النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
سنة ١٨٧
والبِيضُ لوْلا أَنَّهَا مأُمُورةٌ
یا آلَ برمَكَ حَمْ لِكُمْ من نائِلٍ
إِنَّ الخليفةَ - لايُشكُّ - أَخوَكُمُ
نازعتموه رضاعَ أَكرم حُرَّةٍ
مَلِكُ له كانت يدُ فَيَّضَةٌ
كانت يدًا للجودِ حتى غلَّها
ما فُلَّ حدٌّ مُهَنَّد ◌ِهِنَّد
ونَدِّى، كَعَدِّ الرَّملِ غَيْرَ مُصَرَّدٍ
لكنَّه فى برمَكِ لم يُولَدِ
مخلوقَةٍ من جَوْهرٍ وزبرجدٍ
أبدًا تَجودُ بطارفٍ وبمُتلَدٍ
قَدَرٌ فأَضحى الجود مغلولَ الیدِ
وفيهم يقول سيف بن إبراهيم :
هوَتِ أَنْجُمُ الجَدَوَى وَثَلَّتِ يدُالنَّدَى
هوت أَنجمٌ كانت لأبناءِ برمكٍ
وقال ابن أبى كريمة :
كلُّ مُعِيرٍ أُعِيرَ مَرْتَبَةً
صالَت عليه من الزمان يدُ
وقال العطوىّ أبو عبد الرحمن :
بعدَ فتى برمكٍ على غَرَرِ
كان بها صائلا على البَشرِ
وعَينٌ للخليفة لا تنامُ
أَمَا والله لولاَ قولُ واشٍ
كما للنَّاس بالحَجِرِ اسْتلامُ
وَدَوْلَةِ آل برمكِ السّلامُ
لِطُفْنَا حَوْلَ چِذعكَ واستلَمْنا
علَى الدنيا وَساكِنِها جميعاً
وفى قتل جعفر قال أبو العتاهية :
فى جَعْفَرِ عِبْرَةٌ وَيَحياهُ !
قُولاً لمنْ يَرْتَجِى الحياةَ أَمَا
رونَ همَا ما هما خليلَاهُ
كانَا وَزِيرَىْ خليفة الله ها
فى حالق رَأْسُهُ ونصفاهُ
فذاكمُ جعفرٌ بِرُمَّتِهِ
٦٨٧/٣
وغاضَت بُحورُ الجودِبعدَ البرامِكِ
بها يعرِفُ الحادى طريقَ المسالكِ

٣٠٢
سنة ١٨٧
نجَّاهُ عن نفْسِه وَأَقصاهُ
والشيخُ یحی الوزیرُ أُصبحَقد
فأُصْبَحُوا فى البلاد قد تاهُوا
ثُقِّتَ بعدَ التجميع شملُهُمُ
٦٨٨/٣
يُرِضِى به العبدَ يَجزهِ اللهُ
كذاكَ مَن يُسْخِطِ الإِلهَ بما
أَشهدُ أن لا إله إِلا هُو
سبْحانَ من دانَتِ الملوك له
فتابَ قبلَ المماتِ ، طُوبَاهُ!
طُوبَى لمن تابَ بعدَ غِرَّتِهِ
قال: وفى هذه السنة هاجت العصبية بدمشق بين المضريّة والمانية، فوجَّه
الرشيد محمد بن منصور بن زياد فأصلح بينهم .
وفيها زلزلت المَصِّيصة فانهدم بعض سورها ، ونضب ماؤهم ساعة الليل .
وفيها خرج عبد السلام بآمد، فحكّم، فقتله يحيى بن سعيد العُقَبْلىّ.
وفيها مات يعقوب بن داود بالرّقَّة .
وفيها أغزى الرشيد ابنه القاسم الصائفة، فوهبه لله، وجعله قرباناً له ووسيلة،
وولاه العواصم.
*
[ ذكر الخبر عن غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح ]
وفيها غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح وحبسه .
ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وما أوجب حبسه :
٦٨٩/٣
ذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل أنّ عبد الملك بن صالح کان له ابن
يقال له عبد الرحمن ، كان من رجال الناس ، وكان عبد الملك يكنى به ؛
وكان لابنه عبدالرحمن لسان، على فأفأة فيه، فنصب لأبيه عبدالملك وقُمامة (١)،
فسعيا به إلى الرشيد، وقالا له: إنه يطلب الخلافة ويطمع فيها ، فأخذه وحبسه
عند الفضل بن الربيع ؛ فذكر أن عبد الملك بن صالح أدخل على الرشيد
حين سخط عليه ، فقال له الرّشيد : أكفراً بالنعمة ، وجحوداً لحليل المنّة
(١) ابن الأثير: ((فسعى بأبيه هو وقعامة كاتب أبيه)).

٣٠٣
سنة ١٨٧
والتكرمة! فقال : يا أميرَ المؤمنين ، لقد بؤتُ إذاً بالندم، وتعرّضت لاستحلال
النَّقْم؛ وما ذاك إلا بغىُ حاسد نافسنى فيك مودّة القرابة وتقديم الولاية. إنّك
يا أمير المؤمنين خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أمَّته، وأمينُه على عِيرته ،
لك فيها فرض (١) الطاعة وأداء النصيحة، ولها عليك العدْل فى حكمها والتثبّت
فى حادثها ، والغفران لذنوبها . فقال له الرشيد: أتتضع لى من لسانك، وترفع
لى من جنانك! هذا كاتبك قُمامة يخبر بغلّك، وفساد نيتك ، فاسمع كلامه .
فقال عبد الملك : أعطاك ما ليس فى عقده ؛ ولعله لا يقدر أن يعضهنى ولا
يبهتنى بما لم يعرفه منى . وأحضِر قُمامة ، فقال له الرشيد : تكلّم غير هائب
ولا خائف ، قال : أقول : إنه عازم على الغدْر بك والخلاف عليك ، فقال
عبد الملك : أهو كذاك يا قمامة ! قال قمامة : نعم ، لقد أردتَ ختْل
أمیر المؤمنین، فقال عبد الملك : کیف لا يكذبعلىّ من خلفی وهو یبهتی فی
وجهى ! فقال له الرّشيد: وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرنى بعتوّك(٢) وفساد
نَيَّتَك ، ولو أردتُ أن أحتجّ عليك بحجة لم أجد أعدل من هذين لك ، فجم
تدفعهما عنك؟ فقال عبد الملك بن صالح: هو مأمور، أو عاقّ مجبور (٣)؛
فإن كان مأموراً فمعذور(٤)، وإن كان عاقًّا ففاجر كفور ؛ أخبر الله عز
وجل بعداوته ، وحذّر منه بقوله: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا
لَكُمْ فَاخْذَرُوهُمْ﴾ (٥).
٦٩٠/٣
قال : فنهضَ الرشيد ، وهو يقول : أمّا أمرك فقد وضح ؛ ولكنى لا
أعجَّل حتى أعلم الذى يُرضى اللّه فيك؛ فإنه الحكم بينى وبينك . فقال
عبد الملك : رضيتُ بالله حكما ، وبأمير المؤمنين حاكماً ؛ فإنى أعلم أنه يُؤثر
كتابَ الله على هواه، وأمر الله على رضاه.
قال : فلما كان بعد ذلك جلس مجلسًا آخر، فسلّم لما دخل، فلم يردّ
عليه ، فقال عبد الملك : ليس هذا يومًاً أحتجّ فيه ، ولا أجاذب منازعاً
(١) س: ((علينا فرض الطاعة)).
(٣) س: ((مجنون)).
(٥) سورة التغابن ١٤.
(٢) ج: ((بذلك)).
(٤) ج: ((فغرور)).

٣٠٤
سنة ١٨٧
وخصماً. قال : ولِمّ ؟ قال: لأنّ أوله جرى على غير السنَّة ؛ فأنا أخاف آخره.
قال : وما ذاك ؟ قال : لم تردّ علىّ السلام، أنصفْ نَصفة العوام. قال :
السلام عليكم؛ اقتداء بالسنة ، وإيثاراً للعدل، واستعمالا للتحبة . ثم التفت
نحو سليمان بن أبى جعفر ، فقال وهو يخاطب بكلامه عبد الملك :
أريدُ حَياتَهُ ويُريدُ قتلى .... البيت (١).
٦٩١/٣
ثم قال: أما والله لكأنى أنظر إلى شؤبوبها (٢) قد جمع، وعارضها (٣)
قد لمع ؛ وكأنى بالوعيد قد أورى ناراً تَسْطع ، فأقلع (٤) عن براجم بلا معاصم(٥)
ورءوس بلا غلاصم (٦)؛ فمهلاً؛ فَبِى واللّه سهّل لكم الوعْر، وصفا لكم
الكدر ، وألقت إليكم الأمورُ أثناء أزمَّتها ، فنذارٍ لكم نذار ، قبل حلول
داهية خَبَوط باليد ، لبوط بالرجْل. فقال عبد الملك: اتقّ الله يا أمير المؤمنين
فيما ولك، وفى رعيته التى استرعاك؛ ولا تجعل الكفر مَكَان الشكر ، ولا
العقاب موضع الثواب ، فقد نخلتُ لك النصيحة ، ومحضتُ لك الطاعة .
وشددت أواخِىَ ملكك بأثقل من رُكْنِىْ يَلَمْلَم، وتركتُ عدوّك مشتغلا.
فاللّهَ اللّهَ فى ذى رحمك أن تقطَعه، بعد أن بلتَه بظنّ أفصح الكتابُ لى
بعضَهَه، أو ببغى باغ ينهس اللحم، ويالغُ الدم(٨)، فقد واللّه سهّلتُ لك
الوعور ، وذَلّلت لك الأمور، وجمعت على طاعتك القلوب فى الصدور ؛
فكم من ليلِ تمام فيك كابدْتُه ، ومقام ضيق قمته ؛ كنت كما قال أخو
بنی جعفر بن كلاب :
بِبَنانى وَلسانى وَجَدَلْ
وَمَقَامٍ ضَيْقِ فَرّجتهُ
زَلَّ عن مِثلٍ مقامی وزَحَلْ
لو يقومُ الفيلُ أَوْ فَيَّالهُ
٦٩٢/٣
(١) لعمرو بن معدي كرب، الآلى ١٣٨، وبقيته :
* عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ *
(٢) الشؤبوب: الدفعة من المطر. (٣) العارض: السحاب المعترض فى الأفق.
(٥) البراجم: مفاصل الأصابع . والمعصم : اليد :
(٤) ج: ((فتقلع)).
(٦) الغلصمة: اللحم بين الرأس والعنق؛ وجمعه غلامم.
وجمعه معاصم .
(٧) أعضه فلاناً: بهته وقال ما ليس فيه .
(٨) ولغ الكلب فى الإناء ، يلغ ويالغ ، أى شرب منه .

٣٠٥
سنة ١٨٧
قال : فقال له الرّشيد: أما والله لولا الإبقاء على بنى هاشم لضربت
عنقك .
وذكر زيد بن علىّ بن الحسين العلوىّ، قال: لما حبس الرشيد عبدالملك
ابن صالح، دخل عليه عبد الله بن مالك- وهو يومئذ على شُرطه- فقال: أفى
إذن أنا فأتكلم ؟قال: تكلم، قال : لا، والله العظيم يا أمير المؤمنين، ما علمتُ
عبد الملك إلاناصحًا، فعلام حبسته! قال: ويحك! بلغنى عنهما أوحشنى ولم آمنه
أن يضرب بين(١) ابنىَّ هذين - يعنى الأمين والمأمون - فإن كنتَ ترى أن
نطلقه (٢) من الحبس (٣) أطلقناه. قال: أمّا إذْ حبستَه يا أمير المؤمنين،
فلست أرى فى قرب المدة أن تطلقه ؛ ولكن أرى أن تحبسه محبسًا كريماً يشبه
محبس (٤) مثلك مثلَه . قال: فإنى أفعل . قال : فدعا الرّشيد الفضل بن
الربيع، فقال : امضٍ إلى عبد الملك بن صالح إلى محبسه ، فقل له : انظر
ما تحتاج إليه فى محبسك فأمُرْ به حتى يقام لك ؛ فذكر قصته وما سأل .
قال: وقال الرّشيد يوماً لعبد الملك بن صالح فى بعض ما كلَّمه : ما أنت
لصالح ! قال : فلمن أنا ؟ قال : لمروان الجعدىّ ، قال: ما أبالى أىّ الفحْلين
غلب علىّ ؛ فحبسه الرّشيد عند الفضل بن الربيع ؛ فلم يزل محبوسًا حتى
تُفِىَ الرّشيد ، فأطلقه محمد، وعقد له على الشأم؛ فكان مقيماً بالرّقة، وجعل
لمحمد عهد الله وميثاقه: لئن قتِل وهو حىّ لا يعطى المأمون طاعةً أبداً. فمات
قبل محمد، فدُفن فى دار من دور الإمارة ، فلما خرج المأمون يريد الروم
أرسل إلى ابن له : حوّل أباك من دارى ، فنُبِشَتْ عظامه وحُوّلت .
وكان قال لمحمد: إن خفتَ فالجأ إلىّ ، فوالله لأصوننَّك.
٦٩٣/٣
وذكر أن الرشيد بعث فى بعض أيامه إلى يحيى بن خالد : إن عبد الملك
ابن صالح أراد الخروج ومنازعتى فى الملك ، وقد علمتَ ذلك، فأعلمنى ما عندك
فيه ، فإنك إن صدقتنى أعدتُك إلى حالك ، فقال : والله يا أمير المؤمنين
ما اطلعت من عبد الملك على شىء من هذا ؛ ولو اطّلعت عليه لكنت صاحبه
(١) س: ((بينى وبين ابنى)).
(٣) س: ((السجن)).
(٢) س: ((أطلقه)).
(٤) س: (( حبس)).

٣٠٦
سنة ١٨٧
دونك ؛ لأن ملكك كان ملكى ، وسلطانك كان سلطانى ، والخير والشرّ كان.
فيه علىّ ولى؛ فكيف يجوز لعبد الملك أن يطمع فى ذلك منى! وهل كنتُ
إذا فعلْتُ ذلك به يفعل بى أكثر من فعلك ! أعيذك بالله أن تظنّ بى هذا
الظنّ؛ ولكنَّه كان رجلاً محتملا، يسرّنى(١) أن يكون فى أهلك مثله، فوليته،
لما أحمدت من مذهبه، وملت إليه لأدبه واحتماله. قال: فلما أتاه الرسول بهذا
أعاد إليه ، فقال: إن أنت لم تقرّ عليه قتلتَ الفضل ابنك(٢)، فقال له:
أنت مسلط علينا فافعل ما أردت ؛ على أنه إن كان من هذا الأمر شىء
فالذنب فيه لى، فبم (٣) يدخل الفضل فى ذلك (٤) ! فقال الرسول للفضل:
قم؛ فإنه لا بدّ لى من إنفاذ أمر أمير المؤمنين فيكَ؛ فلم يشكّ أنه قاتله،
فودّع أباه، وقال له : ألستَ راضيًا عنى ؟ قال: بلى ، فرضى اللّه عنك .
ففرق بينهما ثلاثة أيام ؛ فلما لم يجد عنده من ذلك شيئًا جمعهما كما كانا .
٦٩٤/٣
وكان يأتيهم منه أغلظ رسائل، لما كان أعداؤهم يقرِ فونهم به عنده، فلما
أخذ مسرور بيد الفضل كما أعلمه(٥)، بلغ من يحيى، فأخرج ما فى نفسه،
فقال له : قل له: يُقتَل ابنُك مثله. قال مسرور: فلما سكن عن الرشيد
الغضب ، قال : كيف قال ؟ فأعدت عليه القول ، قال : قد خفت والله
قولَه ؛ لأنه قلّما قال لى شيئًا إلا رأيتُ تأويله .
وقيل : بينما الرّشيد يسير وفى موكبه عبد الملك بن صالح ، إذ هتف به
هاتف وهو يُساير عبد الملك، فقال: يا أميرَ المؤمنين، طأطئ من إشرافه
وقصِّر من عنانه ، واشدُدْ من شكائمه؛ وإلاّ أفسد عليك ناحيته . فالتفت
إلى عبد الملك ، فقال : ما يقول هذا يا عبد الملك ؟ فقال عبد الملك : مقال
باغ ودسیس حاسد ؛ فقال له هارون : صدقت، نقتص القوم ففضلتتهم،
وتَخَلَّفُوا وتقدّمتّهم ؛ حتى برز شأوك، فقصّر عنه غيرُك؛ ففى صدورهم
جَمرات التخلّف ، وحزازات النقص . فقال عبد الملك: لا أطفأها الله وأضرمها
عليهم حتى تورثهم كمداً دائمًا أبداً .
(١) س: ((فسرنى)).
(٣) ٠اج: ((فما يدخل الفضل».
(٥) كذا فى اوفى ط: ((لما أعلمه)).
(٢) س: ((يعنى ابنه)).
(٤) س: ((هذا)).

٣٠٧
سنة ١٨٧
وقال الرشيد لعبد الملك بن صالح وقد مرّ بمنبج، وبها مستقرّ عبد الملك :
هذا منزلك ؟ قال: هو لك يا أمير المؤمنين ، ولى بك . قال : كيف هو ؟
قال: دون بناء أهلِى وفوق منازل مَنْج، قال: فكيف ليلها ؟ قال : سَحَرٌ
کله .
[ ذكر الخبر عن دخول القاسم بن الرشيد أرض الرّوم ]
وفى هذه السنة دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم فى شعبان ، فأناخ
على قُرّة وحاصرها ، ووجّه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث، فأناخ
على حصن سنان حتى جهدوا ، فبعثت إليه الروم تبذُل له ثلثمائة وعشرين
رجلا من أسارى المسلمين ؛ على أن يرحل عنهم ؛ فأجابهم إلى ذلك ، ورحل
عن قرّة وحصّن سنان صلحًا .
ومات علىّ بن عيسى بن موسى فى هذه الغزاة بأرض الروم ، وهو مع
القاسم .
٦٩٥/٣
[ ذكر الخبر عن نقض الروم الصلح ]
وفى هذه السنة نقضَ صاحب الرّوم الصّلح الذى كان جرى بين الذى
قبله وبين المسلمين ، ومنع ما كان ضمنه الملك لهم قبله .
* ذكر الخبر عن سبب نقضهم ذلك :
وكان سبب ذلك أن الصلح كان جرى بين المسلمين وصاحب الروم
وصاحبتهم يومئذ رينى - وقد ذكرنا قبل سبب الصاح الذى كان بين المسلمين
وبينها - فعادت الرّوم على رينى فخلعتْها ، وملكت عليها نقفور . والروم
تذكر أن نقفور هذا من أولاد حَفْنة من غسان ، وأنه قبل الملك کان یلی
ديوان الخراج، ثم ماتت رِينَى بعد خمسة أشهر من خلع الروم إياها ؛ فذكر
أن نقفور لما ملك واستوسقت له الرّوم بالطاعة ، كتب إلى الرشيد :
من نقفور ملك الروم ، إلى هارون ملك العرب ؛ أما بعد ؛ فإن الملكة
التى كانت قبلى، أقامتك مقام الرّخّ، وأقامت نفسها مقام البَيْدق، فحملتْ

٣٠٨
سنة ١٨٧
إليك من أموالها ما كنت حقيقًا بحمل أمثالها إليها ؛ لكن ذاك ضعف النساء
وحمقهنّ ؛ فإذا قرأت كتابى فارُدْد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك
بما يقع به المصادرة لك ، وإلا فالسيف بيننا وبينك .
قال: فلما قرأ الرّشيد الكتاب، استفزّه الغضب حتى لم يمكن أحداً أن ينظر
إليه دون أن يخاطبه ؛ وتفرّق جلساؤه خوفًا من زيادة قول أو فعل يكون
منهم ؛ واستعجم الرأى على الوزير من أن يشير عليه أو يتركه يستبدّ برأيه
دونتَه ، فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب :
٦٩٦/٣
بسم الله الرحمن الرحيم . من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم؛
قد قرأت كتابك يابن الكافرة ، والجواب ما تراه دون أن تسمعه. والسلام .
ثم شخص من يومه، وسار حتى أناخ بباب هِرَ قْلَة، ففتح وغنيم، واصطفى
وأفاد ، وخرّب وحرّق ، واصطلم . فطلب نقفور الموادعة على خراج يؤدّيه
فى كلّ سنة، فأجابه إلى ذلك ، فلما رجع من غزوته ، وصار بالرّقة نقض
نقفور العهد ، وخان الميثاق . وكان البرد شديداً ، فيئس نقفور من رَجْعته
إليه ، وجاء الخبر بارتداده عما أخذ عليه ؛ فما تهيأ لأحد إخباره بذلك إشفاقًا
عليه وعلى أنفسهم من الكرّة فى مثل تلك الأيام ، فاحتيل له بشاعر من أهل
خُرّة(١) يكنى أبا محمد عبدالله بن يوسف- ويقال: هو الحجاج بن يوسف
التيمىّ ، فقال :
دائرةُ الْبَوارِ تَدورُ(٢)
وعلیه
نَفَضَ الذِى أَعْطَيْتَهُ نِقْفُورُ
غُنْمٌ أَتَاكَ بهِ الإِلهُ كبيرُ
أَبْشِرْ أَميرَ المؤمنين فإنه
بالنَّقْضِ عَنْهُ وافِدٌ وَبَشيرُ
فلقَدْ تَبَاشَرَتِ الرَّعيَّةِ أَنْ أَتِى
تشفى النفوسَ مكانُها مَذْكورُ
وَرَجَتْ بِمِينَكَ أَنْ تعجّلَ غَزْوَةً
حَذَرَ الصَّوارِمِ والرَّدَى مَحْذورُ
أَعْطاكَ جِزْيَتَهُ وطأُطأَ خَدَّهُ
(١) ط: ((جنده))، وما أثبته من ا.
(٢) بعده فى ابن الأثير:
فتح يزيد على الفتوح یؤُمُّنا
بالنَّصْرِ فيه لواؤك المنصور

٣٠٩
سنة ١٨٧
فأَجرْتَه مِن وَفْعها وكأَنَّها (١)
وَصَرَفْتَ بالطَّلِ العساكِرِ قافِلا(٣)
نِقْفُورُ إِنَّك حينَ تَغْدِرُ إِنْ نَأَى
أَظننْت حين غَدَرْتَ أَنكَ مُفْلتٌ (٤)
أَلْقاكَ حَيْنُك فى زواجِرٍ بَحْرِهِ
إِنَّ الإِمامَ على اقْتِساركَ قادِرٌ
ليسَ الإِمامِ وَإِنْ غَفَلنا غافِلا
مَلِكُ تجَرَّد للجِهَادِ بِنَفسِهِ
يا مَنْ يُريدُ رضَا الإِلْهِ بِسَعْيْهِ
لا نُصْحِ يَنْفَعُ مَنْ يَغُشُّ إِمامَهُ
نصحُ الإِمامِ على الأَنامِ فَرِيضَةٌ
بأَكفِّنا شُعَلُ الضُّرَامِ تَطِيرُ (٢)
عنْهُ وَجَارُك آمِنٌ مَسْرورُ
عنكَ الإِمامُ لِهَادِى مَغْرُورُ
هبلَتْكَ أُمكَ ما ظنَنْتَ غُرور!
فَطَمَتْ عليكَ مِنَ الإِمامِ بُحورُ
قَرُبَتْ دِيارُكَ أَمْ نأَتْ بكَ دُورُ
عمَّا يَسوسُ بِحَزْوِهِ ويُديرُ
فَعَدُوُّهُ أَبَدًا بِهِ مَقْهورُ
والله لا يَخفَى عليْهِ ضَمِيرُ
والنصْحُ مِنْ نصَحائِهِ مشكورُ
وَلأَهلِها كَفَّارَةٌ وَطَهورُ
٦٩٧/٣
وفى ذلك يقول إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية :
إِمامَ الهُدَى أَصْبَحْتَ بالدِّينِ مَعْنِيًّا
لك اسْمانِ شُقًّا مِنْ رَشَادٍ وَمِنْ هُدِّى
إِذا ماسَخِطْتَ الثَّىءَ كانَ مُسَخَّطًا
بَسَطتَ لنا شَرْقاً وَغَرْباً بَدَالعُلا
ووثَّيتَ وجْهُ الأَرْضِ بالجُودِ والنَّدَى
قَضَى اللهُأَنْ يَصْفُو لهارونَ مُلكُهُ ٥)
تحَلَّبَتِ الدنيا لهارونَ بالرِّضا
وأَصَبَحتَ تسْقِى كلَّ مُسْتمطِرِ رِيًّا
فأَنْتَ الذِى تدعى رَشيدًا ومَهْدِيًّا
وإِنْتَرْضَ شيئاً كانَ فى الناسمَرْضِيًا
فَأَوْسَعْتَ شَرقِيًّا وَأَوْسعْتَ غَرْبِيًّا
فَأَصبح وجْهُ الأَرْضِ بالجودِ مَوْشيًا
وكَانَ قَضاءُ اللهِ فى الخَلقِ مَقضِيًا
فَأَصْبَحَ نِقْفُورٌ لهارونَ ذِمّيًا
٦٩٨/٣
(١) ج: ((وكأنما)).
(٣) ج: ((فصرفت)).
(٥) س: ((أن يبتنى هارون)).
(٢) ج: ((تدور)).
(٤) س: ((حين غدوت)).

٣١٠
سنة ١٨٧
وقال التیمیّ :
لمَّا رَأَتْهُ بِغِيلِ الليثِ قَدْ عَبثا
لَجَّتْ بِنِقْفورَ أَسبابُ الرَّدَى عَبثًا
إِنْ فاتَ أَنيابَهُ والمِخْلَبَ الشَِّئا
ومِنْ يَزُرْ غِيلَهُ لا يَخْلُ مِنْ فَزَع.
حَوْبائِهِ ، لا على أَعدائِهِ نكثَا
خانَ العُهودَ وَمَنْ يَنْكُثْ بِها فِعَلَى
أَذاقَهُ ثُمَرَ الحِلْمِ الذى وَرِثًا
كانَ الإِمامُ الذِى تُرْجَى فواضِلهُ
أَزواجُهُ مَرِهاً يَبْكِينَهُ شعِثًا
فرَدّ أُلفَتْهُ مِنْ بَعدِ أَنْ عَطَفتْ
فلما فرغ من إنشاده ، قال: أوَ قد فعل نقفور ذلك! وعلم أن الوزراء قد
احتالوا له فى ذلك ، فكرّ راجعًا فى أشدّ محنة وأغلظ كلفة، حتى أناخ بفنائه ،
فلم يبرح حتى رضى وبلغ ما أراد ، فقال أبو العتاهية :
مِنَ المَلِكِ المُوَفَّقِ بِالصَوَابِ
أَلا نادَتْ هِرَقِلَةُ بالخَرَابِ
القِضابِ
ويَبْرُقُ بِالمُذَكَّرَةِ
غدا هارونُ يَرْعُدُ بالمنايا
تَمُرّ كأَنَّهَا قِطَعُ السَّحابِ
وَرَاياتٍ يَحِلّ النَّصْرُ فيها
٦٩٩/٣
بالغنيمَةِ وَالإِيابِ
وأبشرْ
أَميرَ المؤمنينَ ظفِرتَ فاسلَمْ
[ خبر مقتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك ]
وفيها قُتل - فى قول الواقدىّ- إبراهيم بن عثمان بن نَهيك . وأما غير
الواقدىّ ؛ فإنه قال : فى سنة ثمان وثمانين ومائة .
ذكر الخبر عن سبب مقتله :
ذُكر عن صالح الأعمى - وكان فى ناحية إبراهيم بن عثمان بن نَهيك -
قال : كان إبراهيم بن عثمان كثيراً ما يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة ، فيبكى
جزءًا عليهم، وحبًّاً لهم، إلى أن خرج من حدّ البكاء، ودخل فى باب طالبى
الثأر والإحمن ، فكان إذا خلا بجواريه وشرب وقوىَ عليه النبيذ ، قال : ياغلام،

٣١١
سنة ١٨٧
سيفى ذا المنيّة - وكان قد سمى سيفه ذا المنيَّة - فيجيئه غلامه بالسيف فينتضيه،
ثم يقول: واجعفراه! واسيّداه! واللّه لأقتلنّ" قاتلك، ولأثارن" بدمك عن
قليل ! فلما كثر هذا من فعله، جاء ابنه عُثمان إلى الفضل بن الربيع ، فأخبره
بقوله ، فدخل الفضل فأخبر الرشيد ، فقال : أدخله ، فدخل ، فقال :
ما الذى قال الفضل عنك ؟ فأخبره بقول أبيه وفعله ، فقال الرشيد : فهل سمع
هذا أحدٌ معك ؟ قال : نعم خادمه نوال ، فدعا خادمه سرًّا فسأله ، فقال :
لقد قال ذاك غير مرّة ولا مرتيْن، فقال الرّشيد: ما يحلّ لى أن أقتل وليًّا من
أوليائى بقول غلام وخَصِىّ، لعلهما تواصًّا على هذه المنافسة(١) ؛ الابن على
المرتبة، ومعاداة الخادم لطول الصحبة ، فترك ذلك أياماً ، ثم أراد أن يمتحن
إبراهيم بن عثمان بمحنة تُزيل الشكّ عن قلبه ، والخاطر عن وهمه ، فدعا
الفضل بن الربيع ، فقال : إنى أريد محنةً إبراهيم بن عثمان فيما رفع ابنه
عليه ؛ فإذا رُفع الطعام فادع بالشراب ، وقل له : أجب أميرَ المؤمنين
فينادمك؛ إذْ كنت منه بالمحلّ الذى أنت به، فإذا شرب فاخرج وخلِّنِى
وإياه ، ففعل ذلك الفضل بن الربيع ؛ وقعد إبراهيم للشراب ، ثم وثب حين
وثب الفضل بن الربيع للقيام، فقال له الرشيد: مكانك يا إبراهيم ، فقعد، فلما
طابت نفسه ، أومأ الرّشيد إلى الغلمان فتنحّوْا عنه، ثم قال : يا إبراهيم ،
كيف أنت وموضع السرّ منك؟ قال: يا سيّدى إنما أنا كأخصّ" عبيدك، وأطوع
خدمك ، قال : إنّ فى نفسى أمراً (٢) أريد أن أودعكه ، وقد ضاق صدری
به ، وأسهرتُ به ليلى ، قال : يا سيدى إذاً لا يرجع عنى إليك أبداً، وأخفيه
عن جنبى أن يتعلمه ، ونفسى أن تذيعه . قال : ويحك! إنى ندمت على قتل
جعفر بن يحي ندامةً ما أحسن أن أصفتها ؛ فوددت أنى خرجت من مُلْكِى
وأنه كان بقى لى ؛ فما وجدت طعم النوم منذ فارقتُه، ولا لذّة العيش منذ قتلته !
قال: فلما سمعها إبراهيم أسبل دمعه (٣)، وأذرى عبرته، وقال: رحم الله
أبا الفضل، وتجاوز عنه ! والله يا سيدى لقد أخطأتَ فى قتله، وأوطئت
٧٠٠/٣
(١) ا، ج: ((بمنافسة لابن)).
(٢) بعدها فى ا، س: ((من الأمور)).
(٣) ج وابن الأثير: ((دموعه)).

٣١٢
سنة ١٨٧
العَشْوة فى أمره ! وأين يوجد فى الدنيا مثله! وقد كان منقطع القرين فى الناس
أجمعين ديناً(١) . فقال الرشيد : قم عليك لعنة الله يابن اللخناء! فقام ما يعقل
ما يطأ ، فانصرف إلى أمه، فقال: يا أمّ ، ذهبت والله نفسى ، قالت :
كلاّ إن شاء الله، وما ذاك يا بنىّ؟ قال: ذاك أنّ الرشيد امتحننى بمحنة واللّه؛
ولو كان(٢) لى ألف نفس لم أنجُ بواحدة منها. فما كان بين هذا وبين أن
دخل عليه ابنه - فضربه بسيفه حتى مات - إلا ليال قلائل .
٧٠١/٣
٠
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبيد الله بن العباس بن محمد بن علىّ .
(١) ساقطة من ا.
(٢) ج: ((ولوكانت)).

٣١٣
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
٠ ٥
[ ذكر خبر غزو إبراهيم بن جبريل الصائفة ]
فمّا كان فيها من ذلك غَزْو إبراهيم بن جبريل الصّائفة، ودخوله أرض
الروم من درب الصَّفْصاف ، فخرج للقائه نقْفور ، فورَدَ عليه من ورائه
أمرٌ صرفه عن لقائه ، فانصرف، ومرّ بقوم من المسلمين ، فجرح ثلاث
جراحات، وانهزم. وقتل من الرّوم-فيما ذكر- أربعون ألفًا وسبعمائة، وأخذ
أربعة آلاف دابة .
#
وفيها رابط القاسم بن الرشيد بدَابِق .
وحجّ بالناس فيها الرشيد ، فجعل طريقه على المدينة ، فأعطى أهلها
نصف العطاء؛ وهذه الحجّة هى آخرحَجّة حجّها الرشيد؛ فيما زعم الواقدى
وغيره .

٣١٤
ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
...
[ ذكر خبر شخوص الرشيد إلى الرىّ ]
٧٠٢/٣
فمن ذلك ما كان من شخوص هارون الرشيد أمير المؤمنين فيها إلى الرّىّ.
ذكر الخبر عن سبب شخوصه إليها وما أحدث فى خرجته تلك فى سفره :
◌ُذكر أنّ الرشيد كان استشار يحيى بن خالد فى تولية خُراسان علىّ بن
عيسى بن ماهان ، فأشار عليه ألا يفعل ، فخالفه الرّشيد فى أمره ، وولاه
إياها، فلما شَخَص علىّ بن عيسى إليها ظلم الناس، وعَسر (١) عليهم ،
وجمع مالاجليلا، ووجّه إلى هارون منها هدايا لم يُرَمثلها قطّ من الخيل والرقيق
والثياب والمسك والأموال ، فقعد هارون بالشّاسيّة على دكان مرتفع حين وصل
ما بعث به علىّ إليه، وأحضرت تلك الهدايا فعرِضْت عليه ، فعظمت فى
عينه ، وجلّ عنده قدرُها ، وإلى جانبه يحيى بن خالد ، فقال له : يا أبا علىّ؛
هذا الذى أشرْتَ علينا ألانوليه هذا الثغر، فقد خالفناك فيه ، فكان فى خلافك
البركة - وهو كالمازح معه إذ ذاك - فقد ترى ما أنتج رأينا فيه ، وما كان من
رأيك ! فقال : يا أميرَ المؤمنين ، جعلنى اللّه فداك! أنا وإن كنت أحبّ أن
أصيب فى رأبى وأوفّق (٢) فى مشورتى، فأنا أحبّ من ذلك أن يكون رأى
أمير المؤمنين أعلى، وفراسته أثقب، وعلمه أكثر من علمى، ومعرفته فوق معرفی ؛
وما أحسن هذا وأكثره إن لم يكن وراءه ما يكره أمير المؤمنين ، وما أسأل الله
أن يعيذه ويُعفيه من سوء عاقبته ونتائج مكروهه، قال : وما ذاك ؟ فأعلمه ،
قال : ذاك أنى أحسب أنّ هذه الهدايا ما اجتمعتْ له حتى ظلم فيها الأشراف ،
أخذ (٣) أكثرها ظلمًا وتعدّيًا؛ ولو أمرنى أمير المؤمنين لأتيته بضعفها الساعة
من بعض تجار الكرْخ، قال : وكيف ذاك ؟ قال : قد ساومْنا عونًاً
٧٠٣/٣
(١) أ، ج: ((وعسف)).
(٣) ط: ((وأخذها))، وما أثبته من ا، س.
(٢) ا: ((أوافق)).

٣١٥
سنة ١٨٩
على السّفَط الذى جاءنا به من الجوهر، وأعطيناه به سبعة آلاف ألف، فأبى
أن يبيعه ، فأبعثُ إليه الساعة بحاجتى فآمره (١) أن يردّه إلينا؛ لنعيد فيه نظرنا؛
فإذا جاء به جَحدْناه ، وربحنا سبعة آلاف ألف ، ثم كنا نفعل بتاجرين
من كبار التجار مثل ذلك . وعلى أنّ هذا أسلمُ عاقبة ، وأستر أمراً من فعل
علىّ بن عيسى فى هذه الهدايا بأصحابها ، فأجمعُ لأمير المؤمنين فى ثلاث
ساعات أكثرَ من قيمة هذه الهدايا بأهْون سعى، وأيسر أمر، وأجمل جباية ؛
ممَّاً جمع علىّ فى ثلاث سنين .
فوقرت فى نفس الرشيد وحفظها ، وأمسك عن ذكر علىّ بن عيسى عنده،
فلما عاث علىّ بن عيسى بخُراسان ووتر أشرافها ، وأخذ أموالهم ، واستخفّ
برجالهم ، كتب رجال من كبرائها ووجوهها إلى الرشيد ، وكتبتْ جماعة من
كورها إلى قراباتها وأصحابها ، تشكو سوء سيرته ، وخبْث طعمته، ورداءة
مذهبه ، وتسأل أميرَ المؤمنين أن يبدّلها به من أحبّ من كفاته وأنصاره وأبناء
دولته وقوّاده . فدعا يحيى بن خالد، فشاوره فى أمر علىّ بن عيسى وفى صرفه،
وقال له: أشر علىّ برجل ترضاه لذلك الثغر يُصلِح ما أفسد الفاسق، ويرتَّق
ما فتق . فأشار عليه بيزيد بن مَزْيد ، فلم يقبل مشورته .
و کان قیل للرشید: إن على بن عيسى قد أجمع (٢) على خلافك، فشخص
إلى الرىّ من أجل ذلك، منصرفته من مكة، فعسكر بالنّهروان لثلاث عشرة ليلة
بقيت من جمادى الأولى ، ومعه ابناه عبد اللّه المأمون والقاسم ، ثم سار إلى
الرّىّ ، فلما صار بقَرْمَاسين أشخص إليه جماعة من القضاة وغيرهم ،
وأشهدهم أنّ جميع ما له فى عسكره ذلك من الأموال والخزائن والسلاح والكُراع
وما سوى ذلك لعبد الله المأمون، وأنه ليس له فيه قليل ولا كثير . وجدّد البيعة
له على مَنْ كان معه، ووجّه هَرْئمة بن أعين صاحب حرسه إلى بغداد ،
فأعاد أخذَ البَيْعة على محمد بن هارون الرشيد وعلى مَنْ بحضرته لعبد الله
والقاسم ، وجعل أمر القاسم فى خلعه وإقراره إلى عبد اللّه؛ إذا أفضت الخلاة
٧٠٤/٣
(١) كذا فى ا، وهو الصواب، وفى ط: ((يأمره)).
(٢) ج: ((اجتمع)).

٣١٦
سنة ١٨٩
إليه . ثم مضى الرشيد عند انصراف هرئمة إليه إلى الرىّ، فأقام بها نحواً من
أربعة أشهر ؛ حتى قدم عليه علىّ بن عيسى من خراسان بالأموال واهدايا
والطُّرف، من المتاع (١) والمسك والجوهر وآنية الذهب والفضة والسلاح والدواب،
وأهدى بعد ذلك إلى جميع مَنْ كان معه من ولده وأهل بيته وكتابه وخدمه
وقوّاده على قَدْر طبقاتهم ومراتبهم ، ورأى منه خلاف ما كان ظنّ به
وغير ما كان يقال فيه . فرضى عنه ، وردّه إلى خراسان ، وخرج وهو مشبّع
له ؛ فذكر أن البيعة أخذت للمأمون والقاسم بولاية العهد بعد أخويه محمد
وعبد الله، وُجِّىَ المؤتمن حينَ وجّه هارون هرثمة لذلك بمدينة السلام(٢) يوم
السبت لإحدى عشرة ليلة خلتْ من رجب من هذه السنة ، فقال الحسن بن
هانئ فى ذلك :
وفَضّلَ هاروناً على الخُلفَاءِ
تبارَكَ مَنْ سَاسَ الأُمورَ بِعِلْمِهِ
وَمَا سَاسَ دنيانا أَبو الأُمناءِ
٧٠٥/٣ نزالُ بِخَيْرٍ ما انطَويْنا على التُّقَّى
وفى هذه السنة - حين صار الرّشيد إلى الرىّ- بعث حسينًا الخادم إلى
طَبْرِستان ، فكتب له ثلاثة كتب ؛ من ذلك كتاب فيه أمان لشَرْوين
أبى قارن، والآخر فيه أمان لونْداهرمز، جدّ مازيار، والثالث فيه أمان المرزبان
ابن جستان، صاحب الدَّيْلِم . فقدِمِ عليه صاحبُ الدَّيْلم، فوهب له و کساه
وردّه. وقدم عليه سعيد الخرشىّ بأربعمائة بطل من طبرستان، فأسلموا على
يد الرشيد ، وقدم ونداهرمز، وقبل الأمان، وضمن السمع والطاعة وأداء الخراج ،
وضمن على شَرْوين مثل ذلك ؛ فقبل ذلك منه الرشيد وصرفه، ووجَّه معه هرثمة
فأخذ ابنه وابن شَرْوين رهينة. وقدم عليه الرَّىّ أيضًا خزيمة بن خازم، وكان
والى إرمينية ، فأهدى هدايا كثيرة .
وفى هذه السنة ولّ هارون عبد اللّه بن مالك طبرستان والرىّ والرُّويان
(١) ج: ((والمتاع)).
(٢) س: ((إلى مدينة السلام)).

٣١٧
سنة ١٨٩
ودُنْباوند وقُومِس وهَمَذَان . وقال أبو العتاهية فى خَرْجة هارون هذه -
وكان هارون وُلد بالرىّ:
حَنَّ به البِرُّ إِلى مَوْلِدْ
إِنَّ أَمينَ اللهِ فى خلْقِهِ
وَيُمْطِرَ الخَيْرَ بِهِا مِنْ يَدِهْ
لُيُصْلِحَ الرَّىَّ وَأَقطارَها
وولى هارون فى طريقه محمد بن الجنيد الطريقَ ما بين همذان والرىّ ، ٧٠٦/٣
وولّى عيسى بن جعفر بن سليمان مُمَان، فقطع البحر من ناحية جزيرة ابن
كاوان ، فافتتح حصنًا بها وحاصر آخر ، فهجم عليه ابن مخلد الأزدىّ
وهو غارٌّ ، فأسره وحَمَله إلى مُمان فى ذى الحجة، وانصرف الرَّشيد بعد
ارتحال علىّ بن عيسى إلى خُراسان عن الرّىّ بأيام، فأدركه الأضحى بقصر
اللُّصُوص ؛ فضحتى بها ، ودخل مدينة السلام يوم الاثنين، لليلتين بقيتا من
ذى الحجّة ، فلما مرّ بالجسر أمر بإحراق جُنّة جعفر بن يحيى، وطوى بغداد
ولم ينزلها ، ومضى من فَوْره متوجّهًا إلى الرّقة، فنزل السَّيْلحين.
...
وذُكِرٍ عن بعض قوّاد الرشيد أنّ الرشيد قال لما ورد بغداد: والله إنّى
لأطوى مدينةً ما وُضِعَتْ بشرق ولا غرب مدينة أيمن ولا أيسر منها ؛ وإنها
الوطنى ووطن آبائى، ودار مملكة بنى العباس ما بقُوا وحافظوا عليها ؛ وما رأى
أحدٌ من آبائى سوءاً ولا نكبة منها ، ولا سيء بها أحد منهم قط، ولنعم الدّار
هى ! ولكنّى أريد المناخ على ناحية أهل الشقاق والنفاق والبغض لأئمة الهدى
والحبّ لشجرة اللعنة - بنى أمية - مع ما فيها من المارقة والمتلصّصة ومخيفى
السبيل ؛ ولولا ذلك ما فارقتُ بغداد ما حييت ولا خرجت عنها أبداً .
وقال العباس بن الأحنف فی طی الرشيد بغداد :
رِقُ بَيْنَ المناخ والارْتحال
ما أَنخنا حتى ارْتَحَلنا فما نَفْـ
بالسؤال
فَقَردًّا وَدَاعَهُمْ
ساءلونًا عن حالِنا إِذْ قَدِمْنَا

٣١٨
٧٠٧/٣
سنة ١٨٩
وفى هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والرّوم، فلم يبق بأرض الروم(١)
مسلم إلا فودى به - فيما ذكر - فقال مروان بن أبى حفصة فى ذلك :
محابِسُ ما فيها حَمِيمٌ يَزورُها
وفُكَّتْبِكَالأَسرَى التى ◌ُّدَتْ لها
وقالوا : سُجُونُ المُشرِ كينَقبورُها
على حِين أَعيًا المسلمينَ فِکاكُها
ورابطَ فيها القاسم بدَابِقِ .
وحجّ بالناس فيها العباس بن موسى بن عيسى بن موسى .
(١) ج: ((فى أرض)).

٣١٩
ثم دخلت سنة تسعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
#
[ ذكر خبر ظهور خلاف رافع بن ليث]
فمنْ ذلك ما كان من ظهور رافع بن ليث بن نصربن سيّار بسَمرْقَند ،
مخالفًا لهارون وخلعه إياه ، ونزعه يده من طاعنه .
* ذكر الخبر عن سبب ذلك :
وكان سبب ذلك - فيما ذكر لنا - أنّ يحيى بن الأشعث بن يحيى الطائى"
تزوّج ابنة لعمّه أبى النعمان ، وكانت ذاتَ يسار(١)، فأقام بمدينة السلام،
وتركها بسَمَرْقَنْد، فلما طال مقامه بها، وبلغها أنه قد اتخذ أمهات أولاد،
التمست سببًا للتخلص منه ، فعىّ عليها ، وبلغ رافعًا خبرُها ، فطمع فيها
وفى مالها، فدس إليها مَنّ قال لها: إنه لا سبيل لها إلى التخلص من صاحبها؛
إلا أن تشرك بالله ، وتحضر لذلك قوماً عدولا ، وتکشف شعرها بین أیدیھم،
ثم تتوبُ فتحلّ للأزواج؛ ففعلت ذلك وتزّوجها رافع . وبلغ الخبر يحيى بن
الأشعث ، فرُفع ذلك إلى الرّشيد ، فكتب إلى علىّ بن عيسى يأمره أن يفرّق
بينهما ، وأن يعاقب رافعًا ويجلده الحدّ ، ويقيّده ويطوف به فى مدينة
سَمَرْ قند مقيّداً على حمار؛ حتى يكون عظةً لغيره . فدراً سليمان بن حميد
الأزدی عنه الحدّ، وحمله على حمار مقيداً حتى طلقها ، ثم حبسه فى سجن
سَمَرْقنْد ، فهرب من الحبْس ليلاً من عند حُميد بن المسيح - وهو يومئذ
على شُرَطَ تَمَرْقند - فلحق بعلىّ بن عيسى ببلْخ، فطلب الأمان فلم يجبه
علىّ إليه، وهمّ بضرب عنقه، فكلّمه فيه ابنه عيسى بن علىّ ، وجدّد طلاق
المرأة ، وأذن له فى الانصراف إلى سَمَرْقند، فانصرف إليها ، فوثب بسليمان
ابن حميد؛ عامل علىّ بن عيسى فقتله . فوجّه علىّ بن عيسى إليه ابنه ،
٧٠٨/٣
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((لسان)).

٣٢٠
سنة ١٩٠
فمال الناس إلى سباع بن مسعدة ، فرأسوه عليهم ، فوثب على رافع فقيّده ،
فوثبوا على سباع ، فقيّدُوُه ورأسوا رافعًا وبايعوه، وطابقه مَنْ وراء النهر،
ووافاه عيسى بن علىّ، فلقيه رافع فهزمه ، فأخذ علىّ بن عيسى فى فَرْض
الرجال والتأهب للحرب .
٥٠
وفى هذه السنة غزا الرشيد الصائفة ، واستخلف ابنه عبد الله المأمون بالرّقة
٧٠٩/٣
وفوّض إليه الأمور، وكتب إلى الآفاق بالسّمْع له والطاعة ، ودفع إليه خاتم
المنصور يتيمّن به؛ وهو خاتم الخاصّة، نقشه: ((الله ثقتى آمنت به)).
وفيها أسلم الفضل بن سهل على يدِ المأمون .
وفيها خرجت الروم إلى عين زَرْبة وكنيسة السّوْداء ، فأغارت وأسرت ،
فاستنقذ أهل المصيصة ما كان فى أيديهم .
٠ ٠
[ فتح الرشيد هرقلة]
وفيها فتح الرشيد هرقلة ، وبثّ الجيوش والسرايا بأرض الروم ؛ وكان
دخْلها - فيما قيل - فى مائة ألف وخمسة وثلاثين ألف مرتزق؛ سوى الأتباع
وسوى المطوّعة وسوى من لا ديوان له ، وأناخ عبد الله بن مالك على ذى
الكلاع ووجّه داود بن عيسى بن موسى سائحًا فى أرض الروم فى سبعين ألفًا ،
وافتتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة ود بْسة، وافتتح یزید بن مخلد
الصّفْصاف وملتقوبية - وكان فتح الرشيد هرقلة فى شكَوّال - وأخربها وسبى
أهلها بعد مقام ثلاثين يومًا عليها ، وولّى حُميد بن معيوف سواحل بحر
الشأم إلى مِصْر ، فبلغِ حُميد قُبْرُس ، فهدم وحرق وسبى من أهلها (١)
ستة عشر ألفًا ، فأقدمهم الرّافقة ، فتولّى بيعهم أبو البخترىّ القاضى، فبلغ
أسقفّ قُبرس ألفي دينار .
وكان شخوص هارون إلى بلاد الروم لعشر بقين من رجب ؛ واتخذ
(١) س: ((أهل قبرس)).