النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ سنة ٢٠٢ ظهروا على شىء أحرقوه. فلما رأى ذلك رؤساء أهل الكوفة، أتوا سعيداً وأصحابه، فسألوه الأمان للعباس بن موسى بن جعفر وأصحابه ؛ على أن يخرج من الكوفة، فأجابوهم إلى ذلك ، ثم أتَوا العباس فأعلموه ، وقالوا : إن عامّة من معك غوغاء ، وقد ترى ما يلقى الناس من الحرْق والنهب والقتل ؛ فاخرج من بين أظهرنا، فلا حاجةَ لنا فيك. فقبل منهم، وخاف أن يُسلموه ، وتحوّل من منزله الذى كان فيه بالكُناسة ، ولم يعلم أصحابه بذلك ، وانصرف سعيد وأصحابه إلى الحیرة، وشدّ أصحابالعباس بن موسى على مسَنْ بقى من أصحاب سعيد وموالى عيسى بن موسى العباسىّ، فهزموهم حتى بلغوا بهم الخندق، ونهبُوا ربّض عيسى بن موسى ، فأحرقوا الدّور، وقتلوا من ظهروا به . فبعث العباسيون ومواليهم إلى سعيد يعلمونه بذلك، وأنّ العباس قد رجع عما كان طلب من الأمان . فركب سعيد وأبو البط وأصحابهما حتى أتوا الكوفة عنَتَمةً ، فلم يظفروا بأحد منهم ينتهب إلاّ قتلوه، ولم يظهروا على شىء مما كان فى أيدى أصحاب العباس إلا أحرقوه ؛ حتى بلغوا الكُناسة ، فمكثوا بذلك عامة الليل حتى خرج إليهم رؤساء أهل الكوفة ، فأعلموهم أنّ هذا من عمل الغوغاء ، وأن العباس لم يرجع عن شىء . فانصرفوا عنهم . فلمّا كان غداة الخميس لخمس خلون من جمادى الأولى، جاء سعيدوأبو البط حتى دخلوا الكوفة، ونادى مناديهم: أمن الأبيض والأسود؛ ولم يعرضوا لأحد ١٠٢٢/٣ من الخلق إلا بسبيل خير، وولّوْا على الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكندىّ، من أهلها. فكتب إليهم إبراهيم بن المهدىّ يأمرهم بالخروج إلى ناحية واسط، وكتب إلى سعيد أن يستعمل على الكوفة غير الكندىّ، لميله إلى أهل بلده ؛ فولا ها غسان بن أبى الفرج ، ثم عزله بعد ما قتل أبا عبد الله أخا أبى السرايا، فولا ها سعيدٌ ابنَ أخيه الهوْل؛ فلم يزل واليًا عليها حتى قدمها حميد ابن عبد الحميد ، وهرب الهول منها، وأمر إبراهيم بن المهدىّ عيسى بن محمد ابن أبى خالد أن يسيرَ إلى ناحية واسط على طريق النيل ، وأمر ابن عائشة الهاشمىّ ونعيم بن خازم أن يسيرا جميعًا، فخرجا مما يلى جُوخَى ، وبذلك تاريخ الطبرى- ثامن ٥٦٢ سنة ٢٠٢ أمرهما ، وذلك فى جمادى الأولى. ولحق بهما سعيد وأبو البطّ والإفريقى حتى عسكروا بالصيّادة قرب واسط ؛ فاجتمعوا جميعًا فى مكان واحد ، وعليهم عيسى بن محمد بن أبى خالد ، فكانوا يركبون حتى يأتوا عسكر الحسن وأصحابه بواسط فى كلّ يوم، فلا يخرج إليهم من أصحاب الحسن أحد ، وهم متحصّنون بمدينة واسط . ثم إن الحسن أمر أصحابه بالتهيُّؤ للخروج للقتال ، فخرجوا إليهم يوم السبت لأربع بقينَ من رجب ، فاقتتلوا قتالا شديداً إلى قريب الظهر . ثم وقعت الهزيمة على عيسى وأصحابه ، فانهزموا حتى بلغوا طرنايا والنيل ، وأخذ أصحاب الحسن جميع ما كان فى عسكرهم من سلاح ودوابٌ وغير ذلك . ١٠٢٣/٣ # .[ ظفر إبراهيم بن المهدىّ بسهل بن سلامة المطوّعىّ ] وفى هذه السنة ظفر إبراهيم بن المهدىّ بسهل بن سلامة المطوّعىّ فحبسه وعاقبه . * ذكر الخبر عن سبب ظفره به وحبسه إياه : ◌ُذكر أنّ سهل بن سلامة كان مقيماً ببغداد ، يدعو إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ؛ فلم يزل كذلك حتى اجتمع إليه عامةُ أهل بغداد ونزلوا عنده ؛ سوی من هو مقيم فى منزله ، وهواه ورأيه معه ؛ وكان إبراهيم قد همّ بقتاله قبل الوقعة ، ثم أمسك عن ذلك، فلمَّا كانت هذه الوقعة وصارت الهزيمة على أصحاب عيسى ومَنْ معه أقبل على سهل بن سلامة ، فدسّ إليه وإلى أصحابه الذين بايعوه على العمل بالكتاب والسنة، وألاَّ طاعةَ لمخلوق فى معصية الخالق ؛ فکان کلّ من أجابه إلى ذلك قد عمل على باب داره بُرجًا بحص" وآجرّ ، ونصب عليه السلاح والمصاحف ؛ حتى بلغوا قرب باب الشأم ؛ سوى مَنْ أجابه من أهل الكرْخ وسائر الناس ؛ فلما رجع عيسى من الهزيمة إلى بغداد ، أقبل هو وإخوته وجماعة أصحابه نحو سهل ٥٦٣ سنة ٢٠٢ ابن سلامة؛ لأنه كان يذكرهم بأسواء أعمالهم وفعتَالهم، ويقول: الفسّاق(١)؛ لم يكن لهم عنده اسم غيره ، فقاتلوه أيامًا ؛ وكان الذى تولى قتاله عيسى ابن محمد بن أبى خالد ؛ فلمّا صار إلى الدّروب التى قرب سهل أعطى أهل الدروب الألف الدرهم والألفين درهماً؛ على أن يتنحوا له عن الدروب ، فأجابوه إلى . ذلك ؛ فكان نصيبُ الرجل الدرهم والدرهمين ونحو ذلك ؛ فلما كان يوم السبت لخمس بقين من شعبان تهيئوا له من كلّ وجه ، وخذ له أهل الدروب حتى وصلوا إلى مسجد طاهر بن الحسين وإلى منزله ؛ وهو بالقرب من المسجد ؛ فلما وصلوا إليه اختفى منهم ، وألقى سلاحه ، واختلط بالنظارة ، ودخل بين النساء فدخلوا منزله . ١٠٢٤/٣ فلمّا لم يظفروا به جعلوا عليه العيون ؛ فلمّا كان الليل أخذوه فى بعض الدّروب التى قرب منزله ، فأتوا به إسحاق بن موسى الهادى - وهو ولىّ العهد بعد عمّه إبراهيم بن المهدىّ وهو بمدينة السلام- فكلّمه وحاجّه، وجمع بينه وبين أصحابه ، وقال له : حرّضت علينا الناس ، وعبتَ أمرنا ! فقال له : إنما كانت دعوتى عباسيّة؛ وإنما كنتُ أدعو إلى العمل بالكتاب والسنة ؛ وأنا على ما كنْت عليه أدعوكم إليه الساعة . فلم يقبلوا ذلك منه . ثم قالوا له : اخرج إلى الناس ، فقل لهم: إنّ ما كنتُ أدعوكم إليه باطلٌ . فأخرِج(٢) إلى الناس وقال : قد علمتم ما كنتُ أدعوكم إليه من العمل بالكتاب والسنة ، وأنا أدعوكم إليه الساعة . فلما قال لهم هذا وجئوا عنقه ، وضربوا وجهه ؛ فلما صنعوا ذلك به قال: المغرور مَنْ غررتموه يا أصحاب الحربيّة؛ فأخذ فأدخل إلى إسحاق، فقيّده، وذلك يوم الأحد. فلما كان ليلة الاثنين خرجوا به إلى إبراهيم بالمدائن ؛ فلما دخل عليه كلمه بما كلم به إسحاق ، فردّ عليه مثل ما ردّ على إسحاق . وقد كانوا أخذوا رجلا من أصحابه يقال له محمد الرواعىّ ، فضربه إبراهيم ، ونتَف لحيته ، وقيّده وحبسه ؛ فلما أخذ سهل ابن سلامة حبسوه أيضًا، وادّعوا أنه كان 'دفع إلى عيسى، وأنّ عيسى قتله ؛ ١٠٢٥/٣ (١) ابن الأثير: ((ويسميهم الفساق))، . (٢) ابن الأثير: ((فخرج)). ٥٦٤ سنة ٢٠٢ وإنما أشاعوا ذلك تخوّفًا من الناس أن يعلموا بمكانه فيخرجوه؛ فكان بين خروجه وبين أخذه وحبسه اثنا عشر شهراً . ٠ ٠ [ ذكر خبر شخوص المأمون إلى العراق] وفى هذه السنة شخص المأمون من مَرْو يريد العراق . ذكر الخبر عن شخوصه منها : "ذكر أن علىّ بن موسى بن جعفر بن محمد العلوىّ أخْبر المأمون بما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ قتل أخوه ، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من الأخبار ، وأنّ أهل بيته والناس قد نقَموا عليه أشياء ؛ وأنهم يقولون إنه مسحور مجنون ، وأنهم لما رأوا ذلك بايعوا لعمه إبراهيم بن المهدىّ بالخلافة. فقال المأمون : إنهم لم يبايعوا له بالخلافة ؛ وإنما صيّروه أميراً يقوم بأمرهم، على ما أخبره به الفضل ، فأعلمه أن الفضل قد كذبه وغشّه ، وأن الحرب قائمة بين إبراهيم والحسن بن سهل ، وأنّ الناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه ومكانى ومكان بيعتك لى من بعدك، فقال: ومَنْ يعلم هذا من أهل عسكرى ؟ فقال له : يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وعدّة من وجوه أهل العسكر، فقال له : أدخلهم علىّ حتى أسائلهم عمّا ذكرْت ، فأدخلهم عليه ؛ وهم يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وموسى وعلىّ بن أبى سعيد - وهو ابن أخت الفضل- وخلف المصرىّ، فسألهم عما أخبره، فأبوا أن يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل بن سهل ؛ ألا يعرض لهم ، فضمن ذلك لهم ، وكتب لكلّ رجل منهم كتاباً بخطه ، ودفعه إليهم ، فأخبروه بما فيه الناس من الفتن ، وبينوا ذلك له ، وأخبروه بغضب أهل بيته ومواليه وقوّاده عليه فى أشياء كثيرة ، وبما موّه عليه الفضل من أمر هرئمة ، وأنّ هرثمة إنما جاءه لينصحه وليبين له ما يعمل عليه ، وأنه إن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة منه ومن أهل بيته ، وأنّ الفضل دسّ إلى هرثمة مَنْ قتله، وأنه أراد ١٠٢٦/٣ ٥٦٥ سنة ٢٠٢ نصحه ؛ وأن طاهر بن الحسين قد أبلى فى طاعته ما أبلى ، وافتتح ما افتتح ، وقاد إليه الخلافة مزمومة ، حتى إذا وطّأ الأمر أخرج من ذلك كله ، وصُيْر فى زاوية من الأرض بالرّقة، قد حُظرت عليه الأموال حتى ضعف أمرُه فشغب عليه جنده ، وأنه لو كان على خلافتك ببغداد لضبط الملك ، ولم يحترَأ عليه بمثل ما اجترئ به على الحسن بن سهل، وأنّ الدنيا قد تفتّقت من أقطارها، وأن طاهر بن الحسين قد تنُوسىَ فى هذه السنين منذ قتل محمد فى الرّقة، لا يُستعان به فى شىء من هذه الحروب ؛ وقد استعين بمن هو دونه أضعافًا، وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد فى بنى هاشم والموالى والقواد، والجندُ لو رأوا عزّتك سكنوا إلى ذلك، وبخَعُوا بالطاعة (١). ١٠٢٧/٣ فلما تحقق ذلك عند المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد ؛ فلمّا أمر بذلك علم الفضل بن سهل ببعض ذلك من أمرهم، فتعنّتهم حتى ضرب بعضهم بالسياط وحبس بعضًا ، ونتف لحى بعض ؛ فعاوده علىّ بن موسى فى أمرهم ، وأعلمه ما كان من ضمانه لهم؛ فأعلمه أنه يدارى ما هو فيه . ثم ارتحل من مَرْو فلما أنّ سرَخْس شدّ قوم على الفضل بن سهل وهو فى الحمام، فضربوه بالسيوف حتى مات ؛ وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان سنة اثنتين ومائتين . فأخذوا . وكان الذين قتلوا الفضل من حشم المأمون وهم أربعة نفر : أحدهم غالب المسعودىّ الأسود، وقسطنطين الرومىّ، وفرج الديلمىّ، وموفّق الصّقلبىّ ، وقتلوه وله ستون سنة ؛ وهربوا . فبعث المأمون فى طلبهم ، وجعل لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار ، فجاء بهم العباس بن الهيثم بن بُزُرْجمهر الدينورىّ ، فقالوا للمأمون : أنت أمرتنا بقتله ، فأمر بهم فضربت أعناقهم . وقد قيل: إن الذين قتلوا الفضل لمّا أخذوا ساءلهم المأمون؛ فمنهم من قال : إن علىّ بن أبى سعيد ، ابن أخت الفضل دستّهم ، ومنهم من أنكر ذلك . ١٠٢٨/٣ وأمربهم فقتلوا . ثم بعث إلى عبد العزيز بن عمران وعلىّ وموسى وخلف فساءلهم. فأنكروا أن يكونوا علموا بشىء من ذلك؛ فلم يقبل ذلك منهم وأمر بهم فقتلوا ، وبعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل إلى واسط ، وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل ، وأنه قد صيّره مكانه . ووصل الكتاب بذلك إلى الحسن (١) بجعوا بالطاعة ؛ أى خضعوا وأقروا بالحق له . ٥٦٦ سنة ٢٠٢ فى شهر رمضان ، فلم يزل الحسن وأصحابه حتى أدركت الغلّة وجُبىّ بعض الخراج، ورحل المأمون من سَرّخْس نحو العراق يوم الفطْر ، وكان إبراهيم ابن المهدىّ بالمدائن وعيسى وأبو البطّ وسعيد بالنيل وطرنايا يراوحون القتال ويغادونه ؛ وقد كان المطلب بن عبد الله بن مالك بن عبد الله قدم من المدائن ، فاعتلّ بأنه مريض ، وجعل يدعو فى السرّ إلى المأمون؛ على أن المنصور بن المهدىّ خليفة المأمون ، ويخلعون إبراهيم ، فأجابه إلى ذلك منصور وخزيمة بن خازم وقوّاد كثير من أهل الجانب الشرقىّ ، وكتب المطلب إلى حُميد وعلىّ ابن هشام أن يتقدّما فينزل حُميد نهر صرصر وعلىّ النهروان ؛ فلما تحقق عند إبراهيم الخبر خرج من المدائن إلى بغداد ، فنزل زَنْدَوَرْد يوم السبت لأربع عشرة خلت من صفر ، وبعث إلى المطلب ومنصور وخزيمة ، فلما أتاهم رسولُه اعتدّوا عليه ؛ فلما رأى ذلك بعث إليهم عيسى بن محمد بن أبى خالد وإخوته؛ فأما منصور وخزيمة فأعطوا بأيديهما، وأما المطلب فإن مواليه وأصحابه قاتلوا عن منزله حتى كثر الناس عليهم ، وأمر إبراهيم مناديًا فنادى : من أراد النهب فليأت دار المطّلب ، فلما كان وقت الظهر وصلوا إلى داره ، فانتهبوا ما وجدوا فيها، وانتهبوا دورَ أهل بيته، وطلبوه فلم يظفروا به ، وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من صفر . ١٠٢٩/٣ فلما بلغ حميدًا وعلى بن هشام الجبر بعث حميد قائداً فأخذ المدائن، وقطع الجسر ، ونزل بها، وبعث علىّ بن هشام قائداً فنزل المدائن، وأتى نهرَدَ يالى فقطَعَه ، وأقاموا بالمدائن، وندم إبراهيم حيث صنع بالمطّلب ما صنع، ثم لم يظفر به . وفى هذه السنة تزوّج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل . وفيها زوّج المأمون علىّ بن موسى الرضيّ ابنته أم حبيب، وزوّج محمد ابن علىّ بن موسى ابنته أم الفضل . ٥٦٧ سنة ٢٠٢ وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد، فدعا لأخيه بعد المأمون بولاية العهد . وكان الحسن بن سهل كتب إلى عيسى بن يزيد الجُلُودىّ ، وكان بالبصرة فوافى مكة فى أصحابه ، فشهد الموسم ، ثم انصرف ومضى إبراهيم بن موسى إلى اليمن؛ وكان قد غلب عليها حمدويه بن علىّ بن عيسى بن ماهان . ٥٦٨ ثم دخلت سنة ثلاث ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [ موت علىّ بن موسى الرضىّ ] ذ کر أن مما کان فيها موت علىّ بن موسى بن جعفر ذكر الخبر عن سبب وفاته : ١٠٣٠/٣ ◌ُذكر أنّ المأمون شخص من سَرَخْس حتى صار إلى طُوس ، فلما صار بها أقام بها عند قبر أبيه أيامًا . ثم إنّ علىّ بن موسى أكل عنبًا فأكثر منه ، فمات فجأة ؛ وذلك فى آخر صفر ؛ فأمر به المأمون فدفن عند قبر الرّشيد ، وكتب فى شهر ربيع الأول إلى الحسن بن سهل يعلمه أن علىّ بن موسى بن جعفر مات ، ويعلمه ما دخل عليه من الغمّ والمصيبة بموته ؛ و کتب إلى بنى العباس والموالى وأهل بغداد يعلمهم موتَ على بن موسى ، وأنهم إنما نقموا بيعته له من بعده ؛ ويسألهم الدخول فى طاعته . فكتبوا إليه وإلى الحسن جواب الكتاب بأغلظ ما يُكتّب به إلى أحد. وكان الذى صلّى على علىّ بن موسى المأمون (١) . ورحل المأمون فى هذه السنة من طوس يريد بغداد ، فلما صار إلى الرّىّ أسقط من وظيفتها ألفى ألف درهم . وفى هذه السنة غلبت السوداء على الحسن بن سهل ، فذكرسبب ذلك أنه كان مرض مرضًا شديداً، فهاج به من مرضه تغيّر عقله، حتى شُدّ فى الحديد وحبس فى بيت . وكتب بذلك قوّاد الحسن إلى المأمون ، فأتاهم (١) ابن الأثير: ((وكان مولد على بن موسى بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة)). ٥٦٩ سنة ٢٠٣ جواب الكتاب أن يكون على عسكره دينار بن عبدالله، ويعلمهم أنه قادم على أثر كتابه . [ خبرحبس إبراهيم بن المهدئّ عیسی بن محمد بن أبى خالد ] وفى هذه السنة ضرب إبراهيم بن المهدىّ عيسى بن محمد بن أبى خالد وحبسه . * ذكر الخبر عن سبب ذلك : ١٠٣١/٣ ◌ُذكر أن عيسى بن محمد بن أبى خالد كان يكاتب حميداً والحسن ؛ وكان الرّسول بينهم محمد بن محمد المعبدىّ الهاشمىّ، وكان يُظهر لإبراهيم الطاعة والنصيحة، ولم یکن یقاتل حميدًا ولا يعرض له فى شىء من عمله ؛ وكان كلّما قال إبراهيم: تهيّأ للخروج لقتال حُميد، يعتلّ عليه بأنّ الجند يريدون أرزاقهم ، ومرة يقول : حتى تُدرِك الغلّة؛ فما زال بذلك حتى إذا توثق مما يريد مما بينه وبين الحسن وحُميد فارقهم ، على أن يدفع إليهم إبراهيم بن المهدىّ يوم الجمعة لانسلاخ شوّال . وبلغ الخبر إبراهيم ؛ فلما كان يوم الخميس ، جاء عيسى إلى باب الجسر ، فقال الناس : إنى قد سالمت حُميدًا ، وضمنت له ألاّ أدخل عمله، وضمن لى ألاّ يدخل عملى. ثم أمر أن يحفّر خندق بباب الجسروباب الشأم ، وبلغ إبراهيمَ ما قال وما صنع ، وقد كان عيسى سأل إبراهيم أن يصلّىَ الجمعة بالمدينة ، فأجابه إلى ذلك ، فلمّا تكلم عيسى بما تكلم به ، وبلغ إبراهيمَ الخبر وأنه يريد أخذه حذر . وُذكر أنّ هارون أخا عيسى أخبر إبراهيم بما يريد أن يصنع به عيسى؛ فلمّا أخبره، بعث إليه أن يأتيَه حتى يناظره فى بعض ما يريد، فاعتلّ عليه عيسى ، فلم يزل إبراهيم يعيد إليه الرّسل حتى أتاه إلى قصره بالرّصافة، فلما دخل عليه حُجب الناس ، وخلا إبراهيم وعيسى ، وجعل يعاتبه ، وأخذ عيسى يعتذر إليه مما يعتبه به ، وينكر بعض ما يقول ؛ فلما قرّره بأشياء أمر به فضرب . ثم إنه حبسه وأخذ عدّة من قوّاده فحبسهم ، وبعث إلى منزله ، فأخذ أم ولده ٥٧٠ سنة ٢٠٣ وصبيانًا له صغاراً ؛ فحبسهم ؛ وذلك ليلة الخميس لليلة بقيت من شوال . ١٠٣٢/٣ وطلب خليفة له يقال له العباس فاختفى. فلما بلغ حبسُ عيسى أهلَ بيته وأصحابه، مشى بعضهم إلى بعض، وحرّض أهل بيته وإخوته الناس على إبراهيم واجتمعوا ؛ وكان رأسَهُم عباس خليفة عيسى ، فشدُّوا على عامل إبراهيم على الجسر فطردوه ، وعبرَ إلى إبراهيم فأخبره الخبر، وأمر بقطع الجسر فطردوا كل عامل كان لإبراهيم فى الكرخ وغيره ، وظهر الفسّاق والشطار ، فقعدوا فى المسالح . و کتب عباس إلى حُمید یسأله أن يقدم إليهم حتى يسلموا إليه بغداد ؛ فلمّا كان يوم الجمعة صلّوا فى مسجد المدينة أربع ركعات، صلّى بهم المؤذن بغير خطبة . [ ذكر خبر خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدىّ ]. وفى هذه السنة خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدىّ، ودعوا للمأمون بالخلافة. ذكر الخبر عن سبب ذلك : * قد ذ کرنا قبل ما کان من إبراهيم وعیسی بن محمد بن أبى خالد وحبْس إبراهيم إياه، واجتماع عباس خليفة عيسى وإخوة عيسى على إبراهيم ، وكتابهم إلى حُميد يسألونه المصيرَ إليهم ليُسلّموا بغداد إليه؛ فذكر أنّ حُميداً لما أتاه كتابُهم، وفيه شرْط منهم عليه أن يعطىَ جند أهل بغداد؛ كلّ رجل منهم خمسين درهماً ، فأجابهم إلى ذلك ، وجاء حتى نزل صَرْصر بطريق الكوفة يوم الأحد ، وخرج إليه عباس وقوّاد أهل بغداد ، فلقُوه غداة الاثنين ، ف يمدهم ومنَّهم ، وقبلوا ذلك منه ، فوعدهم أن يضع لهم العطاء يوم السبت فى ١٠٣٣/٣ الياسريّة، على أن يصدوا الجمعة فيدعو للمأمون، ويخلعوا إبراهيم ؛ فأجابوه إلى ذلك . فلما بلغ إبراهيمَ الخبرُ أخرج عيسى وإخوته من الحبس ، وسأله أن يرجع إلى منزله ، ويكفيه أمر هذا الجانب ، فأبى ذلك عليه . فلما كان يوم الجمعة بعث عباس إلى محمد بن أبى رجاء الفقيه ، فصلّى بالناس الجمعة ، ودعا للمأمون ، فلما كان يوم السبت جاء حُميد إلى الياسريّة ٥٧١ سنة ٢٠٣ فعرض حُميد جند أهل بغداد ، وأعطاهم الخمسين التى وعدهم ، فسألوه أن ينقصهم عشرة عشرة ، فيعطيتهم أربعين أربعين درهمًا لكل رجل منهم ؛ لما كانوا تشاء موا به من علىّ بن هشام حين أعطاهم الخمسين. فغدر بهم، وقطع العطاء عنهم ، فقال لهم حميد : لا بل أزيد كم وأعطيكم ستين درهماً لكل رجل . فلما بلغ ذلك إبراهيم دعا عيسى فسأله أن يقاتل حُميدًا ، فأجابه إلى ذلك ، فخلّى سبيله ، وأخذ منه كُفلاء ، فكلم عيسى الجند أن يعطيهم مثل ما أعطى حميد ؛ فأبوا ذلك عليه ؛ فلما كان يوم الاثنين عبر إليهم عيسى وإخوته وقوّاد أهل الجانب الشرقىّ، فعرضوا على أهل الجانب الغربىّ أن يزيدُوهم على ما أعطى حُميد ، فشتموا عيسى وأصحابه ، وقالوا: لا نريد إبراهيم . فخرج عيسى وأصحابه حتى دخلوا المدينة ، وأغلقوا الأبواب، وصعدوا السور، وقاتلوا الناس ساعة . فلما كثر عليهم الناس انصرفوا راجعين ؛ حتى أتوا باب خُراسان ، فركبوا فى السفن ، ورجع عيسى كأنه يريد أن يقاتلهم ، ثم احتال حتى صار فى أيديهم شبه الأسير ، فأخذه بعض قواده فأتى به منزله ، ورجع الباقون إلى إبراهيم فأخبروه الخبر ، فاغتمّ لذلك غمًّاً شديداً؛ وقد كان المطلب ابن عبد الله بن مالك اختفى من إبراهيم ، فلما قدم حُميد أراد العبور إليه فأخذه المعبِّر ، فذهب إلى إبراهيم فحبسه عنده ثلاثة أيام أو أربعة ، ثم إنه خلّى عنه ليلة الاثنين لليلة خلت من ذى الحجّة. ١٠٣٤/٣ ٠ [ ذكر خبر اختفاء إبراهيم بن المهدىّ ] وفى هذه السنة اختفى إبراهيم بن المهدىّ ، وتغيّب بعد حربٍ بينه وبين حميد بن عبد الحميد، وبعد أن أطلق سعد بن سلامة من حبسه . * ذكر الخبر عن اختفائه والسبب فى ذلك : ◌ُذكر أنّ سهل بن سلامة كان الناس يذكرون أنه مقتول ، وهو عند إبراهيم محبوس؛ فلمّاً صار حُميد إلى بغداد ودخلها أخرجه إبراهيم . وكان (١) ط: ((المعبد))، تحريف. ٥٧٢ سنة ٢٠٣ يدعو فى مسجد الرُّصافة كما كان يدعو ، فإذا كان الليل ردّه إلى حبسه ؛ فمكث بذلك أيامًا ، فأتاه أصحابه ليكونوا معه ، فقال لهم : الزموا بيوتكم ، فإنى أرْزَأ هذا - يعنى إبراهيم - فلما كان ليلة الاثنين لليلة خلت من ذى الحجّة خلى سبيله، فذهب فاختفى، فلما رأى أصحاب إبراهيم وقوّاده أن حُميداً قد نزل فى أرحاء عبد الله بن مالك ، تحوّل عامّتُهم إليه ، وأخذوا له المدائن ؛ فلمّا رأى ذلك إبراهيم، أخرج جميع مَنْ عنده حتى يقاتلوا، فالتقوا على جسر نهر ديالى، فاقتتلوا، فهزمهم حُميد، فقطعوا الجسر، فتبعهم أصحابُه حتى أدخلوهم بيوت بغداد ، وذلك يوم الخميس لانسلاخ ذى القعدة . فلما كان يوم الأضحى أمر إبراهيم القاضى أن يصلّى بالناس فى عيساباذ، فصلى بهم فانصرف الناس ، واختفى الفضل بن الربيع، ثم تحوّل إلى حُميد، ثم تحوّل علىّ بن ريطة إلى عسكر حُميد، وجعل الهاشميون والقوّاد يلحقون بُحُميد واحداً بعد واحد؛ فلما رأى ذلك إبراهيم أسقط فى يديه ، فشقّ عليه . وكان المطّلب يكاتب حميداً على أن يأخذ له الجانب الشرقىّ ، وكان سعيد ابن الساجور وأبو البطّ وعبدويه وعدّة معهم من القواد يكاتبون على بن هشام، على أن يأخذوا له إبراهيم؛ فلمّا علم إبراهيم بأمرهم وما اجتمع عليه كلّ قوم من أصحابه ، وأنهم قد أحدقوا به، جعل يُداريهم؛ فلما جنّه الليل اختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذى الحجة سنة ثلاث ومائتين ، وبعث المطلب إلى حُميد يعلمه أنه قد أحدق بدار إبراهيم هو وأصحابه ؛ فإن كان يريده فليأته . وكتب ابن الساجور وأصحابه إلى علىّ بن هشام ، فركب حُميد من ساعته ؛ وكان نازلا فى أرحاء عبد الله ، فأتى باب الجسر ، وجاء علىّ بن هشام حتى نزل نهر بَيْن، وتقدّم إلى مسجد كَوْثر ، وخرج إليه ابن الساجور وأصحابه ، وجاء المطلب إلى حُميد ، فلقوه بباب الجسر ، فقرّبهم ووعدهم ونبّأهم أن يُعلم المأمون ما صنعوا، فأقبلوا إلى دار إبراهيم، وطلبوه فيها فلم يجدوه ، فلم يزل إبراهيم متوارياً حتى قدم المأمون وبعد ما قدم؛ حتى كان من أمره ما كان . ١٠٣٥/٣ ٥٧٣ سنة ٢٠٣ وقد كان سهل بن سلامة حيث اختفى وتحوّل إلى منزله وظهر ، وبعث إليه حُميد ، فقرّبه وأدناه ، وحمله على بغل ، ورده إلى أهله ؛ فلمیزل مقيماً حتى قدم المأمون ، فأتاه فأجازه ووصله ، وأمره أن يجلس فى منزله . ١٠٣٦/٣ ٠ ٠ وفى هذه السنة انكسفت الشمس يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذى الحجة حتى ذهب ضوءها ، وكان غاب أكثر من ثلثيها ، وكان انكسافها ارتفاع النهار ، فلم يزل كذلك حتى قرب الظهر ثم انجلت . فكانت أيام إبراهيم بن المهدى كلها سنة وأحدَ عشر شهراً واثنى عشر يوماً . وغلب علىّ بن هشام على شرقىّ بغداد وحميد بن عبد الحميد على غربيها ، وصار المأمون إلى هذان فى آخر ذى الحجة وحجّ بالناس فى هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علىّ" . ٥٧٤ ثم دخلت سنة أربع ومائتين ذكر الأحداث التى كانت فيها [ خبر قدوم المأمون إلى بغداد ] فممّا كان فيها من ذلك قدوم المأمون العراق، وانقطاع مادّة الفتن ببغداد . * ذكر الخبر عن مقدمه العراق وما كان فيه بها عند مقدمه : ◌ُذكر عن المأمون أنه لمّا قدم جُرجان أقام بها شهراً، ثم خرج منها ، فصار إلى الرىّ فى ذى الحجة، فأقام بها أيّامًا، ثم خرج منها، فجعل يسير المنازل ، ويقيمُ اليوم واليومين حتى صار إلى النهروان؛ وذلك يوم السبت، فأقام فيه ثمانية أيام ، وخرج إليه أهلُ بيته والقوّاد ووجوه الناس ، فسلّموا عليه ؛ وقد كان كتب إلى طاهر بن الحسين من الطريق وهو بالرّقة، أن يوافيه إلى النّهروان، فوافاه بها، فلمّا كان السبت الآخر دخل بغداد ارتفاعَ النهار، الأربع عشرة ليلة بقيت من صفرسنة أربع ومائتين، ولباسه ولباس أصحابه؛ أقبيتُهم وقلانسهم وطرّاداتهم وأعلامهم كلّها الخضرة . فلما قدم نزل الرّصافة ، وقدم معه طاهر ، فأمره بنزول الخيز رانيّة مع أصحابه، ثم تحوّل فنزل قصره على شطّ دجلة، وأمر حميد بن عبد الحميد وعلىّ بن هشام وكلّ قائد كان فى عسكره أن يقيم فى عسكره ؛ فكانوا يختلفون إلى دار المأمون فى كلّ يوم؛ ولم يكن يدخل عليه أحد إلاّ فى الثياب الخُضْر ، وليس ذلك أهل بغداد وبنو هاشم أجمعون، فكانوا يخرقون كلّ شيء يرْونه من السواد على إنسان إلا القلنسوة ؛ فإنه كان يلبسها الواحد بعد الواحد على خوف ووجَل ؛ فأما قباء أو علم فلم يكن أحد يجترئ أن يلبس شيئًا من ذلك ولا يحمله . فمكثوا بذلك ثمانية أيام ؛ فتكلم فى ذلك بنو هاشم وولد العباس خاصةً ، وقالوا له : ١٠٣٧/٣ ٥٧٥ سنة ٢٠٤ يا أمير المؤمنين ، تركت لباس آبائك وأهل بيتك ودولتهم ، ولبست الخضرة . وكتب إليه فى ذلك قوّاد أهل خراسان . ١٠٣٨/٣ وقيل إنه أمر طاهر بن الحسين أن يسأله حوائجه ، فكان أوّل حاجة سأله أن يطرح لباس الخضرة ، ويرجع إلى لبس السواد وزىّ دولة الآباء؛ فلمّا رأى طاعةَ الناس له فى لبس الخُضرة وكراهتتهم لها ، وجاء السّبت قعد لهم وعليه ثياب خُضْر ، فلما اجتمعوا عنده دعا بسَواد فلبسه ، ودعا بخلْعة سواد فألبسها طاهراً، ثم دعا بعدّة من قوّاده، فألبسهم أقبية وقلانس سوداً(١) ؛ فلما خرجوا من عنده وعليهم السواد، طرح سائر القواد والجند لبْس الخضرة ، ولبسوا السّواد، وذلك يوم السبت لسبع بقين من صفر. وقد قيل: إن المأمون لبس الثياب الخضر بعد دخوله بغداد سبعة وعشرين، ثم مزّقت . وقيل : إنه لم يزل مقيماً ببغداد فى الرّصافة حتى بنى منازل على شطّ دجلة عند قصره الأول ؛ وفى بستان موسى . وَ ذكر عن إبراهيم بن العباس الكاتب، عن عمرو بن مسعدة، أن أحمد ابن أبى خالد الأحول قال : لمّا قدمنا من خُراسان مع المأمون وصرْنا فى عقبة حُلوان - وكنت زميله- قال لى: يا أحمد، إنى أجد رائحة العراق، فأجبتُ بغير جوابه ، وقلت : ما أخلقه! قال : ليس هذا جوابى ، ولكنى أحسبك سهوت أو كنت مفكراً ، قال : قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : فيم فكرت؟ قال : قلت : يا أميرَ المؤمنين ، فكرت فى هجومنا على أهل بغداد وليس معنا إلا خمسون ألف درهم، مع فتنة غلبت على قلوب الناس ، فاستعذبوها ، فكيف يكون حالنا إن هاج هائج ، أو تحرّك متحرّك! قال : فأطرق مليًّا ، ثم قال : صدقت يا أحمد ، ما أحسن ما فكرت ؛ ولكنى أخبرك ؛ الناسُ على طبقات ثلاث فى هذه المدينة: ظالم، ومظلوم، ولا ظالم ولا مظلوم ؛ فأما الظالم فليس يتوقع إلا عفونا وإمساكنا ، وأما المظلوم فليس يتوقع أن ينتصف إلاّ بنا، ومَنْ كان لاظالما ولا مظلومًا فبيتُه يسعه. فوالله ما كان إلا كماقال . ١٠٣٩/٣٠ (١) ط: ((سواد))، وما أثبته من ا. ٥٧٦ سنة ٢٠٤ وأمر المأمون فى هذه السنة بمقاسمة أهل السواد على الخُمسين ؛ وكانوا يقاسمون على النصف، واتخذ القفيز الملجم (١) - وهو عشرة مكاكيك بالمكُّوك الهارونىّ - كيلا مرسَلا . وفى هذه السنة واقع يحيى بن معاذ بابك، فلم يظفر واحد منهما بصاحبه . وولّى المأمون صالح بن الرشيد البصرة، وولّى عبيد الله بن الحسن(٢) بن عبيد الله بن العباس بن علىّ بن أبى طالب الحرمين. وحجّ بالناس فى هذه السنة عبيد الله بن الحسن . (١) ابن الأثير: ((الملحم)). (٢) ابن الأثير: ((الحسين)). ٥٧٧ ثم دخلت سنة خمس ومائتين ذكر الخبر عما كان فى هذه السنة من الأحداث . [ ولاية طاهر بن الحسين خراسان ] فمن ذلك تولية المأمون فيها طاهر بن الحسين من مدينة السلام إلى أقصى عمل المشرق ؛ وقد كان قبل ذلك ولآه الجزيرة والشّرط وجانبى بغداد ومعاون السواد ، وقعد للناس . ذكر الخبر عن سبب توليته : ١٠٤٠/٣ و کان سبب توليته إياه خُراسان والمشرق ، ما ذُ كر عن حماد بن الحسن، عن بشربن غياث المريسيّ ، قال : حضرتُ عبدالله المأمون أنا وثمامة ومحمد ابن أبى العباس وعلىّ بن الهيثم، فتناظروا فى التشيع، فنصر محمد بن أبى العباس الإمامة ، ونصر علىّ بن الهيثم الزيدّية ، وجرى الكلام بينهما؛ إلى أن قال محمد لعلىّ: يا نَبطىّ ، ما أنت والكلام! قال: فقال المأمون - وكان متكئاً فجلس : الشّم عىّ ، والبذاء لؤم ؛ إنا قد أبحنا الكلام ، وأظهرنا المقالات ، فمن قال بالحق حمدناه ، ومن جهل ذلك وقفناه، ومن جهل الأمرين حكمنا فيه بما يجب ؛ فاجعلا بينكما أصلا ، فإنّ الكلام فروع ؛ فإذا افترعتم شيئًا رجعتم إلى الأصول . قال : فإنا نقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وذكرا الفرائض والشرائع فى الإسلام، وتناظرا بعد ذلك. فأعاد محمد لعلىّ بمثل المقالة الأولى، فقال له علىّ: والله لولا جلالة مجلسه وما وهب الله من رأفته، ولولا ما نهى عنه لأعرقتُ جبينك؛ وبحسبك من جهلك غُسْلك المنبر بالمدينة . قال: فجلس المأمون - وكان متكئًا - فقال: وما غُسْلك المنبر؟ ألتقصير منى فى أمرك أو لتقصير المنصور كان فى أمر أبيك ؟ لولا أن الخليفة من هنا تبدأ المقابلة على نسخة د . تاريخ الطبري - ثامن ٥٧٨ سنة ٢٠٥ إذا وهب شيئًا استحيا أن يرجع فيه لكان أقرَب شىء بينى وبينك إلى الأرض رأسك ، قمْ وإياك ما عدت . ١٠٤١/٣ قال : فخرج محمد بن أبى العباس، ومضى إلى طاهر بن الحسين .- وهو زوج أخته - فقال له : كان من قصّى كيت وكيت ؛ وكان يحجب المأمون على النبيذ فتْح الخادم، وياسر يتولى الخلع، وحسين يسقى، وأبو مريم غلام سعيد الجوهرىّ يختلف فى الحوائج. فركب طاهر إلى الدار ؛ فدخل فتح ، فقال : طاهر بالباب ؛ فقال : إنه ليس من أوقاته ، ائذن له : فدخل طاهر فسلم عليه ، فردّ عليه السلام ، وقال : اسقوه رِطلا ، فأخذه فى يده اليمنى ، وقال له : اجلس ، فخرج فشربه ثم عاد ، وقد شرب المأمون رطلا آخر ، فقال : اسقوه ثانيًا ، ففعل كفعله الأول ، ثم دخل ، فقال له المأمون : اجلس ، فقال يا أميرَ المؤمنين ؛ ليس لصاحب الشرطة أن يجلس بین یدی سيّده ، فقال له المأمون : ذلك فى مجلس العامة ، فأما مجلس الخاصة فطلقٌ ، قال : وبكى المأمون ، وتغرغرت عيناه ، فقال له طاهر : يا أميرَ المؤمنين ؛ لمّ تبكى لا أبكى الله عينيك! فوالله لقد دانتْ لك البلاد، وأذعن لك العباد، وصرت إلى المحبّة فی کلّ أمرك . فقال: أُبکی لأمر ذ کرُه ذل، وستره حزن، ولن يخلُوّ أحد من شَجَن؛ فتكلّم بحاجة إن كانت لك، قال: يا أمير المؤمنين، محمد بن أبى العباس أخطأ فأقِلْهُ عثرتتَه ، وارض عنه . قال : قد رضيت عنه ، وأمرتُ بصلته ، ورَددتُ عليه مرتبته ؛ ولولا أنّه ليس من أهل الأنس لأحضرتُه . ١٠٤٢/٣ قال : وانصرف طاهر ، فأعلم ابن أبى العباس ذلك ، ودعا بهارون بن جبغويه (١)؛ فقال له: إن للكتّاب عشيرة، وإن أهل خُراسان يتعصّب بعضهم لبعض ؛ فخذ معك ثلثمائة ألف درهم ، فأعطِ الحسين الخادم مائتى ألف ، وأعط كاتبه محمد بن هارون مائة ألف ، وسلْه أن يسأل المأمون: لم بكى ؟ قال : ففعل ذلك ، قال: فلما تغدّى قال: يا حسين اسقنى ، قال : لا والله (١) ط: ((جيغوبه))، تصحيف، وفى ابن الأثير: ((جيعونه)). ٥٧٩ سنة ٢٠٥ لأسقينّك أو تقول لى: لمَ بكيت حين دخل عليك طاهر ؟ قال : يا حسين ، وكيف عُنِيتَ بهذا حتى سألتنى عنه! قال : لغمّى بذاك، قال : يا حسين هو أمرٌ إن خرج من رأسك قتلتُك، قال : يا سيّدى ، ومتى أخرجتُ لك سرًّاً! قال: إنى ذكرت محمداً أخى، وما ناله من الذلة، فخنقتنى العَبْرة فاسترحت إلى الإفاضة ، ولن يفوت طاهرًاً منّى ما يكره . قال: فأخبر حسين طاهرًا بذلك ؛ فركب طاهر إلى أحمد بن أبى خالد ، فقال له : إن الثناء منّى ليس برخيص، وإنّ المعروف عندى ليس بضائع، فغيّبْنِى عن عينه ، فقال له : سأفعل، فبكِّرْ إلىّ غدًا. قال: فركب ابنُ أبى خالد إلى المأمون ، فلما دخل عليه قال : ما نمتُ البارحة ، فقال: لِمَ ويحك! فقال : لأنك ولّيتَ غَسَّان خراسان، وهو ومَنْ معه أكتلةُ رأس، فأخاف أن يخرج عليه خارجة من الترك فتصطلمه ، فقال له : لقد فكرتُ فيما فكرتَ فيه ، قال : فمن ترى ؟ قال : طاهر بن الحسين ، قال: ويلك يا أحمد! هو واللّه خالع، قال : أنا الضامن له ، قال : فأنفذْه ، قال : فدعا بطاهر منساعته، فعقد له؛ فشخص من ساعته، فنزل فی بستان خليل بن هاشم، فحمل إليه فى كلّ يوم ١٠٤٣/٣ ما أقام فيه مائة ألف . فأقام شهراً، فحمل إليه عشرة آلاف ألف ، التى تحمل إلی صاحب خراسان . قال أبو حسان الزيادىّ: وكان قد عقد له على خُراسان والجبال من حلوان إلى خُراسان ، وكان شخوصُه من بغداد يوم الجمعة لليلة بقيت من ذى القعدة سنة خمس ومائتين، وقد كان عسكر قبل ذلك بشهرين ، فلم يزل مقيماً فى عسكره . قال أبو حسان : وكان سبب ولايته - فيما اجتمع الناس عليه - أن عبد الرحمن المطَّوّعىّ جمع جموعًا بنيسابور ليقاتل بهم الحروريّة بغير أمر والى خراسان ، فتخوّفوا أن يكون ذلك لأصل عمله عليه . وكان غسان بن عبّاد يتولى خراسان من قبل الحسن بن سهل ، وهو ابن عم الفضل بن سهل . وذكر عن علىّ بن هارون أن طاهر بن الحسين قبل خروجه إلى خُراسان وولايته لها ، ندبه الحسن بن سهل للخروج إلى محاربة نصر بن شبث، فقال : ٥٨٠ سنة ٢٠٥ حاربتُ خليفة ، وسقتُ الخلافة إلى خليفة ، وأومر بمثل هذا ! وإنما كان ينبغى أن توجّه لهذا قائداً من قوّادى ؛ فكان سبب المصارمة بين الحسن وطاهر . قال : وخرج طاهر إلى خراسان لما تولاها ، وهو لا يكلم الحسن بن سهل، فقيل له فى ذلك، فقال : ما كنت لأحلّ عقدة عقدها لى فى مصارمته . ١٠٤٤/٣ وفى هذه السنة ورد عبد الله بن طاهر بغداد منصرفًا من الرّقة ، وكان أبوه طاهر استخلفه عليها ، وأمره بقتال نصر بن شبسّث، وقدم يحيى بن معاذ فولاه المأمون الجزيرة . وفيها ولّى المأمون عيسى بن محمد بن أبى خالد أرمينيَةَ وأذر بيجان ومحاربة بابك . وفيها مات السرىّ بن الحكم بمصر ، وكان واليها . وفيها مات داود بن يزيد عامل السند ، فولا ها المأمون بشر بن داود على أن يحمّل إليه فى كلّ سنة ألف ألف درهم . وفيها ولّى المأمون عيسى بن يزيد الجُلودىّ محاربة الزّطّ. وفيها شخص طاهربن الحسين إلى خُراسان فى ذى القعدة ، وأقام شهرين حتى بلغه خروج عبد الرحمن النيسابورىّ المطوّعِىّ بنيسابور، فشخص ووافى التّغُرْغُزيّة أشْرُوسنّةَ . وفيها أخذ فرج الرُّحّجىّ عبد الرحمن بن عمار النيسابورى. ٠٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة عبيد الله بن الحسن ، وهو والى الحرمين.