النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ سنة ١٥٨ أيام ولايته العهد ؛ ومات قبل أن يلى المهدىّ الخلافة . قال : وكان مما مدح به بنى أمية قوله : أين أَهلُ الباع منهم والحَسبْ! أَینَ رَوْقَا عبد شمسٍ أَیْنَ هُمْ ما فَعلَمْ آلِ عبدِ المطلبْ! لم تكْن أَيْدٍ لهم عندكُمُ جُنَت تلمعُ من فوْق الخشب أيها السّائل عنهمُ أُولو بالَقَوْمِ للزمان المنقلِبْ ! إنْ تجُذُّوا الأَصلَ منهمْ سَفِهاً فسَتُسقَون صَرَى ذاك الحَلبْ إِنْ فاحلبُوا ماشئتمُ فىصَحْنکمْ وقيل: إن حفصاً الأموىّ دخل على المنصور، فكلّمه فاستخبره ، فقال له : من أنت؟ فقال: مولاك يا أميرَ المؤمنين، قال: مولى لى مثلك لا أعرفه ! قال: مولى خادم لك عبد مناف يا أمير المؤمنين؛ فاستحسن ذلك منه ، وعلم أنه مولى لبنى أميّة، فضمه إلى المهدىّ ، وقال له : احتفظ به . وما رُبى به قول سَلْم الخاسر : كيف فاهَتْ بموته الشَّفَتَانِ ! عجباً للذى نَعَى الناعيانِ أَصبحَ الدّهرُ ساقطاً للجِرَانِ مَلكُ إِن غَدَا على الدَّهرِ يوماً لم تَعُدْ فى يمينها ببَنَان فٍ وأَغضَى من خوفه الثَّقَلَانِ ملكَ، عشرون حجَّةً واثنتان أَخَذَتْهُ قوادحُ النِّيرانِ دَحُ فِى حَبْله ذَوو الأذهانِ قادَ أَعداءَه بغيرِ عِنانِ ◌ِىَ من خوفِهِ على الأَذقان خَلْفَ أُقصاهُمُ ودونَ الدّانى لَ على غاربِ الشَّرُودِ الهدَانِ لَيْت كفَّا حَثَتْ عليه تراباً حين دانَتْ له البلادُ على العَسْـ أَينَ ربُّ الزَّوْراءِ قد قلّدَتْهُ الـ إنّما المرءُ كالزناد إذا ما ليس يَثنى هَواه زَجرٌ ولا يَقـ قَلَّدَتِهُ أَعِنَّةُ المُلكِ حتى يُكْسَرُ الطَّرْفُ دونه وترى الأُدـ ضَّ أَطرافَ مُلكه ثم أُضحَى هاشِمِىّ التَّشميرِ لاَ يَحْمِلُ اللَّهْ ٤٤٢/٣ ١٠٢ سنة ١٥٨ فَ وعزمٍ يُلوِى بكلِّ جَنَانِ ذو أَناةٍ ينسَى لها الخائفُ الخَو غير أَنَّ الأَرواحَ فى الأُبدانِ ذَهَبَتْ دونه النفوسُ حِذارًا ٠ ٥ ٥ ذ کر أسماء ولده ونسائه فمن ولده المهدىّ- واسمه محمد- وجعفر الأكبر، وأمّهما أروى بنت منصور أخت يزيد بن منصور الحميرىّ ؛ وكانت تكنى أم موسى ؛ وهلك جعفر هذا قبل المنصور . وسليمان وعيسى ويعقوب ؛ وأمهم فاطمة بنت محمد ، من ولد طلحة بن عبيد الله . وجعفر الأصغر، أمّه أمّ ولد كرديّة ، كان المنصور اشتراها فتسرّاها ، وكان يقال لابنها : ابن الكرديّة . وصالح المسكين، أمّه أم ولد روميّة ، يقال لها قالى الفرّاشة . والقاسم، مات قبل المنصور، وهو ابن عشر سنين ، وأمه أم ولد تعرف بأم القاسم ، ولها بباب الشأم بستان يعرف إلى اليوم ببستان أمّ القاسم . ٤٤٣/٣ والعالية، أمّها امرأة من بنى أميّة ، زوّجها المنصور من إسحاق بن سليمان ابن علىّ بن عبد الله بن العباس . وذكر عن إسحاق بن سليمان أنه قال: قال لى أبى : زوّجتُك يا بنىّ أشرف الناس ؛ العالية بنت أمير المؤمنين. قال: فقلت : يا أباه، مَنْ أكفاؤنا؟ قال : أعداؤنا من بنى أميّة . ٠ ٠ ذكر الخبر عن وصاياه ذكر عن الهيثم بن عدىّ أن المنصور أوصى المهدىّ فى هذه السنة لما شخص متوجها إلى مكة فى شوّال، وقد نزل قصر عَبْدويه، وأقام بهذا القصر أيامًاً والمهديّ معه يوصيه، وكان انقضّ فى مقامه بقصر عبدويه کوکبٌ، لثلاث ١٠٣ سنة ١٥٨ بقينَ من شوّال بعد إضاءة الفجر ، وبقى أثره بِّينًا إلى طلوع الشمس ، فأوصاه بالمال والسلطان ؛ يفعل(١) ذلك كلّ يوم من أيام مقامه بالغّداة والعشىّ ، لا يفتر عن ذلك، ولا يفترقان إلاّ تحريكاً. فلما كان اليوم الذى أراد أن يرتحل فيه ، دعا المهدىّ، فقال له : إنى لم أدع شيئًا إلا قد تقدمتُ إليك فيه ، وسأوصيك بخصال (٢) والله ما أظنك تفعل واحدة منها - وكان له سَفَط فيه دفاتر علمه، وعليه قُفل لا يأمن على فتحه ومفتاحه أحداً، يصرّ مفتاحه فى كمّ قميصه . قال: وكان حمّاد التركىّ يقدّم إليه ذلك السّفط إذا دعا به ، فإذا غاب حماد أو خرج كان الذى يليه سلمة الخادم - فقال للمهدىّ: انظر هذا السَّفَط فاحتفظ به؛ فإنّ فيه علم آبائك، ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة؛ فإن أحزنك(٣) أمر فانظر فى الدّفتر الأكبر ؛ فإن أصبتَ فيه ما تريد، وإلا فالثانى والثالث ؛ حتى بلغ سبعة ؛ فإن ثقل عليك فالكرّاسة الصغيرة ؛ فإنك واجد فيها ما تريد، وما أظنّك تفعل ، وانظر هذه المدينة ؛ فإياك أن تستبدل بها؛ فإنها بيتك(٤) وعزّك، قد جمعتُ لك فيها من الأموال ما إن كُسر عليك الخراج عشر سنين كان عندك كفاية الأرزاق الجند والنفقات وعطاء الذّرية ومصلحة الثّغور؛ فاحتفظ بها، فإنك لا تزال عزيزاً ما دام بيت مالك عامراً، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل بيتك؛ أن تُظهر كرامتهم وتقدمهم (٥) وتكثر الإحسان إليهم، وتعظم أمرهم-، وتوطئ الناس أعقابهم، وتولّيهم المنابر؛ فإنّ عزّك عزَّهم وذكرهم لك، وما أظنك تفعل . وانظر مواليك ، فأحسن إليهم وقرّبهم واستكثر منهم فإنهم مادّتك لشدة إن نزلت بك ، وما أظنك تفعل . وأوصيك بأهل خُراسان خيراً ، فإنهم أنصارك وشيعتُك الّذين بذلوا أموالهم فى دولتك، ودماء هم دونك ، ومَنْ لا تخرج محبتك من قلوبهم ؛ أن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم على ما كان منهم، وتخللُف مَن مات منهم فى أهله وولده، وما أظنّك تفعل. وإياك أن تبنى مدينة الشرقيّة فإنك لا تتم بناءها، وما أظنّك تفعل. وإيَّاك أن ٣ /٤٤٤ (١) س: ((ففعل)). (٣) ب: ((حزنك)). (٥) س: ((وتقدمتهم)). (٢) ب: ((بخلال)). (٤) ب: ((مدينتك)). ١٠٤ سنة ١٥٨ تستعين برجل من بنى سُليم ، وأظنّك ستفعل . وإياك أن تدخل النساء فى مشورتك فى أمرك ، وأظنك ستفعل . ٤٤٥/٣ وقال غير الهيثم: إنّ المنصور دعا المهدىّ عند مسيره إلى مكة ، فقال : يا أبا عبد الله، إنى سائر وإنى غير راجع؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون! فاسأل الله بركة ما أقدم عليه ، هذا كتاب وصيتى مختومًا، فإذا بلغك أنى قد مت ، وصار الأمر إليك فانظر فيه ، وعلىّ دينٌ فأحبّ أن تقضِيَه وتضْمنه ، قال : هو علىّ يا أميرَ المؤمنين ، قال: فإنه ثلثمائة ألف درهم ونيف، ولست أستحلُّها من بيت مال المسلمين ، فاضمنها عنى ، وما يفضى إليك من الأمر أعظم منها . قال: أفعل ، هو علىّ. قال : وهذا القصر ليس هو لكَ ، هو لى، وقصرى بنيتُه بمالى، فأحبّ أن تصيّر نصيبك منه لإخوتك الأصاغر. قال: نعم، قال: ورقيقى الخاصّة هم لك، فاجعلهم لهم، فإنك تصير إلى ما يُغنيك عنهم ، وبهم إلى ذلك أعظم الحاجة . قال: أفعل، قال : أمّا الضّياع، فلست أكلِّفك فيها هذا، ولو فعلتَ كان أحبَّ إلىّ، قال: أفعل، قال: سلِمْ إليهم ما سألتك من هذا ، وأنت معهم فى الضياع . قال : والمتاع والثياب ، سلُّمه لهم ، قال : أفعل . قال : أحسنَ الله عليك الخلافة ولك الصُّنْعِ! اتق الله فيما خَوّك وفيما خلّفْتُك عليه . ومضى إلى الكوفة ، فنزل الرُّصافة، ثمّ خرج منها مهلاً بالعمرة والحجّ ، قد ساق هدَيَه من البُدْن، وأشعر وقلّد ؛ وذلك لأيام خلتْ من ذى القعدة . وذكر أبو يعقوب بن سليمان، قال: حدثنى جمرة العطَّارة - عطّارة أبى جعفر - قالت: لما عزم المنصور على الحج دعا رَيْطة بنت أبى العباس امرأة المهدىّ - وكان المهدىّ بالرىّ قبل شخوص أبى جعفر - فأوصاها بما أراد، وعهد إليها ، ودفع إليها(١) مفاتيح الخزائن، وتقدّم إليها وأحلفها، ووكّد الأيمان ألاّ تفتح بعض تلك الخزائن ، ولا تُطلع عليها أحداً إلا المهدىّ؛ ولا هى؛ إلاّ أن یصحّ عندها موته ، فإذا صحّ ذلك اجتمعتْ هی والمهدى وليس معهما ٤٤٦/٣ (١) س: ((لها)). ١٠٥ سنة ١٥٨ ثالث؛ حتى يفتحا(١) الخزانة. فلما قدم المهدىّ من الرّىّ إلى مدينة السلام، دفعت إليه المفاتيح، وأخبرته عن المنصور أنه تقدّم إليها فيه ألا يفتحه ولا يُطلع عليه أحداً حتى يصحّ عندها موتُه . فلما انتهى إلى المهدىّ موتُ المنصور وولىَ الخلافة ، فتح الباب ومعه ريطة ؛ فإذا أزجٌ (٢) كبير فيه جماعة من قتلاء الطالبيين ، وفى آذانهم رقاع فيها أنسابهم ؛ وإذا فيهم أطفال ورجال شباب ومشايخ عدّة كثيرة ، فلما رأى ذلك المهدىّ ارتاع لما رأى، وأمر فحفِرت لهم حفيرة فدفنوا فيها ، وعمل عليهم دكان . وُذكِرِ عن إسحاق بن عيسى بن علىّ، عن أبيه، قال: سمعتُ المنصور وهو متوجّه إلى مكة سنة ثمان وخمسين ومائة ، وهو يقول للمهدىّ عندَ وداعه إياه: يا أبا عبد اللّه؛ إنى وُلدت فى ذى الحجّة، ووليت فى ذى الحجة ، وقد هجس فى نفسى أنى أموت فى ذى الحجة من هذه السنة ؛ وإنما حدانى على الحجّ ذلك ، فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدى ؛ يجعل لك فيما كَرَبَك وحزنك مخرجاً - أو قال: فرجًا ومخرجًا - ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب . احفظ يا بنىّ محمداً صلى الله عليه وسلم فى أمّته يحفظ الله عليك أمورك. وإياك والدّم الحرام، فإنه حَوْبٌ عند اللّه عظيم، وعارٌ فى الدنيا لازم مقيم. والزم الحلال ؛ فإنّ ثوابتَك فى الآجل ، وصلاحك فى العاجل . وأقم الحدود ولا تعتد فيها فتبور؛ فإن اللّه لو علم أنّ شيئًا أصلحُ لدينه وأزجرُ من معاصيه من الحدود لأمر به فى كتابه . واعلم أنّ من شدّة غضب اللّه لسلطانه، أمر فى كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على مَنْ سعى فى الأرض فساداً، مع ما ذخر له عنده من العذاب العظيم ، فقال : ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا﴾(٣) الآية. فالسلطان يا بنىّ حبْل الله المتين، وعُروته الوثقى، ودين اللّه القَيّم، فاحفظه وحُطْه وحصّنه ، وذُبَّ عنه، وأوقع بالملحدين فيه ، واقْمَع المارقين ١، الخارجين عنه بالعقاب لهم والمَثُلات بهم ؛ ولا تجاوز ما أمر منه ٤٤٧/٣ (١) ب: ((ففتحت)). (٣) سورة المائدة ٣٣ . (٢) الأزج : ضرب من الأبنية. ١٠٦ ٤٤٨/٣ سنة ١٥٨ الله به فى محكم القرآن . واحكم بالعدل ولا تُشْطِط؛ فإن ذلك أقطعُ الشَّغَب ، وأحسم للعدوّ ، وأنجع فى الدواء . وعفّ عن الفىء ، فليْس بك إليه حاجة مع ما أخلِّفْه لك، وافتتح عملك بصلة الرَّحِيمِ وبرّ القرابة. وإياك والأثرة(١) والتبذير لأموال الرّعية . واشحن الثغور، وأضبط الأطراف، وأمَّن السبل ، وخصّ الواسطة، ووسّع المعاش، وسكِّن العامة ، وأدخل المرافق عليهم ، واصرف (٢) المكاره عنهم، وأعدّالأموال واخزنها. وإيّاك والتبذير؛ فإنّ النوائب غير مأمونة ، والحوادث غير مضمونة ؛ وهى من شيم الزّمان. وأعدّ الرجال والكُراع والجند ما استطعت . وإيّاك وتأخيرَ عمل اليوم إلى غد، فتتدارك(٣) عليك الأمور وتضيع. جِدًّ(٤) فى إحكام الأمور النازلات لأوقاتها أولا فأولا، واجتهد وشمر فيها ، وأعدد رجالاً بالليل لمعرفة ما یکون بالنهار، ورجالا بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل . وباشر الأمور بنفسك ، ولا تضجر ولا تكسل ولا تفشل، واستعمل حسن الظنّ بربك، وأسئ الظن بعمَّالك وكتابك (٥). وخذ نفسك بالتيقظ، وتفقّد مَنْ يبيت على بابك، وسهّل إذنتَك للناس ، وانظر فى أمر النزاع إليك ، ووكِّل بهم عينًا غير نائمة، ونفسًا غير لاهية ، ولا تنم فإنّ أباك لم ينمْ منذ ولِىَ الخلافة، ولا دخل عينه غمض إلاّ وقلبه مستيقظ . هذه وصيتى إليك ، واللّه خليفتى عليك . قال : ثم ودّعه وبكى كلّ واحد منهما إلى صاحبه . وذكر عمر بن شّة عن سعيد بن هريم ، قال : لما حجّ المنصور فى السنة التى تُوفّىَ فيها شيعه المهدىّ، فقال: يا بنىّ ، إنى قد جمعتُ لك من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبلى، وجمعت لك من الموالى ما لم يجمعه خليفة قبلى ، وبنيت لك مدينة لم يكن فى الإسلام مثلها ؛ ولست أخاف عليك إلا أحدَ رجلين : عيسى بن موسى ، وعيسى بن زيد ؛ فأما عيسى بن موسى (١) ابن الأثير: ((الأشرة)). (٣) س: ((فتدال)). (٥) س: ((ورجال كفايتك)). (٢) ابن الأثير: ((وادفع)). (٤) ابن الأثير: ((خذ)) . ١٠٧ سنة ١٥٨ فقد أعطانى من العهود والمواثيق ما قبلتُه، ووالله لو لم يكن إلا أن يقول قولا لما خفتُهُ عليك ، فأخرجه من قلبك . وأما عيسى بن زيد فأنفق هذه الأموال واقتل هؤلاء الموالى ، واهدم هذه المدينة حتى تظفر به ، ثم لا ألومك . ٤٤٩/٣ وذكر عيسى بن محمد أنّ موسى بن هارون حدثه، قال: لما دخل المنصور آخرَ منزل نزلته من طريق مكة، نظر فى صدر البيت الذى نزل فيه، فإذا فيه مكتوب : بسم الله الرحمن الرحيم . سِنُوكِ، وَأَمرُ اللّه لا بدَّ واقِعُ أبا جعفرٍ حانَتْ وَفاتُكَ وانقَضَتْ. لك اليومَ من حَرّ المَنِيَّةِ مانعُ ! أبا جعفر هل كاهنٌ أَو مُنجَمٌ قال : فدعا بالمتولى لإصلاح المنازل ، فقال له : ألم آمرك ألا يدخل المنزل أحدٌ من الدعّار! قال: يا أمير المؤمنين؛ والله ما دخلها أحد منذ فُرِغ منها ، فقال: اقرأ ما فى صدر البيت مكتوباً، قال: ما أرى شيئًا يا أمير المؤمنين، قال : فدعا برئيس الحجَبة ، فقال : اقرأ ما على صدر البيت مكتوبًا ، قال : ما أرى على صدر البيت شيئًا، فأملى البيتين فكُتِبا عنه ، فالتفت إلى حاجبه فقال: اقرأ لى آية من كتاب الله جل وعزّ تشوّقنى إلى اللّه عزّ وجلّ، فتلا: ( بسم الله الرحمن الرحيم. وَسَيْعَلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَىَّ مُنْقَذَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (١)، فأمر بفكَّيْه فوجئا. وقال: ما وجدت شيئًا تقرؤه غير هذه الآية! فقال : يا أميرَ المؤمنين ، مُحِى القرآن من قلبى غير هذه الآية، فأمر بالرّحيل عن ذلك المنزل تطيُّرًا مما كان ، وركب فرسًا ، فلما كان فى الوادى الذى يقال له سقتر- وكان آخر منزل بطريق مكة - كبا به الفرس ، فدق ظهره ، ومات فدفن بیثر ميمون . وذكر عن محمد بن عبد الله مولى بنى هاشم ، قال : أخبرنى رجل من العلماء وأهل الأدب ، قال : هتف بأبى جعفر هاتف من قصره بالمدينة فسمعه يقول : (١) سورة الشعراء ٢٢٧ ٤٥٠/٣ ١٠٨ سنة ١٥٨ كثيرةُ الشَّرَكِ إِنْ المنايا أَمَا وربِّ السُّكُونِ وَالحَرَكِ عليكِ يانفسُ إِن أَسأْتِ وإِنِ أَحْسَنْتِ بِالقَصْدِ، كلٌّ ذائَلَكِ(١) دارَتِ نُجومُ السماءِ فى الفَلَكِ ما اخْتُلَفَ الليلُ والنهارُ ولاَ إذا انقضَى مُلكهُ إِلى مَلِكِ إلا بِنَقْلِ السُّلْطان عن مَلكِ ما عِزَّ سُلطانه بِمُشتَرَكِ حتى يُصيرَا به إِلى مَلِكٍ ذاك بديعُ السماءِ والأَرْض والمُرْ سِى الجبالِ المُسخِّرُ الفَلَكِ فقال أبو جعفر : هذا واللّه أوان أجلى. وذكر عبد الله بن عبيد اللّه، أنّ عبد العزيز بن مُسلم حدّثه أنه قال: دخلت على المنصور يومًا أسلم عليه ؛ فإذا هو باهت لا يحير جوابًا ، فوثبت لما أرى منه، أريد الانصراف عنه ، فقال لى بعد ساعة : إنى رأيت فيما يرى النائم ؛ كأن رجلا ينشدنى هذه الأبيات : فكأَنَّ يَوْمَكَ قد أَتَاكَا أَأُخَىَّ أَخفِض مِن مُنَاكا تَصرِيفِهِ ما قَدْ أَراكًا ولقد أَرَاكِ الدَّهِرُ مِنْ عبدَ الذَّلِيلَ فأَنتِ ذَاكَا فإِذا أَرَدْتَ النَّاقِصَ الـ والأمرُ فيه إِلى ◌ِوَاكًا مُلِّكْتَ مَا مُلِّكْتَهُ فهذا الذى ترى من قلقى وَغمّ لما سمعت ورأيت . فقلت : خيراً رأيتَ يا أمير المؤمنين . فلم يلبث إلى أن خرج إلى الحجّ فمات لوجهه ذاك ٤٥١/٣ وفى هذه السنة بُويع للمهدى بالخلافة، وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس بمكة؛ صَبيحة الليلة التى تُوفّىَ فيها أبو جعفر المنصور (١) س: ((فى اليوم كان لك)). ١٠٩ سنة ١٥٨ وذلك يوم السبت لستّ ليال خلون من ذى الحجة سنة ثمان وخمسين ، كذلك قال هشام بن محمد ومحمد بن عمر وغيرهما . وقال الواقدىّ : وبويع له ببغداد يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت من ذى الحجة من هذه السنة . وأمّ المهدىّ أم موسى بنت منصور بن عبد الله بن يزيد بن شَمَّر الحميرىّ. خلافة المهدىّ محمد بن عبد الله بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن العباس ذكر الخبر عن صفة العقد الذى عُقد للمهدىّ بالخلافة حين مات والده المنصور بمكة ٤٥٢/٣ ذكر علىّ بن محمد النوفلىّ أن أباه حدثه، قال: خرجت فى السنة التى مات فيها أبو جعفر من طريق البصرة ؛ وكان أبو جعفر خرج على طريق الكوفة ، فلقيتُه بذات عِرْق ، ثم سرت معه ، فكان كلَّما ركب عرضتُ له فسلمت عليه ، وقد كان أدنف وأشفى على الموت ، فلما صار ببثر ميمون نزل به ، ودخلنا مكة ، فقضيتُ مُمرتى ، ثم كنت أختلف إلى أبى جعفر إلى مَضْربه، فأقيم فيه (١) إلى قريب من الزّوال ، ثم أنصرف - وكذلك كان يفعل الهاشميّون - وأقبلت علّته تشتدّ وتزداد، فلما كان فى الليلة التى مات فيها ، ولم نعلم ؛ فصليت الصبح فى المسجد الحرام مع طلوع الفجر، ثم ركبتُ فى ثوبيّ(٢) متقلداً السيف عليهما، وأنا أساير محمد بن عون بن عبد الله بن الحارث - وكان من سادة بنى هاشم ومشايخهم ؛ وكان فى ذلك اليوم عليه ثوبان مورّدان قد أحرم فيهما ، متقلّداً السيف عليهما - قال : وكان مشايخ بنى هاشم يحبّون أن يحرِموا فى المورّد لحديث عمر بن الخطاب وعبد الله بن جعفر وقول علىّ بن أبى طالب فيه(٣). فلما صرنا بالأبطح لقيمنا العباس بن محمد ومحمد بن سليمان فى خيل ورجال يدخلان مكة ، فعدلنا إليهما ، فسلّمنا عليهما ثم مضينا ، فقال لى محمد بن عون : ما ترى حال هذين ودخولهما مكة ؟ قلت: أحسب الرَّجُل قد مات ؛ فأرادا أن يحصّنا مكة ؛ فكان ذلك كذلك ، فبينا (١) ج: (معه). (٣) ج: ((فى ذلك)). (٢) ب، ج: ((نوبتى)). ١١١ سنة ١٥٨ نحن نسير، إذا رجل خفيّ الشَّخْص(١) فى طِمْرين، ونحن بعد فى غَلَس، قد جاء فدخل بين أعناق دابتيْنا ، ثم أقبل علينا ، فقال: مات واللّه الرجل ! ثم خفى عنّا، فمضينا(٢) نحن حتى أتينا العسكر، فدخلنا السُّرادق الذى كنا نجلس فيه فى كلّ يوم ؛ فإذا بموسى بن المهدىّ قد صدِّرَ عند ◌َمُود السرادق؛ وإذا القاسم بن منصور فى ناحية السُّرادق - وقد كان حين لقينا المنصور بذات عرْق، إذا ركب المنصور بعيره جاء القاسم فسار بين يديه بينه وبين صاحب الشرطة، ويؤمر الناس أن يرفعوا القصص إليه - قال: فلما رأيته فى ناحية السرادق ورأيت موسى مصدّرًا، علمت أنّ المنصور قدمات . قال: فبينا أنا جالس إذ أقبل الحسن بن زيد ، فجلس إلى جنبى ، فصارت فخذه على فخذى ، وجاء الناس حتى ملئوا السرادق ، وفيهم ابن عيّاش المنتوف؛ فبينا نحن كذلك، إذ سمعنا همسًا من بكاء ، فقال لى الحسن : أترى الرجل مات ! قلت : لا أحسب ذلك؛ ولكن لعله ثقيل، أو أصابته غشية، فما راعنا إلا بأبى العنبر الخادم الأسود خادم المنصور ، قد خرج علينا مشقوق الأقبية من بين يديه ومن خَلْفه، وعلى رأسه التراب ، فصاح: وا أمير المؤمنيناه ! فما بقى فى السرادق أحدٌ إلاّ قام على رجليه ، ثم أهووا نحو مضارب أبى جعفر يريدون الدّخول ، فمنعهم الخدم ، ودفعوا فى صدورهم . وقال ابن عياش المنتوف : سبحان الله ! أما شهدتم موت خليفة قط ! اجلسوا رحمكم الله . فجلس الناس، وقام القاسم فشقّ ثيابه ، ووضع التراب على رأسه ، وموسى جالس على حاله . وكان صبيًّا رَطْبًا ما يتحلحل . ٤٥٣/٣ ثم خرج الرّبيع، وفى يده قرطاس ، فألقى أسفله على الأرض ، وتناول طرفه ، ثم قرأ : بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى مَنْ خلّف بعده من بنى هاشم وشيعته من أهل خُراسان وعامة المسلمين- ثم ألقى القرطاس من يده ، وبكى وبكى الناس ، فأخذ القرطاس ، وقال : قد أمكنكم البكاء ؛ ولكن هذا عهد عهده أمير المؤمنين ، لا بدّ من أن نقرأه عليكم ، فأنصتوا رحمكم الله؛ فسكت الناس، ثم رجع إلى القراءة - أما بعد : ٤٥٤/٣ (١) ج: ((يخفى شخصه)). (٢) ب: ((ثم مضينا)). ١١٢ سنة ١٥٨ فإنی کتبتُ کتابی هذا وأنا حىٌّ فى آخر يوم من الدّنيا وأوّل يوم من الآخرة ، وأنا أقرأ عليكم السلام، وأسأل الله ألا يفتنتكم بعدى، ولا يُلبسكم شيعًا، ولا يُذيق بعضكم بأس بعض . يا بنى هاشم ، ويا أهلَ خراسان ... ثم أخذ فى وصيّتهم بالمهدىّ، وإذكارهم البيعة له، وحضّهم على القيام بدولته، والوفاء بعهده إلى آخر الكتاب . قال النوفلىّ : قال أبى : وكان هذا شيئًا وضعه الربيع؛ ثم نظر فى وجوه النّاس، فدنا من الهاشميّين ، فتناول يد الحسن بن زيد ، فقال: قم يا أبا محمد، فبايِعْ ، فقام معه الحسن ، فانتهى به الرّبيع إلى موسى فأجلسه بين يديه ، فتناول الحسن يدَ موسى ، ثم التفت إلى الناس ، فقال : يأيها الناس ، إن أمير المؤمنين المنصور كان ضربنى واصطفى مالى ؛ فكلّمه(١) المهدىّ فرضى عنى ، وكلمه فى ردّ مالى علىّ فأبى ذلك ، فأخلفه المهدىّ من ماله وأضعفه مكان كل عِلْق عِلْقين، فمَن أولى بأن يبايع لأمير المؤمنين بصدر منشرح ونفس طيبة وقلب ناصح منّى! ثم بايع موسى للمهدىّ ، ثم مسح على يده . ثم جاء الربيع إلى محمد بن عون، فقدّمه للسنّ فبايع، ثم جاء الرّبيع إلىّ فأنهضنى؛ فكنت الثالث؛ وبايع الناس؛ فلما فرغ دخل المضارب ، فمكث هنيهة ثم خرج إلينا معشر الهاشميّين، فقال : انهضوا ، فنهضنا معه جميعًا، وكنا جماعة كثيرة من أهل العراق وأهل مكة والمدينة ممن حضر الحج ، فدخلنا فإذا نحن بالمنصور على سريره فى أكفانه ، مكشوف الوجه ؛ فحملناه حتى أتينا به مكّة ثلاثة أميال ؛ فكأنى أنظر إليه أدنو من قائمة سريره نحمله ؛ فتحرّك الريح، فتطيّر شَعْر صدغيه ؛ وذلك أنه كان قد وفّر شعره للحلق؛ وقد نصل خِضابه ؛ حتى أتينا به حفرته ، فدلّيناه فيها . ٤٥٥/٣ قال : وسمعت أبى يقول : كان أوّل شىء ارتفع به علىّ بن عيسى بن ماهان؛ أنه لما كان الليلة التى مات فيها أبو جعفر أرادوا عيسى بن موسى على بَيْعة مجدّدة للمهدىّ - وكان القائم بذلك الربيع - فأبى (٢) عيسى بن موسى ، (١) ب: ((وكلمه)). (٢) ب، س: ((فأتى)). ١١٣ سنة ١٥٨ فأقبل القوّاد الذين حضروا يقرّبون ويتباعدون (١)؛ فنهض علىّ بن عيسى بن ماهان ، فاستلّ سيفه، ثمّ جاء إليه، فقال: واللّه لتبايعنّ أو لأضربنّ عنقك! فلمّا رأى ذلك عيسى ، بايع وبايع الناس بعده . وذكر عيسى بن محمد أنّ موسى بن هارون حدّثه أن موسى بن المهدىّ والربيع مولى المنصور وجّهًا منارة مولى المنصور بخبر وفاة المنصور وبالبيعة للمهدىّ، وبعثا بعدُ بقضيب النبيّ صلى الله عليه وسلم وبُرْدته التى يتوارثها الخلفاء مع الحسن الشروىّ ، وبعث أبو العباس الطوسىّ بخاتم الخلافة مع منارة ؛ ثم خرجوا من مكة ، وسار عبد الله بن المسيّب بن زهير بالحرْبَة بين يدى صالح بن المنصور ، على ما كان يسير بها بين يديه فى حياة المنصور (٢)، فكسرها القاسم بن نصر بن مالك ؛ وهو يومئذ على شُرْطة موسى بن المهدىّ ، واندسّ علىّ بن عيسى بن ماهان لما كان فى نفسه من أذى عيسى بن موسى ، وما صُنع به للراوندّية، فأظهر الطعن والكلام فى مسيرهم (٢) . وكان من رؤسائهم أبو خالد المروروذىّ ، حتى كاد الأمر يعظُم ويتفاقم ؛ حتى لبس السلاح . وتحرّك فى ذلك محمد بن سليمان ، وقام فيه وغيره من أهل بيته ؛ إلاّ أن محمداً كان أحسنَهم قيامًا به حتى طفى ذلك وسكن . وكتب (٤) به إلى المهدىّ ، فكتب بعزل علىّ بن عيسى عن حّرس موسى بن المهدىّ ، وصيّر مكانه أبا حنيفة حرب بن قيس ، وهدأ أمر العسكر ، وتقدّم العباس بن محمد ومحمد ابن سليمان إلى المهدىّ، وسبق إليه العباس بن محمد . وقدم منارة على المهدىّ يوم الثلاثاء للنصف من ذى الحجة، فسلّم عليه بالخلافة، وعزّاه، وأوصل الكتب إليه ، وبايعه أهل مدينة السلام . ٥٦/٣ وذكر الهيثم بن عدىّ عن الربيع، أنّ المنصور رأى فى حجته التى مات فيها وهو بالعُذّيب - أو غيره من منازل طريق مكة - رؤيا - وكان الربيع عديله - وفزع منها ، وقال : يا ربيع، ما أحسبنى إلا ميّتًا فى وجهى هذا؛ وأنك تؤكد (٥) البَيْعة لأبى عبد الله المهدىّ ، قال الربيع : فقلت له : بل (١) ج، س: ((ويباعدون)). (٣) ب: ((سيرهم). (٥) ج: ((وإنا نؤكد)). (٢) ب، س: ((فى حياته)). (٤) ب: ((فكتب)). ١١٤ سنة ١٥٨ يبقيك الله يا أمير المؤمنين، وَيَبْلُغ أبو عبد الله محبّتك فى حياتك إن شاء الله. قال: وثقيل عند ذلك وهو يقول : بادر بی إلی حرم ربى(١) وأمنه، هاربًا من ذنوبى وإسرافى على نفسى ؛ فلم يزل كذلك حتى بلغ بئر ميمون ، فقلت له : هذه بئر ميمون، وقد دخلتَ الحرم ، فقال: الحمد لله، وقضى من يومه. ٤٥٧/٣ قال الربيع : فأمرت بالخِيم فضُربت، وبالفساطيط فهِيئَتْ، وعمدْت إلى أمير المؤمنين فألبسته الطويلة والدّرّاعة، وسندته، وألقيت فى وجهه كلّة رقيقة يُرَى منها شخصه ، ولا يفهم أمره ، وأدنيت أهله من الكِلَّة حيث لا يُعلم بخبره، ويُرى شخصُه. ثم دخلت فوقفت بالموضع الذى أوهمهم أنه يخاطبنى ، ثم خرجت فقلت : إن أمير المؤمنين مُفيق بمنّ اللّه، وهو يقرأ عليكم السلام ، ويقول: إنى أحبّ أن يؤكّد الله أمرّ كم(٢) ؛ ويكبت عدوّ كم ، ويسرّ وليّكم ؛ وقد أحببت أن تجدّدوا بيعة أبى عبد الله المهدىّ؛ لئلا يطمع فيكم عدوًّ ولا باغٍ ، فقال القوم كلهم: وفق اللّه أمير المؤمنين؛ نحن إلى ذاك أسرع . قال: فدخل فوقف، ورجع إليهم، فقال: هلمُّوا للبسَيْعة، فبايع القوم كلُّهم؛ فلم يبق أحدٌ من خاصّته والأولياء ورؤساء مَنْ حضره إلا بايع المهدىّ ، ثم دخل وخرج باكيًا مشقوق الجيب لاطمًا رأسه، فقال بعض مَنْ حضر : ويلى عليك يابن شاة ! يريد الربيع - وكانت أمه ماتت وهى ترضعه فأرضعته شاة - قال : وحفر للمنصور مائة قَبْر، ودفن فى كلها ، لئلا يعرف موضع قبره الذى هو ظاهر للناس ، ودفن فى غيرها للخوف عليه . قال : وهكذا قبور خلفاء ولد العباس ، لا يعرف لأحد منهم قبر . قال : فبلغ المهدىّ، فلما قدم عليه الربيع قال: يا عبدُ؛ ألم تمنعك جلالة أمير المؤمنين أن فعلت ما فعلت به ! وقال قوم : إنّه ضربه؛ ولم يصحّ ذلك. قال: وذكر مَنْ حضر حجّة المنصور، قال: رأيت صالح بن المنصور وهو مع أبيه والناس معه ؛ وإنّ موسى بن المهدىّ لتى تُبّاعه(٣)، ثم رجع الناس وهم خلّف موسى ، وأن صالحًا معه . ٤٥٨/٣ (١) ب: ((الله)). (٣) ج: ((فى تباعد)). (٢) ح: ((يوطن الله أمركم)). ١١٥ سنة ١٥٨ وذكر عن الأصمعىّ أنه قال: أوّل مَنْ نعى أبا جعفر المنصور بالبصرة خَلَف الأحمر، وذلك أنّا كنّا فى حلقة يونس، فمرّ بنا فسلّم علينا، فقال(١): * قد طَرَّقَت بِبِكرِها أمّ طَبَقْ(٢). قال يونس : وماذا ؟ قال : موتُ الإِمَامِ فِلقَةٌ مِنَ الفِلَقْ تُنَنِّجوها خيرَ أَضخَمِ العُنُقْ ٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علىّ، وكان المنصور- فيما ذكر - أوصى بذلك. وكان العامل فى هذه السنة على مكة والطائف إبراهيم بن يحيى بن محمد ابن علىّ بن عبد الله بن عباس، وعلى المدينة عبد الصمد بن على، وعلى الكوفة عمرو بن زهير الضبيّ أخو المسيّب بن زهير - وقيل: كان العامل عليها إسماعيل بن أبى إسماعيل الثقفىّ. وقيل: إنه مولى لبنى نصر من قيس - وعلى قضائها شريك بن عبد الله النَّخعىّ ، وعلى ديوان خراجها ثابت بن موسى ، وعلى خُراسان حميد بن قَحْطبة ، وعلى قضاء بغداد مع قضاء الكوفة شريك ابن عبد الله. وقيل : كان القاضى على بغداد يوم مات المنصور عبيد اللّه محمدبن صَفْوان الجُمَحىّ وشريك بن عبد الله على قضاء الكوفة خاصّة . وقيل: إن شريكًا كان إليه قضاء الكوفة ، والصلاة بأهلها . وكان على الشُّرَط ببغداد يوم مات المنصور - فيما ذكر عمر بن عبد الرحمن ٤٥٩/٣ أخو عبد الجبار بن عبد الرحمن . وقيل كان موسى بن كعب . وعلى ديوان خراج البصرة وأرضها عُمارة بن حمزة . وعلى قضائها والصلاة عبيد الله بن الحسن العنبرىّ، وعلى أحداثها سعيد بن دَعْلَج. وأصاب الناس - فيما ذكر محمد بن عمر - فى هذه السنة وباء شديد . (١) ج، س: ((ثم قال)). (٢) ج: ((طوقت))، س: ((طرفت))، ب: ((طبقت)). ١١٦ ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة ذكرما كان فيها من الأحداث فمن ذلك غزوة العباس بن محمد الصّائفة فيها حتى بلغ أنقرة ؛ وكان على مقدّمّة العباس الحسنُ الوصيف فى الموالى، وكان المهدىّ ضمّ إليه جماعة من قُوّاد أهل خُراسان وغيرهم. وخرج المهدىّ فعسكر بالبَرّدان وأقام فيه حتى أنفذ العباس بن محمد ، ومن قطع عليه البعث معه ، ولم يجعل للعباس على الحسن الوصيف ولايةٌ فى عنزْل ولا غيره ، ففتح فى غزاته (١) هذه مدينة للرّوم ومطمورة معها ، وانصرفوا سالمين لم يُصَبْ من المسلمين أحد . وهلك فى هذه السنة حُميد بن قحطبة ، وهو عامل المهدىّ على خُراسان ، فولی المهدىّ مكانه أبا عون عبد الملك بن يزيد . وفيها ولِّىَ حمزة بن مالك سجسْتان، وولّىَ جبرئيل بن يحيى ◌َرْقَنْدِ. وفيها بنى المهدىّ مسجد الرّصافة . ٤٦٠/١ وفيها بنى حائطها ، وحفر خندقها . وفيها عزل المهدىّ عبد الصمد بن علىّ عن المدينة؛ مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم عن مَوْجدة، واستعمل عليها مكانه محمد بن عبد الله الكثيرىّ ثم عزله ، واستعمل عليها مكانه عبيد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن صفوان الجُمَحِىّ. وفيها وجه المهدىّ عبدالملك بن شهاب المسمعىّ فى البَحْر إلى بلادالهند، وفرض معه لألفين من أهل البصرة من جميع الأجناد، وأشخصهم معه، وأشخص معه من المطوّعة الذين كانوا يلزمون المُرابطات ألفًا وخمسمائة رجل ، ووجّه معه "نداً من أبناء أهل الشأم يقال له ابن الحباب المذحجيّ فى سبعمائة من أهل الشام ، وخرج معه من مطوّعة أهل البصرة بأموالهم ألف رجل ، فيهم (١) ب: ((غزاتهم)). ١١٧ سنة ١٥٩ ٤٦١/٣ - فيما ذكر - الربيع بن صُبيح، ومن الأسواريين والسبابجة أربعة آلاف رجل، فولى عبد الملك بن شهاب المنذربن محمد الجاروديّ الألف الرجل المطوّعة من أهل البصرة ، وولّ ابنه غسان بن عبد الملك الألفى الرّجل الذین من فرض البصرة ، وولّى عبد الواحد بن عبد الملك الألف والخمسمائة الرجل من مُطّوّعة المرابطات ، وأفرد يزيد بن الحباب فى أصحابه فخرجوا ، وكان المهدىّ وجه لتجهيزهم حتى شخصوا أبا القاسم محرزٍ بن إبراهيم ، فمضوا لوجههم ؛ حتى أتوا مدينة باربد من بلاد الهند فى سنة ستين ومائة . وفيها توفّىَ معبد بن الخليل بالسند ، وهو عامل المهدىّ عليها، فاستعمل مکانه روح بن حاتم بمشورة أبى عبيد الله وزيره . وفيها أمر المهدىّ بإطلاق مَنْ كان فى سجن المنصور ، إلا من كان قبلَه تساعة من دم أو قتل، ومَنْ كان معروفًا بالسعى فى الأرض بالفساد ، أو مَنْ كان لأحد قبله مظلمة أو حقّ ، فأطلقوا، فكان ممّن أطلق من المَطْبَق يعقوب بن داود مولى بنى سُليم ، وكان معه فى ذلك الحبس محبوساً الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب . وفيها حوّل المهدىّ الحسن بن إبراهيم من المطبق الذى كان فيه محبوسًا إلى نُصير الوصيف فحبسه عنده . ٠٠٠٠ ذكر الخبر عن سبب تحويل المهدىّ الحسن بن إبراهيم من المطبق إلى نُصير ٤٦٢/٣ ذكر أن السبب فى ذلك ، كان أن المهدىّ لما أمَر بإطلاق أهل السجون. على ما ذكرت(١)، وكان يعقوب بن داود محبوسًا مع الحسن بن إبراهيم فى موضع واحد، فأطلق يعقوب بن داود، ولم يُطلق الحسن بن إبراهيم، ساء (٢) ظنه، وخاف على نفسه ، فالتمس مخرجًا لنفسه وخلاصًا ، فدسّ إلى بعض ثقاته (٣) ، (١) ب: ((كما ذكرت)). (٣) س: ((على ثقاته)). (٢) ب: ((فساء). ١١٨ سنة ١٥٩ فحفر له سَرَبًا من موضع مُستَامت للموضع الذى هو فيه محبوس ، وكان يعقوب بن داود بعد أن أطلقٍ يُطيف بابن علاثة (١) - وهو قاضى المهدىّ بمدينة السلام(٢) - ويلزمه ، حتى أنس به، وبلغ يعقوب ما عزم عليه الحسن ابن إبراهيم من الهرب ، فأتى ابن عثلاثة ، فأخبره أن عنده نصيحة للمهدىّ ، وسأله إيصالَه إلى أبى عبيد اللّه (٣)، فسأله عن تلك النصيحة ، فأبى أن يخبره بها، وحذّره فوقتها، فانطلق ابن عُلائة إلى أبى عبيد الله، فأخبره خبر يعقوب وما جاء به ، فأمره بإدخاله عليه ؛ فلما دخل عليه سأله إيصاله إلى المهدىّ ، ليعلمه النّصيحة التى له عنده ، فأدخله عليه ، فلما دخل على المهدىّ شكر له بلاءه عنده فى إطلاقه إياه ومَنْه عليه، ثم أخبره أنّ له عنده نصيحة ، فسأله عنها بمحضر من أبى عبيد اللّه وابن عُلاثة ، فاستخلاه منهما ، فأعلمه المهدىّ ثقته بهما ، فأبى أن يبوحَ له بشىء حتى يقوما، فأقامهما وأخلاه ، فأخبره خبرَ الحسن بن إبراهيم وما أجمع عليه (٤)، وأنّ ذلك كائن من ليلته المستقبلة ، فوجّهَ المهدىّ مَن يثق(٥) به ليأتيه بخبره، فأتاه بتحقيق ما أخبره به يعقوب ، فأمر بتحويله إلى نُصیر ، فلم یزل فی حبسه إلی أن احتال واحتيل له ، فخرج هاربًا، وافتُقِدٍ، فشاع خبره، فطُلب (٦) فلم يُظْفَر به، وتذكّر المهدىّ دلالة يعقوب إيّاه كانت عليه، فرجا عنده من الدلالة علیه مثل الذى كان منه فى أمره ، فسأل أبا عبيد اللّه عنه فأخبره أنه حاضر - وقد كان لزم أبا عبيد الله - فدعا به المهدىّ خاليًا، فذكر له ما كان من فعله فى الحسن ابن إبراهيم أوّلاً ، ونصحِه له فيه، وأخبره بما حدث من أمره ، فأخبره يعقوب أنه لا علم له بمكانه ، وأنه إن أعطاه أمانًا يثق به ضمن له أن يأتيه به ، على أن يتمّ له على أمانه، ويصله وُيحسن إليه. فأعطاه المهدىّ ذلك فى مجلسه وضمنه له . فقال له يعقوب : فالْهُ يا أميرَ المؤمنين عن ذكره ، وَدَعْ طلبه ، ٤٦٣/٣ بغداد ١٢ : ٠٣٠٧ (١) اسمه محمد بن عبد الله بن علاثة الكلابى، استقضاه المهدى سنة ١٦١. انظر تاريخ (٢) س: ((بغداد)). (٣) هو أبو عبيد اللّه معاوية بن يسار، من موالى الأشعريين، كاتب المهدى ونائبه قبل الخلافة وبعدها . وانظر الفخرى ١٦٦. (٤) ب، ج: ((وما أجمع به))، س: (( وما أجمع عليه به)) . (٦) س: ((فطلبه)). (٥) ب: ((يوثق))، ج: ((وثق)). ١١٩ سنة ١٥٩ فإن ذلك يُوحشه، ودعنى وإياه حتى أحتال فآتيَك به ؛ فأعطاه المهدىّ ذلك . وقال يعقوب : يا أمير المؤمنين، قد بسطتَ عدلَك لرعيّتك ، وأنصفتهم ، وعممتهم بخيرك وفضلك ، فعظم رجاؤهم ، وانفسحت آمالهم ؛ وقد بقيت أشياء لو ذكرتُها لك لم تَدّع النظر فيها بمثل ما فعلت فى غيرها ، وأشياء مع ذلك خلف بابك يُعمل بها لا تعملها ، فإن جعلت لى السبيل إلى الدخول عليك ، وأذنتَ لى فى رفعها إليك فعلتُ . فأعطاه المهدىّ ذلك ، وجعله إليه ، وصَيْرٌ سُلِيْماً الخادم الأسود خادم المنصور سببه فى إعلام المهدىّ بمكانه كلّما أراد الدخول ، فكان يعقوب يدخل على المهدىّ(١) ليلاً، ويرفع إليه النصائح فى الأمور الحسنة الجميلة من أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغُزاة وتزويج العزَّاب ، وفكتاك الأسارى والمحبّسين والقضاء على الغارمين ، والصّدَقة على المتعفِّفين، فحظى بذلك عنده ، وبما رجا أن يناله به من الظَّفَر بالحسن بن إبراهيم ، واتّخذه أخا فى اللّه، وأخرج بذلك توقيعًا، وأثبت فى الدواوين ، فتسبّب مائة ألف درهم كانت أوّل صلة وصلته بها ، فلم تزل منزلته تنمى وتعلُو صُعُداً، إلى أن صير الحسن بن إبراهيم فى يد المهدىّ بعد ذلك ؛ وإلى أن سقطت منزلتُه، وأمر المهدىّ بحبسه ، فقال علىّ بن الخليل فى ذلك : ٤٦٤/٣ ر مَسَرَّةً وكَرَاهِيَهْ (٢) عجباً لتصريف الأُمو له دوائرُ جاريَهْ(٣) ل والدّهرُ يلعبُ بالرِّجا ود حِبَالُ معاويهْ(٤). بن دا رَبِّتْ بيعقوب قاضِى بَوائقُ عافيهْ(٥) وعَدَتْ على ابن عُلاثة الـ د الله : هلْ لك باقيهْ ! قلْ للوزيرِ أَبی عُبي . يعقوب ينظرُ فى الأُمور وَأَنتَ تنظرُ ناحيهْ (٢) الأغانى ١٤ : ١٧٨. ٤٦٥/٣ (١) س: ((عليه)). (٣) لم يرد هذا البيت فى رواية الأغانى. (٤) معاوية: اسم الوزير أبى عبيد الله. (٥) عافية بن يزيد الأزدى ؛ قاضى المهدى أيضاً. ١٢٠ سنة ١٥٩ ك، كذاك شومُ النَّاصِيه(١) علي فعَلا أدخلته ٠ وفى هذه السّنة عزل المهدىّ إسماعيل بن أبى إسماعيل عن الكوفة وأحداثها . واختلف فيمن ولتى مكانه ، فقال بعضهم : ولتى مكانته إسحاق بن الصّباح الكندىّ ثم الأشعلىّ بمشورة شَريك بن عبد الله قاضى الكوفة. وقال عمر ابن شبّة : ولّى على الكوفة المهدئُ عيسى بنَ لقمان بن محمد بن حاطب ابن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جُمح ، فولَّی على شُرَطِه ابنَ أخيه عثمان بن سعيد بن لقمان . ويقال : إن شريك بن عبد الله كان على الصّلاة والقضاء، وعيسى على الأحداث ، ثم أفرد شريك بالولاية ، فجعل على شُرَطِه إسحاقَ بن الصباح الكندىّ ، فقال بعض الشعراء : لَسْتَ تَعْدو بأَنْ تَكونَ وَلوْ نِذْ ـتَ سُهِيْلاً صَنيعَةً لِشَرِيكِ قال : ويزعمون أن إسحاق لم يشكر لشريك، وأن شريكًا قال له : صَلَّى وَصَامَ لدُنْيا كان يَأْمُلها فَقَدْ أَصابَ ولا صلَّى ولا صَامَا وذكر عمر أنّ جعفر بن محمد قاضى الكوفة ، قال: ضمّ المهدىّ إلى شريك الصلاة مع القضاء، وولّى شرطه إسحاق بن الصباح، ثم ولى إسحاق بن الصباح الصلاة والأحداث بعد ، ثم ولى إسحاق بن الصباح بن عمران ابن إسماعيل بن محمد بن الأشعث الكوفة، فولى شُرَطه النعمان بن جعفر الكندىّ ، فمات النعمان ، فولّى على شُرَطِه أخاه يزيد بن جعفر. وفيها عزل المهدىُّ عن أحداث البصرة سعيد بن دَعلَج ، وعزل عن الصلاة والقضاء من أهلها عبيد الله بن الحسن، وولّى مكانهما عبد الملك بن "ظَبيان التُّميرىّ، وكتب إلى عبد الملك يأمره بإنصاف مَنْ تظلّ d- ٤٦٦/٣ ٠) بعده فى رواية الأغانى : المتراخِيَهْ وَأَخَذْتَ حَتْفَكَ جاهِدًا بيمينـ