النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
سنة ١٩٨
وزُرْتكِ حَتَّى قِيلَ لَيْسَ له صَبرُ (١)
هَجَرْتُك حَتِى قِيلَ لا يَعْرِفُ القِلى
فطرب محمد ، وقال : أوقروا زورقه ذهبًا .
٩٦٨/٣
وذُكر عن علىّ بن محمد بن إسماعيل ، عن محارق ، قال : إنى لعند
محمد بن زُبيدة يومًا ماطرًا ، وهو مصطح ، وأنا جالس بالقرب منه ، وأنا
أغنَّى وليس معه أحد، وعليه جبّة وَشْى؛ لا والله مارأيت أحسن منها. فأقبلت
أنظر إليها ، فقال : كأنك استحسنتتها يا محارق! قلت : نعم يا سيدى ؛ عليك
لأنّ وجهك حسن فيها ، فأنا أنظر إليه وأعوّذك . قال : يا غلام ، فأجابه
الخادم ، قال: فدعا بجُبّة غير تلك، فلبسها وخلع التى عليه علىّ، ومكثت
هنيهة ثم نظرت إليه، فعاودنى بمثل ذلك الكلام ، وعاودته ، فدعا بأخرى حتى
فعل ذلك بثلاث جِباب ظاهرتُ بينها . قال : فلما رآها علىَّ ندم وتغيّر
وجهه ، وقال : يا غلام ، اذهب إلى الطباخين فقل لهم : يطبخوا لنا مصليّة ،
ويجيدوا صنعتها ، وأتنى بها الساعة ، فما هو إلا أن ذهب الغلام حتى جاء
الحيوان، وهو لطيف صغير، فى وسطه غضّارة ضَخْمة ورغيفان، فوضعت بين
يديه ، فكسر لقمة فأهوى بها إلى الصحيفة، ثم قال: كُلْ يا مخارق ،
قلت : يا سيّدى، أعفِنى من الأكل ، قال : لست أعفيك فكل ،
فكسرت لقمة ، ثم تناولت شيئًا ، فلما وضعته فى فمى ، قال : لعنك اللّه !
ما أشرهك ! نغّصتتها علىّ وأفسدتَها ، وأدخلت يدك فيها؛ ثم رفع الغضّارة
بيده ، فإذا هى فى حجْرى ، وقال: قم لعنك اللّه ! فقمت ، وذاك الودك
والمرَق يسيل من الجباب، فخلعتها وأرسلت بها إلى منزلى ، ودعوت القصّارين
والوشائين ، فجهدت جهدى أن تعود كما كانت فما عادت .
وذُكر عن البحتريّ أبى عبادة، عن عبيد الله بن أبى غسّان، قال: كنت
عند محمد فى يوم شات شديد البرْد ؛ وهو فى مجلس له مفرد مفر وش بفرش ؛
قلّما رأيت أرفع قيمة مثله ولا أحسن ، وأنا فى ذلك اليوم طاوٍ ثلاثة أيام
ولياليهنّ إلاّ من النبيذ؛ والله لا أستطيع أن أتكلّم ولا أعقل، فنهض نهضة
(١) لأبى صخر الهذلى، أمالى القالى ١ : ١٥٠
٩٦٩/٣

٥٢٢
سنة ١٩٨
البول، فقلت لخادم من خدم الخاصّة : ويلك! قد واللّه متّ ، فهل من حيلة
إلى شىء تلقيه فى جوفى يبرد عنى ما أنا فيه ! فقال : دعنى حتى أحتال لك
وأنظر ما أقول ، وصدّق مقالتى، فلما رجع محمد وجلس نظر الخادم إلىّ
نظرة ، فتبسم، فرآه محمد ، فقال: ممَّ تبسّمت ؟ قال : لا شىء یا سیدی،
فغضب . قال البحترىّ: فقال: شىء فى عبيد الله بن أبى غسان؛ لا يستطيع
أن يشمّ رائحة البطيخ ولا يأكله، ويجزع منه جزءاً شديداً. فقال: ياعبيد الله
هذا فيك ؟ قال: قلت: إى والله يا سيّدى، ابتليت به، قال: ويحك! مع
طيب البطيخ وطيب ريحه ! قال: فقلت : أنا كذا ، قال : فتعجّب ثم
قال: علىّ ببطيخ ؛ فأتِىَ منه بعدّة، فلما رأيته أظهرت القشعريرة منه ،
وتنحّيت. قال : خذوه ، وضعوا البِطِّيخ بين يديه ، قال : فأقبلت أريه
الجزع والاضطراب من ذلك ، وهو يضحك ، ثم قال: كُلْ واحدة ، قال:
فقلتُ: يا سيدى، تقتلنى وترمى بكلّ شيء فى جوفى وتهيج علىّ العلل ،
الله الله فىّ! قال: كلْ بطيخة ولك فرش هذا البيت؛ علىّ عهد الله بذلك
وميثاقه، قلت : ما أصنع بفرش بيت ، وأنا أموت إن أكلت! قال: فتأبّيت،
وألحّ علىّ ، وجاء الخادم بالسكاكين فقطعوا بطيخة، فجعلوا يحشونها فى فى،
وأنا أصرُخ وأضطرب ؛ وأنا مع ذلك أبلع ، وأنا أربه أنى بكره أفعل ذلك
وألطم رأسى، وأصيح وهو يضحك، فلما فرغت تحوّل إلى بيت آخر ، ودعا
الفرّاشين، فحملوا فرش ذلك البيت إلى منزلى ، ثم عاودنى فى فرش ذلك البيت
فى بطيخة أخرى، ثم فعل كفعله الأول ، وأعطانى فرش البيت ؛ حتى أعطانى
فرش ثلاثة أبيات ؛ وأطعمنى ثلاث بطيخات، قال: وحسنت واللّه حالى ،
واشتدّ ظهرى .
قال : وكان منصور بن المهدىّ يريه أنه ينصح له ، فجاء وقد قام محمد
يتوضّأ ، وعلمت أن محمدًا سيعقينى بشرّ ندامة على ما خرج من يديه ؛ فأقبل
علىّ منصور ومحمد غائب عن المجلس ، وقد بلغه الخبر ، فقال : يابن الفاعلة ،
تخدع أمير المؤمنين ، فتأخذ متاعه! والله لقد هممتُ أفعل وأفعل ، فقلت :
يا سيّدى، قد كان ذاك؛ وكان السبب فيه كذا وكذا، فإن أحببت أن
٩٧٠/٣

٥٢٣
سنة ١٩٨
تقتلنى فتأثّم فشأنك ، وإن تفضّلت فأهلٌ لذلك أنت، ولستُ أعود . قال :
فإنى أتفضّل عليك . قال: وجاء محمد، فقال: افرشوا لنا على تلك البرْكة،
ففرشوا له عليها ، فجلس وجلسنا وهى مملوءة ماء ، فقال: يا عمّ، اشتهيتُ
أن أصنع شيئًا؛ أرمى بعبيد اللّه إلى البركة وتضحك منه. قال: يا سيّدى
إن فعلتَ هذا قتلتَه لشدة برد الماء وبرد يومنا هذا ؛ ولكنى أدلك على شىء
خيرتُ به، طيّب، قال : ما هو ؟ قال: تأمر به يُشدّ فى تخت، ويُطرح
على باب المتوضأ ، ولا يأتى بابَ المتوضّأ أحد إلا بال على رأسه. فقال : طيّب
واللّه؛ ثم أتىَ بتخت فأمر فشُددت فيه ، ثم أمر فحملت وألقيتُ على باب
المتوضأ، وجاء الخدم فأرخوا الرَّباط (١) عنى، وأقبلوا يرونه أنهم يبولون على"
وأنا أصرخ، فمكث بذلك ما شاء الله وهو يضحك. ثم أمر بى فحُلِلتُ وأريته
أنى تنظّفت وأبدلت ثيابى وجاوزت عليه .
٩٧١/٣
وذكر عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع عن أبيه - وكان
حاجب المخلوع- قال: كنتُ قائمًا على رأسه، فأتى بغداء فتغدّی وحده ،
وأكل أكلا عجيبًا، وكان يومًا يعدّ للخلفاء قبله على هيئة ما كان يُهيّأ لكلّ
واحد منهم يأكل من كلّ طعام، ثم يؤتى بطعامه، قال: فأكل حتى فرغ
ثم رفع رأسه إلى أبِى العنبر - خادم كان لأمه - فقال: اذهب إلى المطبخ ،
فقل لهم يهيئون لى بزْماورد ، ويتركونه طوالا لا يقطعونه ، ويكون حشوه
شحوم الدّجاج والسمن والبَقْل والبيض والجبن والزيتون والجوز ، ويكثرون
منه ويعجلونه ؛ فما مكث إلا يسيراً حتى جاءوا به فى خوان مربّع ، وقد جعل
عليه البزْماورد الطوال ، على هيئة القبة العبد صمديّة ، حتى صيّر أعلاها
بزماوردة واحدة ، فوُضع بين يديه ، فتناول واحدةً فأكلها ، ثم لم يزل كذلك
حتى لم يُبقِ على الحوان شيئًا .
وذ کر عن على بن محمد أنّ جابر بن مصعب حدثه ، قال : حدّثنی
محارق ، قال : مرّت بى ليلة ما مرّت بى مثلها قطّ ، إنى لفى منزلى بعد ليلٍ ؛
(١) ط: ((((الرياط))، تحريف.

٥٢٤
سنة ١٩٨
إذ أتانى رسول محمد - وهو خليفة- فركض بى ركضًا، فانتهى بى إلى داره ،
فأدخلت فإذا إبراهيم بن المهدىّ قد أرسل إليه كما أرسل إلىّ ، فوافينا جميعًا،
فانتهى إلى باب مُفضٍ إلى صحن ، فإذا الصحن مملوء شمعًا من شمع محمد
العظام ، وكأنّ ذلك الصحن فى نهار، وإذا محمد فى كُرّج ، وإذا الدار
مماوءة وصائف وخدمًا، وإذا اللعابون يلعبون ، ومحمد وسطهم فىالكُرّج یرقص
فيه ، فجاءنا رسول يقول: قال لكما: قُوما فى هذا الموضع على هذا الباب مما
يلى الصحن ، ثم ارفعا أصواتكما معبّراً ومقصّرًا عن السورناى، واتبعاه فى لحنه
قال : وإذا السورناى والجوارى واللعابون فى شىء واحد :
٩٧٢/٣
«هذی دنانیر تنسانى وأذ کرها .
تتبع الزّمار . قال : فوالله ما زلتُ وإبراهيم قائمين نقولها ، نشقّ بها حلوقنا
حتى انفلق الصبح، ومحمد فى الكرّج ما يسأمه ولا يملّه حتى أصبح يدنو منا،
أحياناً نراه ، وأحيانًا يحول بيننا وبينه الجوارى والخدم .
وذ کر الحسين بن فراس مولى بنى هاشم ، قال : غزا الناس فى زمان محمد
على أن يردّ عليهم الخُمس، فرُدّ عليهم، فأصاب الرجل ستة دنانير ، وكان
ذلك مالا عظيمًاً .
وذكر عن ابن الأعرابيّ ، قال : كنت حاضر الفضل بن الربيع ، وأتِىَ
بالحسن بن هانئ ، فقال : رُفع إلى أمير المؤمنين أنك زنديق ، فجعل يبرأ
من ذلك ويحلف ، وجعل الفضل يكرّر عليه ، وسأله أن يكلّم الخليفة فيه ،
ففعل وأطلقه ، فخرج وهو يقول :
والناسُ محْتَبَسونَ للحَشرِ
أَهلى أَتيتكُمُ مِنَ القِبْرِ
عينى إلى ولد ولا وفرِ
لولاً أَبو العباسِ ما نظرَتْ
شَغَلَتْ حسابَتها يدَیْ شكرِى
فالله ألبسنى بِهِ نعمًا
بأناملِ عشْرٍ
فمددتها
لقِيتُها من مُفهّمِ فَھمِ

٥٢٥
سنة ١٩٨
٩٧٣/٣
وذ کر عن الریاشی أن أبا حبيب الموشی حد ته ، قال : کنت مع مؤنس
ابن عمران ، ونحن نرید الفضل بن الربيع ببغداد ، فقال لی مؤنس : لو دخلنا
على أبى نواس ! فدخلنا عليه السجن ، فقال لمؤنس: يا أبا عمران، أين تريد؟
قال : أردت أبا العباس الفضل بن الربيع، قال : فتبلّغه رقعة أعطيكها ؟
قال : نعم ، قال : فأعطاه رقعة فيها :
إِلا أَبو العباسِ مولاها
ما من يدٍ فى الناسِ واحدَةٍ
: وسرى إلى نفسى فأَحيَاها
نامَ الثقاتُ على مضاجِعِهِمْ
من أَن أَخافكَ خوفُكَ الله
قد كنتُ خفتُكَ ثم أَمَّنِى
وجبَت له نقَمٌ فألفَاها
فَعفوتَ عنِّى عفوَ مُقْتدِرٍ
قال : فكانت هذه الأبيات سببَ خروجه من الحبس .
وذُكر عن محمد بن خلاد الشرويّ ، قال : حدثنى أبى قال : سمع
محمد شعر أبى نواس وقوله :
ألاسَقَنِى خَمْرًا وقل لى هى الحَمْرُ
#
وقوله :
الطَّعْمِ سُلافهْ
مُرَّة
اسقنیھا یا ذُفافهْ
لِرَجاءٍ أَو مخافَهْ
ذَلَّ عندِى مَنْ قلاها
بعد هارونَ الخِلافهْ
مثلَ مَا ذَلَّتْ وضاعَتْ
قال : ثم أنشد له :
فجاءَ بِهَا زَيْتِيَّةً ذَهَبيَّةً
فلم نستطِعِ دُونَ السُّجُودِ لها صَبْرًا ٩٧٤/٣
قال : فحبسه محمد على هذا ، وقال : إيه ! أنت كافر ، وأنت زنديق.
فكتب فى ذلك إلى الفضل بن الربيع :

٥٢٦
سنة ١٩٨
أَنتَ يابنَ الرَّبيع علَّمتَنی الخبْـ
رَ وعوَّدتَنيهِ والخيْرُ عادَهْ
لى وأظهرتُ رهبَةً وَزَهادَةْ
فارعَوَي باطِلى وأَقْصَرَ جَهْ
لو ترَانى شبَّهْتَ بِ الحَسَنَ البَصـ
رئِّ فى حالِ نُسْكِهِ وَقَتَادَهْ
واصفِرارٍ مثلٍ اصفرار الجرادة
برُكُوعِ أَزينُهُ بسُجُودٍ
فتأَمَّل بعينكَ السّجّاده
فادعُ بى لا عَدِمِتَ تقوِيمَ مثلى
لاشتَرَاها يُعِدُّها للشَّهادَةْ
لو رآها بعْضُ المُرَائِينَ يوماً

سنة ١٩٨
٥٢٧
خلافة المأمون عبد الله بن هارون
٩٧٥/٣
وفى هذه السنة وضعت الحرب - بين محمد وعبد الله ابنى هارون الرّشيد -
أوزارها ، واستوسق الناس بالمشرق والعراق والحجاز لعبد الله المأمون بالطاعة.
وفيها خرج الحسن الهِرْش فى ذى الحجة منها يدعو إلى الرضىّ من
آل محمد - بزعمه - فى سفلة الناس، وجماعة كثيرة من الأعراب؛ حتى أتى
النّيل، فجبى الأموالَ ، وأغار على التجّار، وانتهب القرى، واستاق المواشى.
وفيها ولى المأمون كلّ ما كان طاهر بن الحسين افتتحه من كُور الجبال
وفارس والأهواز والبَصْرة والكوفة والحجاز واليمن الحسنَ بن سهل أخا الفضل
ابن سهل ؛ وذلك بعد مقتل محمد المخلوع ودخول الناس فى طاعة المأمون .
وفيها كتب المأمون إلى طاهر بن الحسين، وهو مقيم ببغداد بتسليم جميع
ما بيده من الأعمال فى البلدان كلّها إلى خلفاء الحسن بن سهل، وأن يشخص
عن ذلك كلّه (١) إلى الرقّة، وجعل إليه حرب نصر بن شبث ، وولآه الموصل
والجزيرة والشأم والمغرب .
وفيها قدم علىّ بن أبى سعيد العراق خليفةً للحسن بن سهل على خراجها،
فدافع طاهر عليًّا بتسليم الخراج إليه؛ حتى وفَّى الجند أرزاقهم، فلما وفّاهم
سلّم إليه العمل .
وفيها كتب المأمون إلى هَرْئمة يأمره بالشُّخوص إلى خُراسان .
وحجّ بالناس فى هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن
محمد بن علىّ .
٩٧٦/٣
(١) ط: ((كلها)).

٥٢٨
ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث المشهورة
فمن ذلك قدومُ الحسن بن سهل فيها بغدادَ من عند المأمون، وإليه الحرب
والخراج ، فلمّا قدمها فرّق عماله فى الكُور والبلدان .
وفيها شخص طاهر إلى الرّقة فى جُمادى الأولى، ومعه عيسى بن محمد بن
أبى خالد. وفيها شخص أيضًا هَرْثمة إلى خُراسان .
وفيها خرج أزهر بن زهير بن المسيّب إلى الهِرْش، فقتله فى المحرّم .
وفيها خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن
ابن الحسن بن علىّ بن أبى طالب يوم الخميس لعشر خلون من جمادى
الآخرة يدعو إلى الرضىّ من آل محمد والعمل بالكتاب والسنّة، وهو الذى
يقال له ابن طباطبا ، وكان القيّمَ بأمره فى الحرب وتدبيرها وقيادة جيوشه
أبو السرايا ، واسمه السرىّ بن منصور، وكان يذكر أنه من ولد هانئ بن
قبيصة بن هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبى ربيعة بن ذهْل بن
شيبان .
ذكر الخبر عن سبب
خروج محمد بن إبراهيم بن طباطبا
٩٨٧/٣
اختُلف فى ذلك، فقال بعضهم : كان سببُ خروجه صرف المأمون طاهر
ابن الحسين عمّا كان إليه من أعمال البلدان التى فتحها وتوجيهه إلى ذلك
الحسن بن سهل؛ فلمّا فعل ذلك تحدّث الناس بالعراق بينهم أن الفَضْل بن
سهل قد غلب على المأمون ، وأنه قد أنزله قصراً حجبه فيه عن أهل بيته ووجوه
قوّاده من الخاصّة والعامة ، وأنه يُبرم الأمور على هواه، ويستبدّ بالرأى دونه.
فغضب لذلك بالعراق مَنْ كان بها من بنى هاشم ووجوه الناس ، وأنفوا من

٥٢٩
سنة ١٩٩
غلبة الفضل بن سهل على المأمون ، واجترءوا على الحسن بن سهل بذلك ،
وهاجت الفتن فى الأمصار ؛ فكان أوّل مَنْ خرج بالكوفة ابن طباطبا الذى
ذكرت .
وقيل كان سبب خروجه أن أبا السرّايا كان من رجال هَرْئمة ، فمطله
بأرزاقه وأخره بها ، فغضب أبو السرايا من ذلك ، ومضى إلى الكوفة فبايع
محمد بن إبراهيم وأخذ الكوفة ، واستوسق له أهلها بالطاعة، وأقام محمد بن
إبراهيم بالكوفة ، وأتاه الناس من نواحى الكوفة والأعراب وغيرهم .
[ ذكر الوقعة بين أهل الكوفة وزهير بن المسبّب ]
وفيها وجّه الحسن بن سهل زهير بن المسيّب فى أصحابه إلى الكوفة -
وكان عامل الكوفة يومئذ حين دخلها ابن طباطبا سليمان بن أبى جعفر المنصور
من قبل الحسن بن سهل ، وكان خليفة سليمان بن أبى جعفر بها خالد بن
محجّل الضبّىّ - فلما بلغ الخبر الحسن بن سهل عنّف سليمان وضعفه، ووجّه
زهير بن المسيّب فى عشرة آلاف فارس وراجل ؛ فلما توجّه إليهم وبلغهم
خبرُ شخوصه إليهم تهيَّئَوا للخروج إليه ؛ فلم تكن لهم قوّة على الخروج ،
فأقاموا حتى إذا بلغ زهير قرية شاهى خرجوا فأقاموا حتى إذا بلغوا القنطرة
أتاهم زُهير ، فنزل عشية الثلاثاء صعْنبا ، ثم واقعهم من الغد فهزموه
واستباحوا عسكره ، وأخذوا ما كان معه من مال وسلاح ودوابّ وغير ذلك
يوم الأربعاء .
٩٧٨/٣
فلما كان من غد اليوم الذى كانت فيه الوقعة بين أهل الكوفة وزهير
ابن المسيّب - وذلك يوم الخميس لليلة خلت من رجب سنة تسع وتسعين ومائة-
مات محمد بن إبراهيم بن طباطبا فجاءةً ؛ فذكر أن أبا السرايا سمّه ، وكان
السبب فى ذلك - فيما ذكر - أنّ ابن طباطبا لما أحرزما فى عسكر زهير من
المال والسلاح والدواب وغير ذلك منعه أبا السرايا، وحظره عليه؛ وكان النّاس
له مطيعين، فعلم أبو السرايا أنه لا أمر له معه فسمّه ؛ فلما مات ابن طباطبا
أقام أبو السرايا مكانه غلاما أمرد حدثًا يقال له محمد بن محمد بن زید بن
علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب ؛ فكان أبوالسرايا هو الذى ينفّذ

٥٣٠
٩٧٩/٣
سنة ١٩٩
الأمور، ويولّى مَنْ رأى، ويعزل من أحبّ؛ وإليه الأمور كلها، ورجع زهير
من يومه الذى هُزم فيه إلى قصر ابن هبيرة ، فأقام به . و کان الحسن بن سهل
قد وجّه عبدوس بن محمد بن أبى خالد المروَرُّوذىّ إلى النِّيل حين وُجِّه زهير
إلى الكوفة، فخرج بعد ما هُزم زهير عبدوس يريد الكوفة بأمر الحسن بن سهل؛
حتى بلغ الجامع هو وأصحابه، وزهير مقيم بالقصر، فتوجّه أبو السرايا إلى
عبدوس، فواقعه بالجامع، يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من رجب فقتله ،
وأسر هارون بن محمد بن أبى خالد ، واستباح عسکرہ . و کان عبدوس - فيما
ذكر - فى أربعة آلاف فارس ، فلم يفلت منهم أحد ، كانوا بين قتيل
وأسير ، وانتشر الطالبيُّون فى البلاد ، وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة ،
ونقش عليها : ﴿ إِنَّ اللهَ يحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِى سِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ
بُنيَانُ مَرْصوصٌ﴾(١)، ولما بلغ زهيرًا قتلُ أبى السرايا عبدوسًا وهو بالقصر،
انحاز بمن معه إلى نهر الملك .
ثم إن أبا السرايا أقبل حتى نزل قصر ابن هبيرة بأصحابه ، وكانت طلائعه
تأتى كُونَی ونهر الملك، فوجه أبو السرايا جيوشًا إلى البصرة وواسط فدخلوهما،
وكان بواسط ونواحيها عبد الله بن سعيد الخرشىّ واليًا عليها من قبل الحسن
ابن سهل ، فواقعه جيش أبى السرايا قريبًا من واسط فهزموه ، فانصرف راجعًا
إلى بغداد ، وقد قتل من أصحابه جماعة وأسر جماعة . فلما رأى الحسن
ابن سهل أنّ أبا السرايا ومَنْ معه لا يلْقون له عسكراً إلا هزموه، ولا يتوجهون
إلى بلدة إلا دخلوها؛ ولم يجد فیمن معه من القوّاد من یکفیه حربه،اضطر
إلى هرثمة - وكان هرثمة حين قدم عليه الحسن بن سهل العراق واليًا عليها من
قبَل المأمون ، سلّم ما كان بيده من الأعمال، وتوجه نحوخُراسان مغاضباً
للحسن ، فسار حتى بلغ حُلوان - فبعث إليه السندىّ وصالحًا صاحب المصلّى
يسأله الانصراف إلى بغداد لحرب أبى السرايا ، فامتنع وأبى. وانصرف الرسول
إلى الحسن بإبائه ؛ فأعاد إليه السندىّ بكتب لطيفة، فأجاب، وانصرف إلى
(١) سورة الصف آية ٤

٥٣١
سنة ١٩٩
٩٨٠/٣
بغداد ، فقدمها فى شعبان ؛ فتهيّأ للخروج إلى الكوفة . وأمر الحسن بن سهل
علىّ بن أبى سعيد أن يخرج إلى ناحية المدائن وواسط والبصرة ، فتهيئوا لذلك.
وبلغ الخبر أبا السرايا وهو بقصر ابن هبيرة ، فوجّه إلى المدائن، فدخلها أصحابه
فى رمضان، وتقدّم هو بنفسه وبمن معه حتى نزل نهر صَرْصَر مما يلى طريق
الكوفة فی شهر رمضان . و کان هرثمة لمّا احتبس قدومه على الحسن ببغداد أمر
المنصور بن المهدىّ أن يخرج فيعسكر بالياسريّة إلى قدوم هرثمة ، فخرج
فعسكر ، فلما قدم هَرْئمة خرج فعسكر بالسفينتين بين يدى منصور ، ثم
مضى حتى عسكر بنهر صَرْصر بإزاء أبى السرايا، والنهر بينهما؛ وكان على
ابن أبى سعيد معسكراً بكلْوَاذى ، فشخص يوم الثلاثاء بعد الفطْر بيوم ،
ووجّه مقدّمته إلى المدائن ، فقاتل بها أصحاب أبى السرايا غداة الخميس إلى
اللّيل قتالا شديداً . فلما كان الغد غدا وأصحابه على القتال فانكشف أصحاب
أبى السرايا وأخذ ابن أبى سعيد المدائن . وبلغ الخبر أبا السرايا وأخذ ابن
أبى سعيد المدائن ؛ فلمّا كان ليلة السبت لخمس خَلَوْن من شوّال رجع
أبو السرايا من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة؛ فنزل به، وأصبح مرئمةفجد فى
طلبه ، فوجد جماعة كثيرة من أصحابه فقتلهم ، وبعث برءوسهم إلى الحسن ٩٨١/٣
ابن سهل ، ثم صار هرثمة إلى قصر ابن هبيرة ؛ فکانت بينه وبين أبی السرايا
وقعة قتل فيها من أصحاب أبى السرايا خلْق كثير ، فانحاز أبو السرّايا إلى
الكوفة ، فوثب محمد بن محمد ومن معه من الطالبيين على دور بنى العباس
ودور مواليهم وأتباعهم بالكوفة ، فانتهبوها وخرّبوها وأخرجوهم من الكوفة ،
وعملوا فى ذلك عملا قبيحاً ، واستخرجوا الودائع التى كانت لهم عند الناس
فأخذوها . وكان هَرْئمة - فيما ذكر - يخبر الناس أنه يريد الحجّ ، فكان
قد حبس من يريد الحجّ من خُراسان والجبال والجزيرة وحاجٌ بغداد وغيرهم ؛
فلم يدع أحدًا يخرج، رجاء أن يأخذ الكوفة، ووجه أبو السرايا إلى مكة والمدينة
مَنْ يأخذهما، ويقيم الحجّ للناس.
وكان الوالى على مكة والمدينة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن
علىّ بن عبد اللّه بن العباس ، وكان الذى وجّهه أبو السرايا إلى مكة

٥٣٢
٩٨٢/٣
٩٨٣/٣
سنة ١٩٩
حسين بن حسن الأفطس بن على بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب والذى
وجَّهه إلى المدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علىّ بن
أبى طالب ، فدخلها ولم يقاتله بها أحد ، ومضى حسین بن حسن يريد مكة
فلمّا قرب منها وقف هُنيهة لمن فيها . وكان داود بن عيسى لمّا بلغه توجيه
أبى السرايا حسين بن حسن إلى مكة لإقامة الحجّ للناس جمع موالى بنى العبّاس
وعبید حوائطهم ، وكان مسرور الكبير الخادم قد حجّ فى تلك السنة فى مائی
فارس من أصحابه، فتعبّأ لحرب مَنْ يريد دخول مكة وأخذها من الطالبیین،
فقال لداود بن عيسى : أقم لى شخصّك أو شخص بعض ولدك ، وأنا أكفيك
قتالتَهم ، فقال له داود : لا أستحلُّ القتال فى الحرم ؛ والله لئن دخلوا من
هذا الفجّ لأخرجنّ من هذا الفجّ الآخر، فقال له مسرور: تُسَلَّم ملكك
وسلطانك إلى عدوّك ومن لا يأخذه فيك لومة لائم فى دينك ولا حرمك ولا مالك!
قال له داود: أىّ مُلْك لى! والله لقد أقمتُ معهم حتى شيّخْت فما ولّوْنى
ولايةً حتى كبرتْ سنى ، وفنىَ عمرى ، فولّونى من الحجاز ما فيه القوت ؛
إنما هذا الملك لك وأشباهك ؛ فقاتل إن شئت أو دَعْ. فانحاز داود من مكة
إلى ناحية المُشاش، وقد شدّ أثقالَه على الإبل، فوجه بها فى طريق العراق،
وافتعل كتابًا من المأمون بتولية ابنه محمد بن داود على صلاة الموسم ، فقال له :
اخرج فصلَ بالناس الظهر والعصر بمنىّ، والمغرب والعشاء ، وبتْ بمنَّى،
وصلّ بالناس الصبح، ثم اركب دوابّك فانزل طريق عَرَفة، وخُذْ على
يسارك فى شعب عمرو؛ حتى تأخذطريق المشاش، حتى تلحقى ببستان ابن عامر.
ففعل ذلك ، وافترق الجمع الذى كان داود بن عيسى معهم بمكّة من موالى
بنى العباس وعبيد الحوائط ، وفتّ ذلك فی عضد مسرور الخادم، وخشی إن
قاتلهم أن يميل أكثر الناس معهم ؛ فخرج فى أثر داود راجعًا إلى العراق ،
وبقى الناس بعرفة؛ فلمّا زالت الشمس وحضرت الصّلاة، تدافعها قوم من أهل
مكة، فقال أحمد بن محمد بن الوليد الردمىّ- وهو المؤذن وقاضى الجماعة والإمام
بأهل المسجد الحرام: إذ (١) لم تحضر الولاة- لقاضى مكة محمد بن عبد الرحمن
(١) ط: ((إذا)).

٥٣٣
سنة ١٩٩
المخزومىّ: تقدم فاخطب بالناس ، وصلّ بهم الصلاتين؛ فإنك قاضى البلد .
قال : فلمن أخطبُ وقد هرب الإمام ؛ وأطلّ هؤلاء القوم على الدخول !
قال : لا تدْعُ لأحد، قال له محمد : بل أنت فتقدّمْ واخطب ، وصلّ بالناس،
فأبى؛ حتى قدّموا رجلا من عُرْض أهل مكة، فصلى بالناس الظهر والعصر
بلا خطبة ، ثم مضوا فوقفوا جميعًا بالموقف من عَرَفة حتى غربت الشمس ،
فدفع الناس لأنفسهم من عرفة بغير إمام، حتى أتوا مزدلفة، فصلى بهم المغرب
والعشاء رجلٌ أيضًا من عُرْض الناس وحسين بن حسن يتوقف بسرف یرهب
أن يدخل مكة ، فيُدفع عنها ويقاتل دونها ، حتى خرج إليه قوم من أهل مكة
ممّن يميل إلى الطالبيّين ، ويتخوّف من العباسيين ، فأخبروه أن مكة ومنّى
وعَرفة قد خلتْ ممن فيها من السلطان، وأنهم قد خرجوا متوجهين إلى العراق .
فدخل حسين بن حسن مكة قبل المغرب من يوم عرفة ، وجميع من معه
لا يبلغون عشرة ، فطافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة ، ومضوا إلى عرفة فى
الليل ، فوقفوا بها ساعة من الليل، ثم رجع إلى مزدلفة فصلّى بالناس الفجْر ،
ووقف على قُزح ، ودفع بالناس منه .
٩٨٤/٣
وأقام بمنى أيامَ الحجّ ، فلم يزل مقيماً حتى انقضت سنة تسع وتسعين
ومائة، وأقام محمد بن سليمان بن داود الطالبىّ بالمدينة السنة أيضًا ، فانصرف
الحاج ومَنْ كان شهد مكة والموسم، على أن أهل الموسم قد أفاضوا من عَرَفة
بغير إمام .
وقد كان هرثمة لما تخوّف أن يفوته الحجّ - وقد نزل قرية
شاهى- واقع أبا السرايا وأصحابه فى المكان الذى واقعه فيه زهير، فكانت
الهزيمة على هرثمة فى أول النهار ، فلما كان آخر النهار كانت الهزيمةُ على
أصحاب أبى السرايا ، فلما رأى هرئمة أنه لم يصر إلى ما أراد ، أقام بقرية
شاهى، وردّ الحاج وغيرهم ، وبعث إلى المنصور بن المهدىّ فأتاه بقرية
شاهى، وصار يكاتب رؤساء أهل الكوفة، وقد كان علىّ بن أبى سعيد لما أخذ
المدائن توجّه إلى واسط فأخذها، ثم إنهتوجّه إلى البصرة فلم يقدر على أخذهاحتى
انقضت سنة تسع وتسعين ومائة .

٥٣٤
ثم دخلت سنة مائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ ذكر الخبر عن هرب أبى السرايا وما آل إليه أمره ]
فمما كان فيها من ذلك هرب أبى السرايا من الكوفة ودخول هرثمة إليها .
ذُكِر أن أبا السرايا هرب هوومن معه من الطالبيّين من الكوفة ليلة الأحد
لأربع عشرة ليلة بقيتْ من المحرم من سنة مائتين، حتى أتى القادسيّة. ودخل منصور
ابن المهدىّ وهرثمة الكوفة صبيحةَ تلك الليلة ، وآمنوا أهلتها ، ولم يعرضوا لأحد
منهم ، فأقاموا بها يومهم إلى العصر، ثم رجعوا إلى معسكرهم ، وخلّفوا بها
رجلاً منهم يقال له غسان بن أبى الفرج أبو إبراهيم بن غسان صاحب حرس
صاحب خراسان ، فنزل فى الدار التى كان فيها محمد بن محمد وأبو السرايا .
ثم إنّ أبا السرايا خرج من القادسية هوومَنْ معه حتى أتوا ناحية واسط ،
وكان بواسط علىّ بن أبى سعيد، وكانت البصرة بيد العلويّين بعد ، فجاء
أبو السرايا حتى عبر دِجْلة أسفل من واسط ، فأتى عبْدَسِى ؛ فوجد بها
مالاً كان حُمِل من الأهواز ، فأخذه ثم مضى حتى أتى السوس ، فنزلها ومَن
معه ، وأقام بها أربعة أيام ، وجعل يعطى الفارس ألفًا والراجل خمسمائة ، فلما
كان اليوم الرابع أتاهم الحسن بن على الباذغيسىّ المعروف بالمأمونىّ. فأرسل
إليهم : اذهبوا حيث شئتم، فإنه لا حاجة لى فى قتالكم ، وإذا خرجتم من عملى
فلست أتبعكم . فأبى أبو السرايا إلا القتال، فقاتلهم، فهزمهم الحسن، واستباح
عسكرهم ، وجُرح أبو السرايا جراحة شديدة، فهرب، واجتمع هو ومحمد بن
محمد وأبو الشوْك ، وقد تفرّق أصحابهم، فأخذوا ناحية طريق الجزيرة يريدون
منزل أبى السرايا برأس العين؛ فلما انتهوا إلى جلولاء عُثِر بهم، فأتاهم حماد
الكُنْدُ غُوش فأخذهم ، فجاء بهم إلى الحسن بن سهل، وكان مقيماً بالنهروان
٩٨٥/٣

٥٣٥
سنة ٢٠٠
حين طردته الحربية ، فقدم بأبى السرايا ، فضرب عنقه يوم الخميس لعشر
خلوْن من ربيع الأول . وذ کروا أنّ الذی تولی ضرب عنقه هارون بن محمد بن
أبى خالد، وكان أسيرًا فى أيدى أبى السرايا. وذكروا أنه لم يروا أحداً عند ٩٨٦/٣
القتل أشدّ جزءًا من أبى السرايا ، كان يضطرب بيديه ورجليه ، ويصبح
أشدّ ما یکون من الصياح ؛ حتى جعل فىرأسه حبل، وهو فى ذلك يضطرب
ویلتوی ویصیح ؛ حتى ضربت عنقه . ثم بعث برأسه فطيف به فى عسکر
الحسن بن سهل ، وبعث بجسده إلى بغداد ، فصُلِب نصفين على الجسر ،
فى كلّ جانب نصف ، وكان بين خروجه بالكوفة وقتله عشرة أشهر .
وكان على بن أبى سعيد حين عبر أبو السرايا توجّه إليه، فلمّا فاته توجه
إلى البصرةفافتتحها. والذی کان بالبصرةمن الطالبیینزید بن موسى بن جعفر بن
محمد بن علىّ بن حسين بن على بن أبى طالب ومعه جماعة من أهل بيته ،
وهو الذى يقال له زيد النار- وإنما سمى زيد النار لكثرة ما حرّق من الدور
بالبصرة من دوربنى العباس وأتباعهم؛ وكان إذا أَتِىَ برجل من المسوّدة كانت
عقوبته عنده أن يحرقه بالنار- وانتهبوا بالبصرةأموالا، فأخذه على بن أبىسعيد
أسيراً . وقيل إنه طلب الأمان فآمنه . وبعث علىّ بن أبى سعيد ممن كان
معه من القواد عيسى بن يزيد الجلودىّ وورقاءبن جميل وحمدويه بن على بن
عيسى بن ماهان وهارون بن المسيّب إلى مكة والمدينة واليمن، وأمرهم بمحاربة
مَنْ بها من الطالبيين . وقال التميمىّ فى قتل الحسن بن سهل أبا السرايا :
بسيفِكَ يا أَميرَ المُؤْمِنِينَا
ألم ترَ ضَرْبةَ الحَسَنِ بن سهْلٍ
وأَبقت عِبْرَةً للعابرينا
أَدَارت مَرْوَ رْسَ أَبی السرايا
٩٨٧/٣
وبعث الحسن بن سهل محمد بن محمد حين قتل أبو السرايا إلى المأمون بخراسان.
٠
[ ذكر الخبر عن خروج إبراهيم بن موسى باليمن ]
وفى هذه السنة خرج إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علىّ بن
حسين بن علىّ بن أبى طالب باليمن .

٥٣٦
سنة ٢٠٠
· ذكر الخبر عنه وعن أمره :
وكان إبراهيم بن موسى - فيما ذكر - وجماعة من أهل بيته بمكّة حين
خرج أبو السرايا وأَمْرُه وأمر الطالبيين بالعراق ما ذُكر. وبلغ إبراهيم بن موسى
خبرهم، فخرج من مكة مع مَنْ كان معه من أهل بيته يريد اليمن ، ووالى
اليمن يومئذ المقيم بها من قبل المأمون إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن
محمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس . فلما سمع بإقبال إبراهيم بن موسى العاوىّ
وقربه من صنعاء، خرج منصرفًا عن اليمن، فى الطريق النجدية بجميع مَنْ
فى عسكره من الخيل والرّجْل، وخلّى لإبراهيم بن موسى بن جعفر اليمن
وكره قتاله ، وبلغه ما كان من فعل عمّه داود بن عيسى بمكة والمدينة؛ ففعل
مثل فعله، وأقبل يريد مكة؛ حتى نزل المُشاش، فعسكر هناك، وأراد دخول
مكة ، فمنعه مَن كان بها من العلويّين ، وكانت أم إسحاق بن موسى بن
عيسى متواريةً بمكة من العلويّين ، وكانوا يطلبونها فتوارت منهم ، ولم يزل
٩٨٨/٣ إسحاق بن موسى معسكراً بالمشاش ، وجعل من كان بمكة مستخفياً يتسللون
من رءوس الجبال ، فأتوا بها ابنها فى عسكره . وكان يقال لإبراهيم بن موسى :
الجزّار ؛ لكثرة من قتل باليمن من الناس وسبى وأخذ من الأموال .
#
[ ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة ]
وفى هذه السنة فى أول يوم من المحرّم منها بعد ما تفرّق الحاجّ من مكة
جلس حسين بن حسن الأفطس خلف المقام على نُمرقة مثنيّة ، فأمر بثياب
الكعبة التى عليها فجُرّدت منها حتى لم يُبق عليها من كسوتها شيئًا، وبقيَت
حجارة مجرّدة ، ثم كساها ثوبين من قَزّ رقيق، كان أبو السرايا وجّه بهما معه
مكتوب عليهما : أمرَ به الأصفر بن الأصفر أبو السرايا داعية آل محمد ،
لكسوة بيت الله الحرام، وأن يطرح عنه كُسوة الظلمة من ولد العباس، لتطّهر
من كُسوتهم . وكتب فى سنة تسع وتسعين ومائة .
ثم أمر حسين بن حسن بالكسوة التى كانت على الكعبة فقسمت بين
أصحابه من العلويّين وأتباعهم على قدر منازلهم عنده، وعمد إلى ما فى خزانة

٥٣٧
سنة ٢٠٠
الكعبة من مال فأخذه ، ولم يسمع بأحد عنده ودیعة لأحد من ولد العباس
وأتباعهم إلاّ هجم عليه فى داره ؛ فإن وجد من ذلك شيئًا أخذه وعاقب الرجل؛
وإن لم يجدعندهشيئًا حبسه وعذبه حتى يفتدى نفسه بقدر طوله ، ويقرّ عند
الشهود أن ذلك للمسوّدة من بنى العباس وأتباعهم، حتى عتّمّ هذا خلقًا كثيراً.
٩٨٩/٣
وكان الذى يتولى العذاب لهم رجلاً من أهل الكوفة يقالله محمد بن مسلمة،
كان ينزل فى دار خالصة عند الحنّاطين ؛ فكان يقال لهادار العذاب، وأخافوا
الناس؛ حتى هرب منهم خلق كثير من أهل النّعم ، فتعقبوهم بهدم دورهم حتى
صاروا من أمر الحرم ، وأخذ أبناء الناس فى أمر عظيم، وجعلوا يحكّون الذهب
الرقيق الذى فى رءوس أساطين المسجد ، فيخرج من الأسطوانة بعد التعب
الشديد قدْر مثقال ذهب أو نحوه ، حتى عمّ ذلك أكثر أساطين المسجد
الحرام ، وقلعوا الحديد الذى على شبابيك زمزم، ومن خشب الساج، فبيع بالثّمن
الخسيس. فلما رأى حسين بن حسن ومَنْ معه من أهل بيته تغيّر الناس لهم
بسيرتهم ، وبلغهم أن أبا السرايا قد قُتل ، وأنه قد طرد من الكوفة والبصرة
وكور العراق من كان بها من الطالبيين ، ورجعت الولاية بها لولد العباس ،
اجتمعوا إلى محمد بن جعفر بن محمد بن علىّ بن حسين بن عليّ بن أبى طالب-
وكان شيخًا وَدَاعاً محبّباً فى الناس ، مفارقًا لما عليه كثير من أهل بيته من
قبح السيرة ، وکان یروی العلم عن أبيه جعفر بن محمد ، و کان الناس یکتبون
عنه ، وكان يظهر ◌َسَمْتًا وزهدًا - فقالوا له: قد تعلم حالك فى الناس ، فأبْرِزْ
شخصك نبايعْ لك بالخلافة ؛ فإنك إن فعلت ذلك لم يختلف عليك رجلان ؛
فأبى ذلك عليهم ، فلم یزل به ابنه على بن محمد بن جعفر وحسین بن حسن
الأفطس حتى غلبا الشيخ على رأيه؛ فأجابهم. فأقاموه يوم صلاة الجمعة بعد
الصلاة لستّ خلون من ربيع الآخر ، فبايعوه بالخلافة ، وحشروا إليه الناس
من أهل مكة والمجاورين ، فبايعوه طوعا وكرها ، وسمّوْه بإمرة المؤمنين ، فأقام
بذلك أشهراً، وليس له من الأمر إلا اسمه ، وابنه علىّ وحسين بن حسن
وجماعة منهم أسوأ ما کانوا سیرة، وأقبح ما کانوا فعلاً، فوثب حسین بن حسن
على امرأة من قريش من بنى فهر - وزوجها رجل من بني مخزوم ، وكان لها
٩٩٠/٣

٥٣٨
سنة ٢٠٠
جمال بارع- فأرسل إليها لتأتيه، فامتنعت عليه، فأخاف زوجها وأمر بطلبها
فتوارت منه ، فأرسل ليلا جماعة من أصحابه فكسروا بابَ الدار ، واغتصبوها
نفسها ، وذهبوا بها إلى حسين ، فلبثت عنده إلى قرب خروجه من مكة ،
فهربت منه، ورجعت إلى أهلها وهم يقاتلون بمكة. ووثب علىّ بن محمد بن
جعفر على غلام من قريش ، ابن قاض بمكة يقال له إسحاق بن محمد ، وكان
جميلا بارعًا فى الجمال - فاقتحم عليه بنفسه نهاراً جهاراً فى داره على الصفا
مشرفًا على المسعى؛ حتى حمله على فرسه فى السرْج . وركب علىّ بن محمد
على عجز الفرس ، وخرج به يشق السوق حتى أتى بئر ميمون - و کان ينزل
فى دار داود بن عيسى فى طريق منَّى - فلما رأى ذلك أهلُ مكة ومَنْ بها
من المجاورين ، خرجوا فاجتمعوا فى المسجد الحرام ، وغلقت الدكاكين ،
ومال معهم أهلُ الطواف بالكعبة؛ حتى أتوا محمد بن جعفر بن محمد، وهو
نازل دار داود ، فقالوا: واللّه لنخلعنك ولنقتلنّك، أو تردنّ إلينا هذا الغلام
الذى ابنك أخذه جهرة . فأغلق باب الدار ، وكلمهم من الشباك الشارع فى
المسجد، فقال: والله ما علمت، وأرسل إلى حسين بن حسن يسأله أن يركب
إلى ابنه علىّ فيستنقذ الغلام منه. فأبى ذلك حسين، وقال: والله إنك لتعلم
أنى لا أقوى على ابنك، ولو جئتُه لقاتلى وحاربنى فى أصحابه . فلما رأى
ذلك محمد قال لأهل مكة : آمنونى حتى أركب إليه وآخذ الغلام منه . فآمنوه
وأذنوا له فى الركوب، فركب بنفسه حتى صار إلى ابنه، فأخذ الغلام منه وسلمه
إلى أهله . قال : فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى أقبل إسحاق بن موسى بن عيسى
العباسي مقبلاً من اليمن حتى نزل المُشاش ، فاجتمع العلويون إلى محمد بن
جعفر بن محمد ، فقالوا له : يا أميرَ المؤمنين، هذا إسحاق بن موسى مقبلاً
إلينا فى اخيل والرجال ، وقد رأينا أن نخندق خندقًا بأعلى مكة ، وتبرز
شخصك ليراك الناس ويحاربوا معك. وبعثوا إلى مَنْ حولهم من الأعراب ،
ففرضوا لهم، وخندقوا على مكة ليقاتلوا إسحاق بن موسى من ورائه، فقاتلهم
إسحاق أيامًا . ثم إن إسحاق كره القتال والحرب ، وخرج يريد العراق ،
٩٩٢/٣ فلقيه ورقاء بن جميل فى أصحابه ومنْ كان معه من أصحاب الجُلودىّ، فقالوا:
ارجع معنا إلى مكة ونحن نكفيك القتال . فرجع معهم حتى أتوا مكة
٩٩١/٣

٥٣٩
سنة ٢٠٠
فنزلوا المُشاش . واجتمع إلى محمد بن جعفر من كان معه من
غوغائها ، ومن سودان أهل المياه، ومَن فرض له من الأعراب، فعبّأهم بيثر
ميمون، وأقبل إليهم إسحاق بن موسى وورقاء بن جميل بمَنْ معه من القوّاد
والجند ، فقاتلهم بيثر ميمون ، فوقعت بينهم قتلى وجراحات . ثم رجع إسحاق
وورقاء إلى معسكرهم ، ثم عاودهم بعد ذلك بيوم فقاتلهم، فكانت الهزيمة
على محمد بن جعفر وأصحابه؛ فلما رأى ذلك محمد، بعث رجالاً من قريش
فيهم قاضى مكة يسألون لهم الأمان ؛ حتى يخرجوا من مكة، ويذهبوا حيث
شاءوا، فأجابهم إسحاق وورقاء بن جمِيل إلى ذلك، وأجّدُوهم ثلاثة أيام،
فلما كان فى اليوم الثالث ، دخل إسحاق وورقاء إلى مكة فى جمادى الآخرة
وورقاء الوالى على مكة للجلودىّ، وتفرّق الطالبيون من مكة ، فذهب كلّ
قوم ناحية ؛ فأمّا محمد بن جعفر فأخذ ناحية جُدّة ، ثم خرج يريد الجُحفة ،
فعرض له رجل من موالی بنی العباس یقال له محمد بن حكيم بن مروان ، قد
كان الطالبيون انتهبوا داره بمكة، وعدّبوه عذابا شديداً؛ وكان يتوكّل لبعض
العباسيين بمكة لآل جعفر بن سليمان ، فجمع عبيد الحوائط من عبيد العبّاسيين
حتى لحق محمد بن جعفر بين جُدّة وعُسْفان ، فانتهب جميع ما معه مما خرج
به من مكة ، وجرّده حتی ترکه فی سراويل ، وهمّ بقتله ، ثم طرح عليه بعد
ذلك قميصًا وعمامة ورداء ودريهمات يتسبّب بها ، فخرج محمد بن جعفر
حتى أنى بلاد جهينة على الساحل ، فلم يزل مقيمًا هنالك حتى انقضى الموسم ،
وهو فى ذلك يجمع الجموع . وقد وقع بينه وبين هارون بن المسيّب والى المدينة
وقعات عند الشجرة وغيرها ، وذلك أن هارون بعث ليأخذه ، فلما رأى ذلك
أتاه بمن اجتمع حتى بلغ الشجرة ، فخرج إليه هارون فقاتله، فهزم محمد بن
جعفر ، وفقِئت عينه بنشابة، وقتِل منْ أصحابه بشر كثير، فرجع حتى أقام
بموضعه الذى كان فيه ينتظر ما يكون من أمر الموسم ، فلم يأته مَنْ كان وعده.
فلما رأى ذلك وانقضى الموسم ، طلب الأمان من الجُلودىّ ومن رجاء ابن عم
الفضل بن سهل، وضمن له رجاء على المأمون وعلى الفضل بن سهل ألا يُهاج،
وأن يُوفّى له بالأمان، فقبلذلك ورضیه، ودخل به إلى مكة، يوم الأحد بعد
النفْر الأخير بثمانية أيام لعشر بقين من ذى الحجة ، فأمر عيسى بن يزيد
٩٩٣/٣

٥٤٠
سنة ٢٠٠
الجُلودى ورجاء بن أبى الضحاك ابن عمّ الفضل بن سهل بالمنبر؛ فوضع بين
الركن والمقام حيث كان محمد بن جعفر بويع له فيه ، وقد جمع الناس من
القريشيين وغيرهم، فصعد الجُلودىّ رأسَ المنبر ، وقام محمد بن جعفر تحته
بدرجة ، وعليه قباء أسود وقتلنسوة سوداء ؛ وليس عليه سيف ليخلع نفسه .
ثم قام محمد ، فقال :
٩٩٤/٣
أيها الناس مَنْ عرفى فقد عرفى ، ومن لم يعرفنى فأنا محمد بن جعفر بن
محمد بن علىّ بن حسين بن على بن أبى طالب ؛ فإنه كان لعبد الله عبد الله
أمير المؤمنين فى رقَبنى بيعة بالسمع والطاعة ، طائعاً غير مُكْرَه ، وكنت
أحد الشهود الذين شهدوا فى الكعبة فى الشرطين لهارون الرشيد على ابنيه: محمد
المخلوع وعبد الله المأمون أمير المؤمنين. ألا وقد كانت فتنة غشيت عامة الأرض
منّا ومن غيرنا . وكان نمى إلىّخبر؛ أن عبد الله عبدالله المأمون أمير المؤمنين
كان توفّىَ ؛ فدعانى ذلك إلى أن بايعوا لى بإمرة المؤمنين، واستحللت قبول ذلك
لما كان علىّ من العهود والمواثيق فى بيعتى لعبد الله عبد الله الإمام المأمون ،
فبایعتمونی۔۔ أو من فعلمنکمـ ألا وقد بلغی وصحعندی أنه حى سوىّ . ألا وإنى
أستغفر الله مما دعوتكم إليه من البيعة، وقد خلعت نفسى من بَبْعتى التى
بایعتمونی علیها ؛ کما خلعت خاتمی هذا من أصبعی، وقد صرت کرجل من
المسلمين فلا بيعة لى فى رقابهم ، وقد أخرجت نفسى من ذلك ، وقد ردّ اللّه
الحق إلى الخليفة المأمون عبد الله عبد الله المأمون أمير المؤمنين، والحمد لله رب
العالمين ؛ والصلاة على محمد خاتم النبيين والسلام عليكم أيها المسلمون .
ثم نزل . فخرج به عيسى بن يزيد الجلودىّ إلى العراق، واستخلف على
مكة ابنه محمد بن عيسى فى سنة إحدى ومائتين ، وخرج عيسى ومحمد بن
جعفر حتى سلّمه إلى الحسن بن سهل ، فبعث به الحسن بن سهل إلى المأمون
بمَرْو مع رجاء بن أبى الضحاك .
٩٩٥/٣
وفى هذه السنة وجّه إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد الطالبيّ بعض
ولد عقيل بن أبى طالب من اليمن فى جند كثيف إلى مكة ليحجّ بالناس ،
فحورب العقيلىّ فهزم ، ولم يقدر على دخول مكة .