النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ سنة ١٩٠ قلنسوة مكتوبًا عليها ((غاز حاجٌ))، فكان يلبسها، فقال أبو المعالى ٧١٠/٣ الكلابىّ : فَبِالحَرَمَيْن أَو أَقصى الثغورِ فَمَنْ يَطُلبْ لقاءَكَ أَو يُرِدُهُ وفى أَرْضِ الثَّرفِّهِ فَوْقَ كُورٍ (١) ففِى أَرْضِ العَدُوِّ على طِمِرٌّ مِنَ المُتخلَّفينَ على الأمورِ وما حازَ الثغورَ سِواكَ خَلْقٌ ثم صار الرّشيد إلى الطُّوَانة، فعسكر بها ، ثم رحل عنها ، وخلّف عليها عقبة بن جعفر ، وأمره ببناء منزل هنالك ، وبعث نقفور إلى الرشيد بالخراج والجزية، عن رأسه وولى عهده وبطارقته وسائر أهل بلده خمسين ألفدينار ؛ منها عن رأسه أربعة دنانير ؛ وعن رأس ابنه استبراق دينارين . وكتب نقفور مع بطريقين من عظماء بطارقته فى جارية من سَبْ هِرَقلة كتاباً نسخته : لعبد الله هارون أمير المؤمنين من نقفور ملك الروم. سلام عليكم، أما بعد أيها الملك ، فإِنّ لى إليك حاجة لا تضرّك فى دينك ولا دنياك ، هيّنة يسيرة؛ أن تهب لابنى جارية من بنات أهل هرقلة ، كنت قد خطَبتُها على ابنى ، فإن رأيتَ أن تسعفنى بحاجتى فعلت . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . واستهداه أيضًا طيبًا وسرادقا من سُرادقاته؛ فأمر الرشيد بطلب الجارية ، فأحضرَت وزُيِّنت وأجْلِست على سرير (٢) فى مضربه الذى كان نازلاً فيه ، وسلّمت الجارية والمضرَب بما فيه من الآنية والمتاع إلى رسول نقفور، وبعث إليه بما سأل من العطر ، وبعث إليه من التمور (٣) والأخبصة والزّبيب والترياق، فسلّم ذلك كله إليه رسول الرشيد ، فأعطاه نقْفور وقْر دراهم إسلامية على برذونْ كُمیت کان مبلغه خمسين ألف درهم ، ومائة ثوب ديباج ومائتى ثوب بُزْيون (٤)، واثنى عشر بازيًا، وأربعة أكلب من كلاب الصيد، وثلاثة براذين . وكان نقفور اشترط ألاّ يخرب ذا الكلاع ولا صمله ولا حصن سنان ، ٧١١/٣ (١) !، س: ((فى أرض البرية)). (٣) س: ((التمر)). (٢) ج: ((فراش)). (٤) البزيون: ضرب من نسيج البزأو من رقيق الديباج، مركب من: ((بز)) ومن: ((يول))، أى يشبه البز. وانظر الألفاظ الفارسية لأدى شير ٢٢. تاريخ الطبري - ثامن ٣٢٢ سنة ١٩٠ واشترط الرّشيد عليه ألا يعمّر هرقلة، وعلى أن يحمل نقفور ثلثمائة ألف دينار. وخرج فى هذه السنة خارجىّ من عبد القيس يقال له سيف بن بكر ، فوجّه إليه الرشيد محمد بن يزيد بن مزيد ، فقتله بعين النُّوَرَة . ونقض أهل قُبرس العتهد ، فغزاهم معيوف بن يحي فسبى أهلتها . وحجّ بالناس فيها عيسى بن موسى الهادى . ٠٤ ٣٢٣ ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من خروج خارجىّ يقال له ثروان بن سيف بناحية حَوْلايا ؛ فكان يتنقّل بالسواد، فوجه إليه طوق بنمالك فهز مه طوق وجرحه، وقتل عامة أصحابه ، وظنّ طوق أنه قد قتل ثروان، فكتب بالفتح ،وهرب ثروان مجروحًا . وفيها خرج أبو النداء بالشام(١ فوجّه الرشيد (١) فى طلبه يحيى بن معاذ ، وعقد له على الشأم . وفيها وقع الثلج بمدينة السلام . ٧١٢/٣ وفيها ظفر حماد البربرىّ بهيصم اليمانىّ . وفيها غلُظ أمر رافع بن ليث بسَمَرْقند . وفيها كتب أهل نَسَف إلى رافع يعطونه الطاعة ، ويسألونه أن يوجه إليهم منْ يعينهم على قتل عيسى بن علىّ ، فوجَّه صاحب الشاش فى إتراكه قائداً من قوّاده، فأتوا عيسى بن علىّ، فأحدقوا به وقتلوه فى ذى القعدة ، ولم يعرضوا لأصحابه . وفيها ولى الرشيد حمّيه الخادم بريد خُراسان. وفيها غزا يزيد بن مخلد الهبيرىّ أرضَ الروم فى عشرة آلاف ، فأخذت الرّوم عليه المضيق، فقتلُوه على مرحلتين من طَرّسوس فى خمسين (٢) رجلا، وسليم الباقون . وفيها ولّى الرشيد غزو الصائفة هرئمةَ بن أعين، وضمّ إليه ثلاثين ألفًا من جند خُراسان، ومعه مسرور الخادم؛ إليه النفقات وجميع الأمور ، خلا الرياسة. (١ -١) ج: ((فوجه إليه الرشيد)). (٢) ا: ((سبعين)). ٠ ٣٢٤ سنة ١٩١ ومضى الرّشيد إلى دَرْب الحَدَث (١)، فرتّب هنالك عبدالله بن مالك، ورتّب سعيد بن سلم بن قتيبة بمَرْعَش ، فأغارت الروم عليها، وأصابوا من المسلمين وانصرفوا وسعيد بن سلم مقيم بها، وبعث محمد بن يزيد بن مزيد إلى طَرَسوس، فأقام الرشيد بدرْب الحدث ثلاثة أيام من شهر رمضان ، ثم انصرف إلى الرّقة . وفيها أمر الرّشيد بهدم الكنائس بالثغور ، وكتب إلى السندىّ بن شاهك يأمره بأخذ أهل الذّمة بمدينة السلام بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين فى لباسهم ورکوبهم . ٧١٣/٣ # وفيها عَزّل الرشيد علىّ بن عيسى بن ماهان عن خُراسان وولاها هرثمة. ذكر الخبر عن سبب عزل الرشيد علىّ بن عيسى وسخطه عليه قال أبو جعفر : قد ذكر قبلُ سبب هلاك ابن علىّ بن عيسى وكيف قُتِل. ولمَّا قتل ابنه عيسى خرج علىّ عن بلْخ حتى أتى مَرْو مخافة أن يسير إليها رافع بن الليث ، فيستولى عليها . وكان ابنه عيسى دفن فى بستان داره ببلغ أموالا عظيمة - قيل إنها كانت ثلاثين ألف ألف - ولم يعلم بها علىّ بن عيسى ولا اطلع على ذلك إلا جارية كانت له ، فلما شخص علىّ عن بلْخ أطلعت الجارية على ذلك بعض الخدم، وتحدّث به الناس، فاجتمع قُرّاء أهل بلْخ ووجوهها ، فدخلوا البستان فانتهبوه وأباحوه للعامة، فبلغ الرّشيد الخبر، فقال : خرج علىّ من بلْخ عن غير أمرِى ، وخلّف مثل هذا المال ؛ وهو يزعم أنه قد أفْضَى إلى حَلْىٍ نسائه فيما أنفق على محاربة رافع! فعزله عند ذلك ، وولّ هرثمة بن أعيَن ، واستصفى أموال علىّ بن عيسى ، فبلغت أمواله ثمانين ألف ألف . وذكر عن بعض الموالى أنه قال : كنا بجُرْجان مع الرشيد وهو يريد (١) ا: ((حرب الحدث)). ٣٢٥ سنة ١٩١ خُراسان، فوردت خزائن علىّ بن عيسى التى أخذت له على ألف وخمسمائة بعير ، وكان علىّ مع ذلك قد أذلّ الأعالى من أهل خُراسان وأشرافهم . ٧١٤/٣ وذكر أنه دخل عليه يومًا هشام بن فرخسرو والحسين بن مصعب ، فسلَّما عليه ، فقال للحسين: لا سلَّم الله عليك يا ملحد يابن الملحد! والله إنّ لأعرف ما أنتَ عليه من عداوتك للإسلام وطعنك فى الدين ، وما أنتظر بقتلك إلا إذن الخليفة فيه ، فقد أباح اللّه دمتَك ، وأرجو أن يسفكه الله علی یدی عن قريب ، ويعجلك(١) إلى عذابه . ألستَ المرجف بى فى منزلى هذا بعد ما ثملتَ من الخمر ، وزعمت أنه (٢) جاءتك كتب من مدينة السلام بعزلى ! اخرج (٣) إلى سخط الله ، لعنك اللّه ، فعن قريب ما تكون من أهلها ! فقال له الحسين : أعيذ بالله الأمير أن يقبل قول واشٍ ، أو سعاية باغ ، فإنی بریء مما قُرفت (٤) به . قال: كذبت لا أمّ لك! قد صحّ عندى أنَك ثملت من الخمر، وقلت ما وجب عليكَ به أغلظ (٥) الأدب؛ ولعلّ اللّه أن يعاجلَك ببأسه ونقمته (٦)؛ اخرج عنى غير مستور ولا مصاحَب . فجاء الحاجب فأخذ بيده فأخرجه ، وقال لهشام بن فرخسرو: صارت دارك دار الندوة ؛ يجتمع (٧) فيها إليك السفهاء ، وتطعن على الولاة ! سفك الله دمى إن لم أسفك دمك ! فقال هشام : جُعلت فداء الأمير ! أنا والله مظلوم مرحوم ؛ واللّه ما أدَعُ فى تقريظ الأمير جهدًا، وفى وصفه قولا إلاّ خصصتُه به وقلته فيه ؛ فإن كنت إذا (٨) قلت خيراً نقل إليك شرًّا (٩) فما حيلتى ! قال : كذبت لا أمّ لك؛ لأنا أعلم بما تنطوى عليه جوانحك من ولدك وأهلك، فاخرج فعن قريب أريح منك نفسى. فخرج. فلمَّا كان فى آخر الليل دعا ابنته عالية- وكانت من أكبر ولده - فقال لها : أىْ بنيَّة، إنى أريد أن أفضىَ إليك بأمر إن أنت أظهرتِه قتلتُ؛ وإن حفظتِهِ سلمتُ، فاختارى بقاء أبيك على موته، قالت : ٧١٥/٣ (١) ج: ((ويجعلك)). (٣) ف: ((فاخرج)). (٥) ا، ج: ((غليظ». (٧) ج: ((تجتمع )) . (٩) س: ((إليه شرًّا)». (٢) س: ((أنك)). (٤) ا، ج: ((قذفت)). (٦) ج: ((ونقمه)). (٨) ج: ((إذ)). ٣٢٦ سنة ١٩١ وما ذاك (١) جعلت فداك! قال: إنى أخاف هذا الفاجر علىّ بن عيسى على دمى ، وقد عزمت على أن أظهر أنّ الفالج أصابنى ، فإذا كان فى السّحمَر فاجمعی جواريك ، وتعالىْ إلى فراشى وحرّكينى؛ فإذا رأيت حركتى قد ثقلت، فصيحى أنت وجواريك ، وابعثى إلى إخوتك فأعلميهم علتى . وإياك ثم إياك أن تطلعى (٢) على صحة بدنى أحداً من خلْق اللّه من قريب أو بعيد . ففعلتْ - وكانت عاقلة حازمة - فأقام مطروحًا على فراشه حينًا لا يتحرّك إلا إن حُرّك، فيقال إنه لم يعلم من أهل خُراسان أحدٌ من عزل علىّ بن عيسى بخبر ولا أثر غيرُ هشام ؛ فإنه توهم عزله ، فصحّ توهمه . ويقال : إنه خرج فى اليوم الذى قدم فيه هَرْئمة لتلقّه ، فرآه فى الطريق رجل من قوّاد علىّ بن عيسى، فقال: صحّ الجسم؟ فقال : ما زال صحيحًا بحمد اللّه! وقال بعضهم : بل رآه علىّ بن عيسى ، فقال: أين بك؟ فقال: أتلقَّى أميرنا أبا حاتم ، قال: ألم تكن عليلا؟ قال : بلى ؛ فوهب الله العافية، وعزل الله الطاغية فى ليلة واحدة . وأما الحسين بن مصعب فإنه خرج إلى مكّة مستجيراً بالرّشيد من علىّ بن عيسى ، فأجاره . ولما عزم الرشيد على عزل علىّ بن عيسى دعا - فيما بلغنى - هرثمة بن أعين مستخليًا به فقال : إنى لم أشاور فيك أحداً ، ولم أطلعه على سرّى فيك ، ٧١٦/٣ وقد اضطرب علىّ ثغور المشرق، وأنكر أهل خراسان أمْرَ علىّ بن عيسى ؛ إذ خالف عهدى ونبذه وراء ظهره ؛ وقد كتب يستمدّ ويستجيش، وأنا كاتب إليه ، فأخبره أنى أمدّه بك، وأوجه إليه معك من الأموال والسلاح والقوّة والعدّة ما يطمئنّ إليه قلبه، وتتطلع إليه نفسه، وأكتب معك كتابًا بخطى فلا تفضّنّه، ولا تطلعنّ فيه حتى تصل (٣) إلى مدينة نيسابور ؛ فإذا نزلتها فاعمل بما فيه ، وامتثله ولا تجاوزه ، إن شاء الله، وأنا موجه معك رجاء الخادم بكتاب أكتبه إلى علىّ بن عيسى بخطى؛ ليتعرّف ما يكون منك ومنه؛ وهوّنْ عليه أمْرَ (١) ج: ((وماهو)). (٣) س: ((نصير)). (٢) س: ((يطلع)). ٣٢٧ سنة ١٩١ علىّ فلا تظهرنَّه عليه، ولا تعلمنَّه ما عزمتُ عليه ، وتأهبّ للمسير ، وأظهر الخاصَّتَك وعامتك أنى أوجّهك مدداً لعلىّ بن عيسى وعونًا له . قال : ثم كتب إلى علىّ بن عيسى بن ماهان كتابًا بخطه نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم. يابن الزانية، رفعتُ من قدرك ، ونوّهت باسمك، وأوطأت سادة (١) العرب عمَّقِبَك، وجعلتُ أبناء ملوك العجم خوَلَكَ وأتباعك؛ فكان جزائى أن خالفتَ عهدى ، ونبذتَ وراء ظهرك أمرى ؛ حتى عِئت فى الأرض، وظلمت الرّعية، وأسخطت اللّه وخليفته(٢)؛ بسوء سيرتك، ورداءة طعمتك، وظاهر خيانتك ، وقد ولّيت هرثمة بن أعْين مولاىَ ثغر خُراسان ، وأمرتُه أن يشدّ وطأته عليك وعلى ولدك وكتابك وعمالك، ولا يترك وراء ظهوركم درهمًا، ولا حقًّا لمسلم ولا مُعاهد إلا أخذكم به ؛ حتى تردّه إلى أهله؛ فإن ٧١٧/٣ أَبَيْتَ ذلك وأباه ولدُك وُمَّالك فله أن يبسط عليكم العذاب ، ويصبّ عليكم السياط، ويُحلّ بكم ما يحلّ بمن نكثَ وغيِّر، وبدَّل وخالف، وظلم وتعدى وغشم، انتقامًا لله عزّ وجلّ بادئًا، وخليفته ثانيًا، وللمسلمين والمعاهدين ثالثًا ؛ فلا تعرض نفسك للتى لا شَوَى لها، واخرج مما يلزمك * طائعًاً أو مكرهاً . وكتب عهد هرثمة بخطه : هذا ما عهد هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى هرثمة بن أعين حين ولاه ثَغْر خُراسان وأعماله وخراجه ؛ أمَرَه بتقوى الله وطاعته ورعاية أمر اللّه ومراقبته (٣)، وأن يجعل كتاب الله إمامًا فى جميع ما هو بسبيله، فيحلّ حلاله ويحرّم حرّامه ، ويقف عند متشابهه ؛ ويسأل عنه أولى الفقه فى دين الله وأولى العلم بكتاب اللّه، أو يردّه إلى إمامه ليرَيَه اللّه عزّ وجلّ فيه رأيه، ويعزم له على رشده ، وأمره أن يستوثق من الفاسق علىّ بن عيسى وولده وعماله و كتابه ، وأن يشدّ عليهم وطأتَه، ويُحلّ بهم سطوَته، ويستخرج منهم كلّ مال (١) ج: ((سادات)). (٢) س: ((فى خليفته)). (٣) ج: ((وموافقته)). ٣٢٨ سنة ١٩١ يصحّ عليهم من خراج أمير المؤمنين وفىء المسلمين ؛ فإذا استنظف ما عندهم وقبلهم من ذلك ، نظر فى حقوق المسلمين والمعاهدين، وأخذهم بحقّ كلّ ذى حقّ حتى يردُّوه إليهم؛ فإن ثبتت قبلهم حقوق لأمير المؤمنين وحقوق للمسلمين ؛ فدافعوا بها وجحدوها ، أن يصبّ عليهم سوط عذاب الله وأليم نقمته؛ حتى يبلغ بهم الحال التى إن تخطَّاها بأدنى أدب ، تلفتْ أنفسُهم ، وبطلت أرواحهم؛ فإذا خرجوا من حقّ كلّ ذى حقّ، أشخصهم كما تشخص العصاة من خُشونة الوِطاء وخشونة المطعم والمشرب وغلظ الملبس ، مع الثقات من أصحابه إلى باب أمير المؤمنين ، إن شاء اللّه . فاعمل يا أبا حاتم بما عهدتُ إليك ، فإنى آثرتُ اللّه ودينى على هواىَ وإرادتى، فكذلك فليكن عملُك ، وعليه فليكن أمرك ، ودبِّر فى عمال الكُور الذين تمرّبهم فى صُعودك ما لا يستوحشون معه إلى أمرٍ يريبهم وظنّ يرعبُهم. وابسُط من آمال أهل ذلك الثّغْر ومن أمانهم وعذرهم ، ثم اعمل بما يرضى الله منك وخليفته، ومَنْ ولاك الله أمره إن شاء الله. هذا عهدى وكتابى بخطّ، وأنا أشهد الله وملائكته وحملةَ عرشه وسكان سمواته وكفى بالله شهيدًا . وكتب أمير المؤمنين بخطِّ يده لم يحضره إلا الله وملائكته . ثم أمر أن يكتب كتاب هرثمة إلى علىّ بن عيسى فى معاونته وتقوية أمره والشدّ على يديه ؛ فكتب وظهر الأمر بها ؛ وكانت كتب حَمّوَيْه وردت على هارون: إنّ رافعًا لم يخلع ولا نَزّع السَّواد ولا من شايعه، وإنما غايتهم عزل علىّ بن عيسى الذى قد سامهم المكروه . ... [ خبر شخوص هرثمة بن أعين إلى خراسان والياً عليها ] ومن(١) ذلك ما كان من شخوص هرثمة بن أعين إلى خراسان واليًا عليها . ٧١٩/٣ * ذكر الخبر عما كان من أمره فى شخوصه إليها وأمر علىّ بن عيسى وولده : (١) قبل هذه الكلمة فى ا، ج: ((ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين ومائة)). ٧١٨/٣ ٣٢٩ سنة ١٩١ ◌ُذكر أن هرثمة مضى فى اليوم السادس من اليوم الذى كتب له عهده الرشيد وشيّعه الرشيد، وأوصاه بما يحتاج إليه، فلم يعرّج هرئمة على شىء ، ووجّه إلى علىّ بن عيسى فى الظاهر أموالاً وسلاحًا، وخلعًا وطيباً ؛ حتى إذا نزل نيسابور جَمَعَ جماعة من ثقات أصحابه وأولى السنّ والتجربة منهم ؛ فدعا كلَّ رجل منهم سرًّا ، وخلا به ، ثم أخذ عليهم العهود والمواثيقَ أن يكتموا أمره، ويطوُوا سِرّه، وولى كلَّ رجل منهم كُورة(١)، على نحوما كانت حاله عنده؛ فولّ جُرجان ونيسابور والطبَسين ونَسا وسَرَخْس، وأمّر كلَّ واحدٍ (٢) منهم، بعد أن دفع إليهعهده بالمسير (٣) إلى عمله الذى ولاه على أخفى الحالات وأسترها ، والتشبه بالمجتازين فى ورودهم الكُور ومقامهم فيها إلى الوقت الذى سمّاه لهم ، وولّى إسماعيل بن حفص بن مصعب جُرجان بأمر الرشيد ، ثم مضى حتى إذا صار من مَرْو على مرحلة ، دعا جماعة من ثقاتٍ أصحابه، وكتب لهم أسماء ولد علىّ بن عيسى وأهل بيته وكُتَّبه وغيرهم فى رقاع ، ودفع إلى كلِّ رجل منهم رقعة باسم مَنْ وَكّله بحفظه إذا هو دخل مَرْو، خوفًا من أن يهربوا إذا ظهر أمره . ثم وجّه إلى علىّ بن عيسى: إن أحبّ الأميرُ أكرمه الله أن يوجِّه ثقاته لقبض ما معى من أموال فَعَل ؛ فإنه إذا تقدّم المال أمامى كان أقوى للأمير ، وأفتّ فى عضد أعدائه . وأيضًا فإنى لا آمنُ عليه إن خلّفته وراء ظهرى؛ أن يطمع فيه بعض من تَسمُو إليه نفسه إلى أن يقتطع بعضه ، ويفترض غفلتنا عند دخول المدينة ، فوجَّه علىّ بن عيسى جهابذَته وقتهارمته لقبض المال ، وقال هرثمة لخُزّانِه : اشغلوهم هذه الليلة ، واعتدّوا عليهم فى حَمْل المال بعلة تقرب من أطماعهم ، وتزيل الشكَّ عن قلوبهم ، ففعلوا . وقال لهم الحُزّان: حتى تؤامروا أبا حاتم فى دوابّ المال والبغال. ثمّ ارتحل نحو مدينة مَرْو، فلما صار منها على ميلين تلقَّاه علىّ بن عيسى فى ولده وأهل بيته وقوّاده بأحسن لقاءوآ نسه؛ فلما وقعت عتين هرثمة عليه، ثنى رجله لينزل عن دابته فصاح به علىّ: والله لئن نزلتَ لأنزلنّ، فثبت على سَرْجه، ودنا كلّ(٤) منهما من صاحبه فاعتنقا، وسارا، وعلىّ يسأل هرثمة عن ٧٢٠/٣ (٢) ج: ((رجل)). (١) ج: ((كوراً)). (٤) أ، ج: ((كل واحد)). (٣) س: ((المصير)). ٣٣٠ ٧٢١/٣ سنة ١٩١ أمْر الرشيد وحاله وهيئته وحال خاصّته وقوّاده وأنصار دولته ؛ وهرثمة يجيبه ؛ حتى صار إلى قنطرة لا يجوزها إلاّ فارس ، فحبس هرثمة لجام دابته ، وقال لعلىّ: سر على بركة الله، فقال علىّ: لا والله لا أفعل حتى تمضى أنت، فقال : إذاً والله لا أمضى، فأنت الأمير وأنا الوزير؛ فمضى وتبعه هرثمة حتى دخلاَ مَرْو، وصارا إلى منزل علىّ ، ورجاء الخادم لا يفارق هرثمة فى ليل ولا نهار، ولا ركوب ولا جلوس؛ فدعا علىّ بالغداء فطعما، وأكلَ معهما رجاء الخادم ، وكان عازماً على ألا يأكل معهما، فغمزه هرثمة وقال: كُل فإنك جائع ، ولا رَأىَ الجائع ولا حاقن؛ فلما رُفع الطعام قال له علىّ: قد أمرت أن يفرغ لك قصر على المَاشَان ؛ فإن رأيت أن تصير إليه فعلت. فقال له هرثمة: إن معى من الأمور ما لا يتحمّل تأخير المناظرة فيها ؛ ثم دفع رجاء الخادم كتاب الرشيد إلى علىّ، وأبلغه رسالته. فلما فضّ الكتاب فنظر إلى (١) أوّل حرف منه سُقِط فى يده ، وعلم أنه قد حلّ به ما يخافُه ويتوقعه ، ثم أمر هرثمة بتقييده وتقييدولده وكتابه وعماله-وكان رحل(٢) ومعه وقْر من قيود وأغلال- فلما استوسق منه صار إلى المسجد الجامع، فخطب وبسط من آمال الناس ، وأخبر أن أمير المؤمنين ولاه ثغورهم لما انتهى إليه من سوء سيرة الفاسق علىّ ابن عيسى، وما أمره به فيه وفى عمّاله وأعوانه، وأنه بالغ من ذلك ومن إنصاف العامة والخاصّة، والأخذ لهم بحقوقهم أقصى مواضع الحقّ. وأمر بقراءة عهده عليهم . فأظهروا السرور بذلك ، وانفسحت آمالهم ، وعظم رجاؤهم ، وعلت بالتكبير والتهليل أصواتهم ، وكثر الدعاء لأمير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء . ثم انصرف، فدعا بعلىّ بن عيسى وولده وعماله وكُتّابه، فقال: اكفونى مؤنتكم ، واعفونى من الإقدام بالمكروه عليكم . ونادى فى أصحاب ودائعهم ببراءة الذّمّة من رجل كانت لعلىّ عنده وديعة أو لأحد من ولده أو كتابه أو عماله وأخفاها ولم يظهر عليها؛ فأحضره الناس ما كانوا أود عوا إلاّ رجلا من أهل مَرْو - وكان من أبناء المجوس - فإنه لم يزل يتلطف للوصول (٣) إلى علىّ بن عيسى حتى صار إليه ، فقال له سرًّا : لك عندى مال، فإن احتجتَ (١) س: ((فى)). (٣) ج: ((بالوصل)). (٢) س: ((دخل)). ٣٣١ سنة ١٩١ ٧٢٢/٣ إليه حملتُه إليك أوّلاً فأوّلاً ، وصبرت للقتل فيك؛ إيثاراً للوفاء وطلبًا لجميل الثناء ، وإن استغنیت عنه حبسته علیك حتی تری فیه رأيك . فعجب علىّ منه، وقال: لواصطنعتُ مثلك ألف رجل ماطميع فىَّ السلطان ولا الشيطان أبداً. ثم سأله عن قيمة ما عنده، فذكر له أنه أودعه مالاً وثيابًا ومسلكًا، وأنه لا يدرى ما قدر ذلك ؛ غير أنه أودعه بخطِّه، وأنه محفوظ لم يشذّ منه شىء، فقال له: دعه؛ فإن ظُهر علیه سلمته ونجوت بنفسك، وإن سلمت به رأيت فيه رأبى . وجزاه الخير ، وشكر له فعله ذلك أحسن شكر ، وكافأه عليه وبرّه . وكان يُضرب به المثل بوفائه؛ فذكر أنه لم يتستر عن (١) هَرْئمة من مالٍ علىّ إلا ما كان أودعه هذا الرجل - وكان يقال له : العلاء بن ماهان- فاستنظف هرثمة ما وراء ظهورهم حتى حلْى نسائهم ؛ فكان الرجل يدخل إلى المنزل فيأخذ جميع ما فيه ؛ حتى إذا لم يبق فيه إلاّ صوف أو خشب أوما لا قيمة له قال للمرأة : هاتى ما عليك من الخَلْى ، فتقول للرجل إذا دنا منها لينزع ما عليها : ياهذا ، إن كنتَ محسنًاً فاصرف بصرَك عنّى، فوالله لا تركتُ شيئًا من بغيتك علىّ إلاّ دفعتُه إليك ؛ فإن كان الرجل يتحوّب من الدّنوّ إليها أجابها إلى ذلك حتى ربما نبذت إليه بالخاتم والخلخال وما قيمته عشرة دراهم ، ومَنْ كان بخلاف هذه الصّفة ، قال : لا أرضى حتى أفتُّشك؛ لا تكونين قد خبأت ذهبًاً أو ◌ُدُرًّا أو ياقوتًّا ؛ فيضرب يده إلى مغابنها وأرفاغها ؛ فيطلب فيها ما يظنّ أنها قد سترته عنه؛ حتى إذا ظنّ أنه قد أحكم هذا كلّه وجَّهه على بعير بلا وطاء تحته ، وفى عنقه سلسلة ، وفى رجله قيود ثقال ما يقدر معها على نهوض واعتماد . ٧٢٣/٣ فذُكِر عمّن شهد أمر هرثمة وأمره؛ أن هَرَئمة لما فرغ من مطالبة علىّ بن عيسى وولده وكتّابه وعمَّله بأموال أمير المؤمنين ، أقامهم لمظالم الناس ، فكان إذا بَردّ للرجل عليه أو على أحد من أصحابه حق ، قال : اخرج للرجل من حقّه، وإلا بسطت عليك، فيقول علىّ: أصلح الله الأمير! (١) ا: (لم يشذ على هرثمة)). ٣٣٢ سنة ١٩١ أجلنى يومًا أو يومين، فيقول: ذلك إلى صاحب الحقّ ، فإن شاء فعل . ثم يُقبل على الرجل، فيقول: أتَرَى أن تَدعَه ؟ فإن قال: نعم، قال: فانصرف وعُدْ إليه، فيبعث علىّ إلى العلاء بن ماهان، فيقول له: صالحْ فلانا عنّى(١) من كذا وكذا على كذا وكذا ، أو على ما رأيت ، فيصالحه ويُصلح أمره . وُذكر أنه قام إلى هرثمة رجل ، فقال له: أصلح اللّه الأمير! إن هذا الفاجر أخذ منى دَرقة(٢) ثمينة لم يملك أحد مثلها ، فاشتراها على كُرْه منى ولم أرِدْ بيعها بثلاثة آلاف درهم ؛ فأتيت قهرمانه أطلب ثمنتَها ، فلم يعْطِى شيئًا، فأقمت حَوْلاً أنتظر ركوب هذا الفاجر ؛ فلما ركب عرضتُ له وصحْت به : أيها الأمير ، أنا صاحب الدَّرَقة ، ولم آخذ لها ثمنًاً إلى هذه الغاية، فقذَف أمّى ولم يعطنى حتى، فخذ لى بحقى من مالِى (٣) وقَدْ فِه أمى، فقال : لك بيّنة ؟ قال : نعم، جماعة حضروا كلامه ؛ فأحضرهم فأشهدهم (٤) على دعواه ، فقال هرئمة: وجب عليك الحدّ ، قال: ولمَ ؟ قال: لقذِ فك أمّ هذا، قال: مَنْ فَقّهك(٥) وعلّمك هذا؟ قال: هذا دين المسلمين، قال : فأشهد أن أمير المؤمنين قد قذفك غير مرّة ولا مرّتين ؛ وأشهد أنك قد قذفت بنيك ما لا أحصى ، مرةً حاتمًا ومرة أعين ؛ فمن يأخذ لهؤلاء بحدودهم منك ؟ ومن يأخذ لك من مولاك! فالتفت هرثمة إلى صاحب الدّرّقة ، فقال : أرى لك أن تطالب هذا الشيطان بدرقتك أو ثمنها، وتترك مطالبته بقذ فه أمّك. ٧٢٤/٣ [ كتاب هرثمة إلى الرشيد فى أمر علىّ بن عيسى] ولما حمل هرثمة عليّاً إلى الرّشيد ، كتب إليه كتاباً يخبره ما صنع؛ نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد ؛ فإن الله عزّجلّ لم يزل يبلى أمير المؤمنين فى كلّ ما قلده من خلافته، واسترعاه من أمور(٦) عباده وبلاده أجمل (١) س: ((على)). (٢) الدرقة: الترس من جلد بلا خشب ولا عقب، وتسمى الحجفة أيضاً . (٤) ا، س: ((فشهدوا)). (٦) س: ((أمر)). (٣) س: ((ماله)). (٥) ج: ((فهمك)). ٣٣٣ سنة ١٩١ البلاء وأكملَه، ويعرّفه فى كلّ ما حضره ونأى عنه من خاصّ أموره وعامها ، ولطيفها وجليلها أتم الكفاية وأحسن الولاية، ويعطيه فى ذلك كلِّه أفضل الأمنيَّة، ويبلغه فيه أقصى غاية الهمة ، امتناناً منه عليه ، وحفظًا لما جعل إليه ، مما تكفّل بإعزازه وإعزاز أوليائه وأهل حقه وطاعته؛ فيستثمّ اللّه أحسن ما عوّده وعوّدنا من الكفاية فى كلّ ما يؤدّينا إليه ، ونسأله توفيقنا لما نقضى به المفترض من حقِّه فى الوقوف عند أمره ، والاقتصار على رأيه . ولم أزل أعزّاللّه أمير المؤمنين، مذ فصلت عن معسكر أمير المؤمنين ممتثلاً ما أمرنِى به فيما أنهضنى له ؛ لا أجاوز ذلك ولا أتعدّاه إلى غيره، ولا أتعرّف اليُمْن والبركة إلا فى امتثاله؛ إلى أن حللتُ أوائل خُراسان؛ صائنًا للأمر الذى أمرنى أمير المؤمنين بصيانته وستره ؛ لا أفضى ذلك إلى خاصىّ ولا إلى عامىّ ، ودبّرتُ فى مكاتبة أهل الشاش وفَرْ غَانة وخزلهما(١) عن الخائن، وقطع طمعه وطمع مَنْ قِبِلَه عنهما، ومكاتبة مَنْ ببلْخ بما كنت كتبت به إلى أمير المؤمنين وفسّرت له، فلما نزلت نيسابور عملتُ فى أمر الكُور التى اجتزت عليها بتولية مَنْ ولّيت عليها ، قبل مجاوزتى إياها ؛ كجرجان وذَيْسَابور ونَسَا وَسَرَخْس، ولم آلُ الاحتياط فى ذلك، واختيار الكفاة وأهل الأمانة والصّحة من ثقات أصحابى، وتقدّمت إليهم فى ستر (٢) الأمر وكتمانه ، وأخذت عليهم بذلك أيمانَ البَيْعة ، ودفعت إلى كلّ رجل منهم عهدَه بولايته ، وأمرتهم بالمسير (٣) إلى كور أعمالهم على أخفى الحالات وأسترها، والتّشبّه بالمجتازين فى وُرودهم الكُوَرَ ومقامهم بها إلى الوقت الذى تَسَمَّيتُ لهم ؛ وهو اليوم الذى قدّرت فيه دخولى إلى مَرْو، والتقائى وعلىّ بن عيسى، وعملت فى استكفائى (٤) إسماعيل بن حفص بن مصعب أمرَ جُرجان بما كنت كتبت به إلى أمير المؤمنين، فنفذ (٥) أولئك العمال لأمرى، وقام كلُّ رجل منهم فى الوقت الذى وُقِّتَ له بضبط عمله وإحكام ناحيته ، وكفى الله أميرَ المؤمنين المؤنة" فى ذلك ، بلطيف (٦) صنعه. ٧٢٥/٣ (١) حزهما عن الخائن، أى إبعادهما عنه. (٣) ا، س: ((بالمصير)). (٥) س: ((فتفقد)). (٢) س: ((بستر)). (٤) ا، س: ((استكفاء)). (٦) أ، ج: ((بلطف)). ٣٣٤ ٧٢٦/٣ سنة ١٩١ ولما صرتُ من مدينة مَرْو على منزل، اخترت عِدّةً من ثقات أصحابى، وكتبت بتسمية ولد علىّ بن عيسى وكتّابه وأهل بيته وغيرهم رقاعًا، ودفعت إلى كلِّ رجل منهم رُقعة باسم مَنْ وكّلتُه بحفظه فى دخولى، ولم آمن لو قصّرت فى ذلك وأخرته أن يصيرُوا عند ظهور الخبر وانتشاره إلى التغيب والانتشار ، فعملوا بذلك، ورحلتُ عن (١) موضعى إلى مدينة مَرْو، فلما صرت منها على ميلين تلقّانى علىّ بن عيسى فى ولَدِه وأهل بيته وقوّاده ، فلقيته (٢ بأحسن لقاء، وآ نسته٢)، وبلغتُ من توقيره وتعظيمه والتماس النزول إليه أوّل ما بصرت به ما ازداد به أنسًاً وثقة ، إلى ما كان ركن إليه قبل ذلك ؛ مما كان يأتيه من كتبى؛ فإنها لم تنقطع عنه بالتعظيم والإجلال منّى له والالتماس ، لإلقاء سوء الظنّ عنه ؛ لئلا يسبق إلى قلبه أمرٌ ينتقض به ما دبر أمير المؤمنين فى أمره ، وأمرنى به فى ذلك . وكان الله تبارك وتعالى هو المنفرد بكفاية أمير المؤمنين الأمر فيه إلى أن ضمّنى وإياه مجلسه ، وصرت إلى الأكل معه ، فلمّا فرغنا من ذلك بدأنى يسألنى المصير إلى منزل كان ارتاده لى ؛ فأعلمته ما معى من الأمور التى لا تحتمل تأخير المناظرة فيها . ثم دفع إليه رجاء الخادم كتاب أمير المؤمنين وأبلغه رسالَته ، فعلم عند ذلك أن قد حلّ به الأمر الذى جناه على نفسه ، وكسبته يداه ؛ من سخط أمير المؤمنين ، وتغير (٣) رأيه بخلافيه أمره وتعدّيه سيرته . ثم صرت إلى التوكيل به ، ومضيت إلى المسجد الجامع ، فبسطت آمال الناس ممن حضر ، وافتتحت القول بما حمّلنى أمير المؤمنين إليهم ، وأعلمتهم إعظامَ أمير المؤمنين ما أتاه ، ووضح عنده من سوء سيرة على ، وما أمرنى به فيه وفى عمّاله وأعوانه ؛ وإنى بالغٌ من ذلك ومن إنصاف العامّة والخاصّة والأخذ لهم بحقوقهم أقصى غايتهم . وأمرت بقراءة عهدى عليهم ، وأعلمتهم أنّ ذلك مثالى وإمامى؛ وأنِّى به أقتدى، وعليه أحتذى؛ فمتى زلتُ عن باب واحد من أبوابه فقد ظلمتُ نفسى ، وأحللت بها ما يحلّ بمن خالف (١) ا، س: ((من)). (٢ -٢) س: ((بأحسن اللقاء وآنسه)). (٣) ج: ((وتغيره له)). ٣٣٥ سنة ١٩١ رأى أمير المؤمنين وأمره ؛ فأظهروا السرور بذلك والاستبشار ، وعلتْ بالتكبير والتهليل أصواتُهم ، وكثر دعاؤهم لأمير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء . ٧٢٧/٣ ثم انكفأت إلى المجلس الذى كان علىّ بن عيسى فيه، فصرت إلى تقییدهوتقیید ولده وأهل بيته وكتّابه وعماله والاستيثاق منهم جميعًا، وأمرتهم بالخروج إلىّ من الأموال التى احتجنوها من أموال أمير المؤمنين وفىء المسلمين ، وإعفائى بذلك من الإقدام عليهم بالمكروه والضرب ، وناديت فى أصحاب ودائعهم بإخراج ما كان عندهم . فحملوا إلىّ إلى أن كتبت إلى أمير المؤمنين صدرًا صالحًا من الوَرِقِ والعيْن (١)، وأرجو أن يعين اللّه على استيفاء ما قبلهم، واستنظاف ما وراء ظهورهم ، ويسهّل الله من ذلك أفضلَ ما لم يزل يعوّده أمير المؤمنين من الصّنع فى مثله من الأمور التى يعنى بها إن شاء الله تعالى. ولم أدعْ عند قدومى مَرْو التقدّم فى توجيه الرسل وإنفاذ الكتب البالغة فى الإعذار والإنذار، والتبصير والإرشاد، إلى رافع (٢) ومَنْ قِبَله من أهل سَمَرْقَند، وإلى مَنْ ببلْخ، على حسن ظنّى بهم فى الإجابة، ولزوم الطاعة والاستقامة؛ ومهما تنصرفْ به رسلى إلىّ يا أمير المؤمنين من أخبار القوم فى إجابتهم وامتناعهم ، أعملْ على حسبه من أمرهم ، وأكتب بذلك إلى أمير المؤمنين على حقِّه وصدقه . وأرجو أن يعرّف اللّه أمير المؤمنين فى ذلك من جميل صنعه ولطيف كفايته ؛ ما لم تزل عادته جارية به عنده ، بمنِّه وطوله وقوّته والسلام. الجواب من الرشيد بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد ، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابُك بقدومك مَرْو فى اليوم الذى سمّيت ، وعلى الحال التى وصفت وما فسرّت، وما كنت قدّمت من الحِيَل قبل ورودك إياها، وعملت (٣) به فى أمر الكُور التى سميت وتولية مَنْ وليت عليها قبل نفوذك عنها، ولطّفت له من الأمر الذى استجمع لك به ما أردت من أمر الخائن علىّ بن عيسى وولده وأهل بيته ، ومن صار فى ٧٢٨/٣ (١) الورق: الدراهم المضروبة. والعين: الدينار. (٢) هو رافع بن ليث بن نصر بن سيار . (٣) ج: ((وعاملت)). ٣٣٦ سنة ١٩١ يدك من عمّاله وأصحاب أعماله واحتذائك فى ذلك كلِّه ما كان أمير المؤمنين مثّل لك ووقفَك عليه، وفهم أمير المؤمنين كلّ ما كتبت به، وحمدالله علىذلك كثيراً وعلى تسديده إياك وما أعانك به من توفيقه ، حتى بلغتَ إرادة أمير المؤمنين، وأدركت طلبتتَه، (١وأحسنت ما كان يُحبّ بك وعلى يديك إحكامته١)، مما كان اشتدّ به اعتناؤه ، ولجّ به اهتمامه ، وجزاك الخير على نصيحتك وكفايتك، فلا أعدم اللّه أمير المؤمنين أحسنَ ما عرّفه منك فى كلّ ما أهاب بك إليه ، واعتمد بك عليه(٢). ٧٢٩/٣ وأمير المؤمنين يأمرك أن تزداد جدًّا واجتهاداً فيما أمرك (٣) به من تتبّع أموال الخائن علىّ بن عيسى وولده وكتّابه وعماله ووكلائه وجهابذته والنظر فيما اختانوا به أميرَ المؤمنين فى أمواله ، وظلموا به الرّعية فى أموالهم ، وتتبّع ذلك واستخراجه من مظانه ومواضعه ، التى صارت إليه ، ومن أيدى أصحاب الودائع التى استودعوها إياهم ؛ واستعمال اللين والشدة فى ذلك كله؛ حتى تصير إلى استنظاف ما وراء ظهورهم ؛ ولا تبقى من نفسك فى ذلك بقية (٤)، وفى إنصاف الناس منهم فى حقوقهم ومظالمهم ؛ حتى لا تبقى لمتظلم منهم قبلهم ظُلامة إلا استقضيت(٥) ذلك له ، وحملته وإياهم على الحقّ والعدل فيها ، فإذا بلغتَ أقصى غاية الإحكام والمبالغة فى ذلك ، فأشخص الخائن وولده وأهلَ بيته وكتَّابَه وعمّاله إلى أمير المؤمنين فى وثاق، وعلى الحال (٦) التى استحقُّوها من التغيير والتنكيل (٧) بما كسبت أيديهم؛ وما اللّه بظلام للعبيد. ثم اعمل بما أمرك به أمير المؤمنين من الشخوص إلى سَسمَرْ قند، ومحاولة ما قبل خامل، ومَنْ كان على رأيه ممن أظهر خلافًا وامتناعًا من أهل كُور ما وراء النهر وطُخارستان بالدّعاء إلى الفسيئة والمراجعة ، وبسط أمانات أمير المؤمنين التى حمّلكها إليهم؛ فإن قبلوا وأنابوا وراجعوا ما هو أمّلُكَ بهم، وفرّقوا جموعَهم ، فهو ما يحبّ أمير المؤمنين أن يعاملهم به من العفو عنهم والإقالة (١ - ١) س: ((وأحكمت ما كان تحت يدك ويجب عليك إحكامه)). (٣) س: ((يأمرك)). (٢) ج: ((منك عليه)). (٤) س: ((باقية)) . (٥) س: ((أستصِفيت)). (٦) س: ((على الحال)). (٧) ج: ((التغير والتشكل)). ٣٣٧ سنة ١٩١ لهم؛ إذ كانوا رعيَّته ؛ وهو الواجب على أمير المؤمنين لهم إذ أجابهم إلى طلبتهم، وآمن رَوْعهم ، وكفاهم ولاية من كرهوا ولايته، وأمر بإنصافهم فى حقوقهم وظلاماتهم - وإن خالفوا ما ظنّ أمير المؤمنين، فحاكمهم إلى اللّه إذ طَغَوْا وبغَوْا، وكرهوا العافية وردّوها؛ فإنّ أمير المؤمنين قد قضى ما عليه، فغيّر ونکل ، وعزل واستبدل ، وعفا عمّن أحدث، وصفح عمن اجترم؛ وهو یشهد الله عليهم بعد ذلك فى خلاف إن آثروه، وعنود (١) إن أظهروه. وكفى بالله شهيداً ولا حوْلَ ولا قوّة إلا بالله العلىّ العظيم، عليه يتوكل وإليه ينيب. والسلام. وكتب إسماعيل بن صبيح بين يدى أمير المؤمنين . ٠ ٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن العباس بن محمد بن علىّ، وكان ٧٣٠/٣ وإلى مكة . ولم يكن للمسلمين بعد هذه السنة صائفة إلى سنة خمس عشرة ومائتين. (١) عند عن الطريق - كنصر وسمع وكرم - عنودا، مال. ٣٣٨ ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ففيها كان الفداء بين المسلمين والرّوم على يدىْ ثابت بن نصر بن مالك. ٠ # [ ذكر الخبر عن مسير الرشيد إلى خراسان ] وفيها وا فَى الرّشيد من الرّقّة فى السّفُن مدينة السلام، يريد (١) الشخوص إلى خُراسان لحرب رافع ؛ وكان مصيره ببغداد يوم الجمعة لخمس ليال بقين من شهر ربيع الآخر ، واستخلف بالرّقة ابنه القاسم ، وضمّ إليه خُزيمة بن خازم، ثم شخص من مدينة السلام عشيّة (٢) الاثنين، لخمس خلوْن من شعبان بعد صلاة العصر ، من الخيزُرانيّة ، فبات فى بستان أبى جعفر، ثم سار (٣) من غد إلى النهروان ، فعسكر هنالك ، وردّ حماداً البربرىّ إلى أعماله، واستخلف ابنه محمدًا بمدينة السلام . و ◌ُذُكر عن ذى الرياستيْن أنه قال: قلتُ للمأمون لما اراد الرشيد الشخوص إلى خُراسان لحرب رافع : لستَ تدرِى ما يحدث بالرّشيد وهو خارج إلى خُراسان، وهى ولايتك ، ومحمّد المقدم عليك! وإنّ أحسَن ما يصنع بك أن يخلعك ؛ ٧٣١/٣ وهو ابن زُبيدة، وأخواله بنوهاشم، وزبيدة وأموالها، فاطلبْ إليه أن يُشخصك معه . فسأله الإذن فأبى عليه ، فقلت له: قل له: أنت عليل؛ وإنما أردتُ أن أخدمك ، ولست أكلفك شيئًا . فأذن له وسار . فذكر محمد بن الصبّاح الطبرىّ أن أباه شيّع الرشيد حين خرج إلىخُراسان، فمضى معه إلى النَّهروان، فجعل يحادثه (٤) فى الطريق إلى أن قال له : ياصباح، لا أحسبك ترانى أبدًا. قال: فقلت: بل يردّك الله سالمًا؛ قد فتح (٥) اللّه (١) س: ((مريداً)). (٣). ج: ((صار)). (٥) س: ((قد يفتح)). (٢) س: ((يوم)). (٤) ج: ((يحدّثه)). ٣٣٩ سنة ١٩٢ عليك ، وأراك فى عدوّك أملك. قال: ياصبّاح، ولا أحسبك تدرى ما أجد ! قلت : لا والله، قال : فتعال حتّى أريك ، قال : فانحرف عن الطريق قَدْر مائة ذراع، فاستظلّ بشجرة، وأومأ إلى خدمه الخاصّة فتنحّوْا ، ثم قال: أمانة الله يا صبّاح أن تكتم (١) علىّ، فقلت: يا سيّدى، عبدك الذليل تخاطبه مخاطبة الولد ! قال : فكشف عن بطنه ؛ فإذا عصابة حرير حوالىْ بطنه، فقال: هذه علّة أكتمها الناس كلَّهم؛ ولكلّ واحد من ولدى علىّ رقيب ؛ فمسرور رقيب المأمون ، وجبريل بن بختيشوع رقيب الأمين - وسمّى الثالث فذهب عنى اسمه ــ وما منهم أحد إلا وهو يحصى أنفاسى ، ويعدّ أيامى، ويستطيل عمرى (٢)، فإن أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو بدابة،. فيجيئونى ببرذَوْن أعجف قتطوف(٣)، ليزيد فى على، فقلت: يا سيدى ما عندى فى الكلام جوابٌ ؛ ولا فى ولاة العهود ؛ غير أنى أقول : جعل الله من يَشْتؤك من الجنّ والإنس والقريب والبعيد فداك؛ وقدّمهم إلى تلك قبلك ، ولا أرانا فيك مكروهاً أبداً، وعمّر بك الله الإسلام، ودعم ببقائك أركانه ، وشدّ بك أرجاءه، وردّك اللّه مظفّرًا مفلحًا، على أفضل أمتلك فى عدوّك ، وما رجوت من ربك . قال : أمّا أنت فقد تخلّصت من الفريقين . ٧٣٢/٣ قال : ثم دعا ببرذون ، فجاءوا به كما وصف ، فنظر إلىّ فركبه ، وقال انصرف غير مودّع ؛ فإن لك أشغالا ، فودّعته وكان آخر العهد به . وفيها تحرّك الْخُرَّمية بناحية أذْ رَبيجان، فوجّه إليهم الرّشيد عبد الله بن مالك فى عشرة آلاف فارس ، فأسر وسبَى، ووافاه بقَرْمَاسِين ، فأمر بقتل الأسارى وبيع السَّبْى . وفيها مات علىّ بن ظَبْيان القاضى بقصر اللصوص. وفيها قدم يحيى بن معاذ بأبى النّداء (٤) على الرشيد وهو بالرّقة فقتله . (١) ج: ((إن كتمت)). (٣) دابة قطوف: ضاق مشيها . (٢) س: ((دهرى)). (٤) س: ((الندى)). ٣٤٠ سنة ١٩٢ وفيها فارق عنجيف بن عنبسة والأحوص بن مهاجر فى عدّة من أبناء الشّيعة رافع بن ليث ، وصاروا إلى هرثمة . وفيها قُدِمٍ بابن عائشة وبعدّة من أهل أحواف مصر . وفيها ولى ثابت بن نصر بن مالك الثّغور (١) وغزا، فافتتح مطمورة . وفيها كان الفداء بالبُدَ نْدون . وفيها تحرّك ثروان الحرورىّ، وَقتل عامل السلطان بطفّ البصرة. وفيها قُدِمٍ بعلىّ بن عيسى بغداد ، فحبس فى داره . وفيها مات عيسى بن جعفر بطرارستان (٢) - وقيل بالدّسكرة - وهو يريد اللحاق بالرشید . ٧٣٣/٣ وفيها قتَل الرشيد الهيصم اليمانىّ(٣). ٠ ٠ # وحجّ بالناس فى هذه السنة العباس بن عبيد الله بن جعفر بن أبى جعفر المنصور . (١) ج: ((الثغر)). .(٢) ج: ((بطبرستان)). (٣) ابن الأثير: ((الهيصم الكنانى)).