النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ سنة ١٦٩ إلا نبطيًّا (١)، قال: ذاك أوكد للحجّة عليك أن يكون نَبطىّ يأمرك بتقوى اللّه . قال : فرأىَ الرّجل بعد ذلك؛ فكان يحدّث بما جرى بينه وبين المهدىّ. قال : فقال أبى : وأنا حاضره ، إلا أنى لم أسمع الكلام . وقال هارون بن ميمون الخُزاعىّ : حدّثنا أبو خزيمة البادغيسىّ ، قال : قال المهدىّ : ما توسَّل إلىَّ أحد بوسيلة ، ولا تذرّع بذريعة هى أقرب من تذكيره إياى يدًا سلفتْ منى إليه أتبعها أختها ، فأحسن ربَّها؛ لأن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل . قال : وذكر خالد بن يزيد بن وهب بن جرير، أن أباه حدّثه ، قال: كان بشار بن برد بن يَرْجُوخ هجا صالح بن داود بن طهمان - أخا يعقوب ابن داود - حين وُلِىَ البصرة ، فقال : ◌ُمُ حَمَلوا فوقَ المنابر صالحاً أَخاكَ فَضَجَّت مِنَ أَخيك المنابرُ فبلغ يعقوب بن داود هجاؤه، فدخل على المهدىّ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ؛ إنّ هذا الأعمى المشرك قد هجا أمير المؤمنين ، قال : ويلك ! وما قال ؟ قال : يعفينى أمير المؤمنين من إنشاده ذلك ، قال : فأبى عليه إلا أن ينشده ، فأنشده : يَلْعَبُ بِالدَّبُّوقِ والصَّولجَانْ(٢) خليفةٌ يَزْنِى بِعَمَّاتِهِ وَدَسَّ موسى فى حِرِ الخيزرانْ (٣) أَبْدَلَنا اللهُ بِه غيرَهُ قال : فوجّه فى حمله ، فخاف يعقوب بن داود أن يقدم على المهدى ، فيمتدحه فيعفو عنه ، فوجّه إليه من يلقيه فى البطيحة (٤) فى الحرّارة(٥). وذكر عبد الله بن عمر: حدثنى جدّى أبو الحىّ العبسى"، قال: لما دخل مَرْوان بن أبى حفصة على المهدىّ ، فأنشده شعره الذى يقول فيه : (١) ج: ((قبطيا)). (٢) الدبوق : لعبة من لعب الصبيان. (٣) الخيز ران: جارية من جوارى المهدى، وهى أم ولديه موسى وهارون. ( ٤) البطيحة : أرض واسعة بين واسط والبصرة. (٥) والخبر فى الأغانى ٣ : ٢٤٣. ٥٣٩/٣ ١٨٢ سنة ١٦٩ أَنَّى يكونُ وليس ذاك بكائنٍ لِبَنى البناتِ وراثَةُ الأَعمام (١) فأجازه بسبعين ألف درهم ، فقال مروان : بسبعين ألفاً راشَنى من حِبَائِهِ وما نالها فى الناس من شاعر قبلى (٢) وذكر أحمد بن سليمان، قال: أخبرنى أبو عدنان السُّلمىّ، قال: قال المهدىّ لعُمارة بن حمزة: من أرقّ الناس شعراً ؟ قال: والبة بن الحباب الأسدىّ، وهو الذى يقول : ولها وَلَا ذَنبٌ لها حُبُّ كَأَطْرافِ الرِّمَاحِ فى القلب يَقدَحُ والحشا. فالقلبُ مجروحُ النَّواحى قال : صدقت والله، قال: فما يمنعك من منادمته يا أمير المؤمنين ، وهو عربىٌّ شريف شاعر ظريف؟ قال: يمنعنى واللّه من منادمته ، قوله : أَدْنِ كذا رأسَكَ مِنْ راسی قلتُ لساقينا على خَلْوةٍ وَنَمْ على وجهك لى ساعةً إِنى امرؤٌّ أَنكِحُ جُلَّاسى أفتريد أن يكون جُلاسه على هذه الشريطة (٣)! ٥٤٠/٣ وذكر محمدٌ بن سلام أنه كان فى زمان المهدىّ إنسان ضعيف يقول الشعر إلى أن مدح المهدىّ. قال: فأدخل عليه فأنشده شعراً يقول فيه: (( وَجَوَارٍ زَفَرَات))، فقال له المهدىّ : أى شىء زفرات ؟ قال: وما تعرفها أنت يا أمير المؤمنين ؟ قال: لا والله، قال: فأنت أميرُ المؤمنين وسيد المسلمين وابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعرفها، أعرفها أنا! كلاً واللّه. قال ابن سلام: أخبرنى غير واحد أن طُريح بن إسماعيل الثقفىّ دخل على المهدىّ فانتسب له ، وسأله أن يسمع منه ، فقال : ألست الذى يقول للولید بن يزيد : (١) الأغانى ١٠ : ٨٩ . (٢) س: ((مثلى)). (٣) الأغانى ١٦: ١٤٣ (ساسى). وفى ج: ((جليسه)). ١٨٣ سنة ١٦٩ أَنت ابنُ مُسْلنطح البِطاحِ ولَمْ تُطَرَقْ عليك الحِىُّ والولَجُ (١) والله لا تقول لى فى مثل هذا أبداً، ولا أسمع منك شعراً، وإن شئت وصلتك . وذُكر أنّ المهدىّ أمر بالصوم سنة ست وستين ليستسقى للناس فى اليوم الرابع ، فلما كان فى الليلة الثالثة أصابهم الثلج، فقال لقيط بنُ بُكير المحاربيّ فى ذلك : ثَ وزالتْ عَنَّا بِك اللأواءُ يا إِمامَ الهدى سُقِينا بك الغَدْ مٌّ عليهم مِنَ الظَّلامِ غِطاءُ(٢) بِتَّ تُعْنَى بالحفظِ والناسُ نُوًّا لك خوفٌ تَضَرُّعٌ وبكاءُ رَقَدُوا حيثُ طال ليلُكَ فيهِمْ لمة مِنْ مَعْشَرٍ عَصَوا وأَساءوا قد عَنتكَ الأُمورُ منهم على الغف سنةٌ قد تَنَكَّرَتْ حمراءُ وسُقِينا وقد قُحِطنا وقلنا لميلِ اللهِ فاستُجيب الدعاءُ بِدُعاءٍ أَخلصتَهُ فى سوادِ الـ بثلوجٍ تُحيًا بها الأَرض حتى أَصْبَحَت وهْىَ زهرَةٌ خضراءُ وذكر أن الناس فى أيام المهدىّ صاموا شهر رمضان فى صميم الصيف ، وكان أبو دلامة إذ ذاك يطالب بجائزة وعدها إياه المهدىّ ، فكتب إلى المهدىّ رقعة يشكو إليه فيها ما لقىَ من الحرّ والصوم ، فقال فى ذلك : ٥٤١/٣ فى القربِ بين قريبِنا والأَبْعَدِ (٣) أَدْعُوكَ بالرَّحِمِ التى جَمَعَتْ لنا مِنْ مُنشدٍ يَرجو جزاءَ المُنْشَدِ إِلاَّ سمعتَ وأَنت أَكرمُ مَنْ مَشَى أَرجو ثوابَ الصائمِ المُتعبّدِ حَلّ الصيامُ فصمتُهُ مُتَعَبِّدا ممّا أكلَّفُ مِنْ نطاح المسجد وسَجَدتُ حتى جَبْهَتِی مشجُوجٌ (١) الأغانى ٤: ٣١٦. المسلنطح: ما اتسع سطحه. وتطرق: تضيق. والحتى: ما انخفض من الأرض . والولج : كل ما اتسع فى الوادى . (٢) ج: ((والناس قوام)). (٣) الأغانى ١٠ : ٢٥٤ ١٨٤ سنة ١٦٩ قال : فلمّا قرأ المهدى الرُّقعة دعا به، فقال: أىّ قرابة بينى وبينك يابن اللخناء! قال : رَحِيمٍ آدم وحوّاء . فضحك منه وأمر له بجائزة . وذكر علىّ بن محمد، قال: حدّثنى أبى، عن إبراهيم بن خالد المُعَيْطَىّ قال : دخلت على المهدىّ - وقد وُصف له غنائى - فسألنى عن الغناء وعن علمى به ، وقال لى : تُغنَّى النواقيس ؟ قلت : نعم والصليب يا أمير المؤمنين ! فصرفى؛ وبلغنى أنه قال: مُعيطىّ، ولا حاجة لى إليه فيمن أدنيه من خلوتى (١) ولا آنس به (٢) . ولمعبد المغنى النواقيس فى هذا الشعر : ٥٤٢/٣ وَأَنَّى تَرُدُّ القولَ بَيْدَاءُ سَمْلَقُ (٣) سَلاَ دارَ لَيلى هل تُجِيبُ فَتَنطقُ لِطُولِ بلاها والتَّقادُم مُهْرَقُ وَأَنَّى تَرُدُ القول دارٌ كأَنَها وذكر قتَعْنب بن محرز أبو عمرو الباهلىّ أنّ الأصمعىّ حدثه ، قال : رأيت حكمًا الوادى حين مضى المهدىّ إلى بيت المقدس ، فعرض له فى الطريق ، وكان له شُعيرات (٥) ، وأخرج ◌ُدُفًّا له يضربه، وقال: أنا القائل: فَمَتِى تَخْرُجُ العرو سُ فقد طال حبْسُها وَهْىَ لَم تَقض لُبْسَها قد دنا الصبحُ أَو بدا فتسرّع إليه الحرّس فصيّح بهم : كُفُّوا (٦)، وسأل عنه فقيل: حكم الوادى ، فأدخله إليه ووصله (٧) . وذكر علىّ بن محمد أنه سمع أباه يقول : دخل المهدىّ بعضَ دوره يومًا فإذا جارية له نصرانيَّة ، وإذا جيبُها واسع وقد انكشف عما بين ثدييها ؛ وإذا صليب من ذهب معلّق فى ذلك الموضع ؛ فاستحسنه ، فمدّ يده إليه فجذبه ، (١) الأغانى: ((ولا حاجة لى إلى أن أدنيه من خلوتى)). (٢) الأغانى ٣ : ٣٠٤. (٣) الأغانى ٣: ٣٠٤، وفيه: ((هل تبين)). (٤) الأغانى: ((وله شعيرات على رأسه)). (٦) ج: ((((فكفوا)). (٥) الأغانى: ((وله شعيرات على رأسه)). (٧) الأغانى ٦ : ٢٨٦. ١٨٥ سنة ١٦٩ فأخذه(١)، فولولت على الصليب ، فقال المهدىّ فى ذلك : يوم نازَعتُها الصّليبَ فقالتْ وَيْحِ نفسِى أَما تُحِلّ الصليبا! قال : وأرسل إلى بعض الشعراء فأجازه ، وأمر به فغنى فيه ، وكان معجباً بهذا الصوت . قال: وسمعت أبى يقول: إنّ المهدىّ نظر إلى جارية له عليها تاج فيه نرجس من ذهب وفضة ، فاستحسنه فقال : * يا حبّذا النرجس فى التاج. ٥٤٣/٣ فَأُرُتِجَ عليه، فقال: مَنْ بالحضرة ؟ قالوا: عبد اللّه بن مالك ، فدعاه ، فقال : إنى رأيت جارية لى فاستحسنتُ تاجاً عليها فقلت : * يا حبذا النرجس فى التاج . فتستطيع أن تزيد فيه ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ؛ ولكن دَعْنى أخرج فأفكِّر ، قال : شأنَك ، فخرج وأرسل إلى مؤدّب لولده (٢) فسأله إجازته ، فقال : على جَبِينٍ لاحَ كالعاجِ * وأتمها أبياتًا أربعة ، فأرسل بها عبد اللّه إلى المهدىّ، فأرسل إليه المهدى بأربعين ألفًا ، فأعطى المؤدِّب منها أربعة آلاف، وأخذ الباقى لنفسه ، وفيها غناء معروف . وذكر أحمد بن موسى بن مضر أبو علىّ، قال : أنشدنى التوّزى فى حَسَنة جاريته : وَلَكِنْ لا سبيلَ إِلَى الورُودِ أُری ماءً ویِی عَطَشُ شدیدٌ وَأَنَّ الناسَ كلَّهُمُ عَبيدى أَما يَكْفِيك أَنَّكِ تَمْلِكینی لَقُلْتُ مِنَ الرّضا أحسنتزیدی وأَنَّكِ لُو قطعْتِ يَدی ورِجْلی (١) ج: ((فأخذه فجذبه)). (٢) س: ((ولده)). ١٨٦ سنة ١٦٩ : وذكر علىّ بن محمد ، عن أبيه ، قال : رأيتُ المهدىّ وقد دخل البنَصْرة من قبَل سكة قريش، فرأيته يسير والبانوقة بين يديه، بينه وبين صاحب الشُّرطة، عليها قباء أسود ، متقلدة سيفًا فى هيئة الغلمان. قال : وإنى لأرى فى صدرها شيئًا من ثدييها . ٥٤٤/٣ قال على": وحدّثنى أبى، قال : قدم المهدىّ إلى البصرة ، فمرّ فى سكّة قريش ، وفيها منزلنا ؛ وكانت الولاة لا تمرُّ فيها إذا قدم الوالى ، كانوا يتشاءمون بها - قلّ والٍ مَرّ فيها(١) فأقام فى ولايته إلا يسيراً حتى يُعزل - ولم يمرّ فيها خليفة قط إلا المهدىّ، كانوا يمرُّون فى سكّة عبد الرحمن بن سَمُرة، وهى تساوى سكّة قريش، فرأيت المهدىّ يسير، وعبد الله بن مالك على شُرَطه يسير أمامه ، فى يده الحربة ، وابنته البانوقة تسیر بینه وبین یدیه وبین صاحب الشُّرطة فى هيئة الفتيان ، عليها قتَباء أسود ومنطقة وشاشية ، متقلدة السيف ، وإنى لأرى ثدييها قد رَفعا القَباء لنهودهما . قال: وكانت البانوقة سمراء حَسَنة القدّ حلوة. فلما ماتت - وذلك ببغداد - أظهر عليها المهدىّ جزءاً لم يُسمع بمثله ، فجلس للنّاس يعزّونه، وأمر ألاَّ يحجب عنه أحدٌ ، فأكثر النّاس فى التعازى ، واجتهدوا فى البلاغة ، وفى الناس مَنْ ينتقد هذا عليهم من أهل العلم والأدب ، فأجمعوا (٢) على أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز ولا أبلغ من تعزية شبيب بن شيبة ؛ فإنّه قال : يا أميرَ المؤمنين، اللّهُ خَيْرٌ لها منك، وثواب اللّه خيرٌ لك منها، وأنا أسأل اللّه ألاّ يحزُّنَك ولا يفتنك. وذكر صباح بن عبد الرحمن ، قال : حدثنى أبى ، قال : تُوفِّيت البانوقة بنت المهدى ، فدخل عليه شبيب بن شيبة ، فقال : أعطاك الله يا أميرَ المؤمنين على ما رُزئت أجراً، وأعقبك صبرًا، لا أجهد الله بلاءك بنقمة ، ولا نزع منك نعمةً؛ ثوابُ اللّه خيرٌ لك منها، ورحمة الله خير لها منك؛ وأحق" ما صُبِر عليه ما لا سبيل إلى رَدِّه. (١) ج: ((بها)). (٢) ج: ((فاجتمعوا)). سنة ١٦٩ ١٨٧ خلافة الهادى وفى هذه السنة بويع لموسى بن محمّد بن عبد الله بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن العباس بالخلافة، يوم توُفَّىَ المهدىّ، وهو مقيم بجُرجان يحارب أهل طَبَرِسْتان ؛ وكانت وفاة المهدىّ بماسبذان ومعه ابنه هارون ، ومولاه الرّبيع ببغداد خلفه بها؛ فذُكر أن الموالى والقُوّاد لما تُوفّىَ (١) المهدىّ اجتمعوا إلى ابنه هارون ، وقالوا له : إن عليم الجند بوفاة المهدىّ لم تأمن الشّغْب، والرّأى أن يُحمل ، وتُنادى فى الجند بالقَفَل حتى تواريه ببغداد . فقال هارون : ادعوا إلىّ أبى يحيى بن خالد البرمكىّ - وكان المهدىّ ولی هارون المغرب كلَّه؛ من الأنبار إلى إفريقية، وأمر يحيى بن خالد أن يتولّى ذلك ، فكانت إليه أعماله ودواوينه يقوم بها ويخلفه على ما يتولى منها إلى أن تُوُفَّىَّ- قال : فصار يحيى بن خالد إلى هارون ، فقال له : يا أبتِ، ما تقول فيما يقول عمر بن بزيع ونُصير والمفضّل (٢)؟ قال: وما قالوا؟ فأخبره ، قال: ما أرى ذلك ، قال : ولمّ ؟ قال : لأن هذا ما لا يخفى ، ولا آمن إذا علم الجند أن يتعلّقوا بمحمله ، ويقولوا: لانُخلِّه حتى نعطى لثلاث سنين وأكثر، ويتحكّموا ويشتطُّوا؛ ولكن أرى أن يُوارَى رحمه الله هاهنا؛ وتوجُّهَ نُصيراً إلى أمير المؤمنين الهادى بالخاتم والقضيب والتهنئة والتعزية؛ فإنّ البريد إلى نُصير؛ فلا يُكِر خروجه أحدٌ إذْ كان على بريد الناحية ، وأن تأمر لمن معك من الجند بجوائز؛ مائتين مائتين ، وتنادى فيهم بالقُفول ؛ فإنهم إذا قبضوا الدراهم لم تكن لهم همّة سوى أهاليهم وأوطانهم؛ ولا عَرْجة على شىء دون بغداد . قال: نفعل ذلك . وقال الجند لما قبضوا الدراهم : بغداد بغداد ! يتبادرون إليها ، ويبعثون على الخروج من ماسبذان؛ فلما وافوا بغداد ، وعلموا خبر الخليفة ، ساروا(٣) إلى باب الرّبيع فأحرقوه، وطالبوا(٤) بالأرزاق ، وضجُّوا . وقدم هارون بغداد ، ٥٤٥/٣ (١) س: ((مات)). (٣) س: ((صاروا)). (٢) ا، ج: ((الفضل)). (٤) ابن الاثير: ((وطلبوا الأرزاق)). ٥٤٦/٣ ١٨٨ سنة ١٦٩ فبعثت الخيرزان إلى الرّبيع وإلى يحيى بن خالد تشاورهما فى ذلك ؛ فأما الرّبيع فدخل عليها ، وأما يحيى فلم يفعل ذلك لعلمه بشدّة غَيْرة موسى . قال: وجُمعت الأموال حتى أُعْطِىَ الجند لسنتين، فسكتوا؛ وبلغ الخبر الهادى ، فكتب إلى الرّبيع كتاباً يتوعَّده فيه بالقتل ، وكتب إلى يحيى بن خالد يَجْزيه الخير ، ويأمره أن يقوم من أمر هارون بما لم يزل يقوم به ، وأن يتولَّى أموره وأعماله على ما لم يزل يتولاه . قال : فبعث الرّبيع إلى يحيى بن خالد - وكان يودّه ، ويثق به ، ويعتمد على رأيه : يا أبا علىّ، ما ترى ؟ فإنه لا صبر لى على جرّ (١) الحديد. قال: أرى ألاَّ تبرح موضعك، وأن توجّه ابنك الفضل يستقبله ومعه من الهدايا والطرف (٢) ما أمكنك؛ فإنى لأرجو ألاّ يرجع إلاَّ وقد كفيت ما تخاف إن شاء الله. قال : وكانت أمّ الفضْل ابنه بحيث تسمع منهما مناجاتهما؛ فقالت له : نصحك والله. قال : فإنى أحبّ أن أوصى إليك؛ فإنى لا أدرى ما يحدث. فقال (٣): لست أنفرد لك بشىء ، ولا أدع ما يجب (٤)، وعندى فى هذا وغيره ما تحبّ ؛ ولكن أشرِك معى فى ذلك الفضل ابنتك وهذه المرأة؛ فإنها جَزْلة مستحقّة لذلك منك . ففعل الربيع ذلك ، وأوصى إليهم . ٥٤٧/٣ قال الفضل بن سليمان: ولما شغَب الجند على الرّبيع ببغداد وأخرجوا مَنْ كان فى حبسه ، وأحرقوا أبواب دوره فى الميدان ، حضر العباس بن محمد وعبد الملك بن صالح ومحرز بن إبراهيم ذلك ؛ فرأى العبّاس أن يُرْضَوْا ، وتطيب أنفسهم ، وتفرّق جماعتهم بإعطائهم أرزاقهم ؛ فبذل ذلك لهم فلم يرضوا ، ولم يثقوا مما ضُمِن لهم من ذلك ؛ حتى ضمنه محرز بن إبراهيم ، فقنعوا بضمانه وتفرّقوا ، فوَفَى لهم بذلك ، وأعطوا رزق ثمانية عشر شهراً ؛ وذلك قبل قدوم هارون . فلما قدم - وكان هو خليفة موسى الهادى - ومعه الربيع وزيراً له، وجَّه الوفود إلى الأمصار، ونعى إليهم المهدىّ ، وأخذ بيعتتهم لموسى الهادى ؛ وله بولاية العهد من بعده ؛ وضبط أمرً بغداد . وقد كان نُصير (١) س: (( جدّ)). (٣) ط: ((فقلت)). (٢) س: ((اللطف)). (٤) ا: ((تحب)). ١٨٩ سنة ١٦٩ الوصيف شخص من ماسبذان من يومه إلى جُرجان بوفاة المهدىّ والبيعة له ؛ فلما صار إليه نادى بالرّحيل ، وخرج من فَوْره على البريد جواداً(١) ومعه من أهل بيته إبراهيم وجعفر ، ومن الوزراء عبيد الله بن زياد الكاتب صاحب رسائله ، ومحمد بن جميل كاتب جنده . فلما شارف مدينةَ السلام استقبله النّاس من أهل بيته وغيرهم ؛ وقد كان احتمل (٢) على الربيع ما كان منه وماصنع من توجيه الوفود وإعطائه الجنود قبل قدومه ؛ وقد كان الرّبيع وجَّه ابنه الفضل ؛ فتلقّاه بما أعدّ له من الهدايا؛ فاستقبله بهمَذَان ، فأدناه وقرّبه ، وقال : كيف خلَفْتَ مولاى؟ فكتب بذلك إلى أبيه ، فاستقبله الرّبيع ، فعاتبه الهادى ، فاعتذر إليه ،. وأعلمه السبب الذى دعاه إلى ذلك ، فقبله ، وولاّه الوزارة مكان عبيد الله بن زياد بن أبى ليلى، وضمّ إليه ما كان عمر بن بزيع يتولاه من الزَّمام، وولى محمد بن جميل ديوان خراج العراقيْن، وولّى عبيد الله بن زياد خراج الشأم وما يليه ، وأقرّ على حَرَسه علىّ بن عيسى بن ماهان، وضمّ إليه ديوان الجند، وولى شُرَطه عبد الله بن مالك مكان عبد الله بن خازم، (٣) وأقرّ الخاتم فى يد علىّ بن يقطين . ٥٤٨/٣ وكانت موافاة موسى الهادى بغداد عند منصرفه من جُرجان لعشرٍ بقين من صفَرَ من هذه السنة ، سار - فيما ذكر عنه - من جرجان إلى بغداد فى عشرين يومًا ، فلما قدمها نزل القصر الذى يسمى الخُلْد؛ فأقام به شهراً (٤)، ثم تحوّل إلى بستان أبى جعفر ، ثم تحول إلى عيسابتاذ . وفى هذه السنة هلك الربيع مولى أبى جعفر المنصور . وقد ذكر علىّ بن محمد النوفلىّ أن أباه حدثه أنه كانت لموسى الهادى جارية ، وكانت حظيّةً عنده ، وكانت تحبُّه وهو بجُرْجان حين وجّهه إليها المهدىّ ، فقالت أبياتًا ، وكتبت إليه وهو مقيم بجرجان ، منها : سی بجرجان نازلا يا بَعيدَ المَحَلّ أمـ (١) جواداً، أى سريعًا كالفرس الجواد . (٣) ط: ((حازم))، تصحيف. (٢) س: ((يحتمل)). (٤) ج: ((شهرين)). ١٩٠ سنة ١٦٩ قال : فلما جاءته البَيْعة وانصرف إلى بغداد ؛ لم تكن له همّة غيرها ، فدخل عليها وهى تغنّى بأبياتها ، فأقام عندها يومه وليلته قبل أن يظهر لأحد من الناس . ٥٤٩/٣ وفى هذه السنة اشتدّ طلب موسى الزنادقة ؛ فقتل منهم فيها جماعة ؛ فكان ممَّن قتل منهم يزدان بن باذان كاتب يقطين، وابنه علىّ بن يقطين من أهل الشَّهروان؛ ذُكر عنه أنه حجّ فنظر إلى الناس فى الطَّاف يُهَرْوِلون، فقال: ما أشبههم إلا ببقر تدوس فى البَيْدَرَ. وله يقول العلاء بن الحداد الأعمى: ووراثَ الكعبةِ والمنِيَرْ أَيا أَمينَ اللهِ فِى خَلقِهِ يُشَبّهُ الكعبةَ بِالبَيْدَرْ ماذا تَرَى فی رجلٍ کافرٍ حُمْرًا تَدُوسُ البُرَّ والدَّوْسَرْ! ويَجعلُ الناسَ إِذا ما سَعَوْا فقتله موسى ثم صلبه ، فسقطت خشبتُهُ على رجل من الحاجّ فقتلتْه وقتلتْ حماره . وقُتل من بنى هاشم يعقوب بن الفضل . وذكر عن علىّ بن محمد الهاشمىّ ، قال : كان المهدىّ أتىَ بابنٍ لداود ابن علىّ زنديقًا، وأتِىَ بيعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب زنديقًا، فى مجلسين متفرفين، فقال لكل واحد منهما كلامًا واحدًا ، وذلك بعد أن أقرَّا له بالزندقة ، أما يعقوب بن الفضل فقال له: أُقُرُّ بها بينى وبينك؛ فأمّا أن أظهر ذلك عند الناس فلا أفعل ولو قرضتنى بالمقاريض ، فقال له : ويلك ! لوكُشفت لك السموات، وكان الأمر كما تقول ، كنتَ حقيقاً أن تغضب (١) لمحمد، ولولا محمد صلى الله عليه مَنْ كنت! هل كنت إلا إنساناً من الناس! أما والله لولا أنى كنْت جعلت اللّه علىَّ عهداً إذا(٢) ولاَّنى هذا الأمرألاَّ أقتل هاشميًا لما ناظرتك ولقتلتُك. ثم التفت إلى موسى الهادى ، فقال : يا موسى ، أقسمت عليك بحقى إن وليت هذا الأمر بعدی ألاًّ تناظرهما ساعة واحدة . فمات ابن داود بن علىّ فى الحبس قبل وفاة المهدىّ؛ وأما يعقوب فبقى حتى مات المهدىّ. وقدم موسى من جُرجان ٥٥٠/٣ (١) كذا فى ا، وفى ط: ((تعصب)). (٢) !: ((إن)). ١٩١ سنة ١٦٩ فساعة دخل، ذكروصيّة المهدىّ، فأرسل إلى يعقوب من ألقى عليه فراشًا، وأقعدت الرجال عليه حتى مات . ثم لها عنه ببيعته وتشديد خلافته ؛ وكان ذلك فى يوم شديد الحرّ ، فبقى يعقوب حتى مضى من الليل هدء(١) ، فقيل لموسى : يا أميرَ المؤمنين ، إن يعقوب قد انتفخ وأروح . قال : ابعثوا به إلى أخيه إسحاق ابن الفضل، فخبَّروه أنه مات فى السجن (٢). فجعل فى زورق وأُتْبِىَ به إسحاق، فنظر فإذا ليس فيه موضع للغسل ، فدفنه فى بستان له من ساعته ، وأصبح فأرسل إلى الهاشميّين يخبرهم (٣) بموت يعقوب ويدعوهم إلى الجنازة، وأمر بخشبة فعملت فى قدّ الإنسان فغشيت قطنا، وألبسها أكفاناً ، ثم حملها على السرير ، فلم يشكّ مَن حضرها أنه شىء مصنوع. وكان ليعقوب ولد من صُلْبه : عبد الرحمن والفضل وأروى فاطمة ، فأمّا فاطمة فوجدت حُبلى منه ، وأقرّت بذلك . قال علىّ بن محمد : قال أبى: فأدخلت فاطمة وامرأة (٤) يعقوب بن الفضل- وليست بها شمية، يقال لها خديجة-على الهادى- أو على المهدىّ من قبْلـ فأقرّتا بالزندقة، وأقرّت فاطمة أنها حامل من أبيها، فأرسل بهما إلى رَيْطة بنت أبى العباس ، فرأتهما مكتحلتين مختضبتين ، فعذلتْهما ، وأكثرت على الابنة خاصّة ، فقالت: أكرَهنى ، قالت : فما بال الخضاب والكحل والسرور؛ إن كنت مكرهة! ولعنتهما . قال: فخُبِّت أنهما فَزِعتا فماتتا فزعًا ، ضُرب على رأسيهما بشىء يقال له الرعبوب (٥). ففزعتا منه، فماتتا. وأما أروى فبقِيَتْ فتزوّجها ابن عمها الفضل بن إسماعيل بن الفضل ؛ وكان رجلا لا بأس به فی دینه . ٥٥١/٣ وفيها قدم وندا هرمز صاحب طَبرستان إلى موسى بأمان ، فأحسن صلته، وردّه إلى طَبَرِسْتان . # (١) الهدء : أول الليل. (٣) ج: ((فأخبرهم » . (٥) ج: ((الرعوب)). (٢) ج: ((الحبس)). (٤) ا، س: ((ليعقوب)). ١٩٢ سنة ١٦٩ ذكر بقيّة الخبر عن الأحداث التى كانت سنة تسع وستين ومائة ٠ ٠ [ خروج الحسين بن علىّ بن الحسن بفخٌ ] ومما كان فيها خروحُ الحسين بنِ علىّ بنِ الحسن بن الحسن بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب المقتول بفتخٌ. ذكر الخبر عن خروجه ومقتله : ذكر عن محمد بن موسى الخوارزمىّ أنه قال : كان بين موت المهدىّ وخلافة الهادى ثمانية أيام . قال : ووصل إليه الخبر وهو بجُرجان ، وإلى أن قدم مدينة السّلام إلى خروج الحسين بن علىّبن الحسن، وإلى أن قتل الحسين، تسعة أشهر وثمانية عشر يوماً . وذكر محمد بن صالح، أنّ أبا حفص السُّلمِيّ حدّثه ، قال : كان إسحاق بن عيسى بن علىّ على المدينة ، فلما مات المهدىّ ، واستخلف موسى ، شخص إسحاق وافداً إلى العراق إلى موسى ، واستخلف على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وذكر الفضل بن إسحاق الهاشمىّ أن إسحاق بن عيسى بن علىّ استعنى الهادى وهو على المدينة، واستأذنه فى الشُّخوص إلى بغداد ، فأعفاه، وولّى مكانه عمر بن عبد العزيز. وأنّ سبب خروج الحسين بن علىّ بن الحسن كان أن عمر بن عبد العزيز لما تولى المدينة - كما ذكر الحسين بن محمد عن أبى حفص السُّلمِىّ - أخذ أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن ومسلم بن جندُب الشّاعر الهذلىّ وعمر بن سلّم مولى آل عمر على شراب لهم ، فأمر بهم فضرِبوا جميعاً ، ثم أمر بهم فجُعل فى أعناقهم حبال وطِيف بهم فى المدينة ، فكلُّم فيهم ، وصار إليه الحسين بن علىّ فكلمه ، وقال : ليس هذا عليهم وقد ضربتهم، ولم يكن لك أن تضربهم؛ لأنّ أهل العراق لا يرون به بأساً ، فلم تطوف بهم ! فبعث إليهم وقد بلغوا البلاط فردّ هم ، وأمر بهم إلى الحَبْس، فحبسوا يومًا وليلة، ثم كلِّم فيهم فأطلقهم جميعاً ؛ وكانوا ٥٥٢/٣ ١٩٣ سنة ١٦٩ يُعرّضون، ففُقد الحسن بن محمد، وكان الحسين بن علىّ كفيله . قال محمد بن صالح : وحدثنى عبد الله بن محمد الأنصارىّ أن العُمَرَىّ كان كَفَّل بعضهم من بعض (١)؛ فكان الحسين بن علىّ بن الحسن ويحيى بن عبد الله بن الحسن كفيلين بالحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن ؛ وكان قد تزوّج مولاةً لهم سوداء ابنة أبى ليث مولى عبد الله بن الحسن ؛ فكان يأتيها فيُقيم عندها ، فغاب عن العرض يوم الأربعاء والخميس والجمعة ، وعرضهم خليفةُ العمرىّ عشيّة الجمعة ، فأخذ الحسين بن علىّ ويحيى بن عبد الله ؛ فسألهما عن الحسن بن محمد ؛ فغلّظ عليهم بعضَ التغليظ ، ثم انصرف إلى العمرىّ فأخبره خبرهم ، وقال له: أصلحك الله! الحسن بن محمد غائب مذ ثلاث ، فقال : انتى بالحسين ويحيى ؛ فذهب فدعاهما ، فلمّا دخلا عليه ، قال لهما : أين الحسن بن محمد ؟ قالا: والله ما ندرى ؛ إنما غاب عنا يوم الأربعاء ، ثم كان يوم الخميس ؛ فبلغنا أنه اعتلّ ، فكنّا نظن أنّ هذا اليوم لا يكون فيه عرْض ؛ فكلمهما بكلام أغلظ لهما فيه ، فحلف يحيى بن عبد الله ألاَّ ينام حتى يأتيَه به أو يضرب عليه باب داره ؛ حتى يعلم أنه قد جاءه به . فلما خرجا قال له الحسين : سبحان الله ! ما دعاك إلى هذا ؟ ومن أين تجد حسناً ! حلفتَ له بشىء لا تقدر عليه . قال : إنما حلفتُ على حسن ، قال : سبحان الله! فعلى أىّ شىء حلفت! قال: والله لا نمتُ حتى أضرب عليه باب داره بالسيف . قال : فقال حسين : تكسر بهذا ما كان بيننا وبين أصحابنا من الصلة(٢)، قال: قد كان الذى كان فلا بدّ منه . ٥٥٣/٣ وكانوا قد تواعدوا على أن يخرجوا بمنَّى أو بمكة فى الموسم - فيما ذكروا - وقد كان قوم من أهل الكوفة من شيعتهم - ومن كان بايع الحسين- متكمّنين فى دار ، فانطلقوا فعملوا فى ذلك من عشيّهم ومن ليلتهم ، حتى إذا كان فى آخر الليل خرجوا . وجاء يحيى بن عبد اللّه حتى ضرب باب دار مَرْوان على العمرىّ ، فلم يجده فيها ، فجاء إلى منزله فى دار عبد الله بن عمر فلم يجده أيضاً فيها ، وتوارى منهم ، فجاءوا حتى اقتحموا المسجد حين أذّنوا بالصبح ؛ ٥٥٤/٣ (١) ا: ((لبعض)). (٢) !: ((من الميعاد)). تاریخ الطبری ۔ ثامن ١٩٤ سنة ١٦٩ فجلس الحسين على المنبر وعليه عمامة بيضاء ؛ وجعل الناس يأتون المسجد ؛ فإذا رأوهم رجعوا ولا يصدُّون ، فلما صلىّ الغداة جعل الناس يأتونه، ويبايعونه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم للمرتضى من آل محمد. وأقبل خالد البربرىّ ؛ وهو يومئذ على الصوافى بالمدينة قائد على مائتين من الجند مقيمين بالمدينة ، وأقبل فيمتن معه ، وجاء العمرىّ ووزير ابن إسحاق الأزرق ومحمد بن واقد الشروىّ ؛ ومعهم ناس كثير ؛ فيهم الحسين بن جعفر بن الحسين بن الحسين على حمار ، واقتحم خالد البربرى الرّحبة ، وقد ظاهر بين درعين، وبيده السيف، وعمود فى منطقته، مصلتًاً سيفته، وهو يصيح بحسين: أنا كسكاس، قتلنى اللّه إن لم أقتلك! وحمل عليهم حتى دنا منهم؛ فقام إليه ابنا عبد الله بن حسن : يحيى وإدريس ، فضربه يحي على أنف البيضة فقطعها وقطع أنفه ، وشرقت عيناه بالدّم فلم يبصر ، فبرك يذّبب عن نفسه بسيفه وهو لا يبصر، واستدار له إدريس من خلفه فضربه وصرعه، وعلواه بأسيافهما حتى قتلاه ، وشدّ أصحابهما على درعيه فخلعوهما عنه ، وانتزعوا سيفه وعموده ، فجاءوا به . ثم أمروا به فجُرّ إلى البلاط، وحملوا على أصحابه فانهزموا . قال عبد الله بن محمد : هذا كله بعينى. وذكر عبد الله بن محمد أن خالداً ضرب يحيى بن عبد اللّه، فقطع البُرْنس، ووصلت(١) ضربته إلی ید یحیی فأثرت فيها (٢)، وضربه یحیی علی وجهه، واستدار رجل أعور من أهل الجزيرة فأتاه من خَلْفه، فضربه على رِجْليه، واعتوروه بأسيافهم فقتلوه . قال عبد الله بن محمد: ودخل عليهم المسوّدة المسجد حين دخل الحسين ابن جعفر على حماره ، وشدَّت المبيضة فأخرجوهم ، وصاح بهم الحسين : ارفقوا بالشيخ - يعنى الحسين بن جعفر - وانتُهب بيت المال ، فأصيب فيه بضعة عشر ألف دينار ، فضلت من العطاء - وقيل : إن ذلك كان سبعين ألف دينار كان بعث بها عبد الله بن مالك ، يفرض بها من خُزاعة - قال : وتفرّق الناس ، وأغلق أهل المدينة عليهم أبوابتهم ؛ فلما كان من الغد اجتمعوا واجتمعت شيعة ولد العباس، فقاتلوهم بالبلاط فيما بين رحبة دار الفضل والزّوراء، (٢) ساقطة من ط وهى فى ا. (١) كذا فى ا، وفى ط: («خلعت)). ٥٥٥/٣ ١٩٥ سنة ١٦٩ وجعل المسوّدة يحملون على المبيّضة حتى يبلغوا بهم رحبة دار الفضل ، وتحمل المبيّضة عليهم حتى يُبلَغ بهم الزَّوراء . وفشت الجراحات بين الفريقين جميعاً، فاقتتلوا إلى الظهر، ثم افترقوا، فلما كان فى آخر النهار من اليوم الثانى يوم الأحد، جاء الخبر بأنّ مباركاً التركىّ ينزل بئر المطَّلب، فنشط الناس، فخرجوا إليه فكلّموه أن يجىء، فجاء من الغد حتى أنى الثّنيّة ، واجتمع إليه شيعة بنى العباس ومن أراد القتال ، فاقتتلوا بالبلاط أشدّ قتال إلى انتصاف النهار ، ثم تفرّقوا . وجاء هؤلاء إلى المسجد ، ومضى الآخرون إلى مبارك التركىّ، إلى دار عمر بن عبد العزيز بالثنيَّة يقيل فيها، وواعد(١) الناس الرّواح، فلما غفلوا عنه ، جلس على رَوَاحله فانطلق، وراح الناس فلم يجدوه ، فناوشوهم شيئًا من القتال إلى المغرب ، ثم تفرَّقوا، وأقام حسين وأصحابه أيامًا يتجهّزون. وكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يومًا ، ثم خرج يوم أربعة وعشرين لستُّ بقين من ذى القعدة ، فلما خرجوا من المدينة عاد المؤذنون فأذنوا؛ وعاد النّاس إلى المسجد ، فوجدوا فيه العظام التى كانوا يأكلون وآثارهم ، فجعلوا يدعون اللّه عليهم ، ففعل (٢) الله بهم وفعل . ٥٥٦/٣ قال محمد بن صالح: فحدثنى نصير بن عبد الله بن إبراهيم الجُمَحىّ، أنّ حسينًا لما انتهى إلى السوق متوجَّهًا إلى مكة التفت إلى أهل المدينة، وقال: لا خلف اللّه عليكم بخير ! فقال الناس وأهل السوق : لابل أنت ؛ لا خلف الله عليك بخير ، ولا ردّك! وكان أصحابه يُحدثون فى المسجد، فملئوه قذرًا وبولا ؛ فلما خرجوا غسل الناس المسجد . قال : وحدثنى ابن عبد الله بن إبراهيم ، قال : أخذ أصحاب الحسين ستورَ المسجد ، فجعلوها خَفاتِين لهم، قال: ونادى أصحابُ الحسين بمكة: أيمّا عبد أتانا فهو حرّ ؛ فأتاه العبيد، وأتاه عبد كان لأبى؛ فكان معه ؛ فلما أراد الحسين أن يخرج أتاه أبى فكلّمه ، وقال له : عمّدتَ إلى مماليك لم تملكْهم فأعتقتَهم ، بم تستحلّ ذلك ! فقال حسين لأصحابه : اذهبوا به ، فأىّ عبدَ عرفه فادفعوه إليه ؛ فذهبوا معه، فأخذ غلامه وغلامين لجيران لنا. ٥٥٧/٣ وانتھی خبر الحسین إلی الهادی، وقد کان حجّ فی تلك السنة رجال من أهل (٢) ط: ((فعل)). (١) !: ((ووعد)). ١٩٦ سنة ١٦٩ بیته؛ منهم محمد بن سلمان بن علیّ والعباس بن محمد وموسی بن عيسى، سوى من حجّ من الأحداث . وكان على الموسم سليمان بن أبى جعفر ، فأمر الهادى بالكتاب بتولية محمد بن سليمان على الحرب ، فقيل له : عمَّك العباس بن محمد ! قال : دعونى ، لا والله لا أخدع عن ملكى؛ فنفذ الكتاب بولاية محمد بن سليمان بن علىّ على الحرب ، فلقيتَهم الكتاب وقد انصرفوا عن الحجّ . وكان محمد بن سليمان قد خرج فى عدّةٍ من السلاح والرجال ؛ وذلك لأن الطريق كان مخوفًا معوراً من الأعراب ؛ ولم يحتشد لهم حسين ؛ فأتاه خبرهم ، فهمْ بصوبه ، فخرج بخدمه وإخوانه . وكان موسى بن على بن موسى قد صار ببطْن نخل، على الثلاثين من المدينة، فانتهى إليه الخبر ومعه إخوانه وجواریه، وانتهى الخبر إلى العباس بن محمد بن سليمان وكاتبهم ، وساروا إلى مكة فدخلوا ، فأقبل محمد بن سليمان ، وكانوا أحرموا بعُمْرة . ثم صاروا إلى ذى طُوَّى؛ فعسكروا بها ، ومعهم سليمان بن أبى جعفر ؛ فانضمّ إليهم من وافَى فى تلك السنة من شيعة ولد العباس ومواليهم وقُوّادهم. وكان الناس قد اختلفوا فى تلك السنة فى الحجّ وكثروا جدًّا. ثم قدّم محمد بن سليمان قدامه تسعين حافراً ما بين فترس إلى بغل ، وهو على نجيب عظيم ، وخلفه أربعون راكبًاً على النجائب عليها الرُّحال وخلْفهم مائنا (١) راكب على الحمير، سوى مَنْ كان معهم من الرّجالة وغيرهم، وكثروا فى أعين الناس جدًّا وملئوا صدورهم (٢) فظنّوا أنهم أضعافهم ، فطافوا بالبيت، وسعَوْا بين الصَّفا والمرْوة، وأحدوا من عمرتهم ، ثم مضوا فأتوا ذا طُوَّى ونزلوا، وذلك يوم الخميس. فوجَّه محمد بن سليمان أبا كامل - مولَّى لإسماعيل بن علىّ - فى نيِّف وعشرين فارسًا؛ وذلك يوم الجمعة فلقيهم . وكان فى أصحابِه رجل يقال له زيد ، كان انقطع إلى العبّاس، فأخرجه معه حاجًا لما رأى من عبادته ، فلما رأى القوم قلب ترسه وسيفه، وانقلب إليهم؛ وذلك ببطن مرّ، ثم ظفروا به بعد ذلك مشدّخاً بالأعمدة؛ فلما كان ليلة السبت وجّهوا خمسين فارسًا، كان أوّل مَنْ ندبوا صباح أبو الذّيال ، ثم آخر ثم آخر ؛ فكان أبو خلوة الخادم مولى محمد خامسًا ، ٥٥٨/٣ (١) كذا فى ا، وفى ط: ((ما بين)). (٢) ساقطة من ط وهى مثبتة فى ا. ١٩٧ سنة ١٦٩ فأتوا المفضّل مولى المهدىّ ، فأرادوا أن يصيِّروه عليهم ، فأبى وقال : لا ، ولكن صيّروا عليهم غيرى وأكون أنا معهم، فصيّروا عليهم عبد الله بن حميد بن رُزين السمرقندىّ - وهو يومئذ شابّ ابن ثلاثين سنة - فذهبوا وهم خمسون فارسًا؛ وذلك ليلة السبت . فدنا القوم، وزحفت (١) الخيل، وتعبّأ الناس؛ فكان العباس بن محمد وموسى بن عيسى فى الميسرة، ومحمد بن سليمان فى الميمنة ؛ وكان معاذ بن مسلم فيما بين محمد بن سليمان والعباس بن محمد ، فلما كان قبل طلوع الفجر جاء حسين وأصحابه فشدّ ثلاثة من موالى سليمان بن علىّ- أحدهم زنجويه غلام حسان- فجاءوا برأس فطرحُوه قُدّام محمد بن سليمان - وقد كانوا قالوا: مَنْ جاء برأس فله خمسمائة درهم - وجاء أصحاب محمد فعَرْ قَبوا الإبل ، فسقطت محاملها . فقتلوهم وهزموهم؛ وكانوا خرجوا من تلك الشَّنايا ، فكان الذين خرجوا ممّا يلى محمد بن سليمان أقلهم، وكان جلّهم خرجوا مما يلِى موسى بن عيسى وأصحابه ؛ فكانت الصدمة بهم؛ فلما فرغ محمد بن سليمان محمّن يليه وأسْفروا ، نظروا إلى الذين يلون موسى بن عيسى ؛ فإذا هم مجتمعون كأنهم كبّة غَزْل ، والتفّت الميمنة والقلب عليهم ، وانصرفوا نحو مكّة لا يدرون ما حال الحسين ؛ فما شعروا وهم بذى طُوَّى أو قريبًا منها إلا برجل من أهل خراسان ، يقول: البشرى البشرى ! هذا رأس حُسين، فأخرجه وبجبهته ضربة طولاً ، وعلى قفاه ضربة أخرى ؛ وكان الناس نادوا بالأمان حين فرغوا ، فجاء الحسن بن محمد أبو الزّفت مغميضًا إحدى عينيه، قد أصابها شىء فى الحرب ، فوقف خلف محمد والعباس ، واستدار به موسى بن عيسى وعبد الله ابن العباس . فأمر به فقتِل ، فغضب محمد بن سليمان من ذلك غضبًا شديداً . ودخل محمد بن سليمان مكة من طريق والعباس بن محمد من طريق، واحتُزَّت الرءوس ؛ فکانت مائة رأس ونيفاً ؛ فيها رأس سليمان بن عبد الله بن حسن وذلك يوم التروية ، وأخذت أخت الحسين ، وكانت معه فصیرت عند زينب بنت سليمان ، واختلطت المنهزمة بالحجدَّاج، فذهبوا ، وكان سليمان بن أبى جعفر شاكيًا فلم يحضر القتال ، ووافى عيسى بن جعفر الحجّ تلك السنة ؛ وكان مع أصحاب حسين رجلٌ أعمى يقصّ عليهم فقتيل، ولم يقتّل أحد منهم صبرًا . ٥٥٩/٣ (١) ط: ((ورجعت)). ٥٦٠/٣ ١٩٨ سنة ١٦٩ قال الحسين بن محمد بن عبد الله: وأسر موسى بن عيسى أربعة نفر من أهل الكوفة ، ومولى لبنى عجْل وآخر . قال محمد بن صالح : حدثنى محمد بن داود بن علىّ ، قال : حدّثنا موسى بن عيسى ، قال : قدمتُ معى بستّة أسارى فقال لى الهادى : هيه ! تقتل أسيرى ! فقلت : يا أميرَ المؤمنين، إنى فكرت فيه فقلت : تجىء عائشة وزينب إلى أمّ أمير المؤمنين ، فتبكيان عندها وتكلّمانها ، فتكلّم له أمير المؤمنين فيطلقه . ثم قال : هاتِ الأسرى ، فقلت : إنى جعلت لهم العهد والمواثيق بالطلاق والعتاق ، فقال: انتنى بهم، وأمر باثنين فقتلا ، وكان الثالث منكراً ، فقلت : يا أميرَ المؤمنين ؛ هذا أعلم الناس بآل أبى طالب ؛ فإن استبقيتَه دَلّك على كل بغية لك، فقال: نعم واللّه يا أميرَ المؤمنين؛ إنى أرجو أن يكون بقائى صنعًا لك. فأطرق ثم قال: والله لإفلاتُك(١) من يدى بعد أن وقعت فى يدى لشديد ؛ فلم يزل يكلّمه حتى أمر به أن يؤخّر ، وأمره أن يكتب له طلبته ، وأمّا الآخر فصفح عنه، وأمر بقتل عذافر الصيرفى وعلىّ بن السابق القلاَّس الكوفىّ، وأن يصلبًا، فصلبوهما بباب الجسر، وكانا أُسِرا بفَخّ . وغضب على مبارك التركىّ ، وأمر بقبض أمواله وتصييره فى ساسة الدواب، وغضب على موسى بن عيسى لقتله الحسن بن محمد ، وأمر بقبض أمواله . ٥٦١/٣ وقال عبد الله بن عمرو الثلجىّ : حدثنى محمد بن يوسف بن يعقوب الهاشمىّ ، قال : حدثنى عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى ، قال: أفلت إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علىّ بن أبى طالب من وقعة فَخٌ فى خلافة الهادى، فوقع إلى مصر، وعلى بريد مصر واضح مولى لصالح بن أمير المؤمنين المنصور، وكان رافضيًا خبيثًا ، فحمله على البريد إلى أرض المغرب ، فوقع بأرض طَنْجة بمدينة يقال لها وليلة ، فاستجاب له مَنْ بها وبأعراضها من البربر ، فضرب الهادى عنق واضح وصلبه . ويقال : إنّ الرَّشيد الذى ضرب عنقه، وأنه دس إلى إدريس الشماخ اليمامىّ مولى المهدىّ، وكتب له كتاباً إلى إبراهيم بن الأغلب عامله على إفريقيّة، (١) ا: ((إن إفلاتك)). ١٩٩ سنة ١٦٩ فخرج حتى وصل إلى وليلة وذكر أنه متطبّب ، وأنه من أوليائهم، ودخل على إدريس فأنس به واطمأنّ إليه ؛ وأقبل الشّماخ يريه الإعظام له والميل إليه والإيثار له فنزل عنده بكلّ منزلة . ثم إنه شكا إليه علّةً فى أسنانه، فأعطاه سنوناً(١) مسمومًاً قاتلا، وأمره أن يستنّ به عند طلوع الفجر لليلته ؛ فلما طلع الفجراستنّ إدريس بالسنون، وجعل يردّه فى فيه، ويكثِّر منه، فقتله. وطُلِب الشّماخ فلم يُظفربه ، وقدم على إبراهيم بن الأغلب فأخبره بما كان منه، وجاءته بعد مقدمه الأخبار بموت إدريس ؛ فكتب ابن الأغلب إلى الرّشيد بذلك ، . فولَى الشّماخ بريد مصر وأجاره (٢)، فقال فى ذلك بعض الشعراء - أظنه الهنازىّ: كيْدَ الخليفةِ أَوْ يُفيدُ فِرَارُ أَتَظنّ يا إِذْريسُ أَنَّكَ مُفْلِتٌ لا يَهْتَدِى فيها إِلَيك نهارُ فَلْيُدْرِ كنَّكَ أَوْ تحِلَّ بِبَلْدَةٍ طالتْ وَقَصَّرَ دُونُها الأَعمارُ إِنَّ السُيوفَ إِذا انتضاها سُخْطُهُ : حتى يقال: تُطيعُهُ الأقدارُ مَلِكٌ كَأَنَّ المَوْتَ يَتْبَعُ أَمْرَهُ وذكر الفضل بن إسحاق الهاشمىّ أن الحسين بن علىّ لما خرج بالمدينة وعليها العُمَرَىّ لم يزل العمرىّ متخفًّا مقامَ الحسين بالمدينة، حتى خرج إلى مكة . وكان الهادى وجَّه سليمان بن أبى جعفر لولاية الموسم ، وشخص معه من أهل بيته ممن أراد الحجّ العباس بن محمد وموسى بن عيسى وإسماعيل بن عيسى ابن موسى فى طريق الكوفة ، ومحمد بن سليمان وعدّة من ولد جعفر بن سليمان على طريق البصرة ، ومن الموالى مبارك التركى والمفضّل الوصيف وصاعد مولى الهادى - وكان صاحب الأمر سليمان - ومن الوجوه المعروفين يقطین بن موسى وعبيد ابن يقطين وأبو الوزير عمر بن مطرّف ؛ فاجتمعوا عند الذى بلغهم من توجّه الحسين ومَنْ معه إلى مكة ، ورأسوا عليهم سليمان بن أبى جعفر لولايته ؛ وكان قد جُعل أبو كامل مولى إسماعيل على الطلائع ، فلقوه بفخّ ، وخلّفوا عبيد الله بن قُتَ بمكة للقيام بأمرها وأمر أهلها ؛ وقد كان العباس بن محمد أعطاهم الأمان على ما أحدثوا ، وضمن لهم الإحسان إليهم والصلة الأرحامهم ؛ ٥٦٢/٣ (١) السنون : ما استكت به. (٢) ط: «وأخباره)). ٢٠٠ سنة ١٦٩ وكان رسولهم فى ذلك المفضّل الخادم، فأبوا قبول ذلك، فكانت الوقعة ، فقتل مَنْ قتل ، وانهزم الناس ، ونودى فيهم بالأمان، ولم يُتْبَعَ هارب ؛ وكان فيمن هرب يحيى وإدريس ابنا عبد الله بن حسن؛ فأما إدريس فلحق بتاهَرْت من بلاد المغرب ، فلجأ إليهم فأعظموه ؛ فلم يزل عندهم إلى أن تُلُطِّف له، واحتِيل عليه ، فهلك ، وخلفه ابنه إدريس بن إدريس؛ فهم (١) إلى اليوم بتلك الناحية مالكين لها ، وانقطعت عنهم البعوث . ٥٦٣/٣ قال المفضل بن سليمان : لما بلغ العمرىَّ وهو بالمدينة مقتلُ الحسين بفخّ وثب على دار الحسين ودور جماعة من أهل بيته وغيرهم ممنّ خرج مع الحسين، فهدمها وحرَّق النخل ، وقبض ما لم يحرقه ، وجعله فى الصوافى المقبوضة (٢). قال: وغضب الهادى على مبارك التركىّ ليما بلغه من صدوده عن لقاء الحسين بعد أن شارف المدينة ، وأمر بقبض أمواله وتصييره فى سياسة دوابه ؛ فلم يزل كذلك إلى وفاة الهادى، وسخط على موسى بن عيسى لقتله الحسن بن محمد بن عبد الله أبى الزفت؛ وتَرْكه أن يقدم به أسيراً ، فيكون المحكم فى أمره ، وأمَرَ بقبض أمواله ، فلم تزل مقبوضة إلى أن تُوفِىَ موسى . وقدم على موسى ممن أسريفخّ الجماعة، وكان فيهم عذافر الصيرفىّ وعلىّ بن سابق القلّس الكوفىّ، فأمر بضرب أعناقهما وصلْبهما بباب الجسر ببغداد ؛ ففُعْل ذلك. قال : ووجّه مهرويه مولاه إلى الكوفة ، وأمره بالتغليظ عليهم لخروج مَنْ خرج منهم مع الحسين. وذكر علىّ بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، قال : حدّثّنى يوسف الْبَرْم مولى آل الحسن - وكانت أمه مولاة فاطمة بنت حسن - قال : كنت مع حسين أيام قدم على المهدىّ ، فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرّقها فى الناس ببغداد والكوفة؛ ووالله ما خرج من الكوفة وهو يملك شيئًا يلبسه إلا فروًا ما تحته قميص وإزار الفراش ؛ ولقد كان فى طريقه إلى المدينة؛ إذا نزل استقرض من مواليه ما يقوم بمؤونتهم فى يومهم قال علىّ: وحدثنى السرىّ أبو بشر، وهو حليف بنى زهرة ، قال: صلّيتُ الغداة فى اليوم الذى خرج فيه الحسين بن علىّ بن الحسن صاحب فخّ، فصلَّى ٥٦٤/٣ (١) ط: ((فهو)). (٢) ط: ((والمقبوضة))، وما أثبته من ا.