النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سنة ١٧٥ بالنّصح منه وبالإِشفاقِ والحدَبِ ببیعةٍ لِولى العهد أحگَمَها المصطفى من بنى العباسِ مُنتَخَب قَدْوَكَّد الفضلُ عقدًا (١) لاانتقاضله ٦١٢/٣ قال : فلما تناهى الخبرُ إلى الرّشيد بذلك ، وبايع له أهل المشرق، بابع لمحمد ، وكتب إلى الآفاق ، فبويع له فى جميع الأمصار ، فقال أبان اللاحقى فى ذلك : بِرَأْىِ هُدِّى ، فالحمدُ لله ذِى الحمدِ عَزَمْتَ أَمير المومنين على الْرُّشْدِ . . وعزل فيها الرشيد عن خراسان العباس بن جعفر ، وولاها خاله الغطريف ابن عطاء . وفيها صار يحيى بن عبد الله بن حسن إلى الدّيْلم، فتحرّك هناك. وغزا الصائفة فيها عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ إقريطية . وقال الواقدىّ: الذى غزا الصائفة فى هذه السنة عبدالملك بن صالح ، قال : وأصابهم فى هذه الغزاة برد قَطَع أيديهم وأرجُلهم . وحج بالناس فيها هارون الرشيد . (١) س: ((عهدًا)). تاريخ الطبرى - ثامن ٢٤٢ ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من تولية الرّشيد الفضل بن يحيى كُور الجبال وطَبر ستان ودُنْباوند وقُومِس وإرمينيَة وأذْ رَبيجان . وفيها ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علىّ بن أبى طالب بالدّيلم . ٦١٣/٣ ذكر الخبر عن مخرج يحيى بن عبد الله وما كان من أمره ذكر أبو حفص الكرمانيّ ، قال : كان أوّل خبر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علىّ بن أبى طالب أنه ظهر بالدّيْلم ، واشتدّت شوكته ، وقوىَ أمرُه، ونزع إليه الناس من الأمصار والكُور ، فاغتمّ لذلك الرّشيد ، ولم يكن فى تلك الأيام يشرب النّبيذ ، فندب إليه الفضل بن يحيى فى خمسين ألف رجل ، ومعه صناديد القوّاد، وولاه كور الجبال والرَّىّ وجُرجان وَطَبَرٍستان وقويس ودُنْبَوند والرُّويان، وحُملت معه الأموال ، ففرّق الكور على قوّاده ، فولّى المثنّى بن الحجاج بن قتيبة بن مسلم طَبَرِستان ، وولّى علىّ بن الحجاج الخُزاعىّ جُرجان ، وأمر له بخمسمائة ألف درهم ، وعسكر بالنّهرين ، وامتدحه الشعراء ، فأعطاهم فأكثر ، وتوسل إليه الناس بالشعر ، ففرَّق فيهم أموالا كثيرة . وشخص الفضلُ بن يحيى ، واستخلف منصور بن زياد بباب أمير المؤمنين ، تجرى كتبه على يديه ، وتنفذ الجوابات عنها إليه ، وكانوا يثقون بمنصور وابنه فى جميع أمورهم ؛ لقديم صحبته لهم ، وحرمته بهم . ثم مضى من معسكره ، فلم تزل كتب الرشيد تتابع إليه بالبِرّ واللَّطف والجوائز والخلّع ؛ فكاتب يحيى ورفَق به واستماله ، وناشده وحذّره ، وأشار عليه، وبسط أملَه . ونزل الفضل بطالتقان الرىّ وَدَسْتَى بموضع يقال له أشبّ؛ وكان شديدَ البرد كثير الثلوج؛ ففى ذلك يقول أبان بن عبدالحميد اللاحقى": ٦١٤/٣ ٢٤٣ سنة ١٧٦ بِ حيثُ السِّيبُ يَنعرجُ أَمْسَ بالدُولا لَدُورُ أَشَبَّ إِذا هُمُ ثَلِجُوا أَحبُّ إِلَّ مِنْ دور قال : فأقام الفضل بهذا الموضع ، وواتر کتبه على يحيى ، وكاتب صاحب الدّيْلم ، وجعل له ألف ألف درهم ؛ على أن يسهّل له خروج یحی إلى ما قبله، وحملت إليه، فأجاب يحيى إلى الصّلح والخروج على يديه، على أن يكتب له الرشيد أمانًا بخطّه على نسخة يبعث بها إليه. فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد، فسَرّه وعظُم موقعه عنده ، وكتب أمانًا ليحيى بن عبد الله ، وأشهد عليه الفقهاء والقضاة وجِلّة بنى هاشم ومشايخهم؛ منهم عبد الصمد بن علىّ والعباس ابن محمد ومحمد بن إبراهيم وموسى بن عيسى ومن أشبههم، ووجّه به مع جوائز وكرامات وهدايا ، فوجّه الفضل بذلك إليه، فقدم يحيى بن عبد الله عليه ، وورد به الفضل بغداد ، فلقيه الرّشيد بكلّ ما أحبّ ، وأمر له بمال كثير ، وأجرى له أرزاقًا سنيّة ، وأنزله منزلا سريًا بعد أن أقام فى منزل يحيى بن خالد أيامًا ، وكان يتولّى أمرَه بنفسه ، ولا يكلُ ذلك إلى غيره، وأمر الناس بإتيانه بعد انتقاله من منزل يحيي والتسليم عليه ، وبلغ الرشيد الغاية فى إكرام الفضل ؛ ففى ذلك يقول مَرْوان بن أبى حفصة : رَتَقْتَ بِها الفَتْقَ الذى بين هاشِمِ ظَفِرتَ فلا شَلَّتْ يدٌ بَرْمَكيَّةٌ فَكَفُّوا وقَالُوا لَيسَ بالمتلائم على حين أَعْيَا الراتقينَ التِئامُهُ ٦١٥/٣ من المجدِ باقٍ ذكرها فى الْمَوَاسِ فَأَصْبَحْتَ قدفازَتْ يداك بِخُطَّةٍ لكمْ كلَّما ضُمَّتْ قِداحُ المُساهِمِ وما زالَ قِدْحُ المُلكَ يَخْرُجُ فائزًا قال : وأنشدنى أبو ثمامة الخطيب لنفسه فيه : يومُ أَناخَ بهِ على خاقانِ للفضل يومُ الطَّالَقَانِ وقبلهُ فِى غَزْوَتَيْنِ تَوَالتَا يَوْمَان ما مثلُ يَوْمَيْهِ اللَّذيْنِ تَواليًا بعدَ الشَّتاتِ ، فَشَعْبُها مُتَدَان سَدَّ الثغُور وَرَدَّ ◌ُلْفَةَ هائِمٍ ٢٤٤ سنة ١٧٦ مِنْ أَنْ يُجَرَّد بينها سَيْفَان عصمَتْ حكومَتُهُ جَمَاعةَ هاشِيم عظُمَ النَّبَا وتفرّقَ الحكَمانِ تِلْكَ الْحُكومةُ لَا التى عن لَبْسها فأعطاه الفضل مائة ألف درهم ، وخلع عليه ، وتغنّى إبراهيم به . وذكر أحمد بن محمد بن جعفر (١) ، عن عبد الله بن موسى بن عبدالله بن حسن بن حسن ، قال : لما قدم يحيى بن عبد اللّه من الدّيْلم أتيتُه، وهو فى دار علىّ بن أبى طالب، فقلت: يا عمّ، ما بعدكُخْبِر ولا (٢) بعدى مخْبَر؛ فأخبرنى خبّرَك، فقال: يابن أخى، واللّه إن كنت إلاّ كما قال حُسَىّ ابن أخطب : ولكنّهُ من يَخذُلِ اللهُ يُخذَل لعمْركَ مالام ابنُ أَخْطَب نفسَهُ وقلقلَ يَبغى العِزَّ كلَّ مقلقَل لِجَاهَدَ حتى أبلغَ النفسِ حَمْدَها (٣! ٦١٦/٣ وذكر الضّبِىّ أن شيخًا من النوفليّين ، قال : دخلنا على عيسى بن جعفر ، وقد وُضعت له وسائد بعضها فوق بعض ؛ وهو قائم متكئ عليها ؛ وإذا هو يضحك من شىء فى نفسه ، متعجّبًا منه ؛ فقلنا : ما الذى يُضحك الأمير أدام الله سروره! قال: لقد دخلتى اليوم سرورٌ ما دخلنى مثله قطّ، فقلنا : تهم اللّه للأمير سروره (٤)، وزاده سروراً. فقال: والله لا أحدثكم به إلا قائمًا - واتكأ على الفرش وهو قائم - فقال: كنت اليومَ عند أمير المؤمنين الرّشيد ، فدعا بيحيى بن عبد اللّه، فأخُرِج من السجن مكبَّلاً فى الحديد ، وعنده بكَّار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير - وكان بكّار شديدَ البغض لآل أبى طالب ، وكان يبلّغ هارون عنهم ، ويسىء(٥) بأخبارهم ، وكان الرّشيد ولاه المدينة ، وأمره بالتضييق عليهم - قال : فلما دُعِىَ بيحيى قال له الرّشيد: هيه هيهْ! متضاحكًا؛ وهذا يزعم أيضًا أنا سجمناه ! فقال يحي : ما معنى يزعم ؟ ها هُو ذا لسانى - قال : وأخرج لسانه أخضر (١) ج: ((حفص)). (٣) !: ((يجاهد)). (٥) ط: ((ويشىء)). (٢) ج: ((وما)). (٤) س: ((السرور)). ٢٤٥ سنة ١٧٦ مثل السِّق - قال: فتربّد هارون! واشتدّ غضبُه، فقال يحيى: يا أميرَالمؤمنين؛ إن لنا قرابة ورحِماً، ولسنا بتُرْك ولا ديْلم، يا أمير المؤمنين؛ إنّا وأنتم أهلُ بيت واحد، فأذكِّرك اللّهَ وقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ! علام تَحْبِسى وتعذّبنى؟ قال: فرقّ له هارون، وأقبل الزّبيرىّ على الرّشيد، فقال : يا أمير المؤمنين ، لا يغرّك كلام هذا ؛ فإنه شاقٌّ عاصٍ ؛ وإنما هذا منه مكر وحُبْث ؛ إنّ هذا أفسد علينا مدينتنا ، وأظهر فيها العصيان . قال: فأقبل يحيى عليه ؛ فوالله ما استأذن أمير المؤمنين فى الكلام حتى قال: أفسد عليكم مدينتكم! ومَنْ أنتم عافاكم الله! قال الزبيرىّ: هذا كلامه قدّامك؛ فكيف إذا غاب عنك ! يقول: ومَنْ أنتم! استخفافًا بنا. قال : فأقبل عليه يحيى ، فقال: نعم، ومَنْ أنتم عافاكم الله! المدينة كانت مهاجر عبد الله ابن الزّبير أمْ مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ومَنْ أنت حتّى تقول: أفسد علينا مدينتنا ! وإنما بآبائى وآباء هذا هاجر أبوك إلى المدينة . ثم قال : يا أميرَ المؤمنين؛ إنما الناس نحن وأنتم ؛ فإن خرجنا عليكم قلنا : أكلتم وأجعتمونا وليستم وأعريتمونا ، وركبتم وأرجلتمونا ؛ فوجدنا بذلك مقالاً فيكم ، ووجدتم بخروجنا عليكم مقالا فينا ؛ فتكافأ فيه القول، ويعود أمير المؤمنين على أهله (١) بالفَضْل . يا أمير المؤمنين ، فلمّ يجترئ هذا وضرباؤه على أهل بيتك ؛ يسعى بهم عندك! إنه والله ما يَسعى (٢) بنا إليك نصيحةً منه لك؛ وإنه يأتينا فيسعى بك عندنا عن غير نصيحة منه لنا ؛ إنما يريد أن يباعد بيننا ، ويشتفى من بعض ببعض. والله يا أميرَ المؤمنين؛ لقد جاء إلىّ هذا حيث قُتِل أخى محمد بن عبد الله، فقال: لعن الله قاتله! وأنشدنى فيه مرئيةً قالها نحواً من عشرين بيتاً ، وقال: إن تحرَّكتَ فى هذا الأمر فأنا أوّل مَنْ يبايعك ، وما يمنعك أن تلحق بالبصرة ، فأيدينا مع يدك ! ٦١٧/٣ قال: فتغيّر وجه الزَّبيرىّ واسود، فأقبل عليه هارون، فقال: أيّ شيء يقول هذا ؟ قال : كاذب يا أميرَ المؤمنين ؛ ما كان ممّا قال حرف . قال :. فأقبل على يحيى بن عبد الله ، فقال : تروى القصيدةَ التى رثاه بها ؟ قال: (١) بعدها فى س: ((فيه)). (٢) س: ((سعى)). ٢٤٦ ٦١٨/٣ سنة ١٧٦ نعم يا أمير المؤمنين ، أصلحك الله! قال: فأنشدها إياه ، فقال الزّبيرىّ: والله يا أميرَ المؤمنين الذى لا إله إلا هو - حتى أتى على آخر اليمين الغّمُوس .- ما كان مما قال شىء؛ ولقد تقوّل علىّ ما لم أقل . قال: فأقبل الرّشید علی یحیی ابن عبد اللّه، فقال: قد حلَف، فهل من بينة سمعوا هذه المرئية منه ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين؛ ولكن أستحلفه بما أريد ، قال : فاستحلفْه، قال : فأقبل على الزبيرى ، فقال: قل: أنا برىء من حوْل الله وقوته موكّل إلى حولى وقوّنى، إن كنت قلتُه. فقال الزبيرىّ : يا أميرَ المؤمنين ، أىّ شىء هذا من الحلف ! أحلف له باللّه الذى لا إله إلا هو ، ويستحلفنى بشىء لا أدرى ما هو ! قال يحيى بن عبد اللّه: يا أميرَ المؤمنين ، إن كان صادقاً فما عليه أن يحلف بما أستحلفه(١) به ! فقال له هارون : احلِفْ له ويلك! قال : فقال: أنا برىء من حول اللّه وقوّته موكّل إلى حولِى وقوّتى؛ قال : فاضطرب منها وأرعِد ، فقال يا أميرَ المؤمنين ، ما أدرى أىّ شىء هذه اليمين التى يستحلفى بها ، وقد حلفت له بالله العظيم أعظم الأشياء ! قال : فقال هارون له: لتحلفن له أو لأصدّقنّ عليك ولأعاقبنَّك، قال: فقال: أنا برىء من حول الله وقوته ، موكّل إلى حولى وقوّتى إن كنت قلته . قال : فخرج من عند هارون فضربه الله بالفالج ، فمات من ساعته . قال : فقال عيسى بن جعفر: والله ما يسرّنى أن يحيى نقصه حرفًا ممّا کان جری بينهما ، ولا قصّر فى شىء من مخاطبته إياه قال : وأما الزبيريون فيزعمون أن امرأته قتلته ؛ وهى من ولد عبد الرحمن ابن عوف . وذكر إسحاق بن محمد النَّخعىّ أنّ الزبير بن هشام حدّثه عن أبيه ، أن بكّار بن عبد اللّه تزوّج امرأةً من ولد عبد الرحمن بن عوف ، وکان له من قلبها موضع ، فاتّخذ عليها جارية ، وأغارها ؛ فقالت لغلامين له زنجيّين : إنه قد أراد قتلكما هذا الفاسق- ولا طَفْتُهما(٢) _ فتعاونانى على قتله ؟ قالا: ٦١٩/٣ (١) س: ((استحلفته)). (٢) ح، س: ((ولطفتهما)). ٢٤٧ سنة ١٧٦ نعم ، فدخلتْ عليه وهو نائم ، وهما جميعًا معها ، فقعدا على وجهه حتى مات . قال : ثم إنها سقتهما نبيذاً حتى تهوّعا (١) حول الفراش ، ثم أخرجتهما ووضعت عند رأسه قنِّينة؛ فلما أصبح(٢) اجتمع أهلُه، فقالت : سكر فقاء فشرِق فمات. فأخِذ الغلامان ؛ فضُرِبا ضربًا مبرّحًا ، فأقرّا بقتله ، وأنّها أمرتهما بذلك ؛ فأخرِجت من الدار ولم تُوَرّثْ . وذكر أبو الخطاب أنّ جعفر بن يحيى بن خالد حد ◌ّثه ليلة وهو فى سمره، قال : دعا الرّشيد اليومَ بيحيى بن عبد الله بن حسن ، وقد حضره أبو البخترىّ القاضى ومحمد بن الحسن الفقيه صاحب أبى يوسف ، وأحضر الأمان الذى كان أعطاه يحيى ، فقال لمحمد بن الحسن : ما تقول فى هذا الأمان ؟ أصحيح هو ؟ قال : هو صحيح ، فحاجه فى ذلك الرشيد، فقال له محمد بن الحسن: ما تصنع بالأمان ؟ لو كان محاربًا ثم وُلِّى كان آمناً . فاحتملها الرشيد على محمد بن الحسن ، ثم سأل أبا البخترىّ أن ينظر فى الأمان، فقال أبو البخترىّ: هذا منتقض من وجه كذا وكذا ، فقال الرشيد : أنت قاضى القضاة ؛ وأنت أعلم بذلك؛ فمزّق الأمان، وتفل فيه أبو البخترىّ - وكان بكّار بن عبد الله بن مصعب حاضراً المجلس - فأقبل على يحيى بن عبد اللّه بوجْهه ، فقال: شققتَ العصا ، وفارقت الجماعة ، وخالفت كلمتنا ، وأردت خليفتنا ؛ وفعلت بنا وفعلت. فقال يحيى: ومَنْ أنتم رحمكم الله! قال جعفر: فوالله ما تمالَك الرشيد أن ضحك ضحكاً شديداً. قال: وقام يحيى ليمضى إلى الحبس ، فقال له الرّشيد : انصرف، أما تروْن به أثر علة! هذا الآن إنمات قال الناس: تَسَّوه. قال يحيى : كلاّ ما زلتُ عليلا منذ كنت فى الحبس ؛ وقبل ذلك أيضًا كنت عليلا . قال أبو الخطاب : فما مكث يحيى بعد هذا إلا شهراً حتى مات . ٦٢٠/٣ وذكر أبو يونس إسحاق بن إسمعيل ، قال : سمعتُ عبد اللّه بن العباس ابن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علىّ، الذى يعرف بالخطيب، قال : كنتُ يومًاً على باب الرّشيد أنا وأبى، وحضر ذلك اليوم من الجُنْد والقُوّاد ما لم أر مثلهم على باب خليفة قبله ولا بعده ، قال : فخرج الفضل بن الربيع (١) تهوعا ، أى تقيئا. (٢) س: ((أصبحت)). ٢٤٨ ٦٢١/٣ سنة ١٧٦ إلى أبى ، فقال له : ادخل، ومكث ساعة ثم خرج إلىّ ، فقال : ادخل ، فدخلتُ، فإذا أنا بالرّشيد معه امرأة يكلمها، فأومأ إلىّ أبى أنه لا يريد أن يدخل اليوم أحد ، فاستأذنتُ لك لكثرة مَنْ رأيتُ حضر الباب؛ فإذا دخلتَ هذا المدخل زادك ذلك نُبْلاً عند الناس . فما مكثنا إلا قليلا حتى جاء الفضل ابن الربيع ، فقال : إن عبد الله بن مصعب الزبيرىّ يستأذن فى الدخول ، فقال : إنَّى لا أريد أن أدخل اليوم أحداً، فقال : قال : إنّ عندى شيئًا أذكره(١). فقال: قل له يَقُلْه لك، قال: قد قلت له ذلك ، فزعم أنه لا يقوله إلاّ لك، قال : أدخِلْه. وخرج ليُدخله، وعادت المرأة وشغل بكلامها ، وأقبل علىّ أبى ، فقال : إنّه ليس عنده شيء يذكره ؛ وإنما أراد الفضل بهذا ليوهم مَنْ على الباب (٢) أنّ أمير المؤمنين لم يدخلنا الخاصّة خُصِصنا بها؛ وإنما أدخلنا لأمرٍ نُسأل عنه كما دخل هذا الزبيرىّ . وطلع الزّبيرىّ ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ها هنا شىء أذكره ، فقال له : قل ، فقال له : إنه سرٌّ، فقال: ما من العباس (٣) سرّ ، فنهضت ، فقال: ولا منك يا حبيبى ، فجلست، فقال: قُلْ، فقال: إنى والله قد خفت على أمير المؤمنين من امرأته وبنته وجاريته التى تنام معه ، وخادمه الذى يناوله ثيابه وأخصّ خلق الله به من قوّاده ، وأبعدهم منه . قال : فرأيتُه قد تغيّر لونه، وقال: مماذا (٤)؟ قال: جاءتنى دعوة يحيى بن عبد الله بن حسن، فعلمت أنها لم تبلغنى مع العداوة بيننا وبينهم، حتى لم يُبْقِ على بابك أحدًا إلا وقد أدخله فى الخلاف عليك . قال : فتقول له هذا فى وجهه ! قال : نعم ، قال الرشيد : أدخِلْه، فدخل ، فأعاد القول الذى قال له، فقال يحيى بن عبد الله: واللّه يا أمير المؤمنين لقد جاء بشىء لو قيل لمن هو أقلّ منك فيمن هو أكبر منى، وهو مقتدر عليه لما أفلت منه أبدًا، ولى رحيم وقرابة، فلم لا تؤخّر هذا الأمر ولا تعجّل ، فلعلك أن تكفى مؤنتى بغير يدك ولسانك ، وعسى بك أن تقطع رحِمّك من حيث لا تعلمه! أباهِلُه(٥) بين يديك وتصبر قليلا. فقال : (١) س: ((يذكر)). (٣) ج: ((من بنى العباس)). (٢) س: ((بالباب)). (٤) كذا فى ا، وهو الصواب، وفى ط: ((فإذا قال)). (٥) المباهلة : التلاعن. ٢٤٩ سنة ١٧٦ ٦٢٢/٣ يا عبد الله، قم فصلً إن رأيت ذلك، وقام يحيى فاستقبل القبلة، فصلّى ركعتين خفيفتين، وصلّى عبد اللّه ركعتين، ثم برَك يحيى، ثم قال: ابْرُك، ثم شبّك يمينَه فى يمينه ، وقال : اللهمّ إن كنت تعلم أنى دعوتُ عبد الله بن مصعب إلى الخلاف على هذا ۔۔ ووضع يده عليه ، وأشار إليه . فاسحتنى بعذاب من عندك وكلنِى إلى حوْلى وقوّتى، وإلا فكلِه إلى حَوْله وقوّته ، واسحته بعذاب من قبلك ، آمين ربّ العالمين. فقال عبد الله: آمين ربّ العالمين ، فقال يحي بن عبد الله لعبد الله بن مصعب: قل كما قلت، فقال عبدُ اللّه: اللهم" إن كنت تعلم أن يحيى بن عبد الله لم يدعُنى إلى الخلاف على هذا فكِلْى إلى حولى وقوّتى واسحتنى بعذاب من عندك ، وإلا فكله إلى حوله وقوته ، واسحته بعذاب من عندك . آمين رب العالمين ! وتفرّقًا، فأمر بيحيى فحبس فى ناحية من الدار؛ فلما خرج وخرج عبدالله ابن مصعب أقبل الرشيد على أبى ، فقال : فعلتُ به كذا وكذا ، وفعلتُ به كذا وكذا ، فعدد (١) أياديه عليه ، فكلّمه أبى بكلمتين لا يُدفع بهما عن عصفور ، خوفًا على نفسه ، وأمرنا بالانصراف فانصرفنا . فدخلت مع أبى أنزعُ عنه لباسَه من السّواد - وكان ذلك من عادتى - فبينما أنا أحلّ عنه منطقته ؛ إذ دخل عليه الغلام ، فقال : رسولُ عبد الله بن مصعب ، فقال : أدخِلْه ، فلما دخل قال له : ما وراءك (٢) ؟ قال : يقول لك مولاى، أنشدك اللّه إلاّ بلغتَ إلىّ! فقال أبى للغلام: قل له: لم أزل عند أمير المؤمنين إلى هذا الوقت ، وقد وجّهتُ إليك بعبد الله، فما أردتَ أن تلقيَه إلىّ فألقه إليه، وقال للغلام : اخرج فإنه يخرج فى أثرك ؛ وقال لى : إنّما دعانى ليستعين بى على ما جاء به من الإفك؛ فإن أعَنْتُه قطعت رحمى من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وإن خالفته سعى بى؛ وإنما يتدَرّق الناس بأولادهم ، ويتّقون بهم المكاره ؛ فاذهب إليه، فكلّ ما قال لك فليكنْ جوابك له: أُخْبِرُ أبى؛ فقد وجّهتك ٦٢٣/٣ (١) س: ((يعدد)). (٢) ج: ((وما وراءك)). ٢٥٠ سنة ١٧٦ وما آمن عليك ، وقد كان قال لى أبى حين انصرفنا - وذاك أنا احتبسنا عند الرّشيد: أما رأيتَ الغلام المعترض فى الدّار! لا والله ما صُرِفْنا حتى فرغ منه - يعنى يحيى - إنا لله وإنا إليه راجعون! وعند الله نحتسب أنفسنا . فخرجت مع الرسول ، فلما صرْتُ فى بعض الطريق وأنا مغموم بما أقدم عليه ، قلت للرسول: ويحك! ما أمْرُه ! وما أزعجه بالإرسال إلى أبى فى هذا الوقت! فقال : إنّه لما جاء من الدار ، فساعة نزل عن الدابة صاح: بطنى بطنى ! قال عبد الله بن عباس: فما حفلتُ بهذا الكلام من قول الغلام ، ولا التفت إلیه ، فلما صرنا على باب الدرب ۔۔ و کان فی درب لا منفذ له - فتح البابين ؛ فإذا النِّساء قد خرجْنَ منشوراتِ الشعور محْتزمات (١) بالحبال، يلطمن وجوههنّ وينادين بالوَيْل ، وقد مات الرجل ، فقلت : والله ما رأيتُ أمراً أعجبَ من هذا! وعطفت دابتى راجعًا أركض ركضًا لم أركض مثله قبله ولا بعده إلى هذه الغاية ، والغلمان والحشم ينتظروننى لتعلُّق قلب الشيخ بى ؛ فلما رأوْنى دخلوا يتعادَوْن ، فاستقبلنى مرعوبًا فى قميصٍ ومنديل ، ينادى : ما وراءك يا بنىّ؟ قلت : إنه قد مات، قال : الحمد لله الذى قتله وأراحك وإيّانا منه؛ فما قطع كلامه حتى ورد خادم الرّشيد يأمر أبى بالركوب وإيّاى معه . فقال أبى ونحن فى الطريق نسير: لو جاز أن يُدَّعى ليحيى نبوّة لادّعاها أهلُه ، رحمة الله عليه، وعند الله نحتسبه! ولا واللّه ما نشك فى أنه قد قتل . فمضينا حتى دخلنا على الرّشيد ؛ فلما نظر إلينا قال : يا عباس بن الحسن ، أما علمت بالخبر ؟ فقال أبى : بلى يا أمير المؤمنين ، فالحمد لله الذى صرعه بلسانه ، ووقّاء اللّه يا أمير المؤمنين قَطْع أرحامك. فقال الرشيد: الرجل واللّه سليم على ما يحبّ ، ورفع الستر، فدخل يحيى، وأنا والله أتبينُ الارتياع فى الشّيخ، فلما نظر إليه الرشيد صاح به : يا أبا محمد ، أما علمت أن الله قد قتل عدّوك الجبار! قال : الحمدُ لله الذى أبان لأمير المؤمنين كذب عدوّه علىّ، وأعفاه من قطع رحمه ، واللّه يا أميرَ المؤمنين؛ لو كان هذا الأمر مما أطلبه وأصلحُ له وأريده فكيف ولَسْتُ بطالب له ولا مُريده، ولو لم يكن الظفر به إلاّ بالاستعانة به ، (١) س: ((متحزمات)). ٦٢٤/٣ ٢٥١ سنة ١٧٦ ثم لم يبق (١) فى الدنيا غيرى وغيرك وغيره ما تقوّيت به عليك أبداً! وهذا والله من إحدى آفاتك - وأشار إلى الفضل بن الربيع - والله لو وهبتَ له عشرة آلاف درهم ، ثم طمع منّى فى زيادة تمرة لباعتَك بها . فقال: أمّا العباسىّ فلا تقل له إلا خيراً ، وأمر له فى هذا اليوم بمائة ألف دينار ، وكان حبسه بعض يوم . قال أبو يونس : كان هارون حبسه ثلاث حبسات مع هذه الحبسة ، وأوصل إليه أربعمائة ألف دينار ... [ ذكر الفتنة بين اليمانية والنزارية ] وفى هذه السنة ، هاجت العصبيّة بالشأم بين النزارية واليمانية ، ورأس النّزارية يومئذ أبو الهيذام . ذكر الخبر عن هذه الفتنة : ٦٢٥/٣ ذُكر أن هذه الفتنة هاجت بالشأم وعامل السلطان بها موسى بن عيسى ، فقتل بين النزارية واليمانية على العصبيّة من بعضهم لبعض بشرٌ كثير، فولّى الرشيدُ موسى بن يحيى بن خالد الشأم ، وضمّ إليه من القوّاد والأجناد ومشايخ الكتّاب جماعة. فلما ورد (٢) الشأم أحِلّتْ لدخوله إلى صالح بن علىّ الهاشمىّ، فأقام موسى بها حتى أصلح بين أهلها ، وسكنت الفتنة ، واستقام أمرُها ، فانتهى الخبر إلى الرّشيد بمدينة السلام ، وردّ الرّشيد الحكم فيهم إلى يحيى ، فعفا عنهم، وعمّا كان بينهم ، وأقدمهم بغداد، وفى ذلك يقول إسحاق بن حسان الخُزيمىّ : زَأَرَاتُ كلِّ خنابِسِ هَمْهَامٍ مَنْ مُبْلِغٌ يحيى ودون لقائهٍ فى لِين مُغْتَبَطٍ وَطِيبٍ مَشامٍ يا راعىَ الإِسْلامِ غيرَ مُفَرِّطٍ وَيَبِيتُ بِالرَّبَوات والأعلام تَعذَى مَشارِبِهُ وتُسْقَى شربةً ورَسَتْ مَرَاسيهِ بدار سلام حتى تَنختَخَ ضارباً بجِرَانِهِ وَشُعاعُ طَرفٍ ما يُفَتَّرُ سام فلكلّ ثَغر خارِسٌ من قلبهِ (١) ا: ((يكن)). (٢) ا: ((دخل)). ٢٥٢ سنة ١٧٦ وقال فى موسى غيرُ أبى يعقوب : راسَ وَليدهْ يُشیب قد هاجَت الشامُ هَيْجًا وُجُنُودِهْ بخيله فَصُبَّ موسى عليها ٦٢٦/٣ فَدَانَتِ الشأْمُ لمّا هو الجوادُ الذى بُدَّ كلُّ جُودٍ بجودِهْ یحی وجودُ أَعداهُ جودُ أَبيه جدوده وتَلیدِه بطارق فجادَ مُوسَى بن يحيى دٍ وَهَوَ حَشوُ مُهُودِهِ وَنَالَ موسى ذَرَى المجـ وقَصیدِهْ مَنثورِهِ خصصْتُهُ بمدیحی فاکرِم له مِنَ البرامك عودٌ بِعُودِه حووا على الشعر طُرًّا خفيفِهِ ومَدیدِهْ وفيها عزل الرشيد الغطريف بن عطاء عن خُراسان ، وولآها حمزة بن مالك بن الهيثم الخُزاعىّ ، وكان حمزة يلقب بالعروس . ٠ ٥ ٥ وفيها ولّى الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك مصر، فولاً ها عمر بن مِهران . ذکر الخبر عن سبب تولية الرشید جعفراً مصر وتولية جعفر عمر بن مهران إياها ذكر محمد بن عمر أنّ أحمد بن مهران حدّثه أنّ الرّشيد بلغه أن موسى ابن عيسى عازم على الخلْع - وكان على مصر - فقال: والله لا أعزله إلا بأخسّ مَنْ على بابى. انظروا لى رجلا، فذكر عمر بن مِهْران- وكان إذ ذاك يكتب للخيزران ، ولم يكتب لغيرها ، وكان رجلا أحوّل مشوَّه الوجه ، وكان ٦٢٧/٣ وحیدہْ أُتی نسیجَ ٢٥٣ سنة ١٧٦ لباسه لباسًا خسيسًا ، أرفعُ ثيابه طيلسانُه ، وكانت قيمته ثلاثين درهماً ، وكان يشمّر ثيابه ويقصّر أكمامه ، ويركب بغلا وعليه رَسَنٌ ولحام حديد ، ويُردف غلامه خلفه - فدعا به ، فولاه مصر؛ خراجها وضياعتها وحَرْبَها. فقال : يا أمير المؤمنين ، أتولاّها على شريطة ، قال : وما هى ؟ قال : يكون إذنى إلىّ، إذا أصلحتُ البلاد انصرفتُ . فجعل ذلك له ، فمضى إلى مصر ، واتصلت ولاية عمر بن مهران بموسى بن عيسى ؛ فكان يتوقّع قدومه ، فدخل عمر بن مهران مصرَ على بغل ، وغلامه أبو دُرّة على بغل ثقل، فقصد دار موسى بن عيسى والنّاسُ عنده ، فدخل فجلس فى أخْرَيات الناس ، فلما تفرّق أهلُ المجلس ، قال موسى بن عيسى لعمر : ألك حاجة يا شيخ ؟ قال : نعم ، أصلح الله الأمير! ثم قام بالكتب فدفعها إليه ، فقال: يقدم أبو حفص ، أبقاه الله! قال: فأنا أبو حفص ، قال : أنت عمر بن مهران ؟ قال: نعم، قال: لعن الله فرعون حين يقول: ﴿أَيْس لِى مُلْكُ مِصْرَ)(١)، ثم سلم له العمل ورحل ، فتقدّم عمر بن مهران إلى أبى دُرّة غلامه ، فقال له : لا تقبل من الهدايا إلا ما يدخل فى الجراب ، لا تقبل دَابّة ولا جارية ولا غلامًا ؛ فجعل الناس يبعثون بهداياهم ، فجعل يردّ ما كان من الألطاف ، ويقبل المال والثياب ، ويأتى بها عمر ؛ فيوقع عليها أسماء مَنْ بعث بها ، ثم وضع الجباية؛ وكان بمصر قومٌ قد اعتادوا المطْل وكَسْر الخراج ، فبدأ برجل منهم ، فلوَاه، فقال: والله لا تؤدى ما عليك من الخراج إلاّ فى بيت المال بمدينة السلام إن سلمت، قال : فأنا أؤدى ، فتحمّل عليه ، فقال : قد حلفتُ ولا أحنث ، فأشخصه مع رجلين من الجند - وكان العمّال إذ ذاك يكاتبون الخليفة - فكتب معهم إلى الرشيد : إنّ دعوت بفلان بن فلان ، وطالبته بما عليه من الخراج ؛ فلوانى واستنظرنى ، فأنظرته ثم دعوته ، فدافع ومال إلى الإلطاط (٢)، فآليت ألا يؤدِّيَه إلا فى بيت المال بمدينة السلام ، وجملة ما عليه كذا وكذا، وقد أنفذته مع فلان بن فلان وفلان بن فلان، من جند أمير المؤمنين، من قيادة فلان بن فلان ؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن یکتب ٦٢٨/٣٠ (١) سورة الزخرف ٥١ . (٢) الإلطاط : الجحود . ٢٥٤ سنة ١٧٦ إلىّ بوصوله فعل إن شاء اللّه تعالى . قال : فلم يلوه أحدٌ بشىء من الخراج، فاستأدى الخراج ، النّجم الأول والنجم الثانى ، فلما كان فى النّجم الثالث ، وقعت المطالبة والمطْل، فأحضر أهل الخراج والتّجار فطالبهم ، فدافعوه وشكوا الضِّيقة ، فأمر بإحضار تلك الهدايا التى بُعث بها إليه ، ونظر فى الأكياس وأحضر الجهبذ ؛ فوزن ما فيها وأجزاها عن أهلها ، ثم دعا بالأسفاط ، فنادى على ما فيها ، فباعها وأجزى أثمانها عن أهلها . ثم قال : يا قوم ، حفظت عليكم هدايا كم إلى وقت حاجتكم إليها ، فأدُّوا إلينا ما لنا؛ فأدوا إليه حتى أغلق مال مصر؛ فانصرف ولا يُعلم أنه أغلق مال مصر غيره، وانصرف، فخرج على بغل ، وأبو درّة على بغل - وكان إذنه إليه . وغزا الصائفةَ فى هذه السنة عبدُ الرحمن بن عبد الملك ، فافتتح حصناً. ٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة سليمان بن أبى جعفر المنصور، وحجت معه - فيما ذكر الواقدىّ - زُبيدة زوجة هارون وأخوها معها . ٦٢٩/٣ ٢٥٥ ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فممّا كان فيها من ذلك عنَزْل الرشيد - فيما ذكر - جعفر بن يحيى عن مصر وتوليته إياها إسحاق بن سليمان ، وعزْله حمزة بن مالك عن خُراسان وتوليته إياها الفضل بن يحيى ؛ إلى ما كان يليه من الأعمال من الرَّىّ وسجستان. وغزا الصائفةَ فيها عبدُ الرزاق بن عبد الحميد التَّغْلَىّ . وكان فيها - فيما ذكر الواقدىّ - ريح وظلمة وحُمرة ليلة الأحد لأربع ليال بقين من المحرّم ، ثم كانت ظلمة ليلة الأربعاء، لليلتين بقيتًا من المحرّم من هذه السنة ؛ ثم كانت ريح وظلمة شديدة يوم الجمعة لليلة خلت من صفر. وحجّ بالناس فيها هارون الرشيد . ٢٥٦ ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ٦٣٠/٣ فممّا كان فيها من ذلك وثوب الحوْفيّة بمصر ؛ من قيس وقضاعة وغيرهم بعامل الرشيد عليهم إسحاق بن سليمان، وقتالهم إياه، وتوجيه الرّشيد إليه هرثمة ابن أعيَن فى عدّة من القواد المضمومين إليه مدداً لإسحاق بن سليمان ؛ حتى أذعن أهل الحوْف ، ودخلوا فى الطاعة ، وأدّوْا ما كان عليهم من وظائف السّلطان - وكان هرثمة إذ ذاك عامِلَ الرشيد على فلسطين - فلما انقضى أمر الحوْفيَّة صرف هارون إسحاق بن سليمان عن مصر، وولآها هرثمة نحواً من شهر، ثم صرفه وولاً ها عبد الملك بن صالح . وفيها كان وثوب أهل إفريقيّة بعبدويه الأنبارىّ ومَنْ معه من الجند هنالك ، فقتِل الفضل بن رَوْح بن حاتم ، وأخرج مَن كان بها من آل المهلّب ، فوجه الرشيد إليهم هرئمة بن أعين ، فرجعوا إلى الطاعة . وقد ذكر أن عبدويه هذا لمّا غلب على إفريقيّة، وخلع السلطان، عظم شأنه وكثر تبعُهُ ، ونزع إليه الناس من النواحى، وكان وزير الرشيد يومئذيحيى بن خالد ابن برمك، فوجَّه إليه يحيى بن خالد بن برمك يقطين بن موسى ومنصور بن زيَّاد كاتبه ؛ فلم يزل يحيى بن خالد يتابع على عبدويه الكتب بالترغيب فى الطاعة والتخويف للمعصية والإعذار إليه والإطماع والعدّة حتى قبل الأمان ، وعاد إلى الطاعة وقدم بغداد ، فوفى له يحيى بما ضمن له وأحسن إليه ، وأخذ له أماناً من الرشيد ، ووصله وراً سه . ٦٣١/٣ وفى هذه السنة فوّض الرشيد أموره كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك . وفيها خرج الوليد بن طريف الشارى بالجزيرة، وحكم بها، فقتك بإبراهيم (١) ابن خازم بن خزيمة بنَصيبين ، ثم مضى منها إلى إرمينية . (١) س: ((فقتل إبراهيم)). ٢٥٧ سنة ١٧٨ [ ولاية الفضل بن يحيى على خراسان وسيرته بها ] وفيها شخص الفضل بن يحيى إلى خُراسان واليًا عليها ، فأحسنَ السِّيرة بها ، وبنى بها المساجد والرِّباطات ، وغزا ما وراء النهر ، فخرج إليه خاراخره ملك أشروسنة ؛ وكان ممتنعاً . وذكر أن الفضل بن يحيى اتّخذ بخراسان جنداً من العجم سماهم العباسية ، وجعل ولاءهم لهم، وأن عدّتهم بلغت خمسمائة ألف رجل، وأنه قدم منهم بغداد عشرون ألف رجل، فسمُّوا ببغداد الكرنبيَّة،. وخلّف الباقى منهم بخُراسان على أسمائهم ودفاترهم ؛ وفى ذلك يقول مروان بن أبى حفصة : عندَ الحروب إِذا ما تَأْفُلُ الشُّهُبُ ما الفضلُ إِلا شهاب لا أُفولَ له منَ الوراثةِ فِى أَيديهمُ سببُ حَامٍ على مُلكِ قوم عزّسَهْمُهِمُ أَمستْ یَدٌ لبنی ساقی الحجيج بها كتائبٌ لبنى العباسِ قد عَرَفَت أَثبَت خمسَ مئين فى عِدادِهِم يُقارعون عن القومِ الذين هم إِن الجوادَ ابن يحيى الفضلَ لاورٍقَ ما مرّ يوم له مُذ شدّ مِئِزَرَهُ کم غايةٍ فى الندى والبأُسِ أَحرَزَها يعطِى اللُّهَى حِينَ لا يُعطِى الجَوَادُوَلا وَلا الرِّضا والرِّضَا الله غايَتُه قَدْ فاضَ عُرْفُك حتى ما يُعادِلهُ ٦٣٢/٣ كتائبٌ ما لها فى غيرهم أَرَبُ ما أَلَّفَ الفضلُ منها العجْمُ والعَرَب من الأُلوفِ التى أَحْصَت لك الكتب أَولى بأَحمَدَ فى الفرقان إِن نُسِبوا يبقى على جُود كفَّيْهِ ولا ذهبُ إِلاّ تَمَوَّلَ أَقوام بما يَهبُ للطّالبِينَ مِدَاها دونها تَعَبُ يَنْبو إِذا سُلَّتِ الْهِنْدِيَّةُ القُصُب إِلى ◌ِوى الحَقِّ يَدْعوهُ وَلا الغَضَبُ غَيْثُ مُغِيثٌ وَلا بَحرٌ له حَدَبُ قال : وكان مروان بن أبى حفصة قد أنشد الفضلَ فى معسكره قبل خروجه إلى خراسان : تاريخ الطبري - ثامن ٢٥٨ سنة ١٧٨ تَحَدَّرَ حتى صارَ فى راحَةِ الفَضل أَلم تَرَ أَنَّ الجودَ مِنْ لِدْن آدَم. فيا لكَ مِنْ هَطْلِ ويَا لكَ مِنْ وَبْل ٦٣٣/٣ إذا ما أبو العَبّاسِ راحت سَمَاؤُهُ دَعَتُهُ بِإِسْمِ الفَضلِ فَاسْتَعْصَمَ (١) الطفل إِذا أُمُّ طِفلٍ راعَها جوعُ طِفِلِها وَإِنَّكَ مِن قَومٍ صغيرُهُمُ كَهْلُ ليحْيَا بِكَ الإِسلامُ إِنَّكَ عِزُهُ وذكر محمد بن العباس أن الفضل بن يحيى أمر له بمائة ألف درهم ، وكساه وحمله على بغلة. قال : وسمعته يقول : أصبتُ فى قَدْمتى هذه سبعمائة ألف درهم . وفيه يقول : فحَسْبِى وَلم أَظلِمْ بأَنْ أَتَخيَّرا تخَيَّرْتُ للمدحابنَ یحیبن خالدِ لِمَن ساسَ من قحطانَ أَوْمَنْ تَنَزّرا له عادَةً أَنْ يَبْسُطَ العَدْلَ والنَّدَى له وَالدٌ يَعلو سَريرًا وَمِنبَرَا لَدَى الدَّهْرِ إِلا قائدًا أَو مُومَّرا إِلى المِنِبَرِ الشرقىِّ سارَ وَلِم یزَلْ بُعَدُّ وَيَحِى البَرْمكىّ وَلَا يُرَىِ ومدحه سلْ الخاسر، فقال : تَكَنَّفَها البَرامِكَةُ الْبُحُورُ نَفِيرٌ مَا يُوازنُهُ نَفيرُ كأَنَّ الدَّهْرَ بَيْنَهُما أَسيرُ فَهِمَّتُهُ وَزِيرٌ أَوْ أَميرُ وَكَيفَ تخافُ مِن بوْسٍ بدارٍ وقَوْمٌ مِنْهُمُ الفَضْلُ بْنُ يحيى لهُ يومانِ : يَوْمِ ندَى وبأسٍ إذا ما البَرْمَكِىُّ غدًا ابنَ عَشرٍ وذكر الفضل بن إسحاق الهاشمىّ أن إبراهيم بن جبريل خرج مع الفضل ابن يحيى إلى خُراسان وهو كاره للخروج ، فأحفظ ذلك الفضلَ عليه . قال إبراهيم : فدعانى يومًا بعد ما أغفلنى حينًا ، فدخلت عليه ؛ فلما صرت بين يديْه سلمت، فما ردّ علىّ، فقلت فى نفسى: شَرّ واللّه - وكان مضطجعًا، فاستوی جالسًا - ثم قال: لیفرغ روعك يا إبراهيم، فإن قدرتى عليك تمنعنى منك ؛ قال : ثم عقد لى على سجستان ، فلما حملت خراجها ، وهبه لى ٦٣٤/٣ (١) كذا فى !، ج، وفى ط: ((فماعتصم)). ٢٥٩ سنة ١٧٨ وزادنى خمسمائة ألف درهم . قال : وكان إبراهيم على شُرَطه وحَرَسه ، فوجهه إلى كابُل ، فافتتحها وغنم غنائم كثيرة ٥ قال : وحدّثنى الفضل بن العباس بن جبريل - وكان مع عمه إبراهيم - قال : وصل إلى إبراهيم فى ذلك الوجه سبعة آلاف ألف ، وكان عنده من مال الخراج أربعة آلاف ألف درهم ، فلما قدم بغداد وبنى داره فى البغيّين استزار الفضلَ ليريه نعمته عليه، وأعدّ له الهدايا والطُّرَف وآنية الذهب والفضة، وأمر بوضع الأربعة الآلاف ألف فى ناحية من الدار . ٦٣٥/٣ قال : فلما قعد الفضل بن يحيى قدّم إليه الهدايا والطُّرَف، فأبى أن يقبل منها شيئًا، وقال له: لم آتك لأسلُبَك(١)، فقال: إنها نعمتك أيها الأمير. قال : ولك عندنا مزيد ، قال : فلم يأخذ من جميع ذلك إلا سوطًا سِجزيًا، وقال: هذا من آلة الفرسان ، فقال له: هذا المال من مال الخراج ، فقال : هولك ، فأعاد عليه ، فقال : أما لك بيت يسعه! فسوّغه ذلك، وانصرف . قال : ولما قدم الفضل بن يحيى من خُراسان خرج الرّشيد إلى بستان أبى جعفر يستقبله ، وتلقّاه بنو هاشم والناس من القوّاد والكتَّاب والأشراف، فجعل يصلُ الرجل بالألف ألف (٢) وبالخمسمائة ألف، ومدحه مروان بن أبى حفصة ، فقال : بِمَقَدمِهِ تجرى لنا الطَّيْرُ أَسْعُدا حَمِدنا الذى أَدَّى ابْنُيَحییفأَصْبَحَتْ ومَا زِلنَ حتى آبَ بالدَّمْع حُنِّدا وما هَجَعَتْ حتى رَأَتْهُ عُيونُنا بِأَرْوَعَ بَدَّ الناسَ بِأُساً وَسُوددَا لقَدْ صَبَحَتْنا خَيلُهُ وَرجالُهُ ضُحَى الصبْحِ جِلْبَابَ الدجَى فَتَعَرَّدَا(٣) نفَى عَن خُراسانَ العَدُوَّ كما نَفَى إِلَينا، وقالوا شَعْبُنا قد تبَدّدا لقَدْ راعَ مَن أَمسَى بمَرْوَ مسيرُهُ وَأَطْلَقَ بِالعَفْرِ الأُسيرَ المقَيَّدَا عَلَى حين أُلقَى قُفْلَ كلِّ ظلامَةٍ (١) كذا فى ا، وفى ط: ((إلا لأسليك))، والوجه ما أثبته. (٢) ا: ((بألف ألف)). (٣) تعرد ، أى تجرد وانكشف. ٢٦٠ سنة ١٧٨ ٦٣٦/٣ ٦٣٧/٣ وأَفْشَى بِلَا مَنْ مع العَدْلِ فيهِمُ فأَذهَبَ رَوْعاتِ المخاوفِ عنْهُمْ وَأَجْدَى على الأيتام فيهمْ بِعُرفِهِ إِذا الناسُ رَامُوا غايَةَ الفَضل فى النَّدَى سما صاعِدًا بِالفَضل يحى وخالدٌ يَلين لِمَنْ أَعطى الخَلِيفَةَ طاعَةٌ أَذَلَّتْ معَ الشّرْكِ النّفاقَ سُيوفُهُ وَشِدَّالقُوَى مِن بَيْعةِ المُصْطَفِى الذى سمىُّ النَِّىِّ الفاتحِ الخاتِم الذى أَبَحْتَ جِبِالَ الكابُلِىّ ولم تَدَعْ فَأَطْلَعَتَها خَيْلا وطِئِنَ جُموعَهُ وعادَت على ابْن البَرْمِ نَعمَاكَ بعدَما أَبَادِىَ عُرْفٍ باقِياتٍ وَعُوَّدا وَأَصْدَرَ باغِى الأَمْنِ فيهِمْ وَأَوْرَدا فكانَ مِنَ الآبَاءِ أَحْنَى وَأَعْوَدا وَفِىَ الْبِأُس أَلْفَوْها مِنَ النَّجْمِ أَبْعَدا إِلى كلِّ أَمر كانَ أَسْنَى وَأَمْجَدا ويُسْقِى دمَ العاصِى الحسامَ المهنّدَا وَكَانَتْ لأَهلِ الدّينِ عزَّا مُؤْبَّدا على فضلِهِ عَهْدَ الخليفة قُلِّدًا بِهِ اللهُ أَعطى كلَّ خَيْرِ وَسَدَّدا بِهِنَّ لِنِيرانِ الصَّلاَةِ مُوقَدا قتِيلا ومَأْسورًا وَفَلَّ مُشرِّدا تحَوَّبَ مخذولا يَرَى المَوتَ مُفردا وذكر العباس بن جرير، أن حفص بن مسلم - وهو أخو رزام بن مسلم ، مولى خالد بن عبد الله القسرىّ- حدّثه أنه قال: دخلت على الفضل بن يحيى مقدمه خُراسان، وبين يديه بِدَرٌّ تُفرّق بخواتيمها، فما فُضَّت بَدْرة منها، فقلت : وَجُودِ يدَيهِ بَخْلَ كلِّ بخيل کفی اللهُ بِالفضل بن یحی بنخالد قال : فقال لى مروان بن أبى حفصة : وددت أنّى سبقتك إلى هذا البيت ، وأن علىّ غرم عشرة آلاف درهم وغزا فيها الصّائفة معاوية بن زُفَر بن عاصم ، وغزا الشَّاتية فيها سليمان ابن راشد ، ومعه البيد بِطْريق صَقلّيّة . وحجّ بالناس فيها محمد بن إبراهيم بن محمد بن علىّ ، وكان على مكة .