النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سنة ١٦١ وفيها عزل محمد بن سليمان أبا ضَمْرة عن مصر فى ذى الحجّة المهدىّ وولا ها سلمة بن رجاء . # وحجّ بالناس فى هذه السنة موسى بن محمد بن عبد الله الهادى ، وهو ولىّ عهد أبيه . وكان عامل الطائف ومكة واليمامة فيها جعفر بن سليمان ، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها إسحاق بن الصبّاح الكندىّ، وعلى سوادها يزيد بن منصور. ١٤٢ ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [ خبر مقتل عبد السلام الخارجىّ ] فمن ذلك ما كان من مقتل عبد السلام الخارجىّ بِقنَّسْرين. * ذكر الخبر عن مقتله : ذكر أن عبد السلام بن هاشم اليشكرىّ هذا خرج بالجزيرة ، و کثر بها أتباعه ، واشتدّت شوكته ، فلقيه من قوّاد المهدىّ عِدّة ، منهم عيسى بن موسى القائد، فقتله فى عدّة ممّن معه ، وهزم جماعة من القوّاد ، فوجّه إليه المهدىّ الجنودَ، فنكب غير واحد من القوّاد، منهم شبيب بن واج المُ ورُوذىّ، ثم ندب إلى شبيب ألف فارس ، أعطى كلّ رجل منهم ألف درهم معونة ، وألحقهم بشبيب فوافوْه ، فخرج شبيب فى أثر عبد السلام ، فهرب منهم حتى أتى قِنَّسرين ، فلحقه بها فقتله . ٠ * * وفيها وضع المهدىُّ دواوين الأزمَّةَ(١)، وولّى عليها عمر بن بَزِيع مولاه ، فولَّى عمر بن بَزِيع النّعمانَ بن عثمان أبا حازم زمام خراج العراق. ٤٩٣/٣ وفيها أمر المهدىُّ أن يجرى على المجذَّمين وأهل السجون فى جميع الآفاق . وفيها ولّى ثُمامة بن الوليد العبسىّ الصّائفة، فلم يتمّ ذلك. وفيها خرجت الرّوم إلى الحدَث ، فهدموا سورها . وغزا الصّائفة الحسن بن قحطبة فى ثلاثين ألف مرتزق سوى المطَّوّعة ، فبلغ حَمّة أذْرُولية ، فأكثر التخريب والتحريق فى بلاد الروم من غير أن يفتح حصنًا ، ويلفى جمعًا، وسمّه الروم التنّين . وقيل: إنه إنما أتى (١) أى يكون لكل ديوان زمام؛ وله رجل يضبطه . ١٤٣ سنة ١٦٢ هذه الحمّة الحسنُ ليستنقع فيها للوضّح (١) الذى كان به؛ ثم قفل بالناس سالمين. وكان على قضاء عسكره وما يجتمع من الفىء حتَفْص بن عامر السُّلَمىّ . قال : وفيها غزا يزيد بن أسَيْد السُّلَّمِىّ من باب قالِيقَلا ، فغم وفتح ثلاثة حصون ، وأصاب سَبًْا كثيراً وأسْرى. وفيها عُزل علىّ بن سليمان عن اليمن ، وولّىَ مكانه عبد الله بن سليمان . وفيها عُزِل سلمة بن رجاء عن مصر ، ووليها عيسى بن لقمان ، فى المحرّم ، ثم عزل فى جُمادى الآخرة ، ووليتها واضح مولى المهدىّ ، ثم عزل فى ذى القَعْدة ووليتها يحيى الحرّشىّ. وفيها ظهرت المحمّرة بجُرْجان، عليهم رجل يقال له عبد القهار ، فغلب على جُرجان ، وقتل بشراً كثيراً ، فغزاه عمر بن العلاء من طَبَرِسْتان ، فقتل عبد القهار وأصحابه . وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن جعفر بن المنصور ؛ وكان العباس ابن محمد استأذن المهدىّ فى الحجّ بعد ذلك ، فعاتبه على ألاّ يكون استأذنه قبل أن يولّىَ الموسم أحداً فيوليه إياه ، فقال: يا أمير المؤمنين، عمداً أخّرْتُ ذلك لأنى لم أرد الولاية . ٤٩٤/٣ # # وكانت عمال الأمصار عمالها فى السنة التى قبلها . ثم إن الجزيرة كانت فى هذه السنة إلى عبد الصمد بن علىّ وطَبَرِستان والرَّويان إلى سعيد بن دَعْلَج ، وجُرجان إلى مهلهل بن صفوان. (١) الوضح ، يكنى به عن البرص. ١٤٤ ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التى كانت فيها فمن ذلك ما كان فيها من هلاك المقنّع ؛ وذلك أن سعيداً الخرشى حصره بكش ، فاشتدّ عليه الحصار، فلما أحسّ بالهلكة شرب سُمَّاً، وسقاه نساءه وأهله ، فمات وماتوا - فيما ذكر - جميعًا ، ودخل المسلمون قلعته ، واحتزُّوا رأسه ، ووجَّهوا به إلى المهدىّ وهو بحلب . ... [ ذكر خبر غزو الروم ] وفيها قطع المهدىّ البعوثَ للصائفة على جميع الأجناد من أهل خُراسان وغيرهم، وخرج فعسكر بالبَرَدان، فأقام به نحواً من شهرين يتعبّأ فيه ويتهياً ، ويعطى الجنود ، وأخرج بها صلاتٍ لأهل بيته الذين شخصوا معه ، فتوُفِّىَ عيسى بن علىّ فى آخر جمادى الآخرة ببغداد. وخرج المهدىّ من الغد إلى البَرّدان متوجِّهًا إلى الصائفة، واستخلف ببغداد موسى بن المهدىّ ، وكاتبه يومئذ أبان بن صدقة ؛ وعلى خاتمه عبد الله بن عُلاثة ، وعلى حرسه علىّ بن عيسى، وعلى شُرَطه عبد الله بن خازم(١)؛ فذكر العباس بن محمد أنّ المهدىّ لما وجّه الرشيد إلى الصائفة سنة ثلاث وستين ومائة خرج يشيّعه وأنا معه؛ فلما حاذى قصر مسلمة ، قلت : يا أمير المؤمنين، إن لمسلمَة فى أعناقنا منّةً؛ كان محمد بن علىّ مرّ به، فأعطاه أربعة آلاف دينار ، وقال له : يابن عم هذان ألفان لدينك ، وألفان لمعونتك ، فإذا نفدت فلا تحتشمنا . فقال لما حدثته الحديث: أحضِروا مَنْ هاهنا من ولد مسلمة ومواليه، فأمر لهم بعشرين ألف دينار ، وأمر أن تُجْرَى عليهم الأرزاق، ثم قال: يا أبا الفضل ، كافأنا مسلمة وقضينا حقه ؟ قلت : نعم ، وزدتَ يا أمير المؤمنين . ٤٩٥/٣ (١) ط: ((حازم))، تصحيف، صوابه من ا، وانظر الفهرس. ١٤٥ سنة ١٦٣ وذكر إبراهيم بن زياد ، عن الهيثم بن عدّى ، أن المهدىّ أغزى هارون الرشيد بلادَ الرّومِ، وضمّ إليه الربيع الحاجب والحسن بن قحطبة . قال محمّد بن العباس: إنّى لقاعد (١) فى مجلس أبى فى دار أمير المؤمنين وهو على الحرس؛ إذ جاء الحسن بن قحطبة، فسلّم علىّ ، وقعد على الفراش الذى يقعد أبى عليه ، فسأل عنه فأعلمتُه أنه راكب ، فقال لى : يا حبيبى أعلمه أنى جئت، وأبلغه السلام عنى ، وقل له : إن أحبّ أن يقول لأمير المؤمنين : يقول الحسن بن قحطبة : يا أميرَ المؤمنين؛ جعلنى الله فداك! أغزيتَ هارون ، وضممتنى والرّبيع إليه ، وأنا قريع قوّادك ، والربيع قريع مواليك ، وليس تطيب نفسى بأن نُخَلَّىَ(٢) جميعًا بابك؛ فإمّا أغزيتنى مع هارون وأقام الربيع ، وإما أغزيتَ الربيع وأقمتُ ببابك . قال : فجاء أبى فأبلغته الرسالة ، فدخل على المهدىّ فأعلمه ، فقال : أحسن واللّه الاستعفاء ؛ لا كما فعل الحجام ابن الحجام - يعنى عامر بن إسماعيل - وكان استعفى(٣) من الخروج مع إبراهيم فغضب عليه ، واستصفى ماله . ٤٩٦/٣ وذكر عبد الله بن أحمد بن الوضّاح ، قال : سمعت جدى أبا بُديل ، قال : أغزى المهدىّ الرشيد ، وأغزى معه موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح بن علىّ ومولَيّىْ أبيه: الربيع الحاجب والحسن الحاجب؛ فلمَّا فصل دخلت عليه بعد يومين أو ثلاثة، فقال: ما خلّفك عن ولى العهد، وعن أخويْك خاصّة ؟ يعنى الربيع والحسن الحاجب . قلت : أمر أمير المؤمنين ومقامى بمدينة السلام حتى يأذن لى . قال : فسرْ حتى تلحق به وبهما ؛ واذكر ما تحتاج إليه . قال : قلت : ما أحتاج إلى شىء من العُدّة ؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لى فى وداعه! فقال لى: متى تراك خارجا ؟ قال : قلت من غدٍ ، قال : فودّعته وخرجت ، فلحقت القوم . قال : فأقبلتُ أنظر إلى الرّشيد يخرج، فيضرب بالصَّوالجة، وأنظر إلى موسى بن عيسى وعبد الملك ابن صالح ؛ وهما يتضاحكان منه . (١) س: ((لما قعدت)). (٣) س: ((يستعفى)). (٢) ج: ((نحل)). ١٤٦ سنة ١٦٣ ٤٩٧/٣ قال : فصرت إلى الربيع والحسن - وكنًّا لا نفترق-قال: فقلت: لا جزا كما اللّه عمّن وجَّهكما ولا عمن وُجَهما معه خيراً؛ فقالاً: إيه، وما الخبر؟ قال: قلت : موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح يتضاحكان من ابن أمير المؤمنين، أوَمَّا كنتما تقدران أن تجعلا لهما مجلسًا يدخلان عليه فيه ولمن كان معه من القوّاد فى الجمعة يدخلون (١ عليه ويخدّوه فى سائر أيامه لما يريد١) ! قال: فبينا نحن فى ذلك المسير إذ بعثا إلىّ فى الليل . قال : فجئت وعندهما رجل ، فقالا لى : هذا غلام الغمر بن يزيد، وقد أصبنا(٢) معه كتاب الدولة . قال : ففتحت (٣) الكتابَ، فنظرت فيه إلى سِنِى المهدىّ فإذا هى عشر سنين . قال : فقلت : ما فى الأرض أعجب منكما ! أتريان أنّ خبر هذا الغلام يخفى، وأن هذا الكتاب يستتر ! قالا : كلاً ، قلت: فإذا كان أمير المؤمنين قد نقص من سنيه ما نقص، أفلسم أوّلَ مَنْ نعى إليه نفسَه! قال : فتبلّدوا واللّه، وسُقط فى أيديهما ، فقالا: فما الحيلةُ ؟ قلت : يا غلام علىّ بعنبسة - يعنى الوراق الأعرابى مولى آل أبى بديل - فأتِىَ به ، فقلت له : خطّ مثل هذا الخطّ ، وورقة مثل هذه الورقة ، وصيّر مكان عشر سنين أربعين سنة، وصيرها فى الورقة ، قال : فوالله لولا أنى رأيتُ العشر فى تلك والأربعين فى هذه ما شككت أن الخَطّ ذلك الخط، وأن الورقة تلك الورقة . قال : ووجّه المهدىّ خالد بن برمك مع الرّشيد وهو ولىّ العهد حين وجْهه لغزو الروم، وتوجّه معه الحسن وسليمان ابنا برمك، ووجّه معه على أمر العسكر ونفقاته وكتابته والقيام بأمره يحيى بن خالد - وكان أمر هارون كلّه إليه - وصُيْر الربيع الحاجب مع هارون يغزو عن المهدىّ ، وكان الذى (٤) بين الربيع ويحيى (٥) على حسب ذلك؛ وكان يشاورهما ويعمل برأيهما؛ ففتح الله عليهم فتوحًا كثيرة ، وأبلاهم فى ذلك الوجه بلاءً جميلا ، وكان لخالد فى ذلك بسمتالو أثر جميل لم يكن لأحد؛ وكان منجمهم يسمى البرمكىّ تبرّكًا ٤٩٨/٣ (١ - ١) كذا وردت العبارة فى ا. (٣) س: ((ففتحنا)). (٥) أ، س: ((وبين يحيى)). (٢) س: ((وجدنا)). (٤) ج: ((ذلك)). ١٤٧ سنة ١٦٣ به، ونظراً إليه . قال: ولما ندب المهدىّ هارون الرشيد لما ندبته له (١) من الغَزْو، أمر أن يدخل عليه (٢) كتَّب أبناء الدّعْوة لينظر إليهم ويختار له منهم رجلا. قال يحيى : فأدخلونی علیه معهم ، فوقفوا بين يديه ، ووقفت آخرهم ، فقال لى : يا يحيى ، ادنُ ، فدنوت ، ثم قال لى : اجلس ، فجلست فجئوتُ بين يديه ، فقال لى : إنى قد تصفحت أبناء شيعتى وأهل دولتى ، واخترت منهم رجلاً لهارون ابنى أضمه إليه ليقوم بأمر عسكره ، ويتولى كتابته ، فوقعتْ عليك خيرتى له ، ورأيتك أوْلى به؛ إذ كنت مربّيَه وخاصّته ، وقد وليتك كتابتَه وأمْرَ عسكره . قال : فشكرتُ ذلك له ، وقبّلت يدَه، وأمر لى بمائة ألف درهم معونةٌ على سفرى (٣)، فُوُجَهت فى ذلك العسكر لما وُجَّهت له (٤). قال : وأوفد الربيعُ سليمانَ بن برمك إلى المهدىّ، وأوفد معه وفداً، فأكرم المهدىّ وفادته وفضله، وأحسن إلى الوفد الذين كانوا معه ، ثم انصرفوا من وجههم ذلك . [ عزل عبد الصمد بن علىّ عن الجزيرة وتولية زفر بن الحارث ] وفى هذه السنة؛ سنة مسير المهدىّ مع ابنه هارون ، عزل المهدىّ عبد الصمد ابن علىّ عن الجزيرة ، وولّى مكانه زفر بن عاصم الهلالىّ. ، ذكر السبب فى عزله إياه : ذُكر أن المهدىّ سلك فى سَفْرته هذه طريق الموصل ، وعلى الجزيرة عبد الصمد بن علىّ ، فلما شخص المهدىّ من الموصل ، وصار بأرض الجزيرة، لم يتلقَّ عبد الصمد ولا هيّأ له نُزُلاً ، ولا أصلح له قناطر . فاضطغن ذلك عليه المهدىّ ، فلما لقيه تجهّمه وأظهر له جفاءً ، فبعث إليه عبد الصمد بألطافٍ لم يرضَها ، فردَّها عليه ، وازْدَاد عليه سخطًا ، وأمر بأخذه بإقامة النُّزُل له ، فتعبث فى ذلك، وتقنع، ولم یزل یربی ما یکرهہ إلی أن نزل حصن ٤٩٩/٣ (١) س: ((إليه)). (٣) س: ((فى سفرى)). (٢) ج: ((إليه)). (٤) ساقطة من ط ، وأثبتها من ا. ١٤٨ سنة ١٦٣ مسلمة ، فدعا به ، وجرى بينهما كلامٌ أغلظ له فيه القولَ المهدىّ، فردّ" عليه عبد الصمد ولم يحتمله ، فأمر بحبسه وعَزْله عن الجزيرة ، ولم يزل فى حبسه فى سفره ذلك وبعد أن رجع إلى أن رضى عنه . وأقام له العبّاس بن محمد النُّزُل ، حتى انتهى إلى حلَب، فأتته البشرى بها بقتل المقنّع ، وبعث وهو بها عبد الجبار المحتسب لجلب من بتلك الناحية من الزنادقة . ففعل ، وأتاه بهم ، وهو بدابِقِ ، فقتل جماعة منهم وصلبهم، وأُتِىَ بكتب من كتبهم فقطَّعت بالسكاكين ثم عرض بها جنده، وأمر بالرحلة، وأشخص جماعة من وافاه من أهل بيته مع ابنه هارون إلى الروم ، وشيع المهدئ ابنته هارون حتى قطع الدّرْب ، وبلغ جيحان ، وارتاد بها المدينة التى تسمى المهدّية ، وودّع هارون على نهر جيحان . فسار هارون حتى نزل رستاقاً من رساتيق أرض الرُّوم فيه قبَلْعة ، يقال لها سَمالو، فأقام عليها ثمانيًا وثلاثين ليلة ، وقد نصب عليها المجانيق ، حتى فتحها اللّه بعد تخريب لها ، وعطش وجوع أصاب أهلها ، وبعد قتل وجراحات كانت فى المسلمين؛ وكان فتحها على شروط شرطوها لأنفسهم: لا يُقْتَلوا ولا يُرحّلوا، ولا يُفْرَق بينهم؛ فأعطُوا ذلك، فنزلوا، ووفّى لهم، وقفل هارون بالمسلمين(١) سالمين إلا من كان أصيب منهم بها . ٥٠٠/٣ وفى هذه السنة وفى سَفْرته هذه، صار المهدىّ إلى بيت المقدس، فصلّى فيه (٢) ، ومعه العباس بن محمد والفضل بن صالح وعلىّ بن سلمان وخاله يزيد ابن منصور. وفيها عزل المهدىّ إبراهيم بن صالح عن فلسطين، فسأله يزيد بن منصور حتى ردّه عليها . وفيها ولَى المهدىّ ابنَه هارون المغرب كله وأذْرَبيجان وإرمينية، وجعل كاتبه على الخراج ثابت بن موسى ، وعلى رسائله يحيى بن خالد بن برمك . (١) س: ((وقفل بهم هارون)). (٢) س: (( به)). ١٤٩ سنة ١٦٣ وفيها عَزل زُفَر بن عاصم عن الجزيرة، وولَى مكانه عبد الله بن صالح ابن علىّ، وكان المهدىّ نزل عليه فى مسيره (١) إلى بيت المقدس، فأعجيب بما رأى من منزله بسَكَمْية . وفيها عزل معاذ بن مسلم عن خُراسان وولاها المسيّب بن زهير. وعزل فيها يحيى الحرّشىّ عن أصبهان ، وولى مكانه الحكم بن سعيد. وعزل فيها سعيد بن دَعْلج عن طَبَرستان والرُّويان، وولاّ هما عمر ابن العلاء . وفيها عزل مُهلهل بن صفوان عن جُرجان ، وولاها هشام بن سعيد. ٠ ٥٠١/٣ وحجّ بالناس فى هذه السنة علىّ بن المهدىّ. وكان على اليمامة والمدينة ومكة والطائف فيها جعفر بن سليمان ، وعلى الصلاة والأحداث بالكُوفة إسحاق بن الصباح، وعلى قضائها شريك، وعلى البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وُمان والفُرَض وكور الأهواز وكُور فارس محمد بن سليمان ، وعلى خُراسان المسيّب بن زهير، وعلى السِّند نصر بن محمد ابن الأشعث . (١) س: «ممره)). ١٥٠ ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك غزوة عبد الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب من درب الحدّث، فأقبل إليه ميخائيل البِطْريق - فيما ذكر - فى نحو من تسعين ألفًا، فيهم طازاذ الأرمنى البطريق، ففشل عنه عبد الكبير ومنع المسلمين من القتال وانصرف ، فأراد المهدىّ ضرب عنقِهِ، فكُلُّم فيه فحبسه فى المطبق . وفيها عزل المهدى محمد بن سلمان عن أعماله ، ووجه صالح بن داود على ما كان إلى محمد بن سليمان ، ووجّه معه عاصم بن موسى الخراسانىّ الكاتب على الخراج، وأمره بأخذ حمّاد بن موسى كاتب محمد بن سليمان وعبيد الله بن عمر خليفته وعماله وتکشیفهم . ٥٠٢/٣ وفيها بسَنَى المهدىّ بعيساباذ الكبرى قصراً من لبن، إلى أن أسس قصره الذى بالآجر" : الذى سماه قصر السلامة ؛ وكان تأسيسه إياه يوم الأربعاء فى آخر ذى القعدة . وفيها شخص المهدىّ حين أسس هذا القصر إلى الكوفة حاجًّاً ، فأقام برُصافة الكوفة أيَّامًا، ثم خرج متوجِّهًا إلى الحجّ، حتى انتهى إلى العقبة ، فغلاً عليه وعلى مَنْ معه الماء، وخاف ألاّ يحمله ومَنْ معه ما بين أيديهم ، وعرضتْ له مع ذلك حُمَى ، فرجع من العقبة ، وغضب على يقطين بسبب الماء؛ لأنه كان صاحبَ المصانع ، واشتدّ على الناس العَطَش فى منصرفهم وعلى ظهرهم (١) حتى لأشفَوْا على الهلكة. وفيها تُوفِّىَ (٢) نصر بن محمد بن الأشعث بالسند . وفيها عزل عبد الله بن سليمان عن اليمن عن سَخْطة، ووجّه مَنْ يستقبله (١) س: ((دوابهم)). (٢) س: ((مات)). ١٥١ سنة ١٦٤ ويفتش متاعه ، ويحصى ما معه ، ثم أمر بحبسه (١) عند الرّبيع حين قدم ، حتى أقرّ من المال والجوهر والعنبر بما أقرّ به، فردّه إليه ، واستعمل مكانه منصور بن یزید بن منصور . ٥٠٣/٣٠ وفيها وجّه المهدىّ صالح بن أبى جعفر المنصور من العقبة عند انصرافه عنها إلى مكة ليحجّ بالناس ، فأقام صالح للناس الحجّ فى هذه السنة . وكان العامل على المدينة ومكة والطائف واليمامة فيها جعفر بن سليمان ، وعلى اليمن منصور بن يزيد بن منصور ، وعلى صلاة الكوفة وأحداثِها هاشم ابن سعيد بن منصور ، وعلى قضائها شريك بن عبد الله ، وعلى صلاة البصرة وأحداثها وكُور د جْلة والبحرين وُمان والفرض وكُور الأهواز وفارس صالح ابن داود بن علىّ، وعلى السُّند سطيح بن عمر ، وعلى خُراسان المسيّب بن زهير ، وعلى الموْصِل محمد بن الفضل . وعلى قضاء البصرة عبيد الله بن الحسن، وعلى مصر إبراهيم بن صالح: وعلى إفريقيّة يزيد بن حاتم ، وعلى طَبرِسْتان والرّويان وجُرجان يحيى الخَرَشِىّ، وعلى دَنْبَاوَنْد وقُومِس فراشة مولى أمير المؤمنين، وعلى الرّىّ خلف بن عبد اللّه، وعلى سِجِسْتَان سعيد بن دَعْلَج. (١) ج: ((تم حبس). ١٥٢ ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث * [ غزوة هارون بن المهدىّ الصائفة ببلاد الروم ] فمن ذلك غزوة هارون بن محمد المهدىّ الصائفة ، ووجّهه أبوه - فيما ذكر - يوم السّبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة غازيًا إلى بلاد الروم، وضمّ إليه الربيع مولاه ، فوغل هارون فى بلاد الروم، فافتتح ماجدة ، ولقيته خيول نقيطا قومِس القوامسة ، فبارزه يزيد بن مزيد ، فأرجل يزيد ، ثم سقط نقيطا ، فضربه يزيد حتى أثخنه ، وانهزمت الرُّوم، وغلب يزيد على عسكرهم. وسار إلى الدُّمُسْتُق بنقُمودية وهو صاحب المسالح ، وسار هارون فى خمسة وتسعين ألفا وسبعمائة (١) وثلاثة وتسعين رجلاً ، وحمل لهم من العَيْن مائة ألف دينار وأربعة (٢) وتسعين ألفا وأربعمائة وخمسين ديناراً ، ومن الوَرِق أحداً . وعشرين ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة عشر ألفًا وثمانمائة درهم. وسار هارون حتى بلغ خليج البحر الذى على القسطنطينية ، وصاحب الرُّوم يومئذ أغُسْطه امرأة أليون ؛ وذلك أن ابنها كان صغيراً قد هلك أبوه وهو فى حجرها، فجرت بينهما وبين هارون بن المهدىّ الرّسل والسفراء فى طلب الصلح والموادعة وإعطائه الفِدْية ، فقبل ذلك منها هارون ، وشرط عليها الوفاء بما أعطت له ، وأن تقيم له الأدلاء والأسواق فى طريقه ؛ وذلك أنه دخل مدخلا صعبًا (٣) مخوّفا على المسلمين ، فأجابته إلى ما سأل ، والذى وقع عليه الصلح بينه وبينها تسعون أو سبعون ألف دينار، تؤديها فى نيسان الأول فى كلّ سنة ، وفى حزيران ، فقبل ذلك منها، فأقامت له الأسواق فى منصرفه ، ووجهت معه رسولاً إلى المهدىّ بما بذلت على أن تؤدّى ما تيسّر من الذهب والفضة والعَرْض، وكتبوا ٥٠٤/٣ (١) ابن الأثير: ((وتسعمائة)). (٣) س: ((ضيقا)). (٢) ابن الأثير: ((ثلاثة)). ١٥٣ سنة ١٦٥ ٥٠٥/٣ كتاب الهدنة إلى ثلاث سنين، وسُلِّمَت الأسارَى. وكان الذى أفاء الله على هارون إلى أن أذعنت الروم بالجزية خمسة آلاف رأس وستمائة وثلاثة وأربعين رأسًا ، وقتل من الروم فى الوقائع أربعة وخمسون ألفًا ، وقتل من الأسارى صبراً ألفان وتسعون أسيراً . وما أفاء الله عليه من الدواب الذّلل بأدراتها عشرون ألف دابّة، وذبح من البقر والغنم مائة ألف رأس. وكانت المرتزقة سوى المطّوعة وأهل الأسواق مائة ألف، وبيع البرذَوْن بدرهم، والبغل بأقلّ من عشرة دراهم، والدّرْع بأقلّ من درهم وعشرين سيفًا بدرهم ، فقال مروان بن أبى حفصة فى ذلك : إِليها القَذَاحتى اكتسَى الذِّلَّسورها (١) أَطفْتَ بِقُسْطَنْطِينَةِ الرومِ مُسْنِدًا بِجِزْيتها ، والحَرْبُ تغلى قدورُها وما رِمْتَها حتى أَتَتك مُلوكُهَا ٠٠ وفيها عزل خلف بن عبد اللّه عن الرىّ، وولا ها عيسى مولى جعفر . وحجّ بالناس فى هذه السنة صالح بن أبى جعفر المنصور . وكانت عمّال الأمصار فى هذه السنة هم عمّلها فى السنة الماضية ؛ غير أن العامل على أحداث البصرة والصلاة بأهلها كان رَوْح بن حاتم ، وعلى كُور د جلة والبحرين وُعُمان وكسْكر وكُور الأهراز وفارس وكرمان كان المعلى مولى أمير المؤمنين المهدىّ، وعلى السّند الليث مولى المهدىّ . (١) الذل بالكسر : اللين. ١٥٤ ثم دخلت سنة ست وستين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث ٥٠٦/٣ فمن ذلك قفول هارون بن المهدىّ؛ ومَنْ كان معه من خليج قسطنطينية فى المحرّم لثلاث عشرة ليلة بقيت منه، وقدمت الروم بالجزية معهم ، وذلك - فيما قيل - أربعة وستون ألف دينار عدد الرومية (١) وألفان وخمسمائة دينار عربية ، وثلاثون ألف رطل مَرْعزِىّ (٢). وفيها أخذ المهدىُّ البيعةَ على قُوّاده لهارون بعد موسى بن المهدىّ ، وسماه الرشيد . وفيها عنزل عبيد اللّه بن الحسن عن قضاء البصرة، وولّى مكانه خالد بن طَلِيق بن عمران بن حصين الخُزَاعِىّ، فلم تُحْمَد(٣) ولايته، فاستعنى أهل البصرة منه . وفيها عزل جعفر بن سليمان عن مكة والمدينة ، وما كان إليه من العمل . # * * وفيها سخط المهدىّ على يعقوب بن داود . ذكر الخبر عن غضب المهدىّ على يعقوب ذکر علیّ بنمحمد النوفلى ، قال : سمعتأبی یذ کر، قال : کان داود بن طَهْمان - وهو أبو يعقوب بن داود - وإخوته كتّابًا لنصر بن سيّار، وقد كتب داود قبله لبعض ولاة خراسان ؛ فلما كانت أیام یحیی بن زيد کان یدس إليه وإلى أصحابه بمل يسمع من نصر ، ويحذرهم ؛ فلما خرج أبو مسلم يطلب بدم يحي بن زيد ويقتل قَتَّلَتَه والمعيّنين عليه من أصحاب نصر ، أتاه داود ابن طَهْمان مطمئنًا لما كان يعلم ممّا جرى بينه وبينه ، فَآمنه أبو مسلم ، ولم (١) س: ((عدداً رومية)). (٣) س: ((فلم يحمدوا)). (١) المرعزى : اللين من الصوف. ١٥٥ سنة ١٦٦ يعرض له فى نفسه ، وأخذ أمواله التى استفاد أيام نصر ، وترك منازله وضيعمه التى كانت له ميراثًا بمرْو ، فلما مات داود خرج ولده أهل أدب وعلم بأيام الناس وسيرهم وأشعارهم، ونظروا فإذا ليست لهم عند بنى العباس منزلة، فلم يطمعوا فى خدمتهم لحال أبيهم من كتابة نصر ؛ فلما رأوا ذلك أظهروا مقالة الزيدّية ، ودنوْا من آل الحسين ، وطمعوا أن يكون لهم دَوْلة فيعيشوا فيها . فكان يعقوب يجول البلاد منفرداً بنفسه ، ومع إبراهيم بن عبد الله أحيانًا، فى طلب البيعة لمحمد بن عبد الله، فلما ظهر محمد وإبراهيم بن عبد الله كتب على ابن داود - وكان أسنّ من يعقوب - لإبراهيم بن عبد الله، وخرج يعقوب مع عدّة من إخوته مع إبراهيم ؛ فلما قتل محمد وإبراهيم توارَوْاً من المنصور، فطلبهم، فأخذ يعقوب وعليًّاً فحبسهما فى المطبق أيّام حياته، فلما تُوفّىَ المنصور منّ عليهما المهدىّ فيمن منّ عليه بتخلية سبيله ، وأطلقهما . وكان معهما فى المطبق إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن - وكانا لا يفارقانه- وإخوته الذين كانوا محتبَسين معه ، فجرت بينهم بذلك الصداقة . وكان إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن يرى أنّ الخلافة قد تجوز فى صالحى بنى هاشم جميعًا ، فكان يقول : كانت الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصلُح إلا فى بنى هاشم ؛ وهى فى هذا الدهر لا تصلح إلا فيهم ؛ وكان يكثر فى قوله للأكبر من بنى عبد المطلب ؛ وكان هو ويعقوب بن داود يتجاريان ذلك ؛ فلما خلَّى المهدىّ سبيل يعقوب مكث المهدئ برهة من دهره یطلب عيسى بن زيد والحسن ابن إبراهيم بن عبد الله بعد هرب (١) الحسن من حبسه ، فقال المهدىّ يوماً: لو وجدتُ رجلاً من الزيديّة له معرفة بآل حسن وبعيسى بن زيد ، وله فقه فأجتلبُه إلىّ على طريق الفقه، فيدخل بینی وبین آل حسن وعيسى بن زيد! فدُلّ على يعقوب بن داود، فأتِىَ به فأدخِل عليه، وعليه يومئذ فَرْوٌ وخُفًّا كبْل(٢) وعمامة کرابیس و کساء أبیض غليظ . فكلمه وفاتحه ، فوجده رجلاً كاملا، فسأله عن عيسى بن زيد؛ فزعم النّاس أنه وعده الدخول بينه وبينه ، وكان يعقوب ينتفى من ذلك ؛ إلاّ أنّ الناس قد رموه بأن منزلته عند المهدىّ إنما ٥٠٧/٣ ٠٠٨/٣ (٢) فى اللسان: ((فرو كبل كثير الصوف ثقيل)). (١) ج: ((هروب)). ١٥٦ سنة ١٦٦ كانت السعاية بآل علىّ . ولم يزل أمره يرتفع عند المهدئ ویعلو حتى استوزره، وفوّض إليه أمر الخلافة؛ فأرسل إلى الزيدية ، فأتى بهم مَنْ كلّ أوب ، وولاهم من أمور الخلافة فى المشرق والمغرب كلَّ جليل وعمل نفيس ، والدنيا کلها فى يديه ، ولذلك يقول بشار بن برد : إِنَّ الخَلِيفَةَ يعقوبُ بن داودٍ بَنِى أُمَيَّةَ هُبُّوا طالَ نَومِكُمُ خَليفَةَ اللّه بَيْنَ الدُّفّ والعود (٢) ضاعَتْ خلافَتُكُمْيَا قَوْمٍ فَاطَّلِيُوا قال : فحسده موالى المهدىّ ، فسعوا عليه . ٥٠٩/٣ ومما حظِىَ به يعقوب عندالمهدىّ، أنه استأمنه للحسن بن إبراهيم بن عبد الله، ودخل بينه وبينه حتى جمع بينهما بمكّة. قال: ولما علم آل الحسن بن علىّ بصنيعه استوحشوا منه ، وعلم يعقوب أنه إن كانت لهم دولة لم يعشْ فيها، وعلم أنّ المهدىّ لا یناظره لكثرة السعاية به إليه ، فمال یعقوب إلى إسحاق بن الفضل، وأقبل يربّصُ له الأمور وأقبلت السعايات ترِدُ على المهدىّ بإسحاق حتى قيل له : إن المشرق والمغرب فى يد يعقوب وأصحابه ؛ وقد كاتبهم ؛ وإنما يكفيه أن يكتب إليهم فيثوروا فى يوم واحدٍ على ميعاد، فيأخذوا الدنيا لإسحاق بن الفضل ؛ فكان ذلك قد ملأ قلب المهدىّ عليه . قال علىُ بن محمد النوفلىّ: فذكر لى بعض خدم المهدىّ أنه كان قائمًاً على رأسه يومًا يذبّ عنه ، إذ دخل يعقوب ، فجثا بين يديه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد عرفت اضطراب أمر مصر، وأمرتنى أن ألتمس لها رجلا يجمع أمرها ، فلم أزل أرتاد حتى أصبت لها رجلا يصلح لذلك. قال: ومَنْ هو ؟ قال : ابن عمّك إسحاق بن الفضل، فرأى يعقوب فى وجهه التغيّر (٣)، فنهض فخرج، وأتبعه المهدىّ طرفه، ثم قال: قتلنى اللّه إن لم أقتلك! ثم رفع رأسه إلىّ وقال : اكتم علىَّ ويلك ! قال : ولم يزل مواليه يحرِّضونه عليه ويُوحشونه منه ، حتى عزم (٤) على إزالة النعمة عنه. (١) ابن الأثير: ((فالتمسوا)). (٣) ج: ((التغيير)). (٢) ابن الأثير: (( بين الناى والعود)). (٤) ج: ((خرج)). ١٥٧ سنة ١٦٦ وقال موسى بن إبراهيم المسعودىّ: قال المهدىّ: وُصف لى يعقوب بن داود فى منامى، فقيل لى أن اتّخذْه وزيراً. فلما رآه ، قال : هذه والله الخلقة التى رأيتُها فى منامى، فاتخذه وزيراً ، وحظىَ عنده غاية الحظوة ، فمكث حينًا حتى بنى عيساباذ ، فأتاه خادم من خَدَمه - وكان حظيًّا عنده - فقال له : إن أحمد بن إسماعيل بن علىّ ، قال لى : قد بنى متنزَّهًا أنفق عليه خمسين ألف ألف من بيت مال المسلمين ، فحفظها عن الخادم ، ونسى أحمد ابن إسماعيل، وتوهّمها على يعقوب بن داود، فبينا يعقوب بين يديه إذْ لبه ، فضرب به الأرض، فقال : مالى ولك يا أمير المؤمنين! قال : ألست القائل : إنى أنفقت على متنزَّه لى خمسين ألف ألف! فقال يعقوب : والله ما سمعتْه أذناى ، ولا كتبه الكرام الكاتبون ؛ فكان هذا أوّلَ سبب أمره . ٥١٠/٣ قال: وحد ثنی أبى، قال: كان يعقوب بن داود قد عرف عن المهدىّ خلصًا واستهتاراً بذكر النساء والجماع ، وكان يعقوب پن داود يصف من نفسه فى ذلك شيئًا كثيراً ، وكذلك كان المهدىّ ، فكانوا يخلُون بالمهدىّ ليلا فيقولون: هو على أن يصبح فيثور بيعقوب؛ فإذا أصبح غدا عليه يعقوب وقد بلغه الخبر ، فإذا نظر إليه تبسم، فيقول: إنّ عندك خيراً! فيقول : نعم، فيقول: اقعد بحياتى فحدِّنى، فيقول : خلوت بجاريتى البارحة ، فقالت وقلت ، فيصنع لذلك حديثًا ، فيحدّث المهدىّ بمثل ذلك ، ويفترقان على الرضا ، فيبلغ ذلك مَنْ يسعى على يعقوب ، فيتعجّب منه . قال : وقال لى الموصلىّ: قال يعقوب بن داود للمهدىّ فى أمر أراده: هذا واللّه السرف ، فقال : ويلك ! وهل يحسن السرف إلا بأهل الشرف! ويْلك يا يعقوب، لولا السرف لم يعرف المكثرون من المقترين ! وقال علىّ بن يعقوب بن داود عن أبيه، قال : بعث إلىّ المهدى يوماً ، فدخلت عليه ، فإذا هو فى مجلس مفروش بفَرْش مُوَرّد متناهٍ فى السرور (١) على بستان فيه شجر، ورءوس (٢) الشجر مع صحن المجلس، وقد اكتسى (١) ج: ((فى الحسن)). (٢) ج: ((وبين)). ٥١١/٣ ١٥٨ سنة ١٦٦ ذلك الشجر بالأوراد (١) والأزهار من الخَوْخ والتفاح، فكلّ ذلك مورّد يشبه فرش المجلس الذى كان فيه ، فما رأيت شيئًا أحسَن منه ؛ وإذا عنده جارية مارأيتُ أحسن منها، ولا أشطَّ قَواماً، ولا أحسن اعتدالاً، عايها نحوتلك الثياب،فما رأيت أحسن من جملة ذلك. فقال لى : یا یعقوب، کیف تری مجلسنا هذا ؟ قلت : على غاية الحسن ، فمتّع اللّه أمير المؤمنين به، وهنّأه إياه، فقال: هو لك ، احمله بما فيه وهذه الجارية (٢) ليتمّ سرورك به . قال : فدعوت له بما يجب (٣). قال: ثم قال: يا يعقوب، ولى إليك حاجة، قال: فوثبتُ قائمًاً ثم قلت: يا أميرَ المؤمنين، ما هذا إلا من موجدة (٤)، وأنا أستعيذ بالله من سخط أمير المؤمنين ! قال : لا ، ولكن أحبّ أن تضمن لى قضاء هذه الحاجة فإنى لم أسألكها من حيث تتوهّ ، وإنما قلت ذلك على الحقيقة ، فأحبّ أن تضمنَ إلى هذه الحاجة وأن تقضيتها لى، فقلت: الأمر لأمير المؤمنين وعلىّ" السمع والطاعة، قال :- والله قلت واللّه ثلاثًا- قال: وحياة رأسى ! قلت: وحياة رأسك ، قال : فضع يدك عليه واحلف به ، قال : فوضعت يدى عليه ، وحلفت له به لأعملنّ بما قال، ولأقضينّ حاجته . قال: فلما استوثق منى فى نفسه ، قال : هذا فلان بن فلان ، من ولد علىّ ، أحبّ أن تكفیستی مؤونته ، وتريحنى منه ، وتعجِّل ذلك . قال : قلت: أفعل، قال: فخذه إليك ، فحوّلته إلىّ ، وحوّلت الجارية وجميع ما كان فى البيت من فرش وغير ذلك ، وأمر لى معه بمائة ألف درهم . ٥١٢/٢ قال : فحملت ذلك جملة ، ومضيتُ به ، فلشدّة سرورى بالجارية صیّتها فى مجلس بينى وبينها ستر ، وبعثتُ إلى العلوىّ ، فأدخلته على نفسى ، وسألته عن حاله ، فأخبرنى بها، ويُجُمَلٍ منها، وإذا هو ألبّ الناس وأحسنُهم إبانة . قال : وقال لى فى بعض ما يقول : وَيَحْك يا يعقوب! تلقى اللّه بدمى ، وأنا رجل من ولد فاطمة بنت محمد! قال: قلت : لا والله، فهل فيك خير ؟ (١) ج: ((بالأنوار)). (٢) س: ((وخذه والجارية)). (٤) ا: (لموجدة))، س: ((بموجدة). (٣) إ، ج: ((يحب). ١٥٩ سنة ١٦٦ قال : إن فعلتَ خيراً شكرتُ ولك عندى دعاء واستغفار . قال : فقلت له أىّ الطرق أحبُّ إليك؟ قال: طريق كذا وكذا، قلتُ: فَمنْ هناك ممّن تأنس به وتثق بموضعه ؟ قال : فلان وفلان ، قلت : فابعث إليهما، وخُذْ هذا المال ، وأمض معهما مصاحبًا فى ستر اللّه، وموعدك وموعدهما للخروج من دارى إلى موضع كذا وكذا - الذى اتفقوا عليه - فى وقت كذا وكذا من الليل ؛ وإذا الجاريةُ قد حفظت علىّ قولى ؛ فبعثتْ به مع خادم لها إلى المهدىّ، وقالت: هذا جزاؤك من الذى آثرته على نفسك ؛ صنع وفعل كذا وكذا ؛ حتی ساقت الحديث كلّه . قال : وبعث المهدىّ من وقته ذلك ، فشحن تلك الطرُّق والمواضع التى وصفها يعقوب والعلوىّ برجاله، فلم يلبث أن جاءوه بالعلوىّ بعينه وصاحبيْه والمال، على السجية التى حكتها الجارية. قال: وأصبحتُ من غدٍ ذلك اليوم، فإذا رسولُ المهدىّ يستحضرنى - قال : وكنتُ خالىّ الذرع غيرُ ملقٍ إلى أمر العلوىّ بالاً (١) حتى أدخل على المهدىّ، وأجده على کرسی بيده مخصرة - فقال : يا يعقوب، ما حال الرجل ؟ قلتُ: يا أمير المؤمنين ، قد أراحك الله منه، قال : مات؟ قلت: نعم، قال : واللّه، ثم قال: قم فضع يدك على رأسى ؛ قال: فوضعت يدى على رأسه ، وحلفتُ له به . قال: فقال : يا غلام، أخرج إلينا ما فى هذا البيت (٢)، قال: ففتح بابه عن العلوىّ وصاحبيه والمال بعينه . قال: فبقيتُ متحيّراً، وسُقِط (٣) فى يدى ، وامتنع منى الكلام ، فما أدرى ما أقول ! قال : فقال المهدىّ : لقد حلَّ لى دمك لو آثرتُ إراقته، ولكن احبسوه فى المطبَق؛ ولا أذكَّر به، فحبستُ فى المطبق، واتُّخذ لى فيه بئرٌّ فدُلِّيت فيها، فكنت كذلك أطولَ مدّة لا أعرف عدد الأيام (٤) وأصبْتُ ببصرى، وطال شعرى ؛ حتى استرسل كهيئة شعور البهائم. قال : فإنى لكذلك ، إذا دُعى بى فمُضِىَ بى إلى حيث لا أعلم أين هو ، فلم أعْدُ أن قيل لى: سلم على أمير المؤمنين ، فسلمت، فقال: أىّ أمير المؤمنين أنا ؟ قلت: المهدىّ، قال: رحم الله المهدىّ، قلت : فالهادى ؟ قال: رحم الله الهادى، قلت: فالرّشيد ؟ قال: نعم؛ قلت: ما أشك فى وقوف (٥) ٥١٢/٣ (١) كذا فى م. (٢) ج: ((من فى هذ البيت)). (٣) ج: ((وأسقط)). (٥) !: ((وقوع)). (٤) ا: ((طول مدة لا أعددها)). ١٦٠ سنة ١٦٦ أمير المؤمنين على خبرى وعلَّى وما تناهتْ إليه حالى ، قال : أجل ، كلّ ذلك عندى قد عرف أمير المؤمنين، فسَلْ حاجتَك ، قال : قلت : المقام بمكّة ، قال : نفعل ذلك، فهل غير هذا ؟ قال : قلت : ما بقى فىّ مستمتع لشىء ولا بلاغ ، قال : فراشداً. قال : فخرجتُ فكان وجهى إلى مكة . قال ابنه : ولم يزل بمكة فلم تطُل أيامه بها حتى مات . ٥١٤/٣ قال محمد بن عبد الله: قال لى أبى: قال يعقوب بن داود: وكان المهدىّ لا یشرب النبيذ إلاّ تحرّجًا(١)؛ ولكنه كان لا یشتهيه؛ وكان أصحابه: عمر بن بزيع والمعلى مولاه والمفضّل ومواليه يشربون عنده بحيث يراهم ، قال : وكنت أعِظُه فى سَقْهم النبيذ وفى السماع، وأقول : إنه ليس على هذا استوزرتسنى ولا على هذا صحبتك؛ أبعْد الصّلوات الخمس (٢) فى المسجد الجامع، يُشرب عندك النبيذ وتسمع السماع ! قال : فكان يقول : قد سمع عبدُ اللّه بن جعفر، قال : قلت : ليس هذا من حسناته ؛ لو أنَّ رجلا سمع فى كلّ يوم كان ذلك يزيده قربة من الله أو بعداً ! وقال محمد بن عبد الله : حدّثنى أبى ، قال : كان أبى يعقوب بن داود قد ألحّ على المهدىّ فى حَسْمِه عن السماع وإسقائه النبيذ حتى ضيّق عليه ؛ وكان يعقوب قد ضجير بموضعه ، فتاب إلى الله مما هو فيه ؛ واستقبل وقدّم النّية فى تركه موضعه . قال : فكنت أقول للمهدىّ : يا أمير المؤمنين ؛ واللّه لشربةُ خمر أشربها أتوب إلى اللّه منها أحبّ إلىّ مما أنا فيه ؛ وإنى لأركب إليك فأتمنى يداً خاطئة تصيبنى فى الطريق ، فأعفنى وولِ غيرِى مَنْ شئت ؛ فإنى أحبّ أن أسلِّم عليك أنا وولدى؛ ووالله إنى لأتفزّع فى النوم؛ ولّيتسنى أمور المسلمين (٣) وإعطاء الجند، وليس دنياك عوضًا من آخرتى. قال : فكان يقول لى: اللهم غفراً! اللهم أصلح قلبه ، قال : فقال شاعر له : فَدَعْ عنك يعقوبَ بنَ داودَ جانباً وأَقبِلْ على صَهباءَ طَيِبةِ النَّشرِ (١) كذا فى ا، س، وفى ط: ((لا تحرجا)). (٢) س: ((صلاة الخمس))، ابن الأثير: ((بعد الصلوات الخمس)). (٣) ج: ((الناس)).