النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
سنة ١٩٤
بترك الحقّ الواجب إلى مخالفته. فذهبوا يقولون، فقال: قفوا أنفسكم حيث
وقفنا بالقول بكم ، وأحسنوا تأدية ما سمعتم ؛ فقد أبلغتمونا من كتابنا ما عسى
أن تقولوه لنا . فانصرف الرسل ولم يُثبتوا لأنفسهم حجة ، ولم يحملوا خبراً
يؤدونه إلى صاحبهم، ورأوا جدًا غير مشوب بهزل، فى منع ما هُمْ من حقهم
الواقع- بزعمهم .
فلما وصل كتاب المأمون إلى محمد وصل منه ما فظع به ، وتخمط(١)
غيظًا بما تردّد منه [فى سمعه](٢)، وأمر عند ذلك بما ذكرناه من الإمساك
عن الدّعاء له على المنابر ؛ وكتب إليه :
أما بعد ؛ فقد بلغنى كتابك غامطاً لنعمة الله عليك فيما مكّن لك من ظلها،
متعرّضًا لحِراق نارلا قبل لك بها ، ولَحظّك عن الطاعة كان أودع لك؛ وإن
كان قد تقدّم منى متقدّم ؛ فليس بخارج من مواضع نفعك إذ كان راجعًا
على العامة من رعيّتك ؛ وأكثر من ذلك ما يمكن لك من منزلة السلامة ،
ويثبت لك من حال الهُدْنة ؛ فأعلمنى رأيتَك أعمل عليه . إن شاء الله.
٧٨٦/٣
وذكر سهل بن هارون عن الحسن بن سهل، أنّ المأمون قال لذى الرياستين:
إن ولدى وأهلى ومالى الذى أفرده الرّشيد لى بحضرة محمد- وهو مائة ألف ألف-
وأنا إليها محتاج ، وهى قبله فما ترى فى ذلك؟ وراجعه فى ذلك مراراً . فقال له
ذو الرياستين: أيّها الأمير ، بك حاجة إلى فضلة مالك ؛ وأن يكون أهلك
فى دارك وجنابك ؛ وإن أنت كتبتَ فيه كتاب عزمة فمنعك صار إلى خلع
عهده ؛ فإن فعل حَمَلَك ولو بالكُرْه على محاربته، وأنا أكره أن تكون
المستفتح باب الفُرْقة ما أرتجه الله دونك ؛ ولكن تكتب كتاب طالب لحقِّك،
وتوجيه أهلك على ما لا يوجب عليه المنعُ نُكثًا لعهدك ؛ فإن أطاع فنعمة وعافية؛
وإن أبَى لم تكن بعثتَ على نفسك حربًا [أومشاقة]. فا كتب إليه، فكتبعنه:
أما بعد ؛ فإن نظر أمير المؤمنين للعامة نظرُ من لا يقتصر عنه على إعطاء
النّصَفة من نفسه حتى يتجاوزها إليهم ببرّه وصلته ؛ وإذا كان ذلك رأيه فى
(١) ا: ((قطع به))، والمتمخط: المقشعر غضباً.
(٢) من ا.

٣٨٢
٧٨٧/٣
٧٨٨/٣
سنة ١٩٤
عامّته ؛ فأحْرِ بأن يكون على مجاوزة ذلك بصنوه وقسيم نسبه ؛ فقد تعلم
يا أمير المؤمنين حالاً أنا عليها من ثغور حللتُ بين لهواتها ، وأجنادٍ لاتزال موقنة
بنشر غيِّها وبنكث آرائها، وقلة الخَرْج قِبلى، والأهل والولد قبل أمير المؤمنين،
وما للأهل - وإن كانوا فى كفاية من برّ أمير المؤمنين، فكان لهم والدًا -
بُدّ من الإشراف والنزوع إلى كنفِى، ومالى بالمال من القوّة والظهير على لمّ
الشعث بحضرتى ، وقد وجّهتُ لحمل العيال وحمل ذلك المال ؛ فرأى
أمير المؤمنين فى إجازة فلان إلى الرّقة فى حمثل ذلك المال، والأمر بمعونته عليه،
غير محرج له فيه إلى ضيقة تقع بمخالفته ، أو حامل له على رأى يكون على غير
موافقة. والسلام .
فکتب إلیه محمد :
أما بعد؛ فقد بلغنى كتابُك بما ذكرتَ ممّاعليه رأىُ أمير المؤمنين فى عامّته
فضلا عما يجب من حقّ لذى حُرمته وخليط نفسه، ومحلِّك بين لهوات ثغور،
وحاجتك لمحلك بينها إلى فَضْلة من المال لتأييد أمرك ؛ والمال الذى ◌ُسمّىَ لك
من مال الله، وتوجيهك مَنْ وجّهت فى حمله وحمل أهلك من قِبَل أمير المؤمنين.
والعمْرِى ما ينكر أمير المؤمنين رأيًا هو عليه مما ذكرت لعامته ، يوجب
عليه من حقوق أقربيه وعامته . وبه إلى ذلك المال الذى ذكرتَ حاجة فى
تحصين أمور المسلمين ؛ فكان أوْلى به إجراؤه منه على فرائضه ، وردّه على
مواضع حقه ؛ وليس بخارج من نفعك ما عاد بنفع العامة من رعيّتك . وأما
ما ذكرتَ من حمْل أهلك؛ فإنّ رأىَ أمير المؤمنين تولّى أمرهم؛ وإن كنتَ
بالمكان الذى أنت به من حقّ القرابة . ولم أر من حملهم على سفرهم مثل
الذى رأيت من تعريضهم بالسفر للتشتت؛ وإنْ أرَ ذلك من قِبَلَى أوجَهْهم
إليك مع الثقة من رسلى إن شاء اللّه . والسلام .
قال : ولما ورد الكتاب على المأمون ، قال : لاطٌّ دون حقنا يريد أن
نتوهّن مما يمنع من قوّتنا ، ثم يتمكن للوهنة من الفُرْصة فى مخالفتنا . فقال
له ذو الرياستين: أوَ ليس من المعلوم دفعُ الرشيد ذلك المال إلى الأمين لجمعه،
وقبضُ الأمين إياه على أعين الملإِ من عامته ؛ على أنه يحرسه قِنْيةً ، فهو

٣٨٣
سنة ١٩٤
لا ينزع إليها؛ فلا تأخذ عليه مضايقها، وأمثْلِ له ما لم تضطرك جريرتُه إلى
مكاشفته بها ؛ والرأى لزوم عُروة الثقة، وحسمُ الفرقة؛ {فإن أمسك فبنعمةٍ] (١)
وإن تطلّع إليها فقد تعرّض للّه بالمخالفة، وتعرّضتَ منه بالإمساك للتأييد والمعونة.
قال : وعلم المأمون والفضل أنه سیحدث بعد کتابه من الحدث ما يحتاج
إلى متّه (٢)، ومن الخبر ما يحتاج أن يباشره بالثّقة من أصحابه، وأنه لا يُحدث
فى ذلك حدثًا دون مواطأة رجال النّباهة والأقدار من الشّيعة وأهل السابقة ؛
فرأى أن يختار رجلاً يكتب معه إلى أعيان أهل العسكر من بغداد ؛ فإن أحدث
محمد خلعًا للمأمون صار إلى دفعها، وتلطف لعلم حالات أهلها ؛ وإن لم يفعل
من ذلك شيئا خَتس فى حُقته ، وأمسك عن إيصالها ، وتقدم إليه فى التعجيل . ٧٨٩/٣
ولما قدم أوصل الكتب، وكان كتابه مع الرسول الذى وجهه لعلم الخبر :
أما بعد ؛ فإنّ أمير المؤمنين كأعضاء البدن ، يحدث العلّة فى بعضها؛
فيكون كرْه ذلك مؤلماً لجميعها ؛ وكذلك الحدَث فى المسلمين ، يكون فى
بعضھم فیصل کره ذلك إلى سائرهم؛ للذى يجمعهم من شريعة دینهم، ويلزمهم
من حرمة أخوّتهم (٣)، ثم ذلك من الأئمة أعظم للمكان الذى به الأئمة من سائر
أمهم؛ وقد كان من الخبر ما لا أحسبه إلاَّ سيعرب عن محنته، ويُسِفِر عمّا
استتر من وجهه ؛ وما اختلف مختلفان فكان أحدهما مع أمر الله إلا كان
أوّل معونة المسلمين وموالاتهم فى ذات الله؛ وأنت يرحمك الله من الأمر بمرأى
ومسمع ؛ وبحيث إن قلت أذِن لقولك ؛ وإن لم تجد للقول مساغًا فأمسكت
عن مخوف أقتدى فيه بك ؛ ولن يضيع علىّ اللّه ثواب الإحسان مع ما يجب
علينا بالإحسان من حقك ، ولحظٌّ حازلك النصيبين أو أحدهما أمثلُ من
الإشراف لأحد الحظّيْن ، مع التعرّض لعدمهما، فاكتب إلىّ برأيك ، وأعلم
ذلك الرسولى ليؤديه إلىّ عنك . إن شاء الله .
وكتب إلى رجال النباهة من أهل العسكر بمثل ذلك .
قال : فوافق قدوم الرسول بغداد ما أمر به من الكفّ عن الدعاء للمأمون
(٢) كذا فى ا، وفى ط ((علمه)).
(١) من ا.
(٣) ط: ((آخرتهم))، وما أثبته من ا.

٣٨٤
سنة ١٩٤
فى الخطبة يوم الجمعة، وكان بمكان الثقة من كلّ من كتب إليه معه؛ فمنهم
من أمسك عن الجواب وأعرب للرسول عمّا فى نفسه ، ومنهم من أجاب عن
کتابه ؛ فکتب أحدهم :
٧٩٠/٣
أما بعد فقد بلغنى كتابُك وللحقّ برهان يدلّ على نفسه تثبت به الحجّة
على كلّ من صار إلى مفارقته ؛ وكفى غبنًا بإضاعة حظّ من حظ العاقبة ؛
المأمول من حظّ عاجلة، وأبْيَن من الغَبْن إضاعة حظّ عاقبة مع التعرّض للنكبة
والوقائع ؛ ولى من العلم بمواضع حظّى ما أرجو أن يحسن معه النظر منى لنفسى،
ويضع عنى مؤنة استزادتى . إن شاء الله .
قال : وكتب الرّسول المتوجّه إلى بغداد إلى المأمون وذى الرياستين :
أما بعد، فإنى وافيتُ البلدة، وقد أعلن خليطك بتنكّه ، وقدّم علمًا
من اعتراضه ومفارقته [وأمسك عمّا كان يجب ذكره وتوفيته] (١) بحضرته؛ ودفعت
كتبك فوجدت أكثر الناس ولاة السريرة ونفاة العلانية، ووجدت المشرفين بالرعية
لا يحوطون إلاّ عنهاولا يبالون(٢) ما احتملوا فيها؛ والمنازع مختلج الرّأى، لا يجد
دافعاً منه عن همّه، ولا راغباً فى عامه ، والمحلون بأنفسهم يحلون تمام الحدث ؛
ليسلموا مِنْ منهزم حدثهم، والقوم على جدّ ، ولا تجعلوا للتوانى [ فى أمركم
نصيبًا](٢) إن شاء الله والسلام.
قال : ولما قدم على محمد من معسكر المأمون سعيد بن مالك بن قادم
وعبد الله بن حميد بن قحطبة والعباس بن الليث مولى أمير المؤمنين ومنصور بن
أبى مطر وكثير بن قادرة ، ألطفهم وقرّبهم، وأمر لمن كان قبض منهم السّة
الأشهر برزق اثنى عشر شهراً ، وزادهم فى الخاصة والعامة، ولمن لم يقبضها
بثمانية عشر شهراً .
قال : ولما عزم محمد على خلع المأمون دعا يحيى بن سُليم فشاوره فى ذلك ،
٧٩١/٣ فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، كيف بذلك لك مع ما قَدْ وكّد الرشيد من
بَيْعته ، وتوثّق بها من عهده، والأخذ للإيمان والشرائط فى الكتاب الذى
(٢) ط: ((ينالون)).
(١) من ا.

٣٨٥
سنة ١٩٤
كتبه! فقال له محمد: إنّ رأىَ الرشيد كان فلتةً شبّهها عليه جعفر بن يحيى
بسحره، واستماله برُقاه وعُقَده ، فغرس لنا غَرْسا مكروهًا لا ينفعنا ما نحن
فيه معه إلا بقطعه ، ولا تستقيم لنا الأمور إلا باجتثاثِه والراحة منه . فقال :
أما إذا كان رأى أمير المؤمنين خلعة ، فلا يُجاهره مجاهرةً فيستنكرها الناس ،
ويستشنعها العامة؛ ولكن تستدعى الجند بعد الجندوالقائد بعدالقائد، وتؤنسه(١)
بالألطاف والهدايا، وتفرّق ثقاته ومَنْ معه، وترغّبهم بالأموال ، وتستميلهم
بالأطماع ؛ فإذا أوهنتَ قوّته ، واستفرغتَ رجاله ، أمرتّه بالقدوم عليك ؛
فإن قدم صار إلى الذى تريد منه ؛ وإن أبى كنت قد تناولته وقد كلّ حده
وهيض جناحُهُ، وضعف ركنُه وانقطع عزّه . فقال محمد : ما قَطع أمراً
كصريمة ، أنت مهذار خطيب، ولستَ بذى رأى، فزُلْ عن هذا الرأى
إلى الشّيخ الموفّق والوزير الناصح(٢)؛ قمْ فالحق بمدادك وأقلامك؛ [ قال يحيى:
فقلت : غضب](٣) يشوبه صدق ونصيحة، أشرت إلى رأى يخلطه غش
وجهل. قال: فوالله ما ذهبت الأيامُ حتى ذكر كلامه ، وقرّعه بخطئه وخرقه .
قال سهل بن هارون: وقد كان الفضل بن سهل دسّ قومًا اختارهم ممّن
يثق به من القوّاد والوجوه ببغداد ليكاتبوه بالأخبار يومًا يومًا ، فلما همّ محمد
بخلع المأمون ، بعث الفضل بن الربيع إلى أحد هؤلاء الرّجال يشاوره فيما يرى
من ذلك ، فعظّم الرجلُ عليه أمر نقض العهد للمأمون ، وقبّح الغدر به ،
فقال له الفضل : صدقت ؛ ولكن عبد الله قد أحدث الحدث الذى وجب به
نقض ما أخذ الرّشيد له . قال : أفتثبتُ الحجة عند العوامّ بمعلوم حدثِه كما
تثبت الحجّة بما جدد من عهده ! قال: لا، قال : أفحدثٌ هذا منكم يوجب
عند العامة نقضَ عهدكم ما لم يكن حدثه معلومًا يجب به فَسْخ عهده !
قال : نعم ، قال الرجل - ورفع صوته : بالله ما رأيتُ كاليوم رأى رجل يرتاد
به النظر ، يشاور فى رَّفع ملك فى يده بالحجة ثم يصير إلى مطالبته بالعناد
والمغالبة! قال : فأطرق الفضل مليًّا، ثم قال: صدقتَتى الرأى، واحتملت
ثقل الأمانة؛ ولكن أخبرنى إن نحن أغمضنا من قالة العامّة ووجدنا مساعدين
٧٩٢/٣
(١) ابن الأثير: ((وتؤنسهما)).
(٣) من ا.
(٢) أى الفضل بن الربيع .
تاریخ الطبرى - ثامن

٣٨٦
٧٩٣/٣
سنة ١٩٤
من شيعتنا وأجنادنا ، فما القول ؟ قال : أصلحك الله ، وهل أجنادك إلاّ من
عامتك فى أخذ بيعتهم وتمكن برهان الحق فى قلوبهم ! أفليسوا وإن
أعطوْك ظاهر طاعة هم مع ما تأكد من وثائق العهد فى معارفهم ؛ قال : فإن
أعطونا بذلك الطاعة قال : لا طاعة دون أن تكون على تثبت من البصائر .
قال : نرغّبهم بتشريف حظوظهم ، قال : إذاً يصيروا إلى التقبّل ،
ثم إلى خذلانك عند حاجتك إلى مناصحتهم . قال : فما ظنك بأجناد
عبد اللّه ؟ قال: قوم على بصيرة من أمرهم لتقدّم بيعتهم وما
يتعاهدون من حظّهم ، قال : فما ظنُّك بعامتهم ؟ قال : قوم
كانوا فى بلوى عظيمة من تحيف ولاتهم فى أموالهم ، ثم فى أنفسهم صاروا به
إلى الأمنية من المال والرفاغة فى المعيشة ، فهم يدافعون عن نعمة حادثة لهم ،
ويتذكرون بليةً لا يأمنون العودة إليها. قال : فهل من سبيل إلى استفساد عظماء
البلاد عليه؛ لتكون محاربتنا إياه بالمكيدة من ناحيته، لا بالزخرف نحوه لمناجزته !
قال: أما الضعفاء فقدصاروا له إلباً لمانالوا به من الأمان والنَّصفة، وأما ذوو القوة
فلم يجدوا مطعنًا ولا موضع حجة ، والضعفاء السواد الأكثر . قال : ما أراك
أبقيت لنا موضع رأی فی اعتزالك إلی أجنادنا، ولا تمكّن النظر فی ناحیته باحتیالنا،
ثم أشدّ من ذلك ما قلتَ به وَهنة أجنادنا وقوة أجناده فى مخالفته. وما تسخو
نفس أمير المؤمنين بترك ما لا يعرف من حقه ، ولا نفسى بالهدنة مع تقدم جرى
فى أمره، وربما أقبلت الأمور مشرفةً بالمخافة ، ثم تكشف عن الفُلْجِ والدرك
فى العاقبة . ثم تفرقا .
قال : وكان الفضل بن الربيع أخد بالمراصد لئلا تجاوز الكتب الحد ؛
فكتب الرسول مع امرأة ، وجعل الكتاب وديعةً فى عُودٍ منقور من أعواد
الأكاف ، وكتب إلى صاحب البريد بتعجيل الخبر ؛ وكانت المرأه تمضى
على المسالح كالمجتازة من القرية إلى القرية ، لا تُهاج ولا تفتّش . وجاء الخبر
إلى المأمون موافقاً لسائر ما ورد عليه من الكتب ، قد شهد بعضها ببعض ،
فقال لذى الرياستين : هذه أمور قد كان الرأى أخبر عن عيبها ، ثم هذه
طوالع تخبر عن أواخرها ، وكفانا أن نكون مع الحقّ ، ولعل كرهاً يسوق خيراً .
قال : وكان أوّل ما دبره الفضل بن سهل بعد ترك الدعاء للمأمون وصحة
٧٩٤/٣

٣٨٧
سنة ١٩٤
الخبر به ، أن جمع الأجناد التى كان أعدّها بجنبات الرىّ مع أجناد قد كان
مكنها فيها، وأجناد للقيام بأمرهم؛ وكانت البلاد أجدبت بحضرتهم؛ فأعدَّ لهم من
الحمولة ما يحمل إليهم من كل فجّ وسبيل ؛ حتى ما فقدوا شيئاً احتاجوا إليه ،
وأقاموا بالحدّ لا يتجاوزونه ولا يطلقون يداً بسوء فى عامدٍ ولا مجتاز. ثم أشخص
طاهر بن الحسين فيمَنْ ضمّ إليه من قواده وأجناده، فسار طاهر مغذًّا
لا يلوى على شىء ، حتى ورد الرّى، فنزلها ووكَّل بأطرافها ، ووضع مسالحه ،
وبثّ عيونه وطلائعه ، فقال بعض شعراء خراسان :
إِمامُ العَدْل والملكُ الرشيدُ
رَى أَهلَ العراقِ ومَنْ عليها
وَكَيْدًا نافذًا فيما يَكِيدُ
بأُحْزَمِ مِنْ مَشَى رَأْيًا وحَزْمًا
يَشيبُ لهوْلِ صَوْلَتِها الوَليدُ
بِدَاهِيَةٍ نَآدٍ(١) خنفقيقٍ
وذُكر أن محمداً وجّه عصمة بن حماد بن سالم إلى هَمَذَان فى ألف
رجل ، وولآه حرب كُوَر الجبل ، وأمره بالمقام بهمَذان ، وأن يوجه مقدمته
إلى ساوةَ ، واستخلف أخاه عبد الرحمن بن حماد على الحرس ، وجعل
الفضلُ بن الربيع وعلىّ بن عيسى يلهّبان محمداً ، ويبعثانه على خلع المأمون
والبسَيْعة لابنه موسى .
#
#
وفى هذه السنة عقد محمد بن هارون فى شهر ربيع الأول لابنه موسى
على جميع ما استخلفه عليه ، وجعل صاحب أمره كلّه علىّ بن عيسى بن
ماهان ، وعلى شُرَطه محمد بن عيسى بن نهيك ، وعلى حرسه عثمان بن عيسى
ابن نهيك ، وعلى خراجه عبد الله بن عبيدة وعلى ديوان رسائله علىّ بن صالح
صاحب المصلى .
٧٩٥/٣
وفى هذه السنة وثب الروم على ميخائيل صاحب الرّوم فهرب وترهب ،
و کان ملكه سنتین فیما قيل .
(١) ط: ((تأد))، تصحيف، صوابه من ا، والنآد والخنفقيق، من أسماء الدواهى.

٣٨٨
سنة ١٩٤
وفيها ملك على الروم ليون القائد .
وفيها صرف محمد بن هارون إسحاق بن سليمان عن حِمْص، وولاً ها
عبد الله بن سعيد الحرّشىّ، ومعه عافية بن سليمان، فقتل عدّة من وجوههم،
وحبس عدة، وحرق مدينتهم من نواحيها بالنار، فسألوه الأمان، فأجابهم فسكنوا
ثم هاجوا ، فضرب أعناق عِدّة منهم .

٣٨٩
ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من أمر محمد بن هارون بإسقاط ما كان ضرب لأخيه
عبد الله المأمون من الدنانير. والدراهم بخراسان فى سنة أربع وتسعين ومائة ؛
لأن المأمون كان أمر ألايُثبت فيها اسم محمّد ، وكان يقال لتلك الدنانير
والدراهم الرّباعيّة ، وكانت لا تجوز حينًا .
٠ ٠
#
[ النهى عن الدعاء للمأمون على المنابر ]
وفيها نهى الأمين عن الدعاء على المنابر فى عمله كلّه للمأمون والقاسم ، وأمر
بالدعاء له عليها ثم من بعده لابنه موسى ، وذلك فى صفر من هذه السنة ،
وابنه موسى يومئذ طفل صغير ، فسماه الناطق بالحق ، وكان ما فعل من ذلك
عن رأى الفضل بن الربيع ، فقال فى ذلك بعض الشعراء :
٧٩٦/٣
وَفِسْقُ الأَمِيرِ ، وجَهْلُ المشِيرْ
أَضاعَ الخلافةَ غِشُّی الوزیرِ
يُريدانِ ما فيه حتفُ الأَميرُ (١)
فَفَضْلُ وزيرٌ ، وبَكْر مشِيرٌ
فبلغ ذلك المأمون ، فتسمى بإمام الهدى ، وكوتب بذلك .
عقد الإمرة لعلّ بن عيسى
وفيها عقد محمد لعلىّ بن عيسى بن ماهان يوم الأربعاء لليلة خَلَتْ من
شهر ربيع الآخر على كُور الجبل كلها : نهاوند وهَمذان وقمّ وأصْفهان ،
(١) ذكرهما ابن الأثير؛ وذكر بعدهما ثالثاً، ونسبها إلى بعض شعراء بغداد؛ وقال بعدها :
(( فى عدة أبيات تركتها لما فيها من القذف الفاحش ولقد عجبت لأبي جعفر حيث ذكرها مع ورعه وقدم
الابن على نكثه وغدره)). والقصيدة بتمامها تأتى فى ص ٣٩٦ من هذا الجزء.

٣٩٠
سنة ١٩٥
حربها وخراجها ، وضمّ إليه جماعة من القوّاد وأمر له - فيما ذكر - بمائتى
ألف دينار ، ولولده بخمسين ألف دينار ، وأعطى الجند مالا عظيمًا ، وأمر
له من السيوف المحلاّة بألفى سيف وستة آلاف ثوب للخلع ، وأحضر محمد
أهل بيته ومواليه وقوّاده المقصورة بالشّماسية يوم الجمعة لثمان خلوْن من جمادى
الآخرة، فصلى محمد الجمعة، ودخل وجلس لهم ابنه موسى فى المحراب، ومعه الفضل
ابن الربيع وجميع مَنْ أحضر، فقرأ عليهم كتاباً من الأمين يعلمهم رأيه فيهم
وحقه عليهم ، وما سبق لهم من البيعة متقدّمًا مفرداً بها ، ولزوم ذلك لهم ،
وما أحدث عبد الله من التُسمّى بالإمامة، والدّعاء إلى نفسه ، وقطْع ذكره
فى دور الضرب والطُّرز؛ وأنّ ما أحدث من ذلك ليس له؛ ولا ما(١) يدَّعِى
٧٩٧/٣ من الشروط التى شُرطت له بجائزة له. وحثهم على طاعته ، والتمسك ببيعته .
وقام سعيد بن الفضل الخطيب بعد قراءة الكتاب ، فعارض ما فى الكتاب
بتصديقه والقول بمثله . ثم تكلم الفضل بن الربيع وهو جالس ، فبالغ فى القول
وأكثر، وذكر أنه لا حقّ لأحد فى الإمامة والخلافة إلا لأمير المؤمنين محمد
الأمين؛ وأنّ اللّه لم يجعل لعبد الله ولا لغيره فى ذلك حظًّاً له ولا نصيبًا. فلم
يتكلّم أحد من أهل بيت محمد ولا غيرهم بشىء إلاّ محمد بن عيسى بن نهيك
ونفر من وجوه الحرس . وقال الفضل بن الربيع فى كلامه : إنّ الأمير موسى
ابن أمير المؤمنين قد أمر لكم يا معاشِرّ أهل خُراسان من صُلْب ماله بثلاثة آلاف
ألف درهم تقسم بينكم . ثم انصرف الناس ، وأقبل علىّ بن عيسى على محمد
يخبره أنّ أهل خُراسان كتبوا إليه يذكرون أنه إن خرج هو أطاعوه وانقادوا معه.
[ شخوص علىَ"بن عيسى إلى حرب المأمون ]
وفيها شخص علىّ بن عيسى إلى الرّىّ إلى حرب المأمون.
* ذكر الخبر عن شخوصه إليها وما كان من أمره فى شخوصه ذلك :
ذكر الفضل بن إسحاق ، أن علىّ بن عيسى شخص من مدينة السلام
(١) ط: ((وما))، وما أثبته من ا.

٣٩١
سنة ١٩٥
٧٩٨/٣
عشيّة الجمعة لخمس عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين ومائة،
شخص عشيّة تلك فيما بين صلاة الجمعة إلى صلاة العصر إلى معسكره بنهر
بين؛ فأقام فيه فى زهاء أربعين ألفًا، وحمل معه قيد فضة لیقیدبه المأمون بزعمه،
وشخص معه محمد الأمين إلى النّهروان يوم الأحد لستُّ بقين من جمادى
الآخرة ، فعرض بها الذين ضُمّوا إلى علىّ بن عيسى، ثم أقام بقية يومه ذلك
بالنَّهروان ، ثم انصرف إلى مدينة السلام . وأقام علىّ بن عيسى بالنّهروان
ثلاثة أيام ، ثم شخص إلى ما وُجِّه له مسرعًا حتى نزل همَذَان ، فولى عليها
عبد الله بن حميد بن قَحطبة. وقد كان محمد كتب إلى عصمة بن حَمّاد
بالانصراف فى خاصة أصحابه وضمّ بقية العسكر وما فيه من الأموال وغير
ذلك إلى علىّ بن عيسى ، وكتب إلى أبى دلف القاسم بن عيسى بالانضمام
إليه فيمن معه من أصحابه ، [ ووجّه ](١) معه هلال بن عبد الله الحضرمىّ،
وأمر له بالفَرْض ، ثم عقد لعبد الرحمن بن جبلة الأبناوىّ(٢) على الدّينَور،
وأمره بالسير فى بقية أصحابه ، ووجّه معه ألفى ألف درهم حملت إليه قبل
ذلك ، ثم شخص على بن عیسی من همدان یرید الری قبل ورود عبدالرحمن
عليه ، فسار حتى بلغ الرّىّ على تعبئة، فلقيه طاهر بن الحسين وهو فى أقل
من أربعة آلاف - وقيل كان فى ثلاثة آلاف وثمانمائة - وخرج من عسكر
طاهر ثلاثة أنفس إلى علىّ بن عيسى يتقرّبون إليه بذلك ، فسألهم : من هم؟
ومِن أىّ البلدان هم؟ فأخبره أحدهم أنه كان من جند عيسى أبيه (٣) الذى قتله
رافع . قال : فأنت من جندى! فأمر به فضُرب مائتى سوط ، واستخفّ
بالرجلين . وانتهى الخبر إلى أصحاب طاهر، فازدادوا جِدًّا فى محاربته ونفوراً منه .
٧٩٩/٣
فذكر أحمد بن هشام أنه لم يكن وَرَد عليهم الكتاب من المأمون ، بأن
تسمى بالخلافة ، إذ التقيا - وكان أحمد على شُرْطة طاهر - فقلت لطاهر:
قد ورد علىّ بن عيسى فيمن ترى، فإن ظهرنا له؛ فقال: أنا عامل أمير المؤمنين
وأقرْرنا له بذلك ، لم يكن لنا أن نحاربه . فقال لى طاهر : لم يجثنى فى هذا
(١) تكملة من ا، وموضعها بياض فى ط .
(٢) ط: ((الأنبارى)) تصحيف.
(٣) ط: ((ابنه))، وصوابه من أ.

٣٩٢
سنة ١٩٥
شىء ، فقلت : دَعْنى وما أريد، قال: شأنَك ، قال : فصعدت المنبر ،
فخلعت محمداً ، ودعوت للمأمون بالخلافة ، وسرنا من يومنا أو من غدٍ يوم
السبت ، وكان ذلك فى شعبان سنة خمس وتسعين ومائة، فنزلنا قسطانة،
وهى أوّل مرحلة من الرّىّ إلى العراق . وانتهى علىّ بن عيسى إلى برّيّة يقال
لها مشكويه ، وبيننا وبينه سبعة فراسخ ، وجعلنا مقدمتنا على فرسخين من
جنده(١). وكان علىّ بن عيسى ظنّ أن طاهراً إذارآه يسلم إليه العمل ؛
فلما رأى الجِدّ منه، قال: هذا موضع مفازة، وليس [ موضع مقام](٢).
فأخذ يساره إلى رُستاق يقال له رستاق بنى الرازىّ؛ وكان معنا الأتراك ، فنزلنا
على نهر ، ونزل قريبًا منا ، وكان بيننا وبينه دكادك وجبال ؛ فلمّا كان
فى آخر الليل جاءنى رجل فأخبرنى أن علىّ بن عيسى دخل الرّىّ - وقد كان
كاتبهم فأجابوه- فخرجتُ معه إلى الطريق ، فقلت له : هذا طريقهم ؛
وما هنا أثر حافر، وما يدلّ على أنه سار. وجئت إلى طاهر فأنبهته ، فقلت
له : تصلى ؟ قال : نعم، فدعا بماء فتهيأ ، فقلت له : الخبركيت وكيت.
وأصبحنا ، فقال لى : تركب ، فوقفنا على الطريق ، فقال لى : هل لك أن
تجوز هذه الدكادك ؟ فأشرفنا على عسكر علىّ بن عيسى وهم يلبسون السلاح ،
فقال : ارجع ، أخطأنا ؛ فرجعنا فقال لى : أخرج أصحابنا .
٨٠٠/٣
قال : فدعوت المأمونىّ والحسن بن يونس المحاربىّ والرستمىّ(٣) ؛ فخرجوا
جميعًا ؛ فكان على الميمنة المأمونىّ، وعلى الميسرة الرستمىّ ومحمد بن مصعب .
قال: وأقبل علىّ فى جيشه ؛ فامتلأت الصحراء بياضًا وصُفرة من السلاح
والمذهب (٤)، وجعل على ميمنته الحسين بن علىّ ومعه أبو دلف القاسم بن
عيسى بن إدريس ، وعلى ميسرته آخر، وكرُّوا، فهزمونا حتى دخلوا العسكر ،
فخرج إليهم الساعة السَّوْعاء(٥) فهزموهم .
قال : وقال طاهر لما رأى علىّ بن عيسى: هذاما لا قِبَل لنا به ، ولكن
نجعلها خارجيّة ، فقصد قصد القلب ، فجمع سبعمائة رجل من الخوار زميّة؛
(١) ا: ((من قسطانة)).
(٤) ط: ((والذهب)).
(٢) من ا. (٣) ط: ((الرسهمى))، تحريف.
(٥) ساعة سوعاء : شديدة .

٣٩٣
سنة ١٩٥
فیهم میکائیل وسبسل وداود سياه .
قال أحمد بن هشام: قلنا لطاهر: نذكّر علىّ بن عيسى البيعة التى كانت،
والبيعة التى أخذها هو للمأمون خاصّة على معاشر أهل خُراسان ، فقال : نعم ؛
قال: فعلّقناهما على رُمْحين، وقمت بين الصفين، فقلت: الأمان! لاترمونا
ولا نرميكم ؛ فقال علىّ بن عيسى : ذلك لك ، فقلت : يا علىّ بن عيسى ،
ألاتتقى الله! أليس هذه نسخة البيعة التى أخذتَها أنت خاصّة! اتقّ الله فقد
بلغتَ باب قبرك ، فقال : مَنْ أنت ؟ قلت : أحمد بن هشام - وقد كان
علىّ بن عيسى ضربه أربعمائة سوط - فصاح علىّ بن عيسى : يا أهلَ
خُراسان، مَنْ جاء به فله ألف درهم. قال : وكان معنا قوم بخاريّة ،
فرموْه ، وقالوا : نقتلك ونأخذ مالك: وخرج من عسكره العباس بن اللّيْث
مولى المهدىّ، وخرج رجل يقال له حاتم الطائىّ ، فشدّ عليه طاهر ، وشدّ
يدْيه على مقبض السيف، فضربه فصرعه [فقتله](١)، وشدّ داودسياهعلى علىّ بن
عيسى فصرعه ؛ وهو لا يعرفه . وكان علىّ بن عيسى على بِرِذَون أرْحَل(٢)،
حمله عليه محمد - وذلك يُكرّه فى الحرب ويدلّ على الهزيمة - قال: فقال
داود: ((نارى اسنان كتبتم)). قال: فقال طاهر الصغير - وهو طاهر بن
التاجىّ : علىّ بن عيسى أنت ؟ قال : نعم ، أنا علىّ بن عيسى ، وظن أنه
بُهاب فلا يقدّم عليه أحد ، فشدّ عليه فذبحه بالسيف. ونازعهم محمد بن
مقاتل بن صالح الرّأس ، فنتف محمد خُصلة من لحيته ، فذهب بها إلى طاهر
وبشّرَه ؛ وكانت ضربةُ طاهر هى الفتح ، فسمّى يومئذ ذا اليمينين بذلك
السبب لأنه أخذ السيف بيديه [جميعاً](١). وتناول أصحابُه النشاب ليرمونا، فلم أعلم
بقتل علىّ حتى قيل : قتل واللّه الأمير. فتبعناهم فرسخيْن ، وواقفونا اثنى
عشرة مرّة ، كلّ ذلك نهزمهم ؛ فلحقنى طاهر بن التاجىّ، ومعه رأس على
ابن عيسى ؛ وكان آلى أن ينصب رأس أحمد عند المنبر الذى خَلَع عليه
محمد، وقد كان علىّأمر أن يهيأ له الغداء بالرّىّ. قال: فانصرفتُ فوجدت عيْبَة"
٨٠١/٣
(١) من ا.
(٢) برذون أرحل: أبيض الظهر.
٨٠٢/٣

٣٩٤
سنة ١٩٥
علىّ فيها دَراعة وجبّة وغُلالة، فلبستها ، وصلّيت ركعتين شكراً لله تبارك
وتعالى . ووجدنا فى عسكره سبعمائة كيس ؛ فى كل كيس ألف درهم ،
ووجدنا عدّة بغال عليها صناديق فى أيدى أولئك البخارية الذين شتموه ،
وظنّوا أنه مال؛ فكسروا الصناديق؛ فإذا فيها خمر سوادىّ ، وأقبلوا يفرّقون
القنائىّ، وقالوا: عملنا الجدّ(١) حتى نشرَب.
قال أحمد بن هشام : وجئت إلى مضرب طاهر ، وقد اغتمّ لتأخرى عنه ،
فقال : لى البُشرى! هذه خصلة من لحية علىّ، فقلت له: البشرى ! هذا رأس
علىّ. قال: فأعتق طاهر مَنْ كان بحضرته من غلمانه شكراً لله، ثم جاءوا
بعلىّ وقد شد الأعوان يديه إلى رجليه ، فحمل على خشبة كما يحمل الحمار
الميّت (٢) وأمر به فلفَّ فى لِبْد وألقى فى بئر. قال: وكتب إلى ذى الرياستين بالخبر.
قال : فسارت الخريطة وبين مَرْو وذلك الموضع نحو من خمسين ومائتى
فرسخ ؛ ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد ، ووردت عليهم يوم الأحد .
قال ذو الرياستين: كنا قد وجهنا هَرْئمة ، واحتشدنا فى السلاح مدداً ،
وسار فى ذلك اليوم، وشيّعه المأمون فقلت للمأمون: لا تبرح، حتى يسلّم عليك بالخلافة
فقد وجبت لك ، ولا نأمن أن يقال : يصلح بين الأخوين، فإذا سلّم عليك
بالخلافة لم يمكن أن ترجع . فتقدمت أنا وهرئمة والحسن بن سهل ، فسلمنا
عليه بالخلافة، وتبادر شيعة المأمون، فرجعت وأنا كالّ تَعِب لم أنمْ ثلاثة
أيام فى جهاز هرثمة ، فقال لى الخادم : هذا عبد الرحمن بن مدرك - وكان
يلى البريد ، ونحن نتوقع الخريطة لنا أو علينا - فدخل وسكت ، قلت :
ويلك! ما وراءك ؟ قال: الفتح؛ فإذا كتاب طاهر إلىّ : أطال الله بقاءك ،
وكبت أعداءك ، وجعل مَنْ يشتؤك فداءك ؛ كتبت إليك ورأس علىّ بن
عيسى بين يدىّ، وخاتمه فى أصبعى؛ والحمد لله رب العالمين. فوثبت إلى
دار أمير المؤمنين ، فلحقنى الغلام بالسّواد ، فدخلت على المأمون فبشّرته ،
وقرأت عليه الكتاب ، فأمر بإحضار أهل بيته والقوّاد ووجوه الناس ، فدخلوا
فسلّموا عليه بالخلافة، ثم ورد رأس علىّ يوم الثلاثاء، فطيف به فى خراسان .
(٢) بعدها فى ا: ((عز عليك أبا يحيى أن ترد عن! المورد)).
(١) أ: ((العمل)).
٨٠٣/٣

٣٩٥
سنة ١٩٥
وذكر الحسن بن أبى سعيد ، قال : عقدنا لطاهر سنة أربع وتسعين ومائة
فاتصل عقده إلى الساعة .
وذكر محمد بن يحيى بن عبد الملك النّيسابورىّ ، قال: لما جاء نعىّ علىّ
ابن عيسى وقتله إلى محمد بن زُبيدة - وكان فى وقته ذلك على الشطّ يصيد
السمك - فقال للذى أخبره : ويلك ! دعنى ؛ فإن كوثراً قد اصطاد سمكتيْن
وأنا ما اصطدت شيئًا بعد. قال : وكان بعض أهل الحسد يقول: ظنّ طاهر
أنّ عليًّاً يعلو عليه، وقال: متى يقوم طاهر لحرب علىّ مع كثرة جيشه وطاعة
أهل خراسان له ! فلما قتل علىّ تضاءل، وقال: والله لو لقيه طاهر وحده
لقاتله فى جيشه حتى يغلب أو يقتَل دونه .
وقال رجل من أصحاب علىّ له بأس ونجدة فى قتل علىّ ولقاء طاهر:
وكنّاً ما يُنَهْنُهُنا اللقاءُ
لقِينا الليثَ مُفتَرِساً لدیهِ
إذا ماكَرَّ ليس بهِ خفاءُ
نَخوضُ الموتَ والغمَراتِ قِدْماً
وراحَ الموتُ وانكَشِفَ الغِطاءُ
فضعضعَ ركبَنا لمَّا التقَينا
كأَنَّ بِكَفِّهِ كانَ القضاءُ
وَأَرْدَى كَبْشَنا والرأَسَ مِنّا
٨٠٤/٣
ولما انتهى الخبر بقتل علىّ بن عيسى إلى محمد والفضل، بعث إلى نوفل
خادم المأمون - وكان وكيل المأمون ببغداد وخازنه ، وقيمه فى أهله وولده وضياعه
وأمواله - عن لسان محمد، فأخذ منه الألف ألف درهم التى كان الرّشيد وصل
بها المأمون ، وقبض ضياعه وغلاّته بالسواد ، وولّى عُمّالا من قبَلَه ، ووجّه
عبد الرحمن الأبناوى (١) بالقوّة والعُدَّة فنزل هَمَذَان.
وذ کر بعض من سمع عبد الله بن خازم عند ذلك يقول : یرید محمد
إزالة الجبال وفل العساكر بتدبيره والمنكوس من تظهيره(٢)، هيهات! هو واللّه كما
قال الأوّل :
* قد ضَيَّعَ اللّهُ ذوداً أنت راعيها
**
(١) ط: ((الأنبارى))، تحريف.
(٢) ا: ((عن نظره)).

٣٩٦
سنة ١٩٥
ولمّا بايع محمد لابنه موسى ووجّه علىّ بن عيسى، قال الشاعر من أهل بغداد
فى ذلك لمّا رأى تشاغُلَ محمد بلهوه وبطالته وتخليته عن تدبير على" والفضل
ابن الربيع :
وَفِسْقُ الإِمَامِ وَجَهْلُ المِشِيرْ؟
أُضاعَ الخِلافَةَ غِنَّى الوَزِيرِ
يُريدانِ ما فيه حثْفُ الأَمِيرْ
ففضلٌ وَزِيرٌ ، وَبَكرٌ مشيرٌ
وشَرُّ المَسالِكِ طُرْقُ الغُرور
وما ذاك إِلَّا طَرِيقُ غُرُورِ
وَأَعجَبُ منه خَلَاقُ الوزيرْ
لوَاطُ الخليفةِ أعجوبةٌ
كذاكَ لَعَمْرِى اختلافُ الأُمورْ
فهذا يَدُوسُ وهذا يُدَاسُ
لكانا بِعُرْضَةٍ أَمر سَتِيرْ
ولمْ يَشْفِ هذا دُعاسُ الحميرْ
وصارَا خِلافاً كَبَوْلِ البعيرْ
نبايعُ الطَّفْلِ فينا الصغيرْ
ولم يَخلُ من بَوْلِهِ حِجْر ظيرْ
يُرِيدَانِ نَفِضَ الكِتابِ المنيرْ
أَفِ العيرِ هذانِ أَم فى النفيرْ
تَرَفَّعَ فيها الوضيعُ الحقِيرُ
وإِن كان قد ضاق صدْر الصَّبُورْ
٨٠٥/٣ فلو يَسْتَعينان هذا بذاك
ولكنَّ ذا لَجَّ فى حَوْثِرِ
فِعْلاهما منهما
فَشُنِّعَ
وأَعجَبُ مِنْ ذا وَذا أَنَّنا
ومَنْ لَيْس يُحسِنُ غُسْلَ اسْتِهِ
وما ذاك إلا بفضلٍ وَبَكرٍ
وهذانِ لولا انقلابُ الزَّمانِ
کالجبال
ولكنَّها فِتْنْ
فَصَبرًا ففى الصبر خير كثيرٌ
ء
إليك وأَوردْهم عذابَ السعيرْ
فاقبِضُهُمَا عاجلاً
فیارب
حولَ هذِى الجُسُوزْ
وصَلِّبْهُمُ
وأَشیاعِهِ
بفضلِ
وَنَكِّلْ
٠
وذكر أن محمدًا لما بعث إلى المأمون فى البيعة لابنه موسى ، ووجه الرّسل
إليه فى ذلك ، كتب المأمون جواب كتابه :

٣٩٧
سنة ١٩٥
أما بعد ، فقد انتهى إلىَّ كتاب أمير المؤمنين منكراً لإبائى منزلة تنهضَّمنى
بها ، وأرادنى على خلاف ما يعلم من الحقّ فيها، ولعمرى أن لورد" أمير المؤمنين
الأمر إلى النّصَفة فلم يطالب إلاّ بها، ولم يوجب نكرة على تركها، لانبسطت بالحجة
مطالعُ مقالته ؛ ولكنْتُ محجوجًا بمفارقة ما يجب من طاعته ؛ فأما وأنا مذعِنٌ
بها وهو على ترك إعمالها ، فأولى به أن يُديرَ الحقّ فى أمره ، ثم يأخذ به ،
ويعطى من نفسه؛ فإن صرتُ إلى الحقّ فرّغتُ عن قلبه؛ وإن أبَيتُ الحقّ
قام الحقّ بمعذرته. وأمّا ما وعد من برّ بطاعته، وأوعَدَ من الوطأة بمخالفته ،
فهل أحدٌ فارق الحق فى فعله فأبقى للمستبين موضع ثقة بقوله! والسلام .
٨٠٦/٣
قال : وكتب إلى علىّ بن عيسى لما بلغه ما عزم عليه :
أما بعد ؛ فإنك فى ظلّ دعوة لم تزل أنت وسلَّفُك بمكان ذبُّ عن حرمها ؛
وعلى العناية بحفظها ورعاية لحقها ، توجبون ذلك لأئمتكم ، وتعتصمون بحيل
جماعتكم، وتعطون بالطّاعة من أنفسكم، وتكونون يداً على أهل مخالفتكم ،
وحزبًا وأعوانًا (١) لأهل موافقتكم، تؤثرونهم على الآباء والأبناء، وتتصرّفونَ فيما
تصرّفوا فيه من منزلة شديدة ورجاء، لا ترون شيئًا أبلغ فى صلاحكم من الأمر
الجامع لأُلفتكم؛ ولا أحرى لبواركم مما دعا إلى شتات كلمتكم، ترون مَنْ
رغب عن ذلك جائراً عن القَصْد وعن أمّه على منهاج الحق ،
ثم كنتم على أولئك سيوفًا من سيوف نقتَ اللّه، فكم من أولئك قد صاروا
وديعة مَسْبَعَة، وجَزّراً جامدة ؛ قد سَفَت الرياحُ فى وجهه،
وتداعتِ السباعُ إلى مَصْرعه ، غير ممهد ولا موسّد قد صار إلى أمّة ،
وغير عاجل حظه ؛ ممن كانت الأئمة تنزلكم لذلك؛ بحيث أنزلتم أنفسكم، من
الثقة بكم فى أمورها ، والتقدّمة فى آثارها ؛ وأنت مستشعر دون كثير من
ثقاتها وخاصّتها ؛ حتى بلغ اللّه بك فى نفسك أنْ كنت قريع أهل دعوتِك،
والعلم القائم بمعظم أمر أئمتك (٢)؛ إن قلت: ادنوا دنوْا وان أشرتَ: أقبلوا أقبلوا
وإن أمسكت وقفُوا وأقرّوا، وئامًا لك واستنصاحًا، وتزدادُ نعمة مع الزّيادة فى
نفسك ، ويزدادون نعمة مع الزيادة لك بطاعتك، حتى حللتَ المحلّ الذى
(٢) ط: ((أمتك)) وما أثبته من ا.
(١) ط: ((وإخوانا)).
٨٠٧/٣

٣٩٨
سنة ١٩٥
قرُبتَ به من يومك ، وانقرض فيما دونه أكثرُ مدّتك، لا يُنتظر بعدها إلاّ
ما يكون ختام عَملك من خير فيُرضَى ما تقدّم من صالح فعلك ؛ أو خلاف
فيضلّ له متقدّمُ سعيك؛ وقد ترى يا أبا يحيى حالاً عليها جلوت أهل نعمتك،
والولاة القائمة بحق إمامتك؛ من طعن فى عُقدة كنتَ القائم بشدّها، وخثر بعهود
توليتَ معاقد أخذها ؛ يُبدأ فيها بالأخصّين، حتى أفضى الأمر إلى العاَّمة من
المسلمين، بالأيمان المحرّجة والمواثيق المؤكدة . وما طلع مما يدعو إلى نشر كلمة ،
وتفريق أمر أمة وشتّ أمر جماعة، وتتعرّض به لتبديل نعمة وزوال ما وطأت
الأسلافُ من الأئمة ؛ ومتى زالتْ نعمة من ولاة أمركم وَصَل زوالها إليكم
فى خواص أنفسكم؛ ولن يغيّر الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وليس الساعى
فى نشرها بِسَاعٍ فيها على نفسه دون السعى على حَمَلتها، القائمين بحُرْمتها ؛
قد عرّضوهم أن يكونوا جَزّراً لأعدائهم ، وطُعْمة قوم تتظفر مخالبهم فى
دمائهم . ومكانك المكان الذى إن قلتَ رُجع إلى قولك، وإن أشرتَ لم تُتّهم
فى نصيحتك؛ ولك مع إيثار الحقّ الحظوة عند أهل الحقّ. ولا سواءٌ من
حَظِىَ بعاجل مع فراق الحقّ فأوبقَ نفسه فى عاقبته، ومَنْ أعان الحقّ
فأدرك به صلاح العاقبة ؛ مع وفور الحظّ فى عاجلته ، وليس لك ما تُسْتَدْعى
ولا عليه ما تُستعْطَف؛ ولكنه حقّ من حقّ أحسابك يجب ثوابه على ربّك، ثم على
مَنْ قمت بالحقّ فيه من أهل إمامتك؛ فإن أعجزّك قول أو فعل نصر إلى
الدّار التى تأمن فيها على نفسك، وتحكم فيها برأيك، وتنحاز إلى مَنْ
يحسن تقبُّلا لصالح فعلك ، ويكون مرجعتَك إلى عقدك وأموالك؛ ولك بذلك
الله، وكفى بالله وكيلا. وإن تعذّر ذلك بقيّةً(١) على نفسك، فإمساكًا بيدك،
وقولاً بحق"، ما لم تخف وقوعه بكثُرْهك؛ فلعل مقتديًا بك، ومغتبطًا بنهيك (٢).
ثم أعْلمْنى رأيك أعرفه إن شاء الله.
٨٠٨/٣
قال : فأتى علىّ بالكتاب إلى محمد ، فشبّ أهل النكث من الكُفاة من
تلهيبه ، وأوقدوا نيرانه ، وأعان على ذلك حُميًا قُدرته، وتساقط طبيعته ،
وردّ الرأى إلى الفضل بن الربيع لقيامه كان بمكانفته .
وكانت كتُبُ ذى الرياستين ترد إلى الدّسيس الذى كان يشاوره فى أمره: إن
(٢) !: ((بتنبهك)).
(١) ا: ((تقية)).

٣٩٩
سنة ١٩٥
أبى القوم إلا عزمة الخلاف؛ فألطف لأن يجعلوا أمره لعلى بن عيسى. وإنّما خص"
ذو الرياستين عليًّاً بذلك لسوء أثرِه فى أهل خُراسان ، واجتماع رأيهم على
ما كرهه ؛ وإنّ العامة قائلة بحربه . فشاور الفضل الدّسيس الذى كان
یشاوره ، فقال: علىّ بن عيسى إن فعل فلم ترمهم بمثله، فى بعد صوبه وسخاوة
نفسه ، ومكانه فى بلاد خُراسان فى طول ولايته عليهم وكثرة صنائعه فيهم، ثم
هو شيخُ الدعوة وبقية أهل المشايعة؛ فأجْمَعَوا على توجيه علىّ ؛ فكان من
توجيهه ما كان. وكان يجتمع للمأمون بتوجيه علىّ جندان: أجنادُه الذين يحاربه
بهم، والعامة من أهل خُراسان حرْب عليه لسوء أثره فيهم؛ وذلك رأى يكثر
الأخطار به إلاّ فى صدور رجال ضعاف الرّأى لحال علىّ فى نفسه، وما تقدّم
له ولسلفه ؛ فكان ما كان من أمره ومقتله .
٨٠٩/٣
وذكر سهل أن عمرو بن حفص مولى محمد قال : دخلت على محمد فى
جوف الليل- وكنت من خاصّته أصلُّ إليه حيث لا يصل إليه أحدٌ من مواليه
وحشمه - فوجدته والشمع بين يديه، وهو يفكّر ، فسلمت عليه فلم يردّ علىّ،
فعلمت أنه فى تدبير بعض أموره ، فلم أزَّلْ واقفًا على رأسه حتى مضى أكثرُ
الليل ، ثم رفع رأسه إلىّ، فقال: أحضرنى عبد الله بن خازم، فمضيت إلى
عبد الله ، فأحضرته، فلم يزل فى مناظرته حتى انقضى الليل ، فسمعت عبد الله
وهو يقول: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تكون أوّل الخلفاء نكثَ عهده ،
ونقض ميثاقَه، واستخفّ بيمينه، وردّ رأى الخليفة قبله! فقال: اسكت، الله
أبوك ! فعبد الملك كان أفضلَ منك رأياً ، وأكمل نظراً ؛ حيث يقول : لا يجتمع
فحلان فى هجمة(١). قال عمرو بن حفص : وسمعت محمداً يقول للفضل
ابن الربيع: ويلك يا فضل! لاحياة مع بقاء عبد الله وتعرّضه؛ ولا بدّمن خَلْعُه،
والفضل يعينه على ذلك ، ويعده أن يفعل ؛ وهو يقول: فمتى ذلك ! إذا غلب
على خراسان وما يليها !
وذكر بعضُ خدم محمد أن محمداً لما همّ بخلع المأمون والبَيْعة لابنه ؛
جمع وُجوه القوّاد ؛ فكان يعرِض عليهم واحداً واحداً ، فيأبَوْنه ؛ وربما
(١) الهجمة من الإبل: من الأربعين إلى ما زادت .

٤٠٠
٨١٠/٣
سنة ١٩٥
ساعده قومٌ حتى بلغ إلى خزيمة بن خازم ؛ فشاوره فى ذلك، فقال :
يا أميرَ المؤمنين، لم ينصحْك مَن كذبك ولم يغشّك مَنْ صدّقك، لاتجرّئ
القوادَ على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك،
فإنّ الغادر مخذول ، والناكث مفلول. وأقبل علىّ بن عيسى بن ماهان،
فتبسم محمد ، ثم قال : لكن شيخ هذه الدعوة ، وناب هذه الدولة لا يخالف
على إمامه ، ولا يوهِن طاعته ، ثم رفعه إلى موضع لم أره رفعه إليه فيما مضى ؛
فيقال : إنه أوّل القوّاد أجاب إلى خلْع عبد الله ، وتابع محمداً على رأيه .
قال أبو جعفر : ولما عزم محمد على خَلْع عبد الله ، قال له الفضل بن
الربيع : ألا تُعذر إليه يا أميرَ المؤمنين فإنه أخوك ؛ ولعله يسلم هذا الأمر فى
عافية ، فتكون قد كُفِيت مؤونته ، وسلمْت من محاربته ومعاندته (١)! قال:
فأفعل ماذا ؟ قال: تكتب إليه كتابًا ، تستطيب به نفسه ، وتسكِّن وحشته،
وتسأله الصَّفْح لك عمّا فى يده ؛ فإنّ ذلك أبلغُ فى التدبير ، وأحسن فى القالَة
من مكاثرته بالجنود ، ومعالجته بالكيد. فقال له: أعمل فى ذلك برأيك (٢). فلما
حضر إسماعيل بن صُبَيَح للكتاب إلى عبد اللّه قال: يا أميرَ المؤمنين، إن
مسألتك الصَّفْح عما فى يديه توليد للظنّ، وتقوية للتهمة ، ومدعاة للحذر؛
ولكن اكتب إليه فأ عِلْمه حاجتك إليه ، وما تحبّ من قربه والاستعانة
برأيه ، وسلْه القدوم إليك ؛ فإن ذلك أبلغُ وأحْرَى أن يبلغ فيما يوجب طاعته
وإجابته . فقال الفضل : القول ما قال يا أمير المؤمنين ، قال : فليكتب بما رأى،
قال :. فكتب إليه :
من عند الأمين محمد أمير المؤمنين إلى عبد اللّه بن هارون أمير المؤمنين.
أما بعد ، فإن أميرَ المؤمنين روى فى أمرك ، والموضع الذى أنت فيه من
ثغره(٣)، وما يؤمّل فى قربك من المعاونة والمكانفة على ماحمّله الله، وقلّده من
أمور عباده وبلاده ؛ وفكّر فيما كان أمير المؤمنين الرّشيد أوجب لك من الولاية،
وأمر به من إفرادك على ما يصير إليك منها ، فرجا أمير المؤمنين ألا يدخل عليه
وكْفٌ فى دينه ، ولا تَكْث فى يمينه؛ إذ كان إشخاصه إياك فيما يعود على
٨١١/٣
(١) ا: ((منابذته)).
(٣) ط: ((ثغرك، وما أثبته من ا.
(٢) ط: ((رأيك))، وما أثبته من ا.