النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سنة ١٧٠
التوقيع ليُخرج له كتاباً إلى الديوان ، فتدّبرُه هناك ثم تفعلُ فيه كذا وكذا .
فرجع إلى ابن دأب فأخبره ، فقال : دعْها ولا تعرض لها ، ولا تسأل عنها .
قال : فبينا موسى فى مستشرف له ببغداد ، إذْ نظر إلى ابن دأب قد أقبل ،
وليس معه إلاّ غلام واحد ! فقال لإبراهيم الحرّانى : أما ترى ابن دأب؛
ما غيَّر من حاله ، ولا تزين لنا؛ وقد بَرَرْناه بالأمس ليُرَى أثرُنا عليه! فقال
له إبراهيم : فإن أمرنى أميرُ المؤمنين عرضت له بشىء من هذا ؛ قال : لا،
هو أعلم بأمره ؛ ودخل ابن دأب ، فأخذ فى حديثه إلى أن عرّض له موسى
بشىء من أمره، فقال : أرى ثوبك غسيلا، وهذا شتاء يحتاج فيه إلى الجديد
الليّن، فقال: يا أميرَ المؤمنين، باعى قصير عمّا أحتاج (١) إليه، قال: وكيف
وقد صرفنا إليك من برّنا ما ظننا أن فيه صلاح شأنك! قال : ما وصل إلىّ
ولا قبضتُه ، فدعا صاحب بيت مال الخاصة، فقال: عجِّل له (٢) الساعة
ثلاثين ألف دينار ، فأحضرتْ وحُمِلت بين يدْبه .
٥٩٠/٣
وذكر علىّ بن محمد، أنّ أباه حدّثه عن علىّ بن يقطين، قال: إنى لعند
موسى ليلة مع جماعة من أصحابه ؛ إذ أتاه خادم فسارَّه بشىء ، فنهض
سريعاً(٣)، وقال: لا تبرحُوا، ومضى فأبطأ، ثم جاء وهو يتنفَّس ، فألقى
بنفسه على فراشه يتنفّس ساعة حتى استراح ، ومعه خادم يحمل طبقًا مغطَّى
بمنديل ، فقام بين يديه ، فأقبل يُرعَد ، فعجبنا من ذلك . ثم جلس وقال
للخادمِ : ضَعْ ما معك ، فوضع الطَّبَق ، وقال : ارفع المِنْديل ، فرفعه فإذا
فى الطَّبق رأساً جاريتين ؛ لم أر واللّه أحسن من وجوههما قطّ ولا من شعورهما ،
وإذا على رءوسهما الجوهر منظوم على الشعر، وإذا رائحة طيّبة تفوح، فأعظمنا
ذلك ، فقال : أتدرون ما شأنهما ؟ قلنا : لا ، قال : بلغنا أنهما تتحاّبان
قد اجتمعتَاً على الفاحشة، فوكلتُ هذا الخادم بهما يُنهى إلىّ أخبارهما، فجاءنى
فأخبرنى أنهما قد اجتمعتما ، فجئت فوجدتهما فى لحافٍ واحد على الفاحشة
(١) س: ((يحتاج)).
. (٢) س: ((إليه)).
(٣) س: ((مسرعاً)).

٢٢٢
سنة ١٧٠
فقتلتهما ، ثم قال : يا غلامُ ، ارفع الرأسين (١) قال : ثم رجع فى حديثه
كأن لم يصنع شيئًا .
٥٩١/٢
وذكر أبو العباس بن أبى مالك اليمامىّ أنّ عبد الله بن محمد البواب ، قال:
كنت أحجب الهادى خليفةً الفضل بن الربيع ، قال : فإنه ذات يوم جالسٌ
وأنا فى داره ، وقد تغدّى ودعا بالنبيذ ، وقد كان قبل ذلك دخل على أمه
الخيزران ، فسألته أن يولّىَ خاله الغطريف اليمن ، فقال : أذكِرِينى به قبل
أن أشرب، قال: فلما عزم على الشرب وجّهَتْ إليه منيرةَ أو زهرةَ - تذكِرِهِ،
فقال : ارجعى فقولى : اختارى له طلاق ابنته عُبيدة أو ولاية اليمن ، فلم
تفهم إلا قوله: ((اختارى له)) فمرّت، فقالت: قد اخترتُ له ولاية اليمن، فطلّق
ابنتَه عُبيدة ، فسمِع الصياح ، فقال: ما لكم ؟ فأعلمْته الخبر ، فقال :
أنت اخترت له، فقالت: ما هكذا أدَّيَتْ إلى الرسالة عنك . قال : فأمر
صالحاً صاحب المصلى أن يقف بالسيف على رءوس الندماء ليطلقوا نساءهم ،
فخرج إلىّ بذلك الخدم ليعلمونى ألا" آذن لأحد . قال : وعلى الباب رجل
واقف متلفع بطيلسانه ، يراوح بين قدميه(٢)، فعنّ لى بيتان، فأنشدتهما
وهما :
على مريمٍ، لا يُبْعِدِ اللهُ مَرْيِما
خليلَىَّ مِنْ سَعْدِ أَلِمَّا فَسَلِّمَا(٣)
فهلْ مِنْ نوالٍ بَعد ذاك فيُعلَما! (٤)
وقُولاً لها : هَذا الفِراقُ عَزَمْتِهِ
قال : فقال لى الرجل المتلفع بطيلسانه : فنّعلما ، فقلت: ما الفرق بين
((يعلما)) و((نعلما)) ؟ فقال: إن الشعر يصلحه معناه ويفسده معناه،
ما حاجتنا إلى أن يعلم الناس أسرارنا ! فقلت له : أنا أعلم بالشعر منك ، قال :
فلمن الشعر ؟ قلت: للأسود بن ◌ُمارة النوفلىّ ، فقال لى : فأنا هو ؛ فدنوتُ
منه فأخبرته خبرَ موسى ، واعتذرت إليه من مراجعتى إياه . قال : فصرف
دابَّته ، وقال : هذا أحقّ منزل بأن يترك(٥).
(١) س: ((ارجع بالرأسين)).
(٣) ج: ((من سعدى)).
(٥) الخبر فى الأغانى ١٤ : ١٧٢،١٧١.
(٢) الأغانى: ((رجليه)).
(٤) الأغانى: ((قبل ذاك)).

سنة ١٧٠
٢٢٣
قال مصعب الزبيرىّ : قال أبو المعافى : أنشدت العباس بن محمد مديحًا
فی موسى وهارون :
يا خَيْزِرُانُ هَناكِ ثمَّ هنَاكِ
إِنَّ العبادَ يَسوسُهُمْ إِبناك
٥٩٢/٣
قال : فقال لى : إنى أنصحك، قال المانىّ : لا تذكر أمى بخير ولا بشرّ.
وذكر أحمد بن صالح بن أبى فنن ، قال : حدثنى يوسف الصيقل
الشاعر الواسطىّ ، قال : كنا عند الهادى بجُرجان قبل الخلافة ودخوله بغداد ،
فصعد مستشرفاً له حسناً؛ فغُنَّىَ بهذا الشعر :
شُرَّعا
بالرُّدَیْىِّ
هــ ە(١)
واسْتَقَلَّتْ رجالُهُمْ(١
فقال : كيف هذا الشعر ؟ فأنشدوه ، فقال : كنت أشتهى أن يكون
هذا الغناء فى شعر أرقَّ من هذا ، اذهبوا إلى يوسف الصيقل حتى يقول فيه ،
قال : فأتونى فأخبرُونى الخبر ، فقلت :
قَدْ تَمَنَّعا
سیدی
لا تَلُمْنى أَنَ اجزَعا
بَيْنَنَا قَدْ تَقَطَّعا
وابَلائى إِن كان ما
إِنَّ مُوسى بفضلِهِ
جَمَعَ الفَضْلَ أَجَمعا
قال: فنظر (٢) فإذا بعير أمامه(٣)، فقال: أوقروا هذا دراهم ودنانير،
واذهبوا بها إليه . فال: فأتونى بالبعير مُوقَراً (٤).
وذكر محمد بن سعد ، قال : حدثنى أبو زهير ، قال : كان ابن دأب
أحظى الناس عند الهادى ، فخرج الفضلُ بن الربيع يوماً ، فقال: إنّ
أمير المؤمنين يأمر من ببابه بالانصراف ؛ فأما أنت يابنَ دأب فادخل ، قال
ابن دأب : فدخلت عليه وهو منبطح على فراشه؛ وإن عَيْنَيْه لحمراوان من
السَّهر وشرب الليل ، فقال لى : حدثنى بحديث فى الشراب ، فقلت : نعم
(١) س: ((واستهلت رحاهم))، الأغانى: واستدارت رحالهم)).
(٢) ج: ((فنظرت)).
(٤) الخبر فى الأغانى ٢٠ : ٩٣، ٩٤
(٣) ج: ((قائم)).
١٩٣/٣

٢٢٤
سنة ١٧٠
يا أمير المؤمنين ، خرجتْ رَجْلة (١) من كنانة ينتجعون الخمر من الشأم ، فمات
أخ لأحدهم ، فجلسوا عند قبره يشربون ، فقال أحدهم :
أَسقِهِ الخمرَ وإِنْ كان قُبِرْ
لا تُصَرّدْ هَامَةً مِن شَرْبها
قاشعاً يَقْشَعُ قَشْعَ المُبْتَكَرْ (٢)
أَسقِ أَوصالاً وهاماً وصَدَّى
كُلّ ◌ُعُودٍ وفُنونِ منكَسَرْ
كان حُرَّا فهَوَی فیمن هَوَی
قال : فدعا بدواة فكتبها ، ثم كتب إلى الحرّانى بأربعين ألف درهم ،
وقال : عشرة آلاف لك ، وثلاثون ألفاً للثلاثة الأبيات . قال : فأتيت
الحرّانىّ، فقال: صالحْنا على عشرة آلاف، على أنّك تحلف لنا ألا تذكرها
لأمير المؤمنين ، فحلفت ألاّ أذكرها لأمير المؤمنين حتى يبدأنى، فمات ولم
بذكرها حتى أفضت الخلافة إلى الرشيد .
وذكر أبو د عامة أن سلم بن عمرو الخاسر مدح موسى الهادى ، فقال :
على جنباتِهِ الشَّرْبُ الرِّاءُ
بعيساباذَ حُرِّ مِن قريشٍ
إِذا ما كان خَوفٌ أَو رجاء
يَعُوذُ المُسلمونَ بِحَقْوتَيْهِ
يُشَيّدهُنَّ قَوم أَدعياءُ
وبالمَيْدانِ دُورٌ مُشْرِفات
وتأْبَاهُ الخلائقُ والرُّاءُ
وكم من قائلٍ إِنى صحيحٌ
له حسبٌ يَضَنّ به ليبقَى
وليس لِمَا يضَنُّ به بَقَاءُ
على الضَّبِىِّ لُؤْمٌ ليس يَخْفَى
يُغَطِّيهِ فَيَنْكَشِفُ الغطاءُ
٥٩٤/٣
لَعَمْرِى لَوْ أَقامَ أَبو خَدِیچ.
بِناءَ الدَّارِ ما انهَدَمَ البِناءُ
قال : وقال سَلْ الخاسر لما تولّى الهادى الخلافة بعد المهدىّ:
وَمَاتَ أَميرُ المؤمنينَ مُحَمَّدُ
لَقَدْ فَازَ مُوسَى بِالْخِلاَفَةِ وَالْهُدَى
وَقَامَ الَّذِى يكفيكَ مَنْ يُتَفَقَّدُ
فماتَ الَّذِى عَمَّ البريَّةَ فقْدُهُ
(١) رجلة : جمع راجل ؛ وهو الذى ليس له ظهر يركبه .
(٢) ج: ((المنتكر)).

٢٢٥
سنة ١٧٠
وقال أيضًا :
تَخْفَى المُلوك لموسى عندَ طلعتِهِ
وليس خَلقٌ يَرَى بدرًا وطلعتَهُ
مثلَ النُّجومِ لقَرنِ الشمسِ إِذْ طَلَعَا
مِنَ البَريَّةِ إِلَّا ذَلَّ أَو خَضَعا
وقال أيضًا :
مَا كَانَ للنَّاسِ مِنْ مَهْدِيّهِمْ خَلَفُ
لولا الخليفةُ مُوسَى بَعْدَ والِدِهِ
كأَنَّهَا من نَوَاحِى البَحْرِ تَغترفُ
أَلَا تَرَى أمّةَ الأُمّىِّ وَاردَةً
كأَنَّ نائله مِنْ جودِهِ سَرَفُ
مِنْ راحَتَىْ مَلِكِ قد عَمَّ نائلهُ
وذكر إدريس بن أبى حفصة أن مَرْوان بن أبى حفصة حدّثه ، قال :
لما ملك موسى الهادى دخلتُ عليه فأنشدته :
إِنْ خُلِّدَتْ بعد الإِمامِ مُحَمّدٍ
نَفْسِى لِمَا فَرِحَتْ بِطُولِ بَقَائِهَا
قال : ومدحت فقلت فيه :
أَبُوكَ وَقَدْ عايَنتُ مِنْ ذاك مَشْهَدا
بِسَبْعِينَ أَلفاً شدَّ ظَهْرِى وَرَاشَنِى
بأَلاَّ يُرَى شرْبِى لَدَيْكَ مُصَرَّدا(١)
وَإِنِّى أَمِيرَ المؤمنينَ لَوَائِقٌ
فلما أنشدته قال : ومَنْ يبلغ مدى المهدىّ ! ولكنا سنبلغ رضاك .
قال : وعاجلتْهُ المنيّة فلم يعطنى شيئًا، ولا أخذتُ من أحد دِرْهمًا حتى
قام الرشيد .
٥٩٥/٣
وذكر هارون بن موسى الفَرَوىّ(٢)، قال: حدّثْنى أبو غُزِّية ، عن
الضحاك بن معن السَُّمىّ ، قال : دخلت على موسى فأنشدته :
يا مَنزِلَىْ شَجْوِ الْفؤادِ تَكلَّمَا فَلَقَدْ أَرَى بِكما الرَّبَابَ وَكُلْتُما
أَبكَى لِما تَحْتَ الجوانِحِ مِنْكُمَا
ما منزلانِ على التَّقادُم والبِلى
طَلَلانِ قَدْ دَرسا فهاجَ فسَلِّمَا
رُدَّا السّلامَ على كَبير شاقَهُ
(١) شرب مصرد، أى قليل.
(٢) ط: ((القروى)) وصوابه من ا، وانظر الفهرس.

٢٢٦
سنة ١٧٠
قال : ومدحته فيها ، فلما بلغت :
سَبْطِ الأَّناملِ بالفَعَالِ أَخالُهُ أَنْ ليْسَ يَتْرُكُ فى الخزائنِ دِرْهَمَا
التفت إلى أحمد الخازن، فقال: ويحك يا أحمد ! كأنّه نظر إلينا البارحة،
قال : وكان قد أخرج تلك الليلة مالاً كثيراً ففرّقه .
وذُكِرٍ عن إسحاق الموصلىّ - أو غيره - عن إبراهيم، قال: كنّا يومًا
عند موسى ، وعندہ ابن جامع ومعاذ بن الطبيب - و کان أوّل یوم دخل علينا
مُعاذ؛ وكان مُعاذ حاذقًا بالأغانى ، عارفًا بقدِ يمها - فقال: مَنْ أطربنى
منكم فله حُكمه ؛ فغنّاه ابنُ جامع غِنَاءً فلم يحرّكه، وفهمتُ غرضه فى
الأغانى ، فقال هات يا إبراهيم ، فغنّيتُه:
سُليمَى أَجْمَعَتْ بِينَا فأَيْنَ نقُولُها أَيْنَا !
فطرب حتى قام من مجلسه ، ورفع صوته ، وقال : أعِد ، فأعدتُ ،
فقال: هذا غرضى فاحْتَكمْ، فقلت: يا أميرَ المؤمنين ، حائط عبد الملك
وعينه الخرّارة ، فدارت عيناه فى رأسه حتى صارتا كأنهما جَمْرتان، ثم قال:
يابن اللّخناء، أردت أن تُسمع العامة أنك أطربتنى وأنّ حكمتك فأقطعتك !
أما والله لولا بادرةُ جهلك التى غلبتْ على صحيح عقلك لضربتُ الذى فيه
عيناك . ثم أطرق هُنيهة (١) ، فرأيت ملتَك الموت بينى وبينه ينتظر أمره.
ثم دعا إبراهيم الحرّانىّ فقال : خذ بيد هذا الجاهل فأدخله بيت المال ، فليأخذ
منه ما شاء ، فأدخلنى الحرّانِىّ بيتَ المال ، فقال : كم تأخذ ؟ قلت: مائة
بَدْرة، قال: دعنى أوامره (٢)، قال: قلت: فثمانين، قال : حتى أوامره ،
فعملت ما أراد ، فقلت : سبعين بدرةً لى ، وثلاثين لك ، قال : الآن جئت
بالحق ، فشأنَك . فانصرفتُ بسبعمائة ألف وانصرف ملك الموت عن وجهى .
٥٩٦/٣
وذكر علىّ بن محمد، قال: حدثنى صالح بن علىّ بن عطيَّة الأضخم
عن حكم الوادىّ ، قال كان الهادى يشتهى من الغناء الوسط الذى يقل
(١) كذا فى اوفى القاموس: الهنيئة، أى شىء يسير، وصوابه ترك الهمزة.
(٢) أوامره ، أى أشاوره.

٢٢٧
سنة ١٧٠
ترجيعُه ، ولا يبلغ أن يستخفّ به جدًّا. قال : فبينا نحن ليلة عنده ، وعنده
ابنُ جامع والموصلىّ والزبير بن دَحْمان والغَنوىّ إذ دعا بثلاتٍ بُدور وأمرٌ
بهنّ فُوُضِعن فى وسط المجلس، ثم ضمَّ بعْضَهُنّ إلى بعض، وقال: مَنْ
غنائى صوتاً فى طريقى الذى أشتهيه، فهنّ له كلهنّ. قال: وكان فيه خُلُق
حسن ؛ كان إذا كره شيئًا لم يوقِّفْ عليه، وأعرض عنه. فغناه ابنُ جامع،
فأعرض عنه، وغنّى القوم كلهم؛ فأقبل يعرض حتى تغنّيت ، فوافقت ما
يشتهى ؛ فصاح: أحسنت أحسنت ! اسقونى، فشرب وطرب، فقمت فجلست
على البُدور، وعلمت أنى قد حَويتها، فحضر ابنُ جامع ، فأحسن المحضر ،
وقال: يا أميرَ المؤمنين، هو (١) واللّه كما قلتَ؛ وما منّا أحد إلا وقد ذهب
عن طريقك غيرُه ، قال : هى لك ، وشرب حتى بلغ حاجته على الصوت ،
ونهض، فقال : مُروا ثلاثة من الفرّاشين يحملونها معه، فدخل وخرجنا نمشى
فى الصحن منصرفين، فلحقنى ابنُ جامع، فقلت : جعلت فداك يا أبا القاسم!
فعلتَ ما يفعل مثلُك فى نسبك ؛ فانظر فيها بما شئت . فقال : هنأك اللّه ،
وَدَدْنا أنا زِدناك. ولحقَنا الموصلىّ، فقال: أجزنا(٢)، فقلت: ولِمَّ لمْ تحسن
محضرك! لا والله ولا درهمًاً واحداً (٣).
٥٩٧/٣
وذكر محمد بن عبد الله، قال: قال لى سعيد القارئ العلاّف - وكان
صاحبَ أبان القارئ : إنه كان عند موسى جلساؤه ، فيهم الحرّانى وسعيد
ابن سلم وغيرهما ؛ وكانت جارية لموسى تسقيهم ؛ وكانت ماجنةً ، فكانت
تقول لهذا: يا جلِفِىّ(٤)؛ وتعبث بهذا وهذا؛ ودخل يزيد بن مزيد فسمع ما تقول
لهم، فقال لها : واللّه الكبير ؛ لئن قلتٍ لى مثل ما تقولين لهم لأضربنّك ضربة
بالسيف ، فقال لها موسى : ويلك ! إنه والله يفعل ما يقول ؛ فإياك . قال :
فأمسكت عنه ولم تعابتْه قطّ. قال: وكان سعيد العلاّف وأبان القارئ
إِياضيّيْن.
(١) س: ((هذا))، الأغانى: ((أحسن)).
(٢) الأغانى: ((آخذ ياحكم من هذا؟)).
(٣) الخبر فى الأغانى ٦: ٢٨٦، ٢٨٧
(٤) قال فى اللسان: (الجلف: الجمافى فى خلقه وخلقه)).

٢٢٨
٥٩٨/٣
سنة ١٧٠
وذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود الكاتب ، قال : حدّثنی
ابن القداح ، قال : كانت للربيع جارية يقال لها أمّة العزيز، فائقة الجمال ،
ناهدة الشَّدييْن ، حسنة القوام ، فأهداها إلى المهدىّ، فلما رأى جمالها وهيئتها،
قال : هذه لموسى أصلح ، فوهيها له ؛ فكانت أحبَّ الخلق إليه ، وولدت
له بنيه الأكابر . ثم إنّ بعض أعداء الربيع قال لموسى: إنه سمع الرَّبيع
يقول : ما وضعتُ بينى وبين الأرض مثل أمّة العزيز ، فغار موسى من ذلك
غَيْرَةً شديدة، وحلف لَيَقْتُلُنّ الربيع، فلما استخلف دعا الرَّبيع فى
بعض الأيام ، فتغدَّى معه وأكرمه ، وناوله كأسًا فيها شراب عسل ؛ قال :
فقال الربيع : فعلمت أنّ نفسى فيها ، وأنَّ إن رددتُ الكأس ضَرب عنقى؛
مع ما قد علمت أن فى قلبه علىّ من دخولى على أمه ، وما بلغه عنى ، ولم
يسمع منى عذراً. فشربتها . وانصرف الرَّبيع إلى منزله ، فجمع ولده ، وقال
لهم : إنى ميِّت فى يومى هذا أو من غد ، فقال له ابنه الفضل : ولم تقول هذا
جعلت فداك! فقال: إنّ موسى سقانى شربة سمّ بيده، فأنا أجدعملها فىبدنى،
ثم أوصى بما أراد ، ومات فى يومه أو من غده . ثمّ تزوج الرشيد أمة العزيز
بعد موت موسى الهادى ، فأولدها علىّ بن الرشيد .
وزعم الفضل بن سليمان بن إسحاق الهاشمىّ أنّ الهادى لما تحوّل إلى
عيساباذ فى أوّل السنة التى ولى الخلافة فيها ، عزل الرَّبيع عما كان يتولاه من
الوزارة وديوان الرسائل ، وولَى مكانه عمر بن بزيع ، وأقرّ الربيع على الزمام ؛
فلم يزل عليه إلى أن تُوُفَّىَ الربيع، وكانت وفاته بعد ولاية الهادى بأشهر ؛
وأوذن بموته فلم يحضر جنازته، وصلى عليه هارون الرشيد؛ وهو يومئذ ولىّ عهد،
وونّى موسى مكان الربيع إبراهيم بن ذكوان الحرانىّ ، واستخلف على ما تولاه
إسماعيل بن صُبيح ، ثم عزله واستخلف يحيى بن سليم، وولّى إسماعيل زمامٍ
ديوان الشأم وما يليها .
وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، خال الفضْل بن الربيع، أنّ أباه
حدّثه ، أن موسى الهادى قال : أريد قتل الربيع ؛ فما أدرى كيف أفعل به !
فقال له سعيد بن سلم : تأمر رجلاً باتّخاذ سكين مسموم ، وتأمره بقتله ، ثم
٠٩٩/٣

٢٢٩
سنة ١٧٠
تأمر بقتل ذلك الرجل . قال : هذا الرّأى، فأمر رجلاً فجلس له فى الطريق ،
وأمره بذلك ، فخرج بعض خلفاء الربيع ، فقال له : إنّه قد أمر فيك بكذا
وكذا ، فأخذ فى غير ذلك الطريق ، فدخل منزله ، فتمارض، فمرض بعد ذلك
ثمانية أيام ؛ فمات ميتة نفسه . وكانت وفاته سنة تسع وستين ومائة؛ وهو الربيع
ابن يونس .

٢٣٠
سنة ١٧٠
خلافة هارون الرشيد
بُويع للرّشيد هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علىّ بن عبد اللهبن
العباس بالخلافة ليلة الجمعة الليلة التى تُوُفَّىَ فيها أخوه موسى الهادى. وكانت
سنّه يوم ولىَ اثنتين وعشرين سنة . وقيل كان يوم بُويع بالخلافة ابنَ إحدى
وعشرين سنة. وأمُّه أم ولد يمانية جُرَشيّة يقال لها خَيَزُران، وولد بالرّىّ
لثلاث بقِينَ من ذى الحجة سنة خمس وأربعين ومائة فى خلافة المنصور .
وأما البرامكة فإنها - فيما ذُكِرِ - تزعم أنّ الرشيد وُلِد أول يوم من المحرم سنة
تسع وأربعين ومائة ؛ وكان الفضل بن يحيى ولد قبله بسبعة أيام ، وكان مولد
الفضل لسبع بقين من ذى الحجة سنة ثمان وأربعين ومائة ، فجعلت أمّ الفضل
ظهراً للرشيد، وهى زينب بنت منير، فأرضعت الرّشيد بلبان(١) الفضل، وأرضعت
الخيزران الفضل بلِبان الرّشيد .
وذكر سليمان بن أبى شيخ أنه لمّا كان الليلة التى تُوفّىَ فيها موسى الهادى
أخرج هَرْمةُ بن أعين هارون الرشيد ليلاً فأقعده للخلافة ، فدعا هارونُ
يحي بن خالد بن برمك - وكان محبوساً ، وقد كان عزم موسى على قتله
وقَتْل هارون الرشيد فى تلك الليلة - قال : فحضر يحيى ، وتقلّد الوزارة ،
ووجّه إلى يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب فأحضره ، وأمره بإنشاء الكُتب ؛
فلما كان غداةَ تلك الليلة ، وحضر القوّاد قام يوسف بن القاسم ، فحمد الله
وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم تكلم بكلام أبلغ فيه ، وذكر
موت موسى وقيام هارون بالأمر من بعده ، وما أمر به للنّاس من الأعطيات .
وذكر أحمد بن القاسم ، أنه حدثه عمّه علىّ بن يوسف بن القاسم هذا
الحديث، فقال: حدّثَنِى يزيد الطبرىّ مولانا أنه كان حاضراً يحمل دواة أبى يوسف
ابن القاسم ، فحفِظ الكلام . قال : قال بعد الحمد لله عزّ وجلّ والصلاة على
النبيّ صلى الله عليه وسلم :
(١) فى اللسان: ((يقال: هو أخوه بلبان أمه، بكسر اللام؛ ولا يقال: بلبن أمه؛
إنما اللبن الذى يشرب من ذاقة أو شاة أو غيرهما)).
٦٠٠/٣

سنة ١٧٠
٢٣١
إن الله بمنَّه ولطفه منَّ عليكم معاشر أهل بيت نبيّه بيت الخلافة ومعدن
الرسالة ، وأتاكم أهل الطاعة من أنصار الدّوْلة وأعوان الدّعوة ، من نِعَمِه
التى لا تحصى بالعدد، ولا تنقضى مدى الأبد، وأياديه التامة، أنْ جمع أُلفتكم
وأعلى أمركم، وشدّ عَضُدكم، وأوهن عدوّكم، وأظهر كلمة الحقّ؛ وكنتم أوْلى
بها وأهلها، فأعزّكم اللّه وكان اللّه قويًا عزيزاً؛ فكنم أنصارَ دين الله المرتضى
والذابِين بسيفه المنتضَى ؛ عن أهل بيت نبيِّه صلى اللّه عليه وسلم. وبكم
استنقذهم من أيدى الظَّلمة، أئمة الجوْر، والناقضين عهد الله، والسافكين الدّمّ
الحرام ، والآكلين الفىء ، والمستأثرين به ؛ فاذكروا ما أعطاكم الله من هذه
النّعمة ، واحذروا أن تغيّروا فيغيِّربكم . وإن الله جل وعزّاستأثر بخليفتهموسى
الهادى الإمام ، فقبضه إليه، وولى بعده رشيداً مرضيًا أمير المؤمنين رءوفًا بكم
رحيمًا، من محسنكم قبولا، وعلى مسيئكم بالعفو (١) عطوفًا؛ وهو- أمتعه الله
بالنعمة وحفظ (٢) له ما استرعاه إياه من أمر الأمة، وتولاه بما تولى به أولياءه
وأهلَ طاعته- يعدُكم من نفسه الرّأفة بكم، والرحمة لكم . وقسْم أعطياتكم
فيكم عند استحقاقكم ، ويبذل لكم من الجائزة مما أفاء الله على الخلفاء مما في
بيوت الأموال ما ينوب عن رزق كذا وكذا شهراً، غير مقاصّ لكم بذلك فيما
تستقبلون من أعطياتكم، وحاملٌ باقِى ذلك؛ للدّفْع عن حريمكم، وما لعلّه
أن يحدث فى النواحى والأقطار من العُصاة المارقين إلى بيوت الأموال ؛ حتى
تعودَ الأموال إلى جمامِها وكثرتها ، والحال التى كانت عليها ؛ فاحمدوا الله
وجدّدوا شكراً يوجب لكم المزيد من إحسانه إليكم ؛ بما جدّد لكم من رأى
أمير المؤمنين، وتفضّل به عليكم، أيّده الله بطاعته. وارغبوا إلى الله له فى
البقاء ؛ ولكم به فى إدامة النعماء ، لعلكم ترحمون . وأعطُوا صَفْقة أيمانكم،
وقوموا إلى بَيْعتكم، حاطكم الله وحاط عليكم، وأصلح بكم (٣) وعلى أيديكم ،
وتولاكم ولاية عباده الصالحين
٦٠١/٣
وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق ، قال : حدثنى محمد بن هشامٍ
(١) ج: ((بالعطف)).
(٣) ج: ((لكم)).
(٢) س: ((وحفظ الله)).

٢٣٢
٦٠٢/٣
سنة ١٧٠
المخزوميّ ، قال : جاء يحيى بن خالد إلى الرّشيد وهو نائم فى لحاف بلا إزار؛
لمّا تُوفَّىَ موسى، فقال: قمْ يا أمير المؤمنين، فقال له الرّشيد: كم تروَّغنى
إعجابًا منك بخلافتى! وأنت تعلم حالى عند هذا الرجل ؛ فإنْ بلغه هذا ،
فما تكون حالى ! فقال له : هذا الحرّانىّ وزير موسى وهذا خاتمه . قال : فقعد
فى فراشه ، فقال : أشرْ علىّ، قال : فبينما هو يكلِّمِه إذ طلع رسول آخر ،
فقال: قد وُلُد لك غلام ، فقال: قد سمَّيْتُه عبد اللّه ، ثم قال ليحيى : أشر
علىّ ، فقال: أشير عليك أن تقعد لحالك على إرمينية، قال : قد فعلت ؛ ولا
والله لا صليت بعيساباذ إلاّ عليها ، ولا صلّيت الظهر إلا ببغداد؛ وإلا ورأس
أبى عصمة بين يدىّ . قال : ثم لبس ثيابه ، وخرج فصلّى عليه ، وقدَّم
أبا عصمة ، فضرب عنقه ، وشدّ جُمته فى رأس قناة ، ودخل بها بغداد ؛
وذلك أنه كان مضى هو وجعفر بن موسى الهادى راكبين . فبلغا إلى قنطرة من
قناطر عیساباذ ، فالتفت أبو عصمة إلى هارون ، فقال له : مكانك حتى يجوز
وليّ العهد ، فقال هارون : السمع والطاعة للأمير ؛ فوقف حتى جاز جعفر ؛
فكان هذا سبب قتل أبى عصمة .
قال : ولما صار الرشيد إلى كرسىّ الجسر دعا بالغوّاصين ، فقال : كان
المهدىّ وهَب لى خاتمًا شراؤه مائة ألف دينار يسمى الجبل(١)، فدخلتُ على
أخى وهو فى يدى ؛ فلما انصرفتُ لحقنى سليم الأسود على الكرسىّ ، فقال:
يأمرُك أمير المؤمنين أن تعطينى الخاتم ، فرميت به فى هذا الموضع . فغاصوا ،
فأخرجوه ، فسُرّ به غاية السرور.
قال محمد بن إسحاق الهاشمىّ : حدثنى غير واحد من أصحابنا، منهم
صبّاح بن خاقان التميمىّ ، أن موسى الهادى كان خلع الرشيد وبايع لابنه
جعفر؛ وكان عبدُ اللّه بن مالك على الشُّرَط، فلما تُوُفِّىَ الهادى هجم خزيمة
ابن خازم فى تلك الليلة ، فأخذ جعفراً من فراشه ؛ وكان خزيمة فى خمسة
آلاف من مواليه معهم السلاح، فقال: والله لأضربنَّ عنقك أو تخلّعها ،
فلما كان من الغد ، ركب الناس إلى باب جعفر ، فأتى به خزيمة ، فأقامه
(١) !: ((الحيل)).

٢٣٣
سنة ١٧٠
٦٠٣/٣
على باب الدار فى العُلوّ، والأبواب مغلقة، فأقبل جعفرينادى: يا معشر المسلمين،
منْ كانت لى فى عنقه بيعة فقد أحللتُه منها؛ والخلافة لعمّ هارون؛ ولا حقّ
لى فيها .
وكان سببُ مشى عبد الله بن مالك الخُزاعىّ إلى مكّة على اللّبود؛ لأنه كان
شاور الفقهاء فى أيْمانه التى حلف بها لبيعة جعفر، فقالوا له : كلُّ يمين لك
تخرج منها إلا المشى إلى بيت الله؛ ليس فيه حيلة. فحجّ ماشيًا. وحظىَ
خزيمة بذلك عند الرّشيد .
وذُ كر أن الرشيد كان ساخطًا على إبراهيم الحرانىّ وسلام الأبرش يوم مات
موسى ، فأمر بحبسهما وقبْض أموالهما ، فحبس إبراهيم عند يحيى بن خالد
فى دارِهِ ، فكلّم فيه محمدُ بن سليمان هارونَ، وسأله الرضا عنه وتخليةَ سبيله،
والإذن له فى الانحدار معه إلى البصرة ، فأجابه إلى ذلك .
*
وفى هذه السنة عزل الرّشيد عمرَ بن عبد العزيز العُمَرَىّ عن مدينة الرّسول
صلى الله عليه وسلم ؛ وما كان إليه من عملها، وولى ذلك إسحاق بن سليمان
ابن علىّ .
وفيها وُلد محمد بن هارون الرشيد ، وكان مولده - فيما ذكر أبو حفص
الكرمانىّ عن محمد بن يحيى بن خالد - يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلتْ
من شوال من هذه السّنّة ، وكان مولد المأمون قبله فى ليلة الجمعة النّصف من
شهر ربيع الأول .
وفيها قلَّد الرشيد يحيى بن خالد الوزارةَ ، وقال له: قد قلّدتُك أمر الرّعيّة،
وأخرجته من عنقى إليك، فاحكم فى ذلك بما ترى من الصواب، واستعملْ مَنْ
رأيتَ ، واعزل مَنْ رأيت، وأمض الأمور على ما ترى . ودفع إليه خاتمه ؛
فى ذلك يقول إبراهيم الموصلىّ:
فلمَا ولِ هارونُ أَشْرَقَ نُورُها
أَلِمْ تَرَ أَن الشَّمْس كانتْ سَقيمةً
فهارونُ وَاليها وَيَحْيِى وزيرُها
بيُمنِ أَمين اللهِ هارونَ ذى النَّدَى
٦٠٤/٣

٢٣٤
سنة ١٧٠
وكانت الخيزران هى الناظرة فى الأمور ، وکان یحیی یعرض عليها ويصدر
عن رأيها .
وفيها أمر هارون بسهْم ذوى القربى، فقسّم بين بنى هاشم بالسّوِيّة .
وفيها آمن مَنْ كان هاربًا أو مستخفيًا ، غير نفر من الزنادقة ؛ منهم
يونس بن فروة ویزید بن الفيض .
وكان ممّن ظهر من الطالببين طَبَاطَبًا؛ وهو إبراهيم بن إسماعيل، وعلىّ بن
الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن .
وفيها عزل الرّشيد الثغور كلها عن الجزيرة وقنَّسرين ، وجعلها حيّزاً واحداً
وسميت العواصم .
وفيها عمرت طَرَسُوس على يدى أبى سُليم فرَج الخادم التركىّ ونزلها الناس.
#
وحجّ بالناس فى هذه السنة هارون الرّشيد من مدينة السّلام، فأعطى أهل
الخَرَّمَيْن عطاء كثيراً، وقسم فيهم مالاً جليلاً .
٦٠٥/٣
وقد قيل: إنه حجّ فى هذه السنة وغزا فيها ، وفى ذلك يقول داود بن رَزِين :
وَقَامَ بِهِ فِى عَدْلِ سيرتِهِ النَّهْجُ
بِهارونَ لاحَ النُّورُ فى كلِّ بَلْدَةٍ
وَأَكثرُ ما يُعْنَى بِهِ الغَزْوُ وَالحَجُّ
إِمام بِذاتِ اللهِ أَصْبَحَ شُغْلُهُ
إِذا ما بَدا للنَّاسِ مَنْظَرُهُ البَلْجُ
تضيقُ عُيُونُ الناس عَن نُورٍ وجْهِهِ
يُنيلُ الذى يَرْجوهُ أَضعافَ مايَرْجو
وَإِنَّ أَمِينَ اللهِ هارونَ ذا النَّدَى (١)
وغزا الصائفة فى هذه السنة سليمان بن عبد الله البمكانىّ.
وكان العامل فيها على المدينة إسحاق بن سليمان الهاشمىّ ، وعلى مكة
والطائف عبيد الله بن قُثَم ، وعلى الكوفة موسى بن عيسى ، وخليفته عليها
ابنه العباس بن موسى ، وعلى البصرة والبحرين والفُرّض وُمان واليمامة وكُور
الأهواز وفارس محمد بن سليمان بن علىّ .
(١) س: ((بالندى)).

٢٣٥
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة
ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
فممّا كان فيها من ذلك قدوم أبى العباس الفضل بن سليمان الطوسىّ مدينةً
السلام منصرِفًا عن خُراسان ، وكان خاتمُ الخلافة حين قدم مع جعفر بن
محمد بن الأشعث ، فلما قدم أبو العباس الطوسىّ أخذه الرّشيد منه ، فدفعه
إلى أبى العباس، ثمّ لم يلبث أبو العباس إلاّ يسيرًا حتى تُوُفَّىَ. فدفع الخاتم
إلى يحي بن خالد ، فاجتمعت ليحي الوزارتان .
٦٠٦/٣
وفيها قتل هارون أبا هريرة محمد بن فرّوخ - وكان على الجزيرة - فوجّه
إليه هارون أبا حنيفة حَرْب بن قيس ، فقدم به عليه مدينة السَّلام ، فضرب
عنقه فى قصر الخُلْد .
وفيها أمر هارون بإخراج مَنْ كان فى مدينة السلام من الطالبيّين إلى
مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، خلا العباس بن الحسن بن عبد الله بن علىّ
ابن أبى طالب، وكان أبوه الحسن بن عبد الله فيمن أشخيص .
وخرج الفضل بن سعيد الحَرورىّ فقتله أبو خالد المرْوَرُّوذىّ .
وفى هذه السنة كان قدوم رَوْح بن حاتم إفريقيّة ، وخرجت فى هذه السنة
الخيزران إلى مكة فى شهر رمضان ، فأقامت بها إلى وقت الحجّ فحجّت.
وحجّ بالنَّاس فى هذه السنة عبد الصمد بن علىّ بن عبد الله بن العباس.

٢٣٦
ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك شخوص الرّشيد فيها إلى مَرْج القلعة مرتاداً بها منزلا ينزله .
• ذكر السبب فى ذلك :
٦٠٧/٣
ذكر أن الذى دعاه إلى الشخوص إليها أنه استثقل مدينة السلام ، فكان
يسميها البُخار، فخرج إلى مَرْج القلعة، فاعتلّ بها، فانصرف، وُسمّيت تلك
السفرة سَفْرة المرتاد .
وفيها عزل الرّشيد يزيد بن مزيد عن أرمينية ، وولاّها عبيد الله بن
المهدىّ .
٠
وغزا الصائفة فيها إسحاق بن سليمان بن علىّ .
وحجّ بالناس فى هذه السنة يعقوب بن أبى جعفر المنصور .
وفيها وضع هارون عن أهل السواد العُشر الذى كان يؤخذ منهم بعد
النصف .

٢٣٧
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
...
[ ذكر خبر وفاة محمد بن سلمان ]
فمن ذلك وفاة محمد بن سليمان بالبصرة، لليال بقين من جمادى الآخرة منها.
وذُكِرِ أنّه لما مات محمد بن سليمان وجَّه الرشيد إلى كلّ ما خلَّفه رجلاً أمره
باصطفائه، فأرسل إلى ما خلّف من الصّامت من قبَل صاحب بيت ماله رجلاً،
وإلى الكسوة بمثل ذلك ، وإلى الفُرُش والرّقيق والدوابّ من الخيل والإبل ،
وإلى الطيِّب والجوهر وكلّ آلة برجلٍ من قِبَل الذى يتولّ كلّ صنف من
الأصناف ، فقد موا البَصْرة ، فأخذوا جميعَ ما كان لمحمد ممّا يصلح للخلافة ،
ولم يتركوا شيئًا إلا الحُرْنِىّ (١) الذى لا يصلح للخلفاء ، وأصابوا له ستّين
ألف ألف ، فحملوها مع ما حُمِل ، فلما صارت فى السُّفْنُ أخبر الرشيد
يمكان السُّقْن التى حملت ذلك؛ فأمر أن يُدَّخل جميعُ ذلك خزائنه إلا المال ؛
فإنه أمر بصكاك فكتُبت للنُّدماء ، وكتبت للمغنّين صِكاك صغار لم تُدَرْ فى
الديوان، ثم دفع إلى كلّ رجل صَكَّاً بما رأى أن يَهب (٢) له، فأرسلوا وكلاءهم
إلى السفن ، فأخذوا المال على ما أمر لهم به فى الصِّكاك أجمع ؛ لم يدخل منه
بيتَ ماله دينار ولا درهم ، واصطفى ضياعه ؛ وفيها ضيعة يقال لها بَرَشيد
بالأهواز لها غلّة كثيرة .
٦٠٨/٣
وذكر على بن محمد ، عن أبيه ، قال : لما مات محمد بن سليمان أصيب
فى خِزانة لباسه مذ كان صبيًّا فى الكُتّاب إلى أن مات مقادير السنين ؛
فكان من ذلك ما عليه آثار النُّقْس (٣). قال: وأخرج من خزانته ما كان
يُهدَى له من بلاد السِّنْد ومُكران وكيرْمان وفارسَ والأهواز واليمامة والرّىّ
وُمان ؛ من الألطاف والأدْهان والسّمك والحبوب والجبن ، وما أشبه ذلك ،
ووجد أكثره فاسداً. وكان من ذلك خمسمائة كَنْعدة (٤) ألقيستمن دار جعفر
(١) الخرثى: أردأ المتاع.
(٣) النقش : الخبر .
(٢) ج: ((أن يجب)).
(٤) الكنعد : ضرب من السمك .

٢٣٨
سنة ١٧٣
ومحمد فى الطريق ؛ فكانت بلاءً . قال : فمكثنا حينًا لا نستطيع أن نمرّ
بالمِرْبد من نَتْنها .
[ ذكروفاة الخيزران أم الهادى والرشيد ]
وفيها تُوفِّيت الخيزران أمّ هارون الرشيد وموسى الهادئ.
ذكر الخبر عن وقت وفاتها :
٦٠٩/٣
ذكر يحيى بن الحسن أن أباه حدّثه ، قال : رأيتُ الرّشيد يوم ماتت
الخيزران ، وذلك فى سنة ثلاث وسبعين ومائة ، وعليه جُبة سعيديّة وطيلسان
خِرَقٌ أزرق، قد شُدّ به وسطُه، وهو آخذ بقائمة السرير حافياً يعدُو فى
الطين؛ حتى أتى مقابر قُريش فغسل رجليه، ثم دعا بخُفّ وصلّى عليها ،
ودخل قبرها ، فلما خرج من المقبرة وُضع له كرسىّ فجلس عليه ، ودعا
الفضل بن الربيع، فقال له: وحق المهدىّ - وكان لا يحلف بها إلا إذا اجتهد -
إنى لأهمّ لك من الليل بالشىء من التولية وغيرها ، فتمنعنى أمى فأطيع أمرها ،
فخذ الخاتم من جعفر . فقال الفضل بن الربيع لإسماعيل بن صُبَيَح : أنا أجلّ
أبا الفضل عن ذلك ؛ بأن أكتب إليه وآخذه ؛ ولكن إن رأى أن يبعث به !
قالَ وولى الفضل نفقات العامة والخاصة وبادُوريا والكوفة ، وهى خمسة
طساسيج ، فأقْبَكَتْ حاله تنمى إلى سنة سبع وثمانين ومائة .
وقيل إن وفاة محمد بن سليمان والخيزران كانت فى يوم واحد .
#
٠
وفيها أقدم الرشيد جعفر بن محمد بن الأشعث من خُراسان ، وولاّ ها ابنَه
العباس بن جعفربن محمد بن الأشعث .
وحجّ بالناس فيها هارون ؛ وذُكِرِ أنه خرج محرِمًا من مدينة السلام .

٢٣٩
ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة
ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان بالشأم من العصبيَّة فيها .
وفيها ولّى الرّشيد إسحاقَ بن سليمان الهاشمىّ السِّند ومُكران .
وفيها استقضى الرشيد يوسف بن أبى يوسف ، وأبوه حىّ .
وفيها هلك رَوْح بن حاتم .
وفيها خرج الرشيد إلى باقِرْدَى وبازَبْدَى، وبنى بباقِرْدَى قصراً ،
فقال الشاعر فى ذلك :
٦١٠/٣
وعَذْبُ يُحاكِى السلسبيلَ بَرُودُ
بِقردَى وبَازَبْدَى مَصيفهٌ ومَرْبَعٌ
فَخُرْءٌ، وأَمَا حَرّها فَشَديدُ
وبَغدادُ ، ما بَغدادُ ، أَمّا تُرابُها
وغزا الصّائفةَ عبدُ الملك بن صالح .
وحجّ بالناس فيها هارون الرشيد ، فبدأ بالمدينة ، فقسم فى أهلها مالاً
عظيمًا ، ووقع الوباء فى هذه السنة بمكة ، فأبطأ عن دخولها هارون ، ثم دخلها
يوم التَّرْوِية ، فقضى طوافه وسعيَه ولم ينزل بمكة .

٢٤٠
ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
#
[ ذكر الخبر عن البيعة للأمين ]
فمن ذلك عقْد الرشيد لابنه محمد بمدينة السلام من بعده ولاية عهد المسلمين
وأخذه له بذلك بيعة القوّاد والجند ، وتسميته إياه الأمين ، وله يومئذ خمس
سنين ، فقال سلْم الخاسر :
بَيتَ الخليفةِ لِلهِجَانِ الأَزْهَرِ
قد وفَّقَ اللهُ الخليفةَ إِذ بنى
شَهداً عليه بِمِنَظرٍ وبمخبرٍ.
فهو الخليفةُ عن أَبيه وجدِّهِ
لمحمَّدٍ بن زُبَيدَةَ ابنَةِ جعفر
قد بابعَ الثقلان فی مهْدِ الهُدى
* ذكر الخبر عن سبب بيعة الرشيد له :
وكان السبب فى ذلك - فيما ذكر رَوْح مولى الفضل بن يحيى بن خالد -
أنه رأى عيسى بن جعفر قد صار إلى الفضل بن يحيى ، فقال له : أنشدك الله
لما عملت فى البيعة لابن أختى - يعنى محمد بن زبيدة بنت جعفر بن المنصور-
فإنه ولدٌ لك وخلافته لك؛ فوعده أن يفعل ، وتوجّه الفضل على ذلك ؛ وكانت
جماعة من بنى العباس قد مدّوا أعناقهم إلى الخلافة بعد الرشيد ؛ لأنه لم يكن
له ولىّ عهد ؛ فلما بايع له ، أنكروا بيعتَه لصغر سنّه .
قال : وقد كان الفضل لما تولّى خُراسان أجمع على البيعة لمحمد ؛ فذكر
محمد بن الحسين بن مصعب أن الفضْل بن يحيى لمّا صار إلى خُراسان ، فرّق
فيهم أموالا ، وأعطى الجند أعطياتٍ متتابعات ، ثم أظهر البيعة لمحمد بن
الرشيد ؛ فبايع الناس له وسماه الأمين ، فقال فى ذلك النَّمَرىّ :
أَمَسَتْ بمروَ على التوفيقِ قدصَفَقَتْ على يدِ الفضل أَيدِى العُجْم والعربِ
٦١١/٣