدلوا عليه - تبارك اسمه وتعالى - بفضل العلم الذى أودعهم، والمعرفة
التى جعلها فيهم ، ويهدوا إليه من زاغ عنه، ويردّوا مَنْ أدبر عن أمره ،
وينهجوا لرعاياهم ◌َمْت نجاتهم (٤)، ويقفوهم (٥) على حدود إيمانهم وسبيلٍ
فوزهم وعصمتهم ويكشفوا لهم مغطّيات أمورهم ومشتبهاتها عليهم ، بما يدفعون
الرّيْب (٦) عنهم، ويعود بالضياء والبيِّنّة على كافّتهم، وأن يؤثِرُوا ذلك من
إرشادهم وتبصيرهم، إذْ كان جامعاً لفنون مصانعهم، ومنتظمًا لحظوظ عاجلتهم
(١) ف: ((التوحيد)).
(٢) ف: ((وجعلهم رعاة)).
(٤) ف: ((سبل نجاته)).
(٣) سن: ((سننه )
(٥) س: ((ويفقهوهم)).
(٦) ف: «ما يدفعون به العيب)).

٦٣٥
سنة ٢١٨
١١١٨/٣
وآجلتهم، ويتذكَّروا ما اللّه مُرصدٌ من مساءلتهم عمّا حُمِّلُوه، ومجازاتهم
بما (١) أسلفوه وقدموا عنده، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله وحدّه، وحسبه الله
وكفى به . ومما بيّنه أمير المؤمنين برويّته، وطالعه بفكره ، فتبین عظيم خطره،
وجليل ما يرجع فى الدين من وكْفه(٢) وضرره ، ما ينال المسلمون(٣) بينهم
من القول فى القرآن الذى جعله الله إمامًا لهم، وأثراً من رسول الله صلى الله عليه
وسلم وصفيّه محمد صلى الله عليه وسلم باقيًا لهم، واشتباهه على كثير منهم ؛حتى
حسن عندهم ، وتزيّن فى عقولهم ألا يكون مخلوقًا، فتعرّضوا بذلك لدفع خلق الله
الذى بان(٤) به عن خلقه، وتفرّد بجلالته؛ من ابتداع (٥) الأشياء كلها بحكمته
وإنشائها بقدرته ، والتقدّم عليها بأوليّته (٦) التى لا يُبلَغ أولاها، ولا يدرك
مداها ؛ وكان كل شىء دونه خَلْقًا من خلقه ، وحدثا هو المحدث له ؛
وإن كان القرآن ناطقاً به ودالاً عليه ، وقاطعًا للاختلاف فيه ، وضاهَوْا به
قول النصارى فى دعائهم فى عيسى بن مريم : إنه ليس بمخلوق؛ إذ كان كلمة
اللّه، واللّه عزّ وجل يقول: ﴿إِنَّا جَعَلنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾(٧)، وتأويل ذلك
أنا خلقناه كما قال جلّ جلاله: ﴿وَجَعَلَ مِنهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِليها﴾ (٨)
وقال: ﴿وجَعْلِنَا اللَّيْلَ لباساً وَجَعَلنَا النَّهَارَ رَ مَعاشاً﴾(٩)، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ
الْمَاءِ كُلَّ شىْءٍ حَىٌّ﴾(١٠) فسوى عزّ وجلَ" بين القرآن وبين هذه الخلائق التى
ذكرها فى شية الصنعة، وأخبر أنه جاعله وحده ، فقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآن
مَجِيدٌ فى لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾(١٩)، فدل ذلك على إحاطة اللوح بالقرآن ،
ولا يحاط إلا بمخلوق، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لا تُحَرِّكُ بِهِ
لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾(١٢) وقالِ: ﴿مَا يَأْنِيهِمْ مِنْ ذِكْرِمِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾(١٣)،
١١٩/٣!
(١) س: ((عما أسلفوه)).
(٣) س: ((المسلمين)).
(٥) ف: ((بابتداع)).
(٧) سورة الزخرف ٣.
(٩) سورة النبأ ١١ .
(١١) سورة البروج ٢١٨-٢٢
(١٣) سورة الأنبياء ٢.
(٢) أى من إيذائه .
(٤) ف: ((إمتاز)).
(٦) ف: ((بازليته)).
(٨) سورة الأعراف ١٨٩
(١٠) سورة الأنبياء ٣٠ .
(١٢) سورة القيامة ١٦

٦٣٦
سنة ٢١٨
وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾(١)،
وأَخبر عن قوم ذمَّهم بكذبهم أنهم قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَىءٍ﴾ (٢)،
ثم أَكذبهم على لسان رسوله فقال لرسوله : ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِى
جَاءَ بِهِ مُوسى﴾ (٣)، فسمّى الله تعالى القرآن قرآناً وذكرًا وإِيماناً ونورًا وهدِّى
ومباركاً وعربيًّا وقصصاً، فقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا
أَوْحَيْنَا إِلَيْكِ هَذَا الْقُرْآن﴾(٤)، وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتمَعتِ الإِنْسُ والجنُّ على
أَن يَأْتُوا بِمَثلٍ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ (٥)، وقال: ﴿قُلْ فَأُتُوا بِعَشْرٍ
سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفتَرَ يَاتٍ﴾(٦)، وقالَ: ﴿لاَ يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْه
وَلاَ مِنْ خَلْفِه) (٧) فجعل له أولا وآخرًا، ودلّ عليه أنه محدود مخلوق
وقد عنَظّم هؤلاء الجهلة بقولهم فى القرآن الثّلْمَ فى دينهم ، والحرجَ فى
أمانتهم(٨)، وسهّلوا السبيلَ لعدوّ الإسلام، واعترفوا بالتبديل والإلحاد على
قلوبهم (٩) حتى عرفوا ووصفوا خَلْق اللّه وفعلتَه بالصّفة التى هى لله وحده،
وشبّهوه (١٠) به، والاشتباهُ أولى بخلقه. وليس يرى أميرُ المؤمنين لمن قال بهذه
المقالة حظًّاً فى الدّين ، ولا نصيبًا من الإيمان واليقين، ولا يرى أن يحلّ أحداً
منهم محلّ الثقة فى أمانة، ولا عدالة ولا شهادة (١١) ولا صدق فى قول ولا
حكاية، ولا تولية لشىء من أمر الرّعيّة ، وإن ظهر قصْد بعضهم ، وعُرف
بالسداد مسدّدٌ فيهم ؛ فإن الفروع مردودة إلى أصولها، ومحمولة فى الحمد
والذمّ عليها ؛ ومن كان جاهلا بأمر دينه الذى أمره الله به من وحدانيته
فبو بما سوّاه أعظم جهلا ، وعن الرّشد فى غيره أعمى وأضلّ سبيلا.
١١٢٠/٣
فاقرأ على جعفر بن عيسى وعبد الرحمن بن إسحاق القاضى كتاب
(١) سورة الأنعام ٢١.
(٢) سورة الأنعام ٩١ .
(٤) سورة يوسف ٣ .
(٦) سورة هود ١٣ .
(٨) س: ((أماناتهم)).
(١٠) س: ((وشهدوا)).
(٣) سورة الأنعام ٩١
(٥) سورة الإسراء ٨٨.
(٧) سورة فصلت ٤٢.
(٩) ف: ((أنفسهم)).
(١١) ف: ((ولا أمانته ولا عدالته ولا شهادته)).

٦٣٧
سنة ٢١٨
أمير المؤمنين بما كتب به إليك، وانصصها عن (١) علمهما فى القرآن، وأعلمهما
أن أمير المؤمنين لا يستعين على شىء من أمور المسلمين إلاّ بمن وثق بإخلاصه
وتوحيده، وأنه لا توحيد(٢) لمن لم يقرّ بأن القرآن مخلوق(٣) فإن قالاً بقول
أمير المؤمنين فى ذلك، فتقدّم إليهما فى امتحان مَنْ يحضر مجالسهما بالشّهادات
على الحقوق، ونصّهم عن قولهم فى القرآن؛ فمن لم يقلْ منهم إنه مخلوق أبطلا
شهادته ، ولم يقطعا حكماً بقوله ؛ وإن ثبت عفافُه بالقصد والسّداد فى أمره .
وافعل ذلك بمن فى سائر عملك من القضاة ، وأشرف عليهم إشرافًا يزيد اللّه
به ذا البصيرة فى بصيرته ، ويمنع المرتاب من إغفال دينه ، واكتب إلى
أمير المؤمنين بما يكون منك فى ذلك. إن شاء الله .
قال: فأحضر إسحاق بن إبراهيم لذلك جماعة من الفقهاء والحكام والمحدّثين،
وأحضر أبا حسان الزيادىّ وبشر بن الوليد الكندىّ وعلىّ بن أبى مقاتل والفضل
ابن غانم والذيّال بن الهيثم وَسجّادة والقواريرىّ وأحمد بن حنبل وقتيبة وسعدويه
الواسطىّ وعلىّ بن الجعد وإسحاق بن أبى إسرائيل وابن الهرْش وابن عُلَيّة
الأكبر ويحيى بن عبد الرحمن العمرىّ وشيخًا آخر من ولد عمر بن الخطاب -
كان قاضى الرقة وأبا نصر التّمارِ وأبا مَعْمَر القطيعىّ ومحمد بن حاتم بن ميمون
ومحمد بن نوح المضروب وابن الفَرُّخان، وجماعة منهم النضْر بن شُمَيل وابن
علىّ بن عاصم وأبو العوام البزاز وابن شجاع وعبد الرحمن بن إسحاق؛ فأدخلوا
جميعًا على إسحاق ، فقرأ عليهم كتاب المأمون هذا مرتيْن حتى فهموه ، ثم
قال لبشر بن الوليد : ما تقولُ فى القرآن ؟ فقال: قد عرّفتُ مقالتى لأمير
المؤمنين غير مرّة ؛ قال : فقد تجدّدَ من كتاب أمير المؤمنين ما قد ترى ،
فقال: أقول: القرآن كلام الله، قال: كمْ أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟ ١١٢٢/٣
قال: اللّه خالق كلّ شيء، قال: ما القرآن شىء؟ قال: هو شىء، قال:
فمخلوق ؟ قال : ليس بخالق ، قال : ليس أسألك عن هذا، أمخلوق هو ؟
قال : ما أحسِنُ غيرَ ما قلت لك ، وقد استعهدتُ أمير المؤمنين ألاّ أتكلم
(١) ف: ((على)).
(٣) س: ((ليس بمخلوق)).
(٢) ف: ((ولا توحيد)).

٦٣٨
سنة ٢١٨
فيه ، وليس عندى غير ما قلت لك . فأخذ إسحاق بن إبراهيم رقعةٌ كانت
بين يديه، فقرأها عليه ، ووقفَه عليها، فقال: أشهدأن لا إله إلا الله
أحداً فرْداً ، لم يكن قبله شىء ولا بعده شىء ، ولا يشبهه شىء من خلقه فى
معنًى من المعانى ، ولا وجه من الوجوه ، قال : نعم ؛ وقد کنت أضربالناس
على دون هذا ، فقال للكاتب : اكتب ما قال .
ثم قال لعلىّ بن أبى مقاتل: ما تقول يا علىّ؟ قال: قد سَمَّعتُ كلامى
لأمير المؤمنين فى هذا غير مرّة وما عندى غير ما سمع ، فامتحنه بالرقعة فأقرّبما فيها،
ثم قال: القرآن مخلوق ؟ قال : القرآن كلام الله ، قال: لم أسألك عن هذا ،
قال: هو كلام اللّه؛ وإن أمَرَنا أمير المؤمنين بشىء سمعنا وأطعنا . فقال
للكاتب : اكتب مقالته .
ثم قال للذيّال نحواً من مقالته لعلى بن أبى مقاتل ، فقال له مثل ذلك.
ثم قال لأبى حسان الزيادىّ: ما عندك؟ قال: سلْ عماشئت ، فقرأ عليه الرّقعة
ووقّفه عليها، فأقرّ بما فيها، ثم قال: من لم يقل هذا القول فهو كافر، فقال:
القرآن مخلوق هو ؟ قال: القرآن كلام اللّه والله خالق كلّ شيء، وما دون
الله مخلوق، وأمير المؤمنين إمامنا وبسببه سمعنا عامّة العلم ، وقد سمع ما لم نسمع ،
وعلم ما لم نعلم ، وقد قلّده الله أمرنا ، فصار يقيم حجنا وصلاتنا ، ونؤدى
إليه زكاة أموالنا، ونجاهد معه، ونرى إمامته إمامةً، إن أمرنا ائتمرنا ، وإن
نهانا انتهينا ، وإن دعانا أجبنا . قال : القرآن مخلوق هو ؟ فأعاد عليه أبوحسان
مقالته ، قال : إن هذه مقالة أمير المؤمنين، قال : قد تكونُ مقالة أمير المؤمنين
ولا يأمرُ بها الناس ولا يدعوهم إليها ؛ وإن أخبرتنى أن أمير المؤمنين أمنَرك
أن أقول، قلتُ ما أمرتنى به؛ فإنك الثقة المأمون فيما أبلغتنى عنه من شىء ؛
فإن أبلغتَّنى عنه بشىء صرت إليه ، قال: ما أمرنى أن أبلغك شيئًا. قال علىّ
ابن أبى مقاتل : قد يكون قولُه كاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى الفرائض والمواريث ، ولم يحملوا الناس عليها ، قال له أبو حسان :
ما عندى إلا السمع والطاعة، فمرنى آتمر، قال : ما أمرنى أن آمرك (١)؛ وإنما
أمرنى أن أمتحنك(٢).
١١٢٣/٣
(٢) ا: ((أمتحنكم"
(١) !: ((آمركم)).

٦٣٩
سنة ٢١٨
ثم عاد إلى أحمد بن حنبل ، فقال له: ما تقول فى القرآن ؟ قال :
هو كلام(١) اللّه، قال: أمخلوق هو ؟ قال: هو كلام اللّه لا أزيد
عليها ، فامتحَّه بما فى الرّقعة(٢)، فلما أتى على ((ليس كمثله شىء))،
قال: ﴿ليسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ وَهُوَ السّميع الْبَصِيرُ﴾(٣) وأمسك عن لا يشبهه
شىء من خلقه فى معنى من المعانى ، ولا وجه من الوجوه ، فاعترض عليه
ابن البكتَّاء الأصغر ، فقال: أصلحك الله! إنه يقول : سميع من أذن،
بصير من عين، فقال إسحاق لأحمد بن حنبل : ما معنى قوله (٤): (سَمِيعٌ
بَصِيرٌ﴾؟ قال : هو كما وصف نفسه، قال : فما معناه ؟ قال : لا أدرى ،
هو كما وصف نفسه .
١١٢٤/٣
ثم دعا بهم رجلا رجلا، كلهم يقول : القرآن كلام الله، إلا هؤلاء النّفر:
قتيبة وعبيدالله بن محمد بن الحسن وابنُ علَيَّة الأكبر وابن البكتّاء وعبدالمنعم
ابن إدريس ابن بنت وهب بن منبه والمظفّر بن مُرَجًا، ورجلاً ضريراً ليس
من أهل الفقه ، ولا يعرّف بشيء منه ، إلا أنه ◌ُدُسّ فى ذلك الموضع، ورجلا
من ولد عمر بن الخطاب قاضى الرَّقة، وابن الأحمر؛ فأما ابنُ البكاء الأكبر
فإنه قال: القرآن مجعول لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاه قُرْ آنَا عَرَبِيًّا﴾ (٥)
والقرآن محدَث لقوله: ﴿ مَا يأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾(٦)
قال له إسحاق: فالمجعول مخلوق ؟ قال : نعم ، قال: فالقرآن مخلوق ؟ قال :
لا أقول مخلوق ، ولكنه مجعول ؛ فكتب مقالته .
فلمّا فرغ من امتحان القوم ، وكتب مقالاتهم(٧) اعترض ابن البكنّاء
الأصغر، فقال: أصلحك الله! إنّ هذين القاضيين أئمة، فلو أمرتَهما فأعادا
الكلام! قال له إسحاق: هما ممّن يقوم بحجة أمير المؤمنين، قال: فلو أمرتَهما
أن يُسمعانا مقالتهما، لنحكى ذلك عنهما! قال له إسحاق: إِنْ شهدت
(١) س: ((قال: ((القرآن)).
(٣) سورة الشورى ١١ .
(٥) سورة الزخرف ٣ .
(٧) ف: ((مقالهم)).
(٢) ف: ((بالرقعة وما فيها)).
(٤) ف: ((قولك)).
(٦) سورة الأنبياء ٢ .
١١٢٥/٣

٦٤٠
سنة ٢١٨
عندهما بشهادة ، فستعلم مقالتهما إن شاء اله .
فكتب مقالة القوم رجلارجلا(١)، وُوجّهت إلى المأمون، فمكث القوم
تسعة أيام ؛ ثم دعا بهم وقد ورد كتاب المأمون(٢) جواب كتاب إسحاقبن
إبراهيم فى أمرهم، ونسخته :
بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد ؛ فقد بلغ أمير المؤمنين کتابُك جواب
كتابه كان إليك، فما ذهب إليه متصنّعةُ أهل القبلة وملتمسو الرّئاسة، فيما ليسوا
له بأهل من أهل الملة من القول فى القرآن، وأمرك به أمير المؤمنين من امتحانهم،
وتکشیف أحوالهم وإحلالهم محالهم . تذ کرإحضارك جعفر بن عیسى وعبدالرحمن
ابن إسحاق عند ورود كتاب أمير المؤمنين مع من أحضرت ممّن كان ينسب
إلى الفقه، ويعرف بالجلوس للحديث، وينصب نفسه للفُتْيا بمدينة السلام،
وقراءتك عليهم جميعًا كتابَ أمير المؤمنين ، ومسألتك إياهم عن اعتقادهم
فى القرآن، والدلالة لهم على حظّهم، وإطباقهم على نفى التشبيه واختلافهم فى القرآن،
وأمرك مَنْ لم يقل منهم إنه مخلوق بالإمساك عن الحديث والفتوى (٣) فى السرّ
والعلانية، وتقدّمك إلى السندىّ وعباس مولى أمير المؤمنين بما تقدّمت به فيهم إلى
القاضيْين بمثل ما مثّل لك أمير المؤمنين من امتحان مَنْ يحضر مجالسهما من
الشهود، وبثّ الكتب إلى القضاة فى النواحى من عملك بالقدوم عليك، لتحملهم
وتمتحنهم على ما حدّه أميرُ المؤمنين، وتثبيتك فى آخر الكتاب أسماء منْ حضر
ومقالاتهم ، وفهم أمير المؤمنينُ ما اقتصصتَ .
١١٢٦/٣
وأمير المؤمنين يحمد الله كثيراً كما هو أهله، ويسأله أن يصلّىَ على عبده
ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، ويرغبُ إلى اللّه فى التوفيق لطاعته، وحسن
المعونة على صالح نيّته برحمته . وقد تدبّر أميرُ المؤمنين ما كتبتَ به من
أسماء مَنْ سألت عن القرآن، وما رجع إليك فيه كلّ امرئٍ منهم، وما شرحت (٤)
من مقالتهم .
فأمّا ما قال المغرور بشربن الوليد فى نفى التشبيه، وما أمسك عنه من أن القرآن
(٢) ف: ((أمير المؤمنين)).
(١) ب: ((رجل رجل)).
(٣) ف: ((الفتاوى)).
(٤) س: ((وشرحت)).