النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
سنة ١٩٧
المنافع من ناحيته إلى مدينة أبى جعفر والشرقية والكرْخ، وأمر بصرْف سُفُن
البصرة وواسط بطرنايا إلى الفرات ؛ ومنه إلى المحوّل الكبير وإلى الصّراة ، ومنها
إلى خندق باب الأنبار؛ بما كان زهير بن المسيب يُبَدرِقه إلى بغداد، وأخذَ من
كلّ سفينة فيها حمولة ما بين الألف درهم إلى الألفين والثلاثة، وأكثر وأقل"،
وفعل ◌ُمّال طاهر وأصحابه ببغداد فى جميع طرقها مثلَ ذلك وأشدّ ، فغلت
الأسعار ، وصار الناس فى أشدّ الحصار ، فينسوا أو كثير منهم من الفرج
والرّوح ، واغتبط مَنْ كان خرج منها ، وأسف على مقامِه من أقام .
٨٩١/٣
٠ ٠
وفى هذه السنة استأمن ابن عائشة إلى طاهر، وكان قد قاتل مع محمد حيناً
بالياسرية .
[ ذكر خبر وقعة الكناسة ]
وفيها جعل طاهر قُوّاداً من قُوّاده بنواحى بغداد ، فجعل العلاء بن
الوضّاح الأزدى فى أصحابه ومَن ضمّ إليه بالوضّاحية (١) على المحوّل الكبير،
وجعل نعيم بن الوضّاح أخاه فيمن كان معه من الأتراك وغيرهم مما يلى رَبض
أبى أيوب على شاطئ الصّراة ، ثم غادى القتال وراوح أشهرًا ، وصبر الفريقان
جميعًا ؛ فكانت لهم فيها وقعة بالكُناسة ؛ باشرها طاهر بنفسه ، قُتل فيها
بشرٌ كثير من أصحاب محمد، فقال عمرو بن عبد الملك:
صارت حَدِيثَ الأَبَدِ
وَقْعَهُ يومِ الأَحَدِ
پوم.
مُلقَى وَكَمْ مِن جَسَدِ
كُمْ جسدٍ أَبصرتَهُ
مَنِيَّةٌ بِالرَّصَدِ
كانت له
وناظر
فشكَّ جَوفَ الكَبِدِ
أَتاهُ سَهْمٌ عائرٌ
وصائحٍ يا ولدى !
وصائحٍ با والدى
(١) موضعها فى ط كلمة غير واضحة وما أثبته من ا.

٤٦٢
سنة ١٩٧
كان متينَ الجَلَدِ !
وكم غريقٍ سابحٍ
بناتِ البلدِ
غَيرُ
لم يَفتقدْه أَحدٌ
المفتقدِ
على
عز
بَئِس
فقید
و کم
أولى شديد الحَرَدِ (١)
كَانَ مِن النَّظارةِ الـ
لو أنه عایَن ما
لم يبقَ من کھلٍ لُهُمْ
مثلَ
وطاهرٌ ملتهِمٌ
خيَّمَ لا يَبْرَح فى الـ
الُّبَدِ
مثلَ
عرصَةِ
٨٩٢/٣
عاينَه لم يَعُدِ
فَاتَ وَلا مِنْ أَمْرَدٍ
٤
الاسدِ
التهام
الوَقَد
بنارِ
حربٍ
تقذِفُ عيناه لدی الـ
یزد
ولمًّا
ألفاً
فقائلٌ قد قَتَلوا
وقائلُ أَكثر بل
ما لهُمُ من عدد
يرهَبُ من خوفِ غدٍ
نحومُمُ
وهاربٌ
هيهات لا تبصرُ مِمِنْ قَدْ مَضَى مِن أَحَدٍ
لا يرجع الماضى إلى الْب بَاقِى طَوَالَ الأَبدِ
ءِ رُوحُهُ لَمْ تبدِ
قلتُ لمطعونِ وفيـ
مِسكِينُ من مُحْمَدِ
مَنْ أَنَت يا وَيْلكَ يا
دانٍ وَلا مِنْ بَلِدِ
فقالَ لا من نَسبٍ
أَجدْ لهُ من صَفدٍ
لم أره قطّ وَلَمْ
تَلتُ ولا لِلرَّشَدِ
وقال لا لِلغيِّ قَا
يصيرُ مِنْهُ فِىِ يدِى
عاجل
إِلَّا لشىء
(١) كذا فى ا.

٤٦٣
سنة ١٩٧
٨٩٣/٣
وذكر عن عمرو بن عبد الملك أنّ محمداً أمرزُريحًا غلامه بتتبّع الأموال
وطلبها عند أهل الودائع وغيرهم ، وأمر الهِرْش بطاعته ، فكان يهجم على
الناس فى منازلهم ، ويبيّتُهم ليلا ، ويأخذ بالظنّة ، فجبى بذلك السبب أموالا
كثيرة ، وأهلك خلقًا، فهرب الناس بعلّة الحجّ، وفرّ الأغنياء ، فقال القراطيسىّ
فى ذلك :
بل من الھِرْشِ يُریدون الھربْ
أَظهروا الحجّ وما ينوونَهُ
وكلَ الهِرْشُ عليهم بالعطب(١)
أُناس أصبحوا فى غبطة
كـ
لقِىَ الذُّلَّ وَوَافاهُ الحَرَبْ
كلُّ مَنْ رادَ(٢) زُرِيحٌ بِيتَهُ
#
[ ذكر خبر وقعة درب الحجارة ]
وفيها كانت وقعة درب الحجارة .
ذكر الخبر عنها :
#
ذكر أن هذه الوقعة كانت بحضرة درب الحجارة ؛ وكانت لأصحاب
محمد على أصحاب طاهر ، قُتل فيها خلق كثير ، فقال فى ذلك عمرو بن
عبد الملك العترى :
قطعَت قِطعَةً مِنَ النَّظَّارَهْ
وَقْعَةُ السبتِ يومَ درب الحِجَارَهْ
أَهلكتَهمْ غوغاؤْنا بالحجَارِهْ
ذاك من بعد ما تَفَانَوا ولكِنْ
قَدِمِ النُّورَجِينَ للقتل عمدًا قال إِنّى لَكُمْ أُرِيد الإِمَارَهُ(٣)
عَمَر السجنَ دهرَه بالشَّطَارَةْ
فتلقاه كلُّ لِصِّ مُرِيبٍ
أَيْرُه قائمٌ كمثلٍ المنارَهْ
ما عليه شيءٌ يواريه مِنْهُ
يُحِسنونَ الضِّرابَ فى كلِّ غارَهْ
فَتَوَلُوْا عنهمْ وَكَانُوا قديماً
٨٩٤/٣
(١) المسعودى: ((ركض الليل عليهم بالعطب)).
(٢) المسعودى: ((كل من زار)).
(٣) ورد البيت فى ط ناقصاً وأكلته من ا.

٤٦٤
سنة ١٩٧
هوّلا مثلُ هؤلاكَ لدينا
كُلّ مَنْ كَانَ خامِلًا صارَ رأساً
حاملٌ فى يمينِهِ كلَّ يومٍ
أَخرجْتُهُ من بيتها أمُّ سوء
يشتُمُ الناسَ ما يبالى بإِفصا
ليْسَ هذا زمان حرّ کریم.
كان فيما مضى القتالُ قِتالا
وقال أيضًا :
ليس يَرعوْن حق جارٍ وجَارَهْ(١)
مِنْ نَعيمٍ فى عيشِه وَغَضَارَهْ
مِطرَدًا فوقَ رأسه طَيَّارة
طَلَبَ النَّهِبَ أُمّه العَيَّارَهْ
ح. لذى الشَّتم لا يُشير إِشارَهْ
ذا زمانُ الأَنذالِ أَهلِ الزَّعارة
فهُوَ اليومَ يا علىَّ تِجارَه
٨٩٥/٣
فَيَّرْتَ ظَاهِرَها محمَّدٌ
بارِيَّةٌ
وَمَنصُورُ
فيها
قد أُخِذَ السُّورُ
وَقَوْلُهُمُ
والأمنُ أُحادِیثھمْ
العِز
وَأَنتَ مَقتولُ وَمَأْسُور ؟
وأیُّ نفعٍ لكَ فی سورهُمْ
وَهُلِمَتْ من دُورِكُمْ دُورُ
قد قُتِلَتْ فُرْسَانِكُمْ عَنوَةً
مهذَّبٍ فى وَجْهِهِ نُورُ
هاتوا لکمْ من قائدٍ واحدٍ
محمَّدٌ فى القَصْرِ مَخْصورُ
يأَيُّها السّائل عَنْ شأننا
٠
[ ذكر خبر وقعة باب الشماسية ]
وفيها أيضاً كانت وقعة بباب الشماسية ، أسرَ فيها هَرْئمة .
· ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان وإلى ما آل الأمر فيه :
ذكر عن علىّ بن يزيد(٢) أنه قال: كان ينزل مَرْثمة نهر بين، وعليه
حائط وخَتْدق، وقد أعدّ المجانيق والعرّادات، وأنزل عبيد الله بن الوضاح
الشَّاسيّة، وكان يخرج أحيانًا، فيقف بباب خُراسان مشفقًا من أهل
(١) ورد البيت فى ط محرفاً والصواب ما أثبته من ا. (٢) ط: ((زيد))، وانظر الفهرس

٤٦٥
سنة ١٩٧
٨٩٦/٣
العسكر ، كارهًا للحرب ، فيدعو الناس إلى ما هو عليه فيشتمه ، ويستخفّ
به ؛ فيقف ساعة ثم ينصرف . وكان حاتم بن الصّقْر من قوّاد محمد ؛ وكان
قد واعد أصحابه الغُزاة(١) والعيّارين أن يوافوا عبيد الله بن الوضاح ليلا، فمضَوْا
إلى عبيد اللّه مفاجأة وهو لا يعلم؛ فأوقعوا به وقعة أزالوه عن موضعه، وولی
منهزمًا، فأصابوا له خيلاً وسلاحًا ومتاعًا كثيراً، وغلب على الشّماسيّة حاتم
ابن الصقر . وبلغ الخبرُ هرثمة، فأقبل فى أصحابه لنصرته، وليردّ العسكر عنه
إلى موضعه ؛ فوافاه أصحاب محمد، ونشب الحرب بينهم ، وأسر رجل من
الغُزاة هرثمة ولم يعرفه ، فحمل بعض أصحاب هرثمة على الرّجل، فقطع يده
وخلّصه ، فمرّ منهزمًا، وبلغ خبُره أهلَ عسكره ، فتقوّض بما فيه، وخرج
أهله هاربین علی وجوههم نحو حلوان ، وحجز أصحاب محمد الليل عن
الطلب؛ وما كانوا فيه من النّهب والأسْر. فحدّثت أن عسكر هرثمة لم يتراجع
أهله يومين ، وقويت الغزاة بما سار فى أيديهم .
وقيل فى تلك الوقعة أشعار كثيرة ، فمن ذلك قول عمرو (٢) الوراق:
يَغْدُو على طلَبِ القَميصِ
◌ُرْیانُ لیس بذِی قميصٍ
يُعْمِى العيونَ من البَصيصِ
يَعْدُو عَلَى ذِى جوشَنٍ
حمراءُ تلمعُ كالفُصوصِ
فى كفِّه طَرَّادَةٌ
لِ أَشَدّ من حِرْص الحريصِ
حَرِصاً عَلَى طَلَبِ القِتَا
سلِسَ القِيادِ كأنّما
لَيْئاً مُغِيرًا لَم يَزَلْ
أَجْرِى وَأَثْبَتَ مَقْدَماً
يَغْدُو عَلى أَكلِ الخبيص
رَأْسًا يعدّ من اللصُوصِ
فى الحرب من أُسدٍ رَهیصٍ
نِ وَعِيصُهُ من شَرِّ عيصٍ
يدْنو على سَنَنِ الهَوَا
على أَخَفَّ من القَلُوصِ
يَنْجُو إِذا كانَ النَّجا
قَلِهِ تَعَرْضَ من محيـ
ما للكَمِىّ إِذا لِمَقْ
٨٩٧/٣
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((العراق)). وكذلك فيما يأتى.
(٢) هو عمرو بن عبد الملك العترى.

٤٦٦
سنة ١٩٧
قد بَاعَ بالثَّمَنِ الرَّخيصِ
كَم من شُجاعٍ فارسٍ
رأسَ الكمِىّ بكَفُّ شيصٍ !
يدعُو : أَلا مَنْ يَشترِى
وقال بعض أصحاب هَرْثمة :
والدُّور تُهدَمُ والأَّموالُ تَنْتَقِصُ
يَفنَى الرَّمانُ وما يَقنَى قتالُهُمُ
لا يدفَعُون الرَّدَی عنهمْ وإِنحَرصُوا
والناسُ لا يَستَطيعُونَ الذِى طلَبُوا
فى كلّ يوم لأَولادِ الرِّنا قصصُ
يأتوننا بحديثٍ لا ضياءَ لَهُ
قال: ولما بلغ طاهراً ما صنع الغُزاة وحاتم بن الصقر بعبيد الله بن الوضاح
وهرثمة اشتدّ ذلك عليه، وبلغ منه؛ وأمر بعقد جسر على دجاة فوق الشّماسيّة،
ووجّه أصحابه وعبَّأهم، وخرج معهم إلى الجسْر ، فعبروا إليهم وقاتلوهم
أشدَّ القتال ، وأمدَّهم بأصحابه ساعة بعد ساعة حتى ردُّوا أصحاب محمد ،
وأزالوهم عن الشّاسيّة، وردّ المهاجر عبيد اللّه بن الوضّاح وهرثمة.
قال : وكان محمد أعطى بنقض قصوره ومجالسه الخيزرانية بعد ظفر الغزاة
ألفى ألف درهم ، فحرقها أصحاب طاهر كلها ، وكانت السقوف مذهّبة ،
وقتلوا من الغزاة والمنتهبين بشرًا كثيراً ، وفى ذلك يقول عمرو الوراق :
صبَّحونا صبيحةَ الإِثنينِ
ثَقَلان وطاهر بن الحسين
اطلبوا اليومَ ثأركم بالحسين
جمعوا جمعَهم بليل ونادَوا
٨٩٨/٣
كلّ صُلبِ القَناة والسَّاعِدَيْنِ
ضربوا طبلَهُمْ فثارَ إِليهِمْ
هواه بِطَيِّئِ الجَبَلَيْنِ(١)
ياقَتِيلا بالقاعِ مُلقَى على الشطِّ
طلحَ النَّاسُ أَنتَ بْالخَلَّتِيْنِ
ماالَّذِی فییدیك أَنتَ إِذاما اصْـ
أَوَزِيرٌ أَم قائدُ ، بَلْ بعيدٌ
كم بصيرٍ غَدَا بعينَيْنٍ کی یُبـ
لیس یُخْطونَ ما یریدون ما يَع
أَنْتَ من ذَينٍ مَوضع الفَرَقَدَينِ
صِرَ ما حالهم فعادَ بعين
مِد رامِيهِمُ سِوَى الناظرين
(١) المسعودى: ((تطأه الخيول فى الجانبين)).

٤٦٧
سنة ١٩٧
صَرتُ فِى النَّاس ليس غيرُ كذينٍ
سائلى عنهمُ هُمُ شرِّ مَنْ أَبـ
س مَضَى أَو رأيتُ فى الثَّقَلَيْنِ
شرّ باقٍ وشرّ ماض من النا
قال : وبلغ ذلك من فعل طاهر محمداً ، فاشتدّ عليه وغمّه وأحزنه ؛
فذكر كاتب لكوثر أن محمداً قال - أو قيل على لسانه هذه الأبيات:
٨٩٩/٣
إذا ما طالَ لَيْسَ كما يطولُ
مُنيتُ بِأَشْجع الثَّقَلَيْنِ قَلباً
يشاهدُه ويعلمُ ما يَقُولُ
له مَعْ كلِّ ذِی بَدَنٍ رقيبٌ
إذا ما الأَمر ضَيَّعه الغَفُولُ
فليس بمُغْفلٍ أَمرًا عِنادًا
وفى هذه السنة ضَعُف أمر محمّد ، وأيقن بالهلاك ، وهرب عبد الله بن
خازم بن خزيمة من بغداد إلى المدائن؛ فذُكر عن الحسين بن الضحاك أنّ
عبد الله بن خازم بن خزيمة ظهرت له التّهمة من محمد والتّحامل عليه من
السِّفْلة والغوغاء ، فهمّ على نفسه وماله ، فلحق بالمدائن ليلاً فى السفن بعياله
وولده ، فأقام بها ولم يحضر شيئًا من القتال .
وذكر غيرُه أن طاهراً كاتبه وحذّره قبض ضياعه واستئصاله ، فحذّره
ونجا من تلك الفتنة وسلم ؛ فقال بعض قرائبه فى ذلك :
وَأَوباشِ الطَّامِ من الأَّام
وما جَبنَ ابن خازمَ من رَعاعٍ
ولكنْ خافٍ صَولةَ ضَيغَمِىِّ هَصُورٍ الشَّدِّ مشهور العُرَامِ
فذاع أمرُه فى الناس، ومشى تُجّار الكرخ بعضهم إلى بعض ، فقالوا :
ينبغى لنا أن نكشف أمرنا لطاهر ونُظهر له براءتنا من المعُونة عليه ، فاجتمعوا
وكتبوا كتابًا أعلموه فيه أنهم أهل السمع والطاعة والحبّ له ؛ لما يبلغهم من
إيثاره طاعةَ اللّه والعمل بالحقّ، والأخذ على يد المريب، وأنهم غيرُ مستحلِّى
النظر إلى الحرْب؛ فضلاعن القتال، وأنّ الذى يكون حزبه من جانبهم ليس
منهم ، قد ضاقت بهم طرق المسلمين؛ حتى إنّ الرّجال(١) [ الذین بلوا من
حربه من جانبهم ليس منهم ] ، ولا (٢) لهم بالكرخ دور ولا عقار؛ وإنما هم
٩٠٠/٣
(١) ط: ((الرجل)).
(٢) من ا.

٤٦٨
سنة ١٩٧
بين طرّار وسوّاط ونطاف (١)"، وأهل السجون. وإنمامأواهم الحمامات والمساجد،
والتّجار منهم إنما هم باعة الطريق يتّجرون فى محقرات [ البيوع ، قد ضاقت
بهم طرق المسلمين، حتى إن الرجل ليستقبل](٢) المرأة فى زحمة(٣) الناس
فيلتثّان (٤) قبل التخلص؛ وحتى إن الشيخ ليسقط لوجهه ضعفًا؛ وحتى إن
الحامل الكيس فى حُجزته وكفه ليُطَرُّ منه ، وما لنا بهم يدان ولا طاقة ؛ ولا
نملك لأنفسنا معهم شيئًا ؛ وإن بعضنا يرفع الحجر عن الطريق لما جاء فيه
من الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فكيف لو اقتدرنا على مَنْ فى
إقامته عن الطريق ، وتخليده السجن ، وتنفيته عن البلاد وحسم الشرّ والشَّغْب
ونفى الزّعَارة والطّرّوالسرق، وصلاحُ الدين والدنيا، وحاش لله أن يحاربك منا أحد!
فذكر أنهم كتبوا بهذا قصّةً، واتّعد قوم على الانسلال إليه بها ، فقال
لهم أهل الرّأى منهم والحزم : لا تظنُّوا أن طاهرًاً غبِىَ عن هذا أو قصَّر عن
إذكاء العيون فيكم وعليكم ؛ حتى كأنه شاهد كم ؛ والرأى ألا تشهروا أنفسكم
بهذا ؛ فإنا لا نأمن إن رأكم أحد من السَّفْلة أن يكون به هلاككم وذهاب
أموالكم؛ والخوفُ من تعرّضكم لهؤلاء السَّفْلة أعظمُ من طلبكم براءة السّاحة عند
طاهر خوفًا ، بل لو كنتم من أهل الآثام والذنوب لكنتم إلى صفحه وتغمُّده
وعفوه أقرب ، فتوكلوا على الله تبارك وتعالى وأمسكوا . فأجابوهم وأمسكوا . وقال
ابن أبى طالب المكفوف :
٩٠١/٣
دَعُوا أَهلِ الطَّرِيقِ فَعَنْ قليلٍ(٥)
تَنالهمُ مخاليبُ الهَصُورِ
فتهتِكُحُجْبَ أَفئدة شِدادٍ (٦)
وشيكاً ما تصير إلى القُبُورِ
ء
بأسباب النَّمنِّى والفُجُورِ(٧)
فإِنَّ اللّه مُهلِكُهُمْ جميعاً
وذكر أن الهِرْش خرج ومعه الغوغاء والغُزاة ولفيفهم حتى صار إلى جزيرة
((الضارب بالسوط؛ والنطاف))
(١) فى اللسان: ((الطر: القطع)) وربما كان الطرارهنا هو قاطع الطريق. السواط:
(٢) من ا
(٣) ط: ((رحمة))، وما أثبته من ا
(٥) المسعودى: ((عن قريب))
(٧) المسعودى: ((التمرد والفجور))
(٤) كذا فى ا، وفى ط لممة غامضة
(٦) المسعودى: ((أكباد شداد)).

٤٦٩
سنة ١٩٧
العبّاس ، وخرجت عصابة من أصحاب طاهر، فاقتتلوا قتالا شديداً ، وكانت
ناحية لم يقاتل فيها ، فصار ذلك على الوجه بعد ذلك اليوم موضعًا للقتال ؛
حتى كان الفتح منه ؛ وكان أول يوم قاتلوا فيه استعلى أصحاب محمد على
أصحاب طاهر حتى بلغوا بهم دار أبى يزيد الشروىّ. وخاف أهلُ الأرباض
فى تلك النّواحى مما يلى طريق باب الأنبار؛ فذكر أنّ طاهرًا لما رأى ذلك
وجه إليهم قائداً من أصحابه ، وكان مشتغلا بوجوه كثيرة یقاتل منها أصحاب
محمد ، فأوقع بهم فيها وقعة صَعْبة، وغرق فى الصَّرَاة بشرٌ كثير ، وقتل آخرون،
فقال فى هزيمة طاهر فى أوّل [ يوم ](١) عمرو الوراق :
نَادَى مُنَادِى طَاهِرٍ عِنْدَنَا يا قومُ كُفُّوا واجْلِسُوا فِى الْبُيُوتْ
[ليثَاهريتَ الشدق فيه عُيُوتْ] (١)
فَسَوْفَ يَأْتِيكُمْ غَدٌّ فَاحْذَرُوا
بَعْدَ انتِصَافِ اللَّيْلِ قَبْلَ الْقُنُوتْ
فثارتِ الغوغاءُ فى وَجْهِهِ
فِى ظُلْمَةِ اللَّيْلِ سُمودًا خُفُوتْ
فى يومٍ سبتٍ تَرَكُوا جَمْعَهُ
وقال فى الوقعة التى كانت على أصحاب محمد :
ما سأَلْنَاهُ لأَيْشِ
کم قتيل قد رأينا
بجهلٍ وبَطيشٍ
نٌ.
يَلْقَاهُ عُرْبَا
دَارعا
بِغَيْشِ
يتلقَّاهُ
إِن تَلقَّاهُ بِرُمْحٍ
مُرْتَدٍ بِالشَّمْسِ راضٍ
يَحْمِلُ الْحَمْلَهَ لا يَقْ
أُفَرَاهَمَرْدِ
کعلی
هرُ من كفّ الحُبيشِى
٩٠٢/٣
سَ على قِطْعَةٍ خَيْشِ
حَبشيًّا يَقتُلُ النَّا
بالمُنَى مِن كلِّ عِيشِ
قُل إِلَّ رَأسَ جَيْشٍ
أَوِ عَلَاءِ أَو قُرَيْش
احْذَرِ الرّميةَ ياطا
(١) من ا.

٤٧٠
سنة ١٩٧
وقال أيضًا عمرو الوراق فى ذلك :
دَ وَكَانَتْ ذَاتَ بَهْجَهْ
ذَهَبَتْ بَهْجَةُ بَغْدَا
رجَّةٌ مِنْ بَعْدٍ رجّهْ
فَلَها فِىِ كلِّ يَوْمٍ
ضَجَّتِ الأَرْضُ إِلى اللهِ مِنَ المُنْكَرِ ضَجَّهْ
أيّها المقتولُ مَا أَنْ تَ عَلى دِينِ المحَجَّهُ
ـتَ ووَقدْ أَدْلجتَ دَلجهْ
لَيْتَ شِعْرِى ما الَّذِىِ نِدْ
تَ أَمِ النَّارِ تُوجَّهْ
أَإلى الفردوس وُجِّهْ
حَجَرٌ أَرْدَاك أَمْ أَرْ
دِيتَ قسرًا بالأَزِجّهْ
فعليْنَا أَلفُ حَجَّهْ
إِن تَكُنْ قَاتَلْتَ بِرًّا
وذكر عن على بن يزيد أن بعض الخدم حد ◌ّثه أن محمداً أمر ببيع ما بقى
فى الخزائن التى كانت أنهبت، فكتم ولاتها(١) ما فيها لتسرق، فتضايق على محمد
أمره ، وفقد ما كان عنده ، وطلب الناس الأرزاق ، فقال يومًا وقد ضجر مما
يرد عليه: ودِ دْت أن الله عزّ وجل قتل الفريقين جميعًا(٢)، وأراح النّاس منهم؛
فما منهم إلا عدو ممن معنا ومّن علينا ؛ أما هؤلاء فيريدون مالى؛ وأما أولئك
فيريدون نفسى . وذكرت أبياتًا قيل إنه قالها :
٩٠٣/٣
يَا مَعْشَرَ الأَعْوَانِ(٣)
وَدَعُونِى
تَفَرَّقُوا
الإنسان (٤)
گخلقة
ذُو وُجُوهِ
فگُلُّكُمْ
الأمانى
وترهاتٍ
وما أُرى غيرَ إِفكٍ
خُزّانى (٥)
فسائِلوا
ولستُ أَملك شيئاً
من ساكنٍ الْبُستانِ
فالويلُ لى ما دهانى (٦)
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((فكم)).
(٢) إلى هنا آخر الموجود من نسخة ا فى هذا الجزء.
(٣) المسعودى : ٣ : ٤١٩.
(٤) المسعودى: ((كثيرة الأعوان)).
(٥) المسعودى: ((الإخوان)).
(٦) المسعودى: ((فيما دهانى)).

٤٧١
سنة ١٩٧
قال : وضعف أمر محمد ، وانتشر جنده وارتاع فى عسكره ، وأحسّ
من طاهر بالعلوّ عليه وبالظفر به .
#
وحجّ بالناس فى هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بتوجيه طاهر إياه
على الموسم بأمر المأمون بذلك .
وكان على مكة فى هذه السنة داود بن عسى .

٤٧٢
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة
ذکر الخبر عما كان فيها من الأحداث
#
[ ذكر خبر استيلاء طاهر على بغداد ]
فمن ذلك ما كان من خلاف خُزيمة بن خازم محمّدَ بن هارون ومفارقته
إياه واستثمانه إلى طاهر بن الحسين ودخول ھَرْئمة الجانب الشرقىّ.
• ذكر الخبر عن سبب فراقه إياه وكيف كان الأمر فى مصيره
والدخول فى طاعة طاهر :
ذكر أن السبب فى ذلك كان أنّ طاهرًا كتب إلى خُزيمة يذكر له أنّ
الأمرإن يقطع بينه وبين محمد ولم يكن له أثر فى نُصرته ، لم يقصر (١) فى أمره .
فلما وصل كتابه إليه شاور ثقاتٍ أصحابه وأهل بيته ، فقالوا له : نرى واللّه
أنّ هذا الرّجل أخذ بقفا صاحبنا، فاحتلْ لنفسك ولنا ؛ فكتبَ إلى طاهر
بطاعته ، وأخبره أنه لو كان هو النازل فى الجانب الشرقىّ مكان هَرْئمة لكان
يحمل نفسه له على كلّ هول ، وأعلمه قلة ثقته بهرئمة ، ويناشده ألا يحمله
على مكروه من أمره إلا أن يضمن له القيام دونه ، وإدخال مرئمة إليه ليقطع
الجسور، ويُتْبِعَ هو أمراً يؤثر رأيه ورضاه ؛ وأنه إن لم يضمن له ذلك؛ فليس
يسعه تعريضه للسّفلة والغَوْغاء والرّعاع والتلف. فكتب طاهر إلى هَرْثمة
يلومه ويعجّزه ، ويقول : جمعتَ الأجناد ، وأتلفت الأموال ، وأقطعتها دون
أمير المؤمنين ودونى ، وفى مثل حاجتى إلى الكلف والنفقات ؛ وقد وقفتُ على
قوم هيّنة شوكتُهم، يسيرٌ أمرُهم، وقوف المحجم الهائب؛ إنَّ فى ذلك جُومًا؛
فاستعدّ للدخول؛ فقد أحكمتُ الأمر على دفع العسكر وقطع الجسور ؛
٩٠٤/٣
(١) ط: ((ولم))، والعبارة فى ابن الأثير: ((ولم يكن لك فى نصرى ألا أقصر فى أمرك)).

٤٧٣
سنة ١٩٨
وأرجو ألاّ يختلف عليك فى ذلك اثنان إن شاء الله .
قال : وكتب إليه هرثمة : أنا عارف ببركة رأيك، ويُمْن مشورتك، فمرْ
بما أحببت ؛ فلن أخالفك ؛ قال : فكتب طاهر بذلك إلى خزيمة .
وقد ذكر أن طاهراً لما كاتب خزيمة كتب أيضًا إلى محمد بن على بن
عيسى بن ماهان بمثل ذلك . قيل : فلما كانت ليلة الأربعاء لثمان بقين من
المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة وثب خزيمة بن خازم ومحمد بن علىّ بن عيسى
على جسر دجلة فقطعاه، وركزا أعلامهما عليه ، وخلعا محمداً، ودعوا لعبد الله
المأمون ؛ وسكن أهل عسكر المهدىّ ولزموا منازلهم وأسواقهم فى يومهم ذلك ؛
ولم يدخل هرثمة حتى مضى إليه نفريسيرٌ غيرهما من القوّاد، فحلفوا له أنه لايرى
منهم مكروهًا ، فقبل ذلك منهم ، فقال حسين الخليع فى قطع خزيمة الجسر:
بها أَخمدَ الرحمنُ ثائرةَ الحرْبِ
عَلَيْنَا جَمِيعاً من خُزيمةَ مِنَّةٌ
تولَّى أُمورَ المسلمين بنفسهِ
ولولا أبو العباس ما انفكَّ دَهرُنا
خزيمةُ لم يُنكَرْ له مثلُ هَذِه(٢)
أَناخَ بِجِسْرَىْ دجلة القَطعَ والقنا
وَأَمَّ المَنَايَا بِالْمَنَايا مُخيلةً
فكانت كنارِ مَاكَرَتِهَا سَحَابَةٌ
٩٠٥/٣
فذَبَّ وحامى عنهمُ أَشرفَ الذَّبِّ
يبيتُ على عتبٍ ويَغدُو على عَعْضٍ (١)
إِذا اضطَرَبَتْ شَرْقُ البلاد مع الغرْب
شوارعُ والأرواحُ فى راحةِ العضْبِ (٣)
تَفْجَّعُ عن خَطْبٍ ،وتضحكُ عن خطبٍ
فَأَطفأَتِ اللَّهْبَ المُلفَّفَ بَاللهْبِ
إِذا صارَت الدُّنيا إِلى الأَمن والخصب
وما قتلُ نفسٍ فِى نفوسٍ كثيرةٍ
إِذا فَزِعَ الْكَرْبُ المقيمُ إِلى الكربِ
بلاءُ أَبى العباسِ غيرُ مكفَّر
٩٠٦/٣
فذكر عن يحيى بن سلمة الكاتب أنّ طاهراً غدا يوم الخميس على المدينة
الشرقية وأرباضها ، والكَرْخ وأسواقها، وهدم قنطرَتَّى الصّراة العتيقة والحديثة
(١) ابن الأثير: ((يبيت على عتب ويعدو على عتب)).
(٢) ابن الأثير: ((لم يذكر)).
(٣) ابن الأثير: ((الغضب)).

٤٧٤
سنة ١٩٨
واشتدّ عندهما القتال ، واشتدّ طاهر على أصحابه ، وباشر القتالَ بنفسه ،
وقاتل مَنْ كان معه بدار الرقيق فهزمهم حتى ألحقهم بالكَرْخ، وقاتل طاهر
بباب الكَرْخ وقصر الوضاح، فهزمهم أصحاب محمد ورُدّوا على وجوههم ،
ومرّ طاهر لايلوى على أحد حتى دخل قسراً بالسيف. وأمر مناديه فنادى
بالأمان لمن لزم منزله، ووضع بقصر الوضّاح وسوق الكرخ والأطراف قوّداً
وجنداً فى كل موضع على قدر حاجته منهم ؛ وقصد إلى مدينة أبى جعفر ، فأحاط
بها وبقصر زُبیدة وقصْر الخُلْدمن لدن باب الجسر إلى باب خُراسان وباب
الشأم وباب الكوفة وباب البصرة وشاطئ الصّراة إلى مصبها فى دجلة بالخيول
والعدّة والسلاح، وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهِرْش والأفارقة ،
فنصب المجانيق خلف السور على المدينة وبإزاء قتَصر زُبيدة وقصر الخُلْد
ورمى، وخرج محمد بأمه وولده إلى مدينة أبى جعفر ، وتفرّق عنه عامّة جنده
وخصيانه وجواريه فى السّكك والطّرق، لا يلوى منهم أحد على أحد ، وتفرّق
الغوغاء والسِّفْلة، وفى ذلك يقول عمرو الوراق :
مثالهُ لم يُوجَدِ
يا طاهر الظَّهر الَّذِى
يا سيّدَ بن السيدِ بْ نِ السَّيّد بنِ السيدِ
غُزاةُ محمّدٍ
ولی
رجَعَتْ إِلى أَعمالها الأُ
٩٠٧/٣
وبَيْنَ مُقرِّدِ
اط.
مِنْ بينِ نَطَّافٍ وسوّ
ومُجَرَّدٍ
عَيَّارةٍ
وَمُجَرِّدٍ يَأْوِى إلى
ن فعادَ غيرَ مقيَّدِ
ومُقَيَّدٍ نَقَبَ السّجو
دَ وكان غيرَ مسوَّدٍ
ومسوَّدٍ بالنَّهب سا
بعدَ طُولٍ تمرّدٍ
ذَلُّوا لعرِّك واستكا نوا
وُذُكر عن علىّ بن يزيد، أنه قال: كنتُ يومًاً عند عمرو الوراق أنا
وجماعة ، فجاء رجل ، فحدّثنا بوقعة طاهر بباب الكَّرْخ وانهزام الناس عنه ،

٤٧٥
سنة ١٩٨
فقال عمرو : ناولى قدحاً ، وقال فى ذلك :
لها دواءٌ وَلَهَا دَاءُ
خُذْهَا فِلِلِخَمْرةِ أَسماءُ(١).
يوماً وَقَدْ يُفسِدُها الماءُ
يُصلِحِها الماءُ إِذا صُفِّقتْ
فى يومنا هذا وأشياءُ
وقائلٍ كانت لهم وَقِعَةٌ
فيكَ عن الخَيْرَاتِ إِبطاءُ
قلتُ له : أَنت امرؤ جاهلٌ
يَصْطَلِحُ النَّاسِ إِذا شاءوا
اشْرَبْ ودَعْنَا مِن أَحادیثِهِمْ
قال : ودخل علينا آخر ، فقال : قاتل فلان الغُزاة ، وأقدم فلان ،
وانتهب فلان . قال : فقال أيضًا :
أَىُّ دهْرٍ نحنُ فيهِ
الكُبراءُ
فِيهِ
مَاتَ
فينا أمناءُ
غاء
هذهِ السّفْلَةُ والغَوْ
إلَّا ما يشاء
ياء
ما لنا شيءٌ من الأَشـ
إلى الله السَّماء
ت
ضجَّت الأَرض وقدضجً
٩٠٨/٣
رُفعِ الدِّينُ وقد ها
يا أَبا مُوسى لك الخيـ
هاكَها صِرْفًا عُقَارًا
وقال أيضًا عمرو الوراق فى ذلك :
على الله الدِّماءُ
نت
راتُ قَدْ حَانَ اللَّقَاءُ
قد أَتاك النُّدَمَاءُ
جُنديًّا وتستامر
بَ
إذا ما شِئْتَ أَن تُغْضِـ
جاءَكُمُ طاهِرْ
قد
دِ
فقل : يا معشر الأجنا
قال وتحصّن محمد بالمدينة هو ومن يقاتل معه ، وحصره طاهر وأخذ عليه
الأبواب ، ومنع منه ومن أهل المدينة الدقيق والماء وغيرهما .
(١) ابن الأثير: ((فخذها)).

٤٧٦
سنة ١٩٨
فذكر عن الحسين بن أبى سعيد أنّ طارقًا الخادم - وكان من خاصّة
محمد، وكان المأمون بعد مقدمه أخبره أنّ محمدًا سأله يومًا من الأيام وهو
محصور، أو قال فى آخر يوم من أيامه، أن يطعمه شيئًا - قال : فدخلت
المطبخ فلم أجد شيئًا ، فجئت إلى جمرة العطارة - وكانت جارية الجوهر -
فقلت لها : إن أمير المؤمنين جائع ، فهل عندك شىء ، فإنى لم أجد فى المطبخ
شيئًا ؟ فقالت الجارية لها يقال لها بنان : أىّ شىء عندك؟ فجاءت بدّجاجة
ورغيف ، فأتيته بهما فأكل، وطلب ماء يشربه فلم يوجد فى خزانة الشّرَاب ،
فأمسى وقد كان عزم على لقاء هرئمة ؛ فما شرب ماء حتى أتى عليه .
وذكر عن محمد بن راشد أنّ إبراهيم بن المهدىّ أخبره أنه كان نازلاً
مع محمد المخلوع فى مدينة المنصور فى قصره بباب الذّهب ، لما حصره طاهر .
قال : فخرج ذاتَ ليلةٍ من القصر يريد أن يتفرّج من الضُّيق الذى هو فيه ،
فصار إلى قصر القَرار - فى قرْن الصّراة، أسفل من قصر الخلد - فى جوف
الليل ، ثم أرسل إلىّ فصرت إليه ، فقال : يا إبراهيم ، أما ترى طيبَ هذه
الليلة ، وحسن القمر فى السماء ، وضوءه فى الماء ! ونحن حينئذ فى شاطئ
دجلة ، فهل لك فى الشّرب! فقلت : شأنَك ، جعلنى الله فداك! فدعا
برطل نبيذ فشربه ، ثم أمر فسُقيت مثله . قال : فابتدأتُ أغنيه من غير أن
يسألنى؛ لعلمى بسوء خلقه ، فغنّيت ما كنت أعلم أنه يحبّه ، فقال لى :
ما تقول فيمن يضرب عليك ؟ فقلت : ما أحوجنى إلى ذلك ؛ فدعا بجارية
متقدّمة عنده يقال لها ضَعْف، فتطيّرت من اسمها؛ ونحن فى تلك الحال التى
هو عليها ، فلما صارت بين يديه ، قال : تغنَّىْ ، فغنّت بشعر النابغة
الجعدىّ :
كُلِيبٌ لِعَمرى كان أَكثرَ ناصرًا وأَيسر ذَنباً منك ضُرّجَ بالدَّم(١)
قال : فاشتدّ ما غنّت به عليه، وتطاير منه ، وقال لهما: غنّى غير هذا،
فتغنّت :
١) ديوانه ١٤٣.
٩٠٩/٣
:

٤٧٧
سنة ١٩٨
إِنَّ التفرُّقَ لِلأَحباب بَكَّاءُ
أبكى فِراقهُمُ عَيْنِى وَأَرَّقِها(١) .
حتى تَفَانَوْا وريْبُ الدَّهرِ عَدَّاءُ
ما زالَ یَعْدُو علیھمْ ریبُ دهرهمُ
فقال لها : لعنك اللّه! أما تعرفين من الغناء شيئًا غير هذا ! قالت :
يا سيّدى، ما تغنّيت إلا بما ظننت أنك تحبّه؛ وما أردت ما تكرهه ؛ وما هو
إلا شىء جاءنى . ثم أخذت فى غناء آخر :
٩١٠/٣
إِنَّ المنايا كثيرةُ الشّرَكِ
أَما وَرَبِّ السّكُون والحَرَكِ
دارت نُجوم السّماءِ فى الفَلكِ
ما اختلفَ الليلٌ والنَّهَار ولا(٢)
عانٍ بحُبِّ الدُّنيا إِلى مَلِكِ
إلا لنقل النَّعيم من مَلِكٍ
ليس بفانٍ ولا بمشتَركِ
ومُلْكُ ذى العرشِ دائمٌ أَبدًا
فقال لها : قومى غضب الله عليك! قال: فقامت. وكان له قَدَحُ بلّور
حسن الصنعة ، وكان محمد يسميه زُبّ رُباح ، وكان موضوعًا بين يديه ،
فقامت الجارية منصرفة فتعثّرت بالقَدَح فكسرته - قال إبراهيم : والعجب
أنا لم نجلس مع هذه الجارية قطّ إلا رأينا ما نكره فى مجلسنا ذلك - فقال لى :
ويحث يا إبراهيم ! ما ترى ما جاءت به هذه الجارية ؛ ثم ما كان من أمر
القدح! والله ما أظنّ أمرى إلا وقد قَرُب، فقلت: يطيل اللّه عمرَك، ويعزّ
ملكك ، ويديم لك ، ويكبت عدوّك . فما استمّ الكلام حتى سمعنا صوتًا من
دِجْلة: ﴿قُضى الأمرُ الَّذِى فيه تَسْتَفْتيان)(٣)، فقال: يا إبراهيم، ماسمعتَ
ما سمعتُ! قلت: لا والله، ما سمعتُ شيئًا . وقد كنتُ سمعت - قال:
تسمع حسًّاً! قال : فدنوتُ من الشطّ فلم أر شيئًا ، ثم عاودنا الحديث ،
فعاد الصوت: ﴿ قُضِى الأمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتْيَان﴾، فوثب من مجلسه ذلك
مغتمًّاً، ثم ركب فرجع إلى موضعه بالمدينة، فما كان بعد هذا إلا ليلة أو ليلتان
حتى حدث ما حدث من قتله، وذلك يوم الأحد لستّ - أو لأربع - خلون
من صفر ، سنة ثمان وتسعين ومائة .
(١) ابن الأثير: ((أبكى فراقكم عينى فأرقها)).
(٢ ابن الأثير: ((وما)).
(٣) سورة يوسف : ٤١.
٩١١/٣

٤٧٨
سنة ١٩٨
وذكر عن أبى الحسن المدائنىّ ؛ قال : لما كان ليلة الجمعة لسبع بقين
من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة ، دخل محمد بن هارون مدينة السلام هاربًا
من القصر الذى كان يقال له الخُلْد ، ممّا كان يصل إليه من حجارة المنجنيق ،
وأمر بمجالسه وبُسطه أن تحرق فأحرقت، ثم صار إلى المدينة ؛ وذلك لأربع
عشرة شهراً، منذ ثارت الحرب مع طاهر إلا اثنى عشر يومًاً .
*
[ ذكر الخبر عن قتل الأمين]
وفى هذه السنة قتل محمد بن هارون .
* ذكر الخبر عن مقتله :
◌ُذكر عن محمد بن عيسى الجُدُوديّ أنه قال: لما صار محمد إلى المدينة ،
وقرَّ فيها، وعلم قوّاده أنه ليس لهم ولا له فيهاعُدّة للحصار، وخافوا أن يُظْفَر
بهم ؛ دخل على محمد حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الإفريقىّ
وقوّاده ، فقالوا : قد آلت حالُك وحالنا إلى ما ترى ؛ وقد رأينا رأيًا نعرضه
عليك ؛ فانظر فيه واعتزم عليه ؛ فإنّا نرجوأن يكون صواباً ، ويجعل الله فيه
الخِيرة إن شاء الله. قال: ما هو ؟ قالوا : قد تفرّق عنك الناس ، وأحاط
بك عدوُّك من كلّ جانب ، وقد بقىَ من خيلك معك ألفُ فرس من خيارها
وجيادها ؛ فنرى أن نختار مَنْ(١) قد عرفناه بمحبّتك من الأبناء سبعمائة
رجل ، فنحملهم على هذه الخيل ونخرج ليلاً على باب من هذه الأبواب
فإن الليل لأهله ؛ ولن يثبت لنا أحد إن شاء اللّه؛ فنخرج حتى نلحق بالجزيرة
والشأم فتفرِض الفروض ، وتجبى الخراج ، وتصير فى مملكة واسعة ، ومُلْك
جديد ، فيسارع إليك الناس ، وينقطع عن طلبك الجنود ، وإلى ذلك ما قد
أحدث اللّه عزّ وجلّ فى مَكَرّ الليل والنهار أمورًا. فقال لهم : نعم ما رأيتم ؛
واعتزم على ذلك .
٩١٢/٣
وخرج الخبر إلى طاهر ؛ فكتب إلى سليمان بن أبى جعفر، وإلى محمد بن
(١) ابن الأثير: ((من)).

٤٧٩
سنة ١٩٨
عيسى بن نَهيك وإلى السندىّ بن شاهك: والله لئن لم تُقرّوه وتردّوه عن هذا
الرّأى لا تركت لكم ضَيْعَةً إلا قبضتُها ، ولا تكون لى همّة إلا أنفسكم.
فدخلوا على محمد ، فقالوا : قد بلغنا الذى عزمتَ عليه ؛ فنحن نذكّرك الله
فى نفسك ! إن هؤلاء صعاليك ، وقد بلغ الأمر إلى ما ترى من الحصار ،
وضاق عليهم المذهب ، وهم يرون ألا أمان لهم على أنفسهم وأموالهم عند أخيك
وعند طاهر وهَرْئمة لما قد انتشر عنهم من مُباشرة الحرب والجدّ فيها؛ ولسنا
نأمن إذا برزوا بك ، وحصلتَ فى أيديهم أن يأخذوك أسيراً ، ويأخذوا رأسك
فيتقرّبوا بك ، ويجعلوك سبتب أمانهم ؛ وضربوا له فيه الأمثال .
قال محمد بن عيسى الجُدُودىّ : وكان أبى وأصحابه قُعوداً فى رِواق
البيت الذى محمد وسليمان وأصحابه فيه . قال : فلما سمعوا كلامتهم ، ورأوا
أنه قد قبله مخافة أن يكون الأمر على ما قالوا له ؛ همُّوا أن يدخلوا عليهم
فيقتلوا سليمان وأصحابه؛ ثم بدا لهم وقالوا: حَرْبٌ من داخل، وحَرَبٌ من خارج.
فکفُّوا وأمسكوا .
قال محمد بن عيسى : فلما نكت ذلك فى قلب محمد ، ووقع فى نفسه
ما وقع منه، أضربعما کان عزم علیہ ، ورجع إلى قبول ما کانوا بذلُوا له من
الأمان والخروج ؛ فأجاب سليمان والسندىّ ومحمد بن عيسى إلى ما سألوه من
ذلك ، فقالوا : إنما غايتك اليوم السلامة واللهو، وأخوك يتركك حيثُ أحببت،
ويفردك فى موضع ، ويجعل لك كلَّ ما يصلحك وكلّ ما تحبّ وتهوى ؛
وليس عليك منه بأس ولا مكروه . فركن إلى ذلك ، وأجابهم إلى الخروج
إلى هرثمة .
قال محمد بن عيسى : وكان أبى وأصحابُه يكرهون الخروج إلى هرثمة ؛
لأنهم كانوا من أصحابه ، وقد عرفوا مذاهبه ، وخافوا أن يجفوهم ولا يخصّهم،
ولا يجعل لهم مراتب ، فدخلوا على محمد فقالوا له : إذ أبيتَ أن تقبل منا ما
أشرنا عليك - وهو الصواب - وقبلتَ من هؤلاء المداهنين ، فالخروج إلى
: ٩١٣/٣

٤٨٠
سنة ١٩٨
طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة . قال محمد بن عيسى : فقال لهم: ويحكم!
أنا أكره طاهراً ؛ وذلك أنى رأيت فى منامى كأنى قائم على حائط من آجرّ شاهق
فى السماء، عريض الأساس وثيق، لم أر حائطاً يشبهه فى الطول والعرض والوثاقة،
وعلىّ سَوَادى ومنطقتى وسيفى وقلنسوتى وخفى ؛ وكان طاهر فى أصل ذلك
الحائط ، فما زال يضرب أصله حتى سقط الحائط وسقطتُ، ونَدَرَتْ قلنسوتى
من رأسى ، وأنا أتطيّر من طاهر، وأستوحش منه، وأكره الخروج إليه لذلك ؛
وهرثمةُ مولانا وبمنزلة الوالد، وأنا به أشدُّ أنساً وأشدّ ثقة.
٩١٤/٣
وذُكِرٍ عن محمد بن إسماعيل ، عن حفص بن أرميائيل ، أنّ محمداً
لمّا أراد أن يعبُر من الدّار بالقرار إلى منزل كان فى بستان موسى - وكان له
جسر فى ذلك الموضع - أمر أن يُفرش فى ذلك المجلس ويطيّب. قال: فمكثتُ
ليلتى أنا وأعوانى نتخذ الروائح والطيب ونكثِب (١) التفاح والرّمان والأترجّ،
ونضعه فى البيوت ؛ فسهرت ليلتى أنا وأعوانى ؛ ولمّا صليت الصبح دفعت إلى
عجوز قطعةَ بخور من عنبر، فيها مائة مثقال كالبطيخة ، وقلت لها: إنى
سهرت ونعست نعاسًاً شديداً ؛ ولا بدّ لى من نومة، فإذا نظرت إلى أمير المؤمنين
قد أقبل على الجِسْر، فضعى هذا العنبر على الكانون . وأعطيتُها كانونًا من
فضة صغيراً عليه جمر ، وأمرتها أن تنفخ حتى تحرقها كلّها، ودخلت حرّاقة
فنمت ، فما شعرت إلا وبالعجوز قد جاءت فزعة حتى أيقظتنى ، فقالت لى :
قم يا حفص ؛ فقد وقعتَ فى بلاء ، قلت : وما هو ؟ قالت : نظرتُ إلى
رجل مقبل على الجسر منفرد ، شبيه الجسم بجسم أمير المؤمنين ، وبين يديْه
جماعة وخلفه جماعة ؛ فلم أشك أنه هو ؛ فأحرقت العنبرة ، فلما جاء ،
فإذا هو عبد الله بن موسى ، وهذا أمير المؤمنين قد أقبل . قال : فشتمتُها
وعنّفتها . قال: وأعطيتها أخرى مثل تلك لتحرقها بين يديه، ففعلت ؛ وكان
هذا من أوائل الإدبار .
وذكر علىّ بن يزيد، قال : لما طال الحصار على محمد، فارقه سليمان بن
أبى جعفر وإبراهيم بن المهدىّ ومحمد بن عيسى بن نهيك ، ولحقوا جميعًا
(١) نكثب : نجمع .