النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سنة ١٥٨
بيت مبينى، قلت : ليس هنا غير هذا الذى أرى ، قال : ما هو إلا ما ترى.
قال: وسمعته يقول عمَّن حدّثه ، عن جعفر بن محمد ، قال : قيل إنّ
أبا جعفر يُعرّف بلباس جُبّة هَرَوِيَّة مرفوعة؛ وأنه يرقّع قميصه، فقال جعفر:
الحمد لله الذى لطف له حتى ابتلاه بفقر نفسه - أو قال: بالفقرفى مُلكه.
قال : وحدّثنى أبى ، قال: كان المنصور لا يولّى أحداً ثم يعزله إلا ألقاه
فى دار خالد البطين - وكان منزل خالد على شاطئ دجلة ، ملاصقًا لدار
صالح المسكين - فيستخرج من المعزول مالاً ، فما أخذ من شىء أمر به
فعُزل، وكُتِبَ عليه اسم مَنْ أخذ منه، وعزل فى بيت مال، وسّاه بيتَ مال
المظالم ، فكثر ما فى ذلك البيت من المال والمتاع. ثم قال للمهدىّ: إنى قدهيّأت
لك شيئاً تُرضى به الخلق ولا تغرم من مالك شيئاً، فإذا أنا متّ فادع هؤلاء
الذين أخذتُ منهم هذه الأموال التى سميتُها المظالم ، فاردد عليهم كلّ ما أخِذ
منهم ؛ فإنك تستحمد إليهم وإلى العامة ؛ ففعل ذلك المهدىّ لما ولِىَ .
٤١٦/٣
قال علىّ بن محمد: فكان المنصور ولّى محمد بن عبيد الله بن محمد بن
سلمان بن محمد بن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث البلقاء، ثم عزله ، وأمر
أن يُحمَل إليه مع مالٍ وُجُد عنده، فحُمل إليه على البريد، وألفِىَ معه ألفا
دينار، فحملت مع ثقله على البريد - وكان مصلى سُوسَنْجِرْد ومضربة
ومرفقة ووسادتين وطستاً وإبريقاً وأشناندانة نحاس - فوجد ذلك مجموعاً
كهيئته ؛ إلا أن المتاع قد تأكّل ، فأخذ ألفى الدينار، واستحيا أن يخرج
ذلك المتاع ، وقال : لا أعرفه ، فتركه، ثم ولا ه المهدى بعد ذلك اليمن، وولى
الرشيد ابنه الملقب ربرا المدينة .
وذكر أحمد بن الهيثم بن جعفر بن سليمان بن علىّ ، قال : حدثنى صباح
ابن خاقان ، قال : كنت عند المنصور حين أتِيَ برأس إبراهيم بن عبد الله
ابن حسن ، فوُضع بين يديه فى تُرس ، فأكبّ عليه بعض السيَّافة ، فبصق
فى وجهه، فنظر إليه أبو جعفر نظراً شديداً، وقال لى: دقّ أنفه، قال:
فضربت أنفه بالعمود ضربة لو طُلب له أنف بألف دينار ما وجد ، وأخذته
٤١٧/٣

٨٢
سنة ١٥٨
أعمدة الحرس ، فما زال يُهشَ بها حتى خميد ، ثم جُرّ برجله.
قال الأصمعىّ : حدثنى جعفر بن سليمان ، قال : قدم أشعب أيام
أبى جعفر بغداد ، فأطاف به فتيان بنى هاشم فغنَّاهم ، فإذا ألحانه طربةٌ وحلقه
على حاله ، فقال له جعفر : لمن هذا الشعر ؟
ش أمسى دارِساً خَلَقًا (١)
لِمَنْ طَلَلٌ بِذَاتِ الجَدْـ
عَلَوْنَ بظاهِرٍ البَيْدا * فالمَخْزُون قد قَلِقَا
فقال : أخذت الغناءَ من معبد ؛ ولقد كنت آخذ عنه اللحن ، فإذا
سئل عنه قال: عليكم بأشعب ؛ فإنه أحسن تأديةً له منّى.
قال الأصمعىّ : وقال جعفر بن سليمان : قال أشعب لابنه عبيدة : إنى
أرانى سأخرجك من منزلى وأنتفى منك ، قال : ولِمَ يا أبه ؟ قال: لأنى أكسب
خلق الله لرغيف ، وأنت ابنى قد بلغتَ هذا المبلغ من السنّ ، وأنت فى عيالى
ما تكسب شيئًا ، قال: بلى والله، إنى لأكسب ؛ ولكن مثل الموزة لا تحمل
حتى تموت أمها .
وذكر علىّ بن محمد بن سليمان الهاشمىّ ؛ أن أباه محمداً حدّثه أن
الأكاسرة كان يُطيَّن لها فى الصيف سقفُ بيت فى كلّ يوم ، فتكون قائلة
الملك فيه ، وكان يؤتى بأطنان القصب والخلاف طوالاً غلاظاً ، فترصف حول
البيت ويؤتى بقطع الثلج العظام فتجعل ما بين أضعافها ؛ وكانت بنو أميّة
تفعل ذلك ؛ وكان أوّل من اتخذ الخيْش المنصور .
٤١٨/٣
وذكر بعضهم : أن المنصور كان يطيّن له فى أول خلافته بيتٌ فى
الصيف يتقيل فيه ؛ فاتخذ له أبو أيوب الخوزىّ ثيابًا كثيفة تبل" وتوضع على
سبايك ، فيجد بردها، فاستظرفها، وقال : ما أحسبُ هذه الثياب إن اتخذت
أكثف من هذه إلا حملت من الماء أكثر مما تحمل ؛ وكانت أبرد ، فاتُّخذ
(١) الأغانى ٤: ٣٩ (سامى)، ونسبهما مع ثالث إلى الأحوص. وفى ياقوت ٢ : ١٩٣،
ونسبهما مع بيتين آخرين إلى جعفر بن الزبير بن العوام .

٨٣
سنة ١٥٨
له الخيش، فكان ينصب على قبَّة، ثم اتخذ الخلفاء بعده الشرائح ، واتخذها
الناس .
وقال علىّ بن محمد عن أبيه: إنّ رجلا من الرّاونديّة كان يقال له الأبلق،
وكان أبرصَ ، فتكلم بالغلوّ ، ودعا بالرّاوندية إليه ، فزعم أن الرّوح التى
كانت فى عيسى بن مريم صارت فى علىّ بن أبى طالب، ثم فى الأئمة، فى
واحد بعد واحد إلى إبراهيم بن محمد ، وأنهم آلهة ، واستحلّوا الحرُمات ؛
فكان الرجل منهم يدعو الجماعة منهم إلى منزله فيُطعمهم ويسقيهم ويحملهم
على امرأته ؛ فبلغ ذلك أسد بن عبد الله ، فقتلتَهم وصلَبهم ، فلم يزل ذلك
فيهم إلى اليوم ، فعبدوا أبا جعفر المنصور وصعدوا إلى الخضراء ، فألقوا
أنفسهم ، كأنهم يطيرون ، وخرج جماعتهم على الناس بالسِّلاح ، فأقبلوا
يصيحون بأبى جعفر : أنت أنت ! قال : فخرج إليهم بنفسه ، فقاتلهم فأقبلوا
يقولون وهم يقاتلون: أنت أنت. قال: فحُكِى لنا عن بعض مشيختنا أنه نظر
إلى جماعة الراونديّة يرمون أنفسهم من الخضراء كأنهم يتطيرون ، فلا يبلغ
أحدهم الأرض إلا وقد تفتّت ، وخرجت روحه .
٤١٩/٣
قال أحمد بن ثابت مولى محمد بن سليمان بن علىّ عن أبيه : إن عبد الله
ابن علىّ، لما توارى من المنصور بالبصرة عند سليمان بن علىّ أشرف يومًا ومعه
بعض مواليه ومولى لسليمان بن علىّ، فنظر إلى رجل له جمال وكمال ، يمشى
التَّخاجَى، ويجرّ أثوابه من الخُيلاء، فالتفت إلى مولّى لسليمان بن على ،
فقال : من هذا ؟ قال له : فلان ابن فلان الأموىّ، فاستشاط غضباً وصفق
بیدیہ عجباً ، وقال : إن طريقنا لنبك (١) بعد ، يا فلان -- مولى له - انزل
فأتنى برأسه ، ومثّل قول سَديف :
لها فى كلِّ راعيةٍ ثُغاءُ!
علامَ ، وفيمَ نَترُكُ عبدَ شمسٍ
ولو قُتِلَتْ بأَجْمَعِها وفاءُ
فما بالرَّمْسِ فى حَرّانَ منها
(١) النبكة : أكمة محددة الرأس؛ وربما كانت حمراء ؛ ولا تخلو من الحجارة .

٨٤
سنة ١٥٨
وذكر علىّ بن محمد المدائنىّ أنه قدم على أبى جعفر المنصور- بعد انهزام
عبد الله بن علىّ وظفر المنصور به ، وحبسه إياه ببغداد - وفد من أهل الشأم
فيهم الحارث بن عبد الرحمن ، فقام عدّة منهم فتكلّموا ، ثم قام الحارث
ابن عبد الرحمن ، فقال : أصلح اللّه أمير المؤمنين ! إنا لسنا وفدَ مباهاة ،
ولكنا وفد تَوبة ؛ وإنا ابتلينا بفتنة استفزّت كريمتنا ، واستخفَّتْ حليمنا ،
فنحن بما قدّمنا معترفون، ومًّا سلف منّاً معتذرون، فإن تعاقبْنا فيا أجرمنا ،
وإن تعفُّ عنا فبفضلك علينا ؛ فاصفح عنا إذْ ملكت ، وامنن إذ قدرت ،
وأحسِنْ إذ ظفرت ، فطالما أحسنت ! قال أبو جعفر : قد فعلت .
وذكر عن الهيثم بن عدىّ عن زيد مولى عيسى بن نهيك ، قال : دعانى
المنصور بعد موتٍ مولاى، فقال: يا زيد، قلت : لَبّيك يا أمير المؤمنين ؛
قال : كم خلّف أبو زيد من المال ؟ قلت: ألف دينار أو نحوها ، قال :
فأين هى؟ قلت: أنفقتْها الحرّة فى مأتمه . قال: فاستعظم ذلك ، وقال: أنفقت
الحرّة فى مأتمه ألف دينار! ما أعجب هذا! ثم قال: كم خلّف من البنات ؟
قلت : ستاً ، فأطرق مليًّاً ثم رفع رأسه، وقال: اغدُ إلى باب المهدىّ ، فغدوت
فقيل لى : أمعك بغال ؟ فقلت : لم أومر بذلك ولا بغيره ؛ ولا أدرى لِمَ دعيت!
قال : فأعطِيتُ ثمانين ومائة ألف دينار، وأمسِرتُ أن أدفع إلى كلّ واحدة من
بنات عيسى ثلاثين ألف دينار . ثم دعانى المنصور ، فقال : أقبضت ما أمرنا
به لبنات أبى زيد ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : اغد علىّ بأكفائهنّ
حتى أزوّجهنّ منهم ؛ قال : فغدوتُ عليه بثلاثة من ولد العكىّ وثلاثة من
آل نهيك من بنى عَمهنّ ، فزوّج كلّ واحدة منهنّ على ثلاثين ألف درهم،
وأمر أن تحمَل إليهنّ صدقاتهنّ من ماله ، وأمرنى أن أشترىَ بما أمر به لهن
ضياعاً ، يكون معاشهنّ منها ، ففعلت ذلك .
وقال الهيثم : فرّق أبو جعفر على جماعة من أهل بيته فى يوم واحد عشرة
آلاف درهم، وأمر للرّجل من أعمامه بألف ألف، ولا نعرف خليفة قبله ولا بعده
وصل بها أحداً من الناس .
٤٢١/٣
وقال العباس بن الفضل : أمر المنصور لعمومته : سليمان ، وعيسى ،
٤٢٠/٣

٨٥
سنة ١٥٨
وصالح، وإسماعيل؛ بنى علىّ بن عبد الله بن عباس، لكلّ رجل منهم بألف
ألف معونةً له من بيت المال . وكان أول خليفة أعطى ألف ألف من بيت
المال ؛ فكانت تجرى فى الدواوين .
وذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ ، قال : حدثنى الفضل بن الربيع ،
عن أبيه ، قال : جلس أبو جعفر المنصور للمدنيين مجلسًا عامًا ببغداد
- وكان وفد إليه منهم جماعة - فقال: لينتسب كلّ من دخل علىّ منكم ،
فدخل عليه فيمن دخل شابّ من ولد عمرو بن حزم ، فانتسب ثم قال :
يا أميرَ المؤمنين، قال الأحوص فينا شعراً، منعنا (١) أموالنا من أجله منذ ستين
سنة ، فقال أبو جعفر : فأنشدنى ، فأنشده :
فقرًاوإِن أُلقِىَ الحَزْمِيِّ فى النار (٢)
لا تَأْوِيَنَّ لِحَزِىٌّ رأَيتَ به
والداخلين على عثمانَ فى الدار
النَّاخِسِین بِمَرْوانٍ بذی خُشُبٍ
قال : والشّعر فى المدح الوليد بن عبد الملك؛ فأنشده القصيدة، فلما بلغ
هذا الموضع قال الوليد : أذكرتَّى ذنب آل حَزْم ، فأمر باستصفاء أموالهم.
فقال أبو جعفر : أعِدْ على الشعر ، فأعاده ثلاثاً، فقال له أبو جعفر: لاجرم،
إنك تحتظِى بهذا الشعر كما حرِمت به ، ثم قال لأبى أيّوب : هات عشرة
آلاف درهم فادفعها إليه لغنائه إلينا ، ثم أمر أن يكتب إلى عماله أن تردّ
ضياع آل حزم عليهم ، ويُعْطَوْا غلاتها فى كل سنة من ضياع بنى أمية،
وتقسّم أموالهم بينهم على كتاب الله على التناسخ ، ومن مات منهم وفُّر على
ورثته . قال : فانصرف الفتى بما لم ينصرف به أحد من الناس .
٤٢٢/٣
وحدّثنى جعفر بن أحمد بن يحيى ، قال : حدثنى أحمد بن أسد ،
قال: أبطأ المنصور عن الخروج إلى الناس والركوب، فقال الناس: هو عليل،
وكثروا ، فدخل عليه الربيع ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، لأمير المؤمنين طولُ
البقاء ، والناس يقولون، قال : ما يقولون؟ قال : يقولون: عليل ؛ فأطرق قليلا
ثم قال : يا ربيع، ما لنا وللعامة ! إنما تحتاج العامة إلى ثلاث خلال ، فإذا
(١) ط: ((أمنعنا)) وهو خطأ.
(٢) الأغانى ١ : ٢٦.

٨٦
سنة ١٥٨
فُعل ذلك بها فما حاجتهم! إذا أقيم لهم مَنْ ينظر فى أحكامهم فينصف بعضهم
من بعض ، ويُؤمِن سبلَهم حتى لا يخافوا فى ليلهم ولا نهارهم ، ويسدّ ثغورهم
وأطرافهم حتى لا يجيئهم عدوّهم ؛ وقد فعلنا ذلك بهم . ثم مكث أيامًا ،
وقال : يا ربيع، اضرب الطبل ؛ فركِب حتى رآه العامة .
وذكر علىّ بن محمد، قال : حدثنى أبى ، قال : وجّه أبو جعفر مع
محمد بن أبى العباس بالزنادقة والمُجَّان ، فكان فيهم حماد عَجْرد ، فأقاموا
معه بالبصرة يظهر منهم المجُون؛ وإنما أراد بذلك أن يبغّضه إلى الناس، فأظهر
محمد أنه يعشق زينب بنت سليمان بن علىّ، فكان يركب إلى المربد، فيتصدّى
لها ؛ يطمع أن تكون فى بعض المناظر تنظر إليه ؛ فقال محمد لحمَّاد : قل لى
فيها شعراً ، فقال فيها أبياتًا ، يقول فيها :
شَوْقاً فما أَنفكُّ بالمِرْبَدِ (١)
يا ساكنَ المِرْبَدِ قد مِجْتَ لی
٤٢٣/٣
قال : فحدّثّنى أبى قال : كان المنصور نازلاً على أبى سنتين ، فعرفت
الخصيب المتطبّب لكثرة إتيانه إياه ؛ وكان الخصيب يُظهر النصرانيّة وهو
زنديق معطّل لا يبالى مَنْ قتل، فأرسل اليه المنصور رسولاً يأمره أن يتوخى
قتل محمد بن أبى العباس، فاتخذ سمًا قاتلاً ، ثم انتظر علة تحدث بمحمد ،
فوجد حرارة ، فقال له الخصيب: خذ شربة دواء، فقال: هَيِّئُها لى ، فهيّأها ،
وجعل فيها ذلك السمّ ثم سقاه إياها، فمات منها. فكتبت بذلك أمّ محمد بن
أبى العباس إلى المنصور تعلمه أنّ الخصيب قتل ابنتها . فكتب المنصور
يأمر بحمله إليه ؛ فلما صار إليه ضربه ثلاثين سوطًا ضربًا خفيفًا ، وحبسه
أياما ، ثم وهب له ثلثمائة درهم ، وخلآه.
قال: وسمعتُ أبى يقول: كان المنصور شَرَط لأمّ موسى الحميرية ألاّ
يتزوّج عليها ولا يتسرّى، وكتبت عليه بذلك كتاباً أكدته وأشهدت عليه
شهوداً ، فعزب بها عشرسنين فى سلطانه ؛ فكان يكتب إلى الفقيه بعد الفقيه
من أهل الحجاز يستفتيه ، ويحمل إليه الفقيه من أهل الحجاز وأهل العراق
(١) الأغانى ١٤: ٣٧٤، من أبيات، وروايته: ((يا قمر المربد)).

٨٧
سنة ١٥٨
فيعرِض عليه الكتاب ليفتيه فيه برُخصة ؛ فكانت أمّ موسى إذا علمتْ مكانه
بادرتْه ، فأرسلت إليه بمال جزيل ، فإذا عرض عليه أبو جعفر الكتاب لم يفته
فيه برُخصة ، حتى ماتت بعد عشر سنين من سلطانه ببغداد ؛ فأتته وفاتها
بحُلوان ، فأهديت له فى تلك الليلة مائة بِكْر ؛ وكانت أم موسى ولدت له
جعفرًاً والمهدىّ .
وذكر عن علىّ بن الجَعْد أنه قال : لما قدم بختيشوع الأكبر على
المنصور من السوس ، ودخل عليه فى قَصْره بباب الذهب ببغداد، أمر له
بطعام يتغدّى به ، فلما وضعت المائدة بين يديه ، قال : شراب ، فقيل له :
إن الشّراب لا يُشرب على مائدة أمير المؤمنين ، فقال : لا آكل طعاماً ليس
معه شراب ، فأخبر المنصور بذلك ، فقال : دعوه ، فلما حضر العشاء فعل
به مثل ذلك ، فطلب الشراب ، فقيل له : لا يُشرب على مائدة أمير المؤمنين
الشراب ، فتعشّ وشرب ماء دجلة ، فلما كان من الغد نظر إلى مائه ،
فقال : ما كنت أحسب شيئًاً يُجزى من الشراب ، فهذا ماء د جلة يجزى من
الشراب.
٤٢٤/٣
وذكر عن يحيى بن الحسن أن أباه حدثه ، قال : كتب المنصور إلى
عامله بالمدينة أن بعْ ثمار الضياع ولا تبعها إلا ممَّن نغلبه ولا يغلبنا؛ فإنما يغلبنا
المفلس الذى لا مال له ، ولا رأى لنا فى عذابه ، فيذهب بما لنا قِبَلَه ولو
أعطاك جزيلا، وبعْها من الممكن بدون ذلك ممّن ينصفك ويوفيك .
وذكر أبو بكر الهُدلىّ أنّ أبا جعفر كان يقول: ليس بإنسان من أسْدى
إليه معروف فنسیه دون الموت .
وقال الفضل بن الربيع : سمعت المنصور يقول : كانت العرب تقول :
الغَوَى الفادح خير من الرّىّ الفاضح .
وذكر عن أبان بن يزيد العنبرىّ أن الهيثم القارئ البصرىّ قرأ عند المنصور
﴿وَلاَ تُبِذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ... (١)، إلى آخر الآية، فقال له المنصور، وجعل يدعو :
اللهم جنّبنى وبنىّ التبذير فيما أنعمت به علينا من عطيّتك .
(١) سورة الإسراء ٢٦.

٨٨
سنة ١٥٨
قال : وقرأ الهيثم عنده: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾
فقال للناس: لولا أنّ الأموال حصن السلطان ودعامة للدين والدنيا وعزّهما
وزينتهما ما بتّ ليلة وأنا أحرز منه دينارًا ولا درهمًا ، لما أجد لبذل المال من
اللذاذة ؛ ولما أعلم فى إعطائه من جزيل المثوبة .
ودخل على المنصور رجل من أهل العلم، فازدراه واقتحمته عينُه ، فجعل
لا يسأله عن شىء إلا وجد عنده، فقال له: أنَّى لك هذا العلم! قال : لم
أبخل بعلمٍ علمتُهُ ، ولم أستح من علم أتعلّمه . قال : فمن هناك!
قال: وكان المنصور كثيراً ما يقول: مَنْ فعل بغير تدبير ، وقال عن غير
تقدير ، لم يعدم من الناس هازئًا أو لاحياً .
وذكر عن قحطبة ، قال : سمعت المنصور يقول: الملوك تحتمل كلَّ
شىء من أصحابها إلا ثلاثًاً: إفشاء السرّ، والتعرّض للحُرْمة، والقدح فى
الملك .
وذكر علىّ بن محمد أنّ المنصور كان يقول : سرُّك من دمك ، فانظر
مَنْ تُمَلِّكه .
وذكر الزبير بن بكَّار ، عن عمر ، قال : لما حُميل عبد الجبار بن
عبد الرحمن الأزدىّ إلى المنصور بعد خروجه عليه ، قال له : يا أمير المؤمنين،
قِتْلة كريمة! قال : تركتها وراءك يابن الدّخناء!
وذكر عن عمر بن شبة ، أنّ قحطبة بن غُدانة الجشمىّ - وكان من
الصحابة - قال : سمعت أبا جعفر المنصور يخطب بمدينة السلام سنة اثنتين
وخمسين ومائة ، فقال : يا عباد الله ، لا تظالموا ، فإنها مظلمة يوم القيامة ،
والله لولا يدٌ خاطئة، وظلم ظالم، لمشيت بين أظهركم فى أسواقكم؛ ولو علمت
مكان مَنْ هو أحقّ بهذا الأمر منى لأتيتُه حتى أدفعه إليه .
وذكر إسحاق الموصلىّ ، عن النضر بن حديد ، قال : حدثنى بعض
(١) سورة النساء ٣٧.
٤٢٥/٣

٨٩
سنة ١٥٨
الصحابة أنّ المنصور كان يقول : عقوبة الحليم التعريض ، وعقوبة السفيه
التصريح .
٤٢٦/٣
وذكر أحمد بن خالد ، قال : حدثنى يحيى بن أبى نصر القرشىّ، أن أبانًا
القارئ قرأ عند المنصور: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها
كُلَّ الْبَسْطِ .... ) (١)، الآية فقال المنصور: ما أحسن ما أدّبنا رَبّنا!
قال: وقال المنصور: مَنْ صنع مثل ما صُنع إليه فقد كافأ، ومن أضعف
فقد شكر ، ومن شكر كان كريماً ، ومن علم أنه إنما صنع إلى نفسه لم يستبطئ
الناس فى شكرهم ، ولم يستزدهم من مودّتهم ، فلا تلتمس من غيرك شكرً
ما آتيتَه إلى نفسك، ووقَيْت به عرضَك . واعلم أن طالب الحاجة إليك لم
يكرم وجهه عن وجهك ، فأكرم وجهَك عن ردّه .
وذكر عمر بن شبّة أن محمد بن عبد الوهاب المهلبيّ ، حدثه ، قال :
سمعت إسحاق بن عيسى يقول : لم يكن أحدٌ من بنى العباس يتكلّم فيبلغ
حاجته على البديهة غير أبى جعفر وداود بن علىّ والعباس بن محمد .
وذكر عن أحمد بن خالد ، قال : حدّثنى إسماعيل بن إبراهيم الفهرىّ،
قال : خطب المنصور ببغداد فى يوم عرفة - وقال قوم : بل خطب فى أيام
منى - فقال فى خطبته: أيها الناس ؛ إنما أنا سلطان الله فى أرضه، أسوسكم
بتوفيقه وتسديده ، وأنا خازنه على فيئه ؛ أعمل بمشيئته ، وأقسمه بإرادته ،
وأعطيه بإذنه ؛ قد جعلنى اللّه عليه قُفلا ، إذا شاء أن يفتحنى لأعطياتكم
وقَسْم فيئكم وأرزاقكم فتَحنى، وإذا شاء أن يُقُغلنى أقفلنى؛ فارغبوا إلى اللّه
أيها الناس ، وسلوه فى هذا اليوم الشريف الذى وهب لكم فيه من فضله ما
أعلمكم به فى كتابه ؛ إذ يقول تبارك وتعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامِ ديناً﴾(٢) أن يوفقنى للصواب
ويسدّدنى للرشاد، ويلهمنى الرأفة بكم والإحسان إليكم ، ويفتحنى لأعطياتكم
٤٢٧/٣
(١) سورة الإسراء ٢٩.
(٢) سورة المائدة ٣ .

٩٠
سنة ١٥٨
وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم ، إنه سميع قريب .
وذكر عن داود بن رشيد عن أبيه ، أنّ المنصور خطب فقال : الحمد
لله، أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له .. فاعترضه معترض عن يمينه، فقال: أيّها الإنسان ، أذكرك
مَنْ ذكرت به ... فقطع الخطبة ثم قال : سمعًا سمعًا ؛ لمن حفظ عن اللّه
وذكّر به، وأعوذ بالله أن أكون جبّارًا عنيداً، وأن تأخذ كِى العزّة بالإثم ،
لقد ضللتُ إذاً وما أنا من المهتدين . وأنتَ أيها القائل؛ فوالله ما أردتَ بها وجه
اللّه (١) ؛ ولكنّك حاولت أن يقال : قام فقال فعوقب فصبر ، وأهوْن بها !
ويلك لو هممتُ ! فاهتبلها إذ غفرت . وإياك وإياكم معشر الناس أختها ؛
فإنّالحكمة علينا نزلتْ، ومن عندنا فصلت؛ فردُّوا الأمر إلى أهله ، تورِدوه
موارده ، وتُصدروه مصادرَه ... ثم عاد فى خطبته ، فكأنه يقر ؤها من كفه،
فقال : وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
وذكر عن أبى توبة الرّبيع بن نافع ، عن ابن أبى الجوزاء ، أنه قال :
قمت إلى أبى جعفروهو يخطب ببغداد فى مسجد المدينة على المنبر فقرأت :
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَالَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢)، فأخذت فأدخلت عليه،
فقال : من أنت ويلك ! إنما أردتَ أن أقتلك ، فاخرج عنى فلا أراك. قال :
فخرجت من عنده سليماً .
٤٢٨/٢
وقال عيسى بن عبد الله بن حميد: حدّثنی إبراهيم بن عيسى ، قال:
خطب أبو جعفر المنصور فى هذا المسجد - يعنى به مسجد المدينة ببغداد -
فلما بلغ: اتقوا الله حق تقاته، قام إليه رجل ، فقال: وأنت يا عبد اللّه، فاتّق
الله حق تقاته ... فقطع أبو جعفر الخطبة، وقال: سمعا سمعًا، لمن ذكّر باللّه؛
هات يا عبد الله، فما تُقى الله ؟ فانقطع الرجل فلم يقل شيئًا، فقال أبو جعفر:
الله الله أيها الناس فى أنفسكم، لا تحملونا من أموركم (٣) ما لا طاقة لكم به ،
(١) ابن الأثير: ((ما أردت بهذا القول وجه الله))
(٣) ب: ((أنفسكم)).
(٢) سورة الصف ٢ .
٠٫٫٤٩٠٠

٩١
سنة ١٥٨
لا يقوم رجل هذا المقام إلا أوجعتُ ظهره، وأطلت حبسه . ثم قال : خذه
إليك يا ربيع ، قال : فوثقنا له بالنجاة- وكانت العلامة فيه إذا أراد بالرجل
مكروهًا قال: خذه إليك يا مسيّب- قال: ثم رجع فى خطبته من الموضع الذى
كان قطعه ، فاستحسن الناس ذلك منه ، فلما فرغ من الصلاة دخل القصر ؛
وجعل عيسى بن موسى يمشى على هينته(١) خلْفَه ، فأحسّ به أبو جعفر ،
فقال : أبو موسى ؟ فقال : نعم يا أمير المؤمنين ؛ قال : كأنك خفتَّنى على
هذا الرجل ! قال : والله لقد سبق إلى قلبى بعضُ ذلك؛ إلا أن أمير المؤمنين
أكثر علمًا، وأعلى نظرًا من أن يأتى فى أمره إلا الحقّ ، فقال: لا تخفى
عليه. فلما جلس قال: علىّ بالرجل ، فأتِىَ به؛ فقال: يا هذا ؛ إنك لما
رأيتَنى على المنبر، قلت ؛ هذا الطاغية لا يسعنى إلا أن أكلِّمه ، ولو شغلت
نفسك بغير هذا لكان أمثَل لك؛ فاشغلها بظماء الهواجر، وقيام الليل، وتغيير
قدميك فى سبيل اللّه ؛ أنطه (٢) يا ربيع أربعمائة درهم ، واذهب فلا تعد .
وذكر عن عبد الله بن صاعد ، مولى أمير المؤمنين أنه قال : حجّ المنصور
بعد بناء بغداد ، فقام خطيباً بمكة ، فكان مما حفظ من كلامه: ﴿وَلَقَدْ
كَتَبْنَا فِىِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبَادِىَ الصَّالِحُون﴾(٣)،
أمرٌ مُبَرَم ، وقول عدْل، وقضاء فتَصْل؛ والحمد لله الذى أفلح حجته ، وبعداً
للقوم الظالمين ؛ الذين اتخذوا الكعبة عرضًا(٤)، والفوء إرثا، وجعلوا القرآن
عضِين (٥)؛ لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون ، فكم يرى من بئر معطَّة وقنَصْرٍ
مشيد؛ أهملهم(٦) اللّه حتى بدّلوا السنة، واضطهدوا العترة(٧)، وعندوا
واعتدْوا ، واستكبروا وخاب كلُّ جبار عنيد ؛ ثم أخذهم؛ فهل تحسّ منهم
من أحدٍ أو تسمع لهم ركزًا !
٤٢٩/٣
وذكر الهيثم بن عدىّ ، عن ابن عياش ، قال : إن الأحداث لما تتابعت
(١) ط: ((هيئته)) وما أثبته من ب. (٢) س: ((أعطه))، وهما بمعنى.
(٣) سورة الأنبياء ١٠٥ .
(٥) عضين ؛ أى فرقاً .
(٧) ابن الأثير: ((وأهملوا العبرة)).
(٤) ابن الأثير: ((غرضا)).
(٦) س: ((أمهلهم)).

٩٢
سنة ١٥٨
على أبى جعفر ، تمثّل :
فما يَدْرِى خداثٌ ما يَصِيدُ(١)
تفرَّقت الظّباءُ على خِدَاشٍ
قال : ثم أمر بإحضار القوَّاد والموالى والصحابة وأهل بيته ، وأمر حمادا
التركىّ بإسراج الخيل وسليمان بن مجالد بالتقدّم والمسيّب بن زهير بأخذ الأبواب،
ثم خرج فى يوم من أيامه حتى علا المنبر . قال : فأزِمَ عليه طويلا لا ينطق .
قال رجل لشبيب بن شيبة: ما لأمير المؤمنين لا يتكلم ! فإنه واللّه ممّن يهون عليه
صعاب القول ، فما باله ! قال : فافترع الخطبة ، ثم قال :
٤٣٠/٣
ولو شتمتُ بنى سَعْدٍ لقدسكنوا(٢)
مالى أُكْفكِفُ عن سَعْدٍ ويشْتمِنِى
لبئست الخَلَّتان الجَهْلُ والجُبُنُ
جهلا علىَّ وجُبْناً عن عَدُوِّهِمُ
ثم جلس وقال :
فألقيتُ عن رَأْسِى القناعَ ولم أَكنْ لأَكشِفَهُ إِلا لِإِحْدَى العظائم
والله لقد عجزوا عن أمر قمنا به، فما شكروا الكافى؛ ولقد مهدوا فاستوعر وا
وغمطوا الحقّ وغمصوا، فماذا حاولوا! أشرب رنْقًا على غَصصٍ ، أم أقيم
على ضيم ومضَض! والله لا أكرم أحداً بإهانة نفسى ؛ والله لئن لم يقبلوا الحق
ليطلبُنّه ثم لا يجدونه عندى؛ والسعيد مَنْ وُعظ بغيره. قدّم يا غلام، ثم
ر کب
وذكر الفقيمىّ أنّ عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن مولى محمد بن علىّ
حدّثه ، أن المنصور لما أخذ عبد الله بن حسن وإخوته والنَّفْر الذين كانوا معه
من أهل بيته ، صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم صلى على النبيّ صلى
الله عليه وسلم ، ثم قال :
يا أهلَ خُراسان، أنتم شيعتُنا وأنصارنا وأهلُ دولتنا ، ولو بايعتم غيرنا
لم تبايعوا مَنْ هو خيرمنا، وإنّ أهلَ بيتى هؤلاء من ولد علىّ بن أبى طالب
(١) الأغانى ١٢ : ٢٢٩.
(٢) من قصيدة لقعنب بن أم صاحب فى مختارات
ابن الشجرى ٦ - ٨ . وفيها: ((مالى أكفكف عن وهب)).

٩٣
سنة ١٥٨
تركناهم والله الذى لا إله إلا هو والخلافة، فلم نعرض لهم فيها بقليل ولا كثير؛ ٤٣١/٣
فقام فيها علىّ بن أبى طالب فتلطّخ وحكّم عليه الحكمين ؛ فافترقت عنه
الأمة ، واختلفت عليه الكلمة ، ثمّ وثبت عليه شيعتُه وأنصاره وأصحابه وبطانته
وثقاته فقتلوه، ثمّ قام من بعده الحسن بن علىّ؛ فوالله ما كان فيها برجُل؛
قد عرضت عليه الأموال، فقبلها، فدسّ إليه معاوية؛ إنى أجعلك ولى ◌ّعهدى
من بعدى، فخدعه فانسلخ له مما (١) كان فيه ، وسلّمه إليه ، فأقبل على النساء
يتزوّج فى كلّيوم واحدة فيطلّقها غدًاً ؛ فلم يزل على ذلك حتى مات على
فِراشه، ثمّ قام من بعده الحسين بن علىّ، فخدعه أهل العراق وأهلُ الكوفة؛
أهل الشَّقاق والنفاق والإغراق (٢) فى الفتن، أهل هذه المَدَرة السوداء - وأشار
إلى الكوفة - فوالله ماهى بحرب فأحاربها، ولا سلم فأسالمها، فرّق اللّه بينى وبينها ،
فخذلوه وأسلموه حتى قتل، ثم قام من بعده زيد بن علىّ، فخدعه أهل الكوفة
وغرّوه ؛ فلما أخرجوه وأظهروه أسلموه ؛ وقد كان أتى محمد بن علىّ، فناشده
فى الخروج وسأله ألا يقبل أقاويل أهل الكوفة ، وقال له : إنا نجد فى بعض
علمنا ، أنّ بعض أهل بيتنا(٣) يُصلَب بالكوفة، وأنا أخاف أن تكون ذلك
المصلوبَ ؛ وناشده عمىّ داود بن علىّ وحذّره غدر أهل الكوفة فلم يقبل ؛
وأتمّ على خروجه، فقتِل وصُلِب بالكُناسة، ثم وثب علينا بنو أميّة، فأماتوا
شرفنا ، وأذهبوا عزّنا؛ واللّه ما كانت لهم عندنا تيرة يطلبونها؛ وما كان لهم
ذلك كله إلاّ فيهم وبسبب خروجهم عليهم ؛ فنفوْنا من البلاد ، فصرْنا مرة
بالطائف، ومرّة بالشأم ، ومرّة بالشّراة ؛ حتى ابتعتكم الله لنا شيعة وأنصاراً ،
فأحيا شرفنا، وعزّنا بكم أهل خراسان ، ودمغ بحقّكم أهلَ الباطل ، وأظهر
حقنا ، وأصار الينا ميراثنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم ، فقرّ الحق مقرّه،
وأظهر مناره، وأعزّ أنصاره ، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب
العالمين . فلما استقرّت الأمور فينا على قرارها ؛ من فضل الله فيها وحكمه
العادل لنا ، وثبوا علينا، ظلماً وحسداً منهم لنا ، وبغيًا لما فضّلنا الله به عليهم،
وأكرمنا به من خلافته وميراث نبيه صلى اللّه عليه وسلم .
٤٣٢/٣
(١) س: ((منها ومما)).
(٣) س: ((بيت نبينا)).
(٢) ب: ((والإعراق)).

٩٤
سنة ١٥٨
لبئست الخَلَّتان الجَهْل والجُبْنُ
جَهْلاً علىّ وجُبْناً عن عدوّهُمُ
فإنىّ والله يا أهلَ خراسان ما أتيت من هذا الأمر ما أتيت بجهالة ، بلغنى
عنهم بعض السقم والتعرّم ، وقد دسست لهم رجالا فقلت : قم يا فلان قم
يا فلان ، فخذ معك من المال كذا ، وحذوت لهم مثالاً يعملون عليه ؛ فخرجوا
حتى أتوهم بالمدينة، فدسُّوا إليهم تلك الأموال ؛ فوالله ما بقى منهم شيخ ولا
شابّ، ولا صغير ولا كبير إلاَّ بايعهم بيعةً ، استحللت بها دماءهم وأموالهم
وحَّت لى عند ذلك بنقضِهم بيعتى، وطلبهم الفتنة، والتماسهم الخروج علىّ؛
فلا يرون أنى أتيتُ ذلك على غير يقين . ثم نزل وهو يتلو على دَرَج المنبر
هذه الآية: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُون كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قبلُ
إِنَّهُمْ كَانُوا فِى شَكِّ مُرِيبٍ﴾(١) .
٤٣٣/٣
قال : وخطب المنصور بالمدائن عند قتل أبى مسلم ، فقال :
أيُّها الناس؛ لا تخرجُوا من أنسِ الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تُسرُّوا
غشَّ الأئمة، فإنه لم يُسرّ أحد قط منكرةً إلا ظهرت فى آثاريده، أو فلتات
لسانه ، وأبداها اللّه الإمامه؛ بإعزاز دينه، وإعلاء حقه . إنا لن نبخسكم
حقوقتكم، ولن نبخَس الدّين حقه عليكم. إنه مَنْ نازعنا عُرْوة هذا القميص
أُجَزْرناه خبِىّ هذا الغمْد . وإن أبا مسلم بايعتنا وبايع الناس لنا ، على أنه
منْ نکث بنا فقد أباح دمه، ثم نکث بنا، فحكمنا علیه حكمه علىغيره لنا ؛
ولم تمنعنا رعاية الحقّ له من إقامة الحقّ عليه.
وذكر إسحق بن إبراهيم الموصلىّ أن الفَضْل بن الرّبيع أخبره عن أبيه ،
قال : قال المنصور: قال أبى : سمعتُ أبى؛ علىّ بن عبد الله يقول: سادة
الدنيا الأسخياء ، وسادة الآخرة الأنبياء .
وذكر عن إبراهيم بن عيسى، أن المنصور غضب على محمد بن جُمَسَيْل
الكاتب- وأصله من الرّبذة - فأمر ببطحه (٢)، فقام بحجته، فأمر بإقامته ،
(١) سورة سبأ ٥٤ .
(٢) بطحه : ألقاه على وجهه .

٩٥
سنة ١٥٨
ونظر إلى سراويله ، فإذا هو كَتّان ، فأمر ببطحه وضربه خمس عشرة درّة ،
وقال : لا تلبس سراويل كَّان فإنه من السرف .
٤٣٤/٣
وذكر محمد بن إسماعيل الهاشمىّ ، أن الحسن بن إبراهيم حدثه ، عن
أشياخه، أن أبا جعفر لما قتل محمد بن عبد الله بالمدينة وأخاه إبراهيم بينَا خَمْرى
وخرج إبراهيم بن حسن بن حسن بمصر فحميل إليه ، كتب إلى بنى علىّ بن
أبى طالب بالمدينة كتاباً يذكر لهم فيه (١) إبراهيم بن الحسن بن الحسن وخروجه
بمصر ، وأنّه لم يفعل ذلك إلا عن رأيهم ، وأنهم يدأبون فى طلب السلطان ،
ويلتمسون بذلك القطيعة والعُقوق، وقد عجزوا عن عداوة بنى أمية لمّا نازعوهم
السلطان ، وضعفوا عن طلب ثأرهم ؛ حتى وثب بنو أبيه غضباً لهم على بنى أمية،
فطلبوا بثأرهم ، فأدركوا بدمائهم ، وانتزعوا السلطان عن أيديهم ، وتمثّل فى
الكتاب بشعر سُبيع بن ربيعة بن معاوية اليربوعىّ :
وبالله أَحْمی عنكُمُ وأَدَافِعُ
فَلولا دِفاعى عنكُمُ إِذ عَجَزْتُمُ
كفاةً وما لا يَحْفَظُ اللهُ ضائعُ
لَضاعَتْ أُمورمنگُمُ لا آری لها
ومن ذاالذى تُحْنَى عليه الأَصابعُ!
فَسَمُّوالنامَنْ طَحْطَحَ الناسَ عنْكُمُ
على الدهر إِفْضالٌ يُرَى وَمَنافِع
وما زال منَّا قد عَلَمْتمْ عليكُمُ
وما زال منكُمْ أَهْلُ غَدْرِ وجَفْوَةٍ
وإِن نحن غِبْنا عنكُمْ وَشَهِدْتُمُ
وإنا لنَرْعاكم وترعون شَأْنَكم
وهل تَعْلُوَنْ أَقدامُ قوْمٍ صُدورَهُمْ
وَدَبَّ رِجَالٌ للرِّياسَةِ منكمُ
وبالله مُغْتَرُّ وللرّحْم قاطعُ
وَقَائعَ منكِمْ ثَمَّ فيها مقانِعُ
كذاك الأُمور ؛ خافضاتٌ رَوافِعُ
وهل تعْلُوَنْ فوق السَّنامِ الأَكارِعُ!
كمادَرَجَتْ تحْتَ الغديرِ الضَّفَادِعُ؟
وذكر عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق ، قال : كان أرزاق الكتاب
والعمّال أيام أبى جعفر ثلثمائة درهم؛ فلما كانت كذلك لم تزل (٢) على حالها
إلى أيام المأمون، فكان أوّل مَنْ سنّ زيادة الأرزاق الفضل بن سهل ، فأمّا
٤٣٥/٣
(٢) س: ((ولم يزل كذلك)).
(١) س: ((فعل)).

٩٦
سنة ١٥٨
فى أيام بنى أمية وبنى العباس فلم تزل الأرزاق من الثلثمائة إلى ما دونها ، كان
الحجّاجُ يُجرى على يزيد بن أبى مسلم ثلثمائة درهم فى الشهر.
وذكر إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى ، أنّ ولاة البريد فى الآفاق
كلِّها كانوا يكتبون إلى المنصور أيام خلافته فى كلّ يوم بسعر القمح والحبوب
والأُدْمِ ، وبسعْرِ كلّ مأكول ، وبكلّ ما يقضى به القاضى فى نواحيهم ،
وبما يعمل به الوالى وبما يرد بيتَ المال من المال ، وكلّ حدث ، وكانوا إذا
صلُّوا المغرب يكتبون إليه بما كان فى كلّ ليلة إذا صلّوا الغداة ؛ فإذا وردت
كتبهم نظر فيها ، فإذا رأى الأسعار على حالها أمسك، وإن تغيّر شىء منها
عن حاله كتب إلى الوالى والعامل هناك، وسأل عن العلّة التى نقلت ذاك عن
سعره ؛ فإذا ورد الجواب بالعلّة تلطف لذلك برفقه حتى يعود سعره ذلك إلى
حاله ؛ وإن شكّ فى شىء مما قضى به القاضى كتب إليه بذلك ؛ وسأل من
بحضرته عن عمله ؛ فإن أنكر شيئًا عمل به كتب إليه يوبِّخه ويلومه .
وذكر إسحاق الموصلىّ أن الصبّاح بن خاقان التميمىّ، قال : حدّثنى
رجل من أهلى ، عن أبيه ، قال : 'ذكر الوليد عند المنصور أيام نزوله بغداد
وفروغه من المدينة ، وفراغه من محمد وإبراهيم ابنى عبد اللّه، فقالوا: لعن الله
الملحد الكافر - قال: وفى المجلس أبو بكر الهذلى وابن عياش المنتوف والشّرقىّ
ابن القطامىّ ، وكل هؤلاء من الصحابة - فقال أبو بكر الهذلىّ: حدّثنى
ابن عم للفرزدق ، عن الفرزدق ، قال : حضرت الوليد بن یزید وعنده ندماؤه
وقد اصطبح ، فقال لابن عائشة : تغنَّ بشعر ابن الزُّبَعْرَى :
جزَعِ الخَزْرَجِ من وقعِ الأَسَلْ(١)
لَيْتَ أَشْيَاخِى بِبَدْرٍ شَهِدُوا
وَعَدَلنَا مَيْلَ بَدْرٍ فَاعْتَدِلُ
وقتلْنا الضِّعْفَ من ساداتِهِمْ(٢)
. فقال ابن عائشة : لا أغنّى هذا يا أمير المؤمنين ؛ فقال : غَنِّه وإلاَ
جدعتُ لهَواتك، قال: فغنَّاه ، فقال: أحسنت واللّه! إنه لعلى دينِ ابن
الزّبَعْرَى يوم قال هذا الشعر. قال : فلعنه المنصور ولعنه جلساؤه ؛ وقال:
(٢) س: ((وقتلنا الصيد)).
(١) من أبيات له فى ابن هشام ٣: ٩٧.
٤٣٦/٣

٩٧
سنة ١٥٨
الحمد لله على نعمته وتوحيده .
وذكر عن أبى بكر الهذلىّ ، قال : كتب صاحب إرمينية إلى المنصور :
إن الجند قد شَغَبوا عليه، وكسروا أقفال بيت المال ، وأخذوا ما فيه ، فوقّع
فى كتابه : اعتزل عملنا مذمومًا، فلو عقلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينتهبوا .
وقال إسحاق الموصلىّ ، عن أبيه: خرج بعضُ أهل العبث على أبى جعفر
بفلسطين، فكتب إلى العامل هناك : دمه فى دمك إلا توجّهه إلىّ ؛ فجدّ
فى طلبه ، فظفر به فأشخص ، فأمر بإدخاله عليه ، فلمّا مثل بين يديه ،
قال له أبو جعفر: أنت المتوثّب على مُمَّالى! لأنثرنَّ من لحمك أكثر مما ييفى
منه على عظمك ، فقال له - وقد كان شيخًا كبير السنّ- بصوت ضعيف
ضئيل غير مستعلٍ :
أَتَرُوضُ عِرْسَكَ بَعدَ ما هَرِمِتْ
ومنَ العَناءِ رياضةُ الهَرِمِ
٤٣٧/٣
قال : فلم تتبيَّن للمنصور مقالته، فقال : يا ربيع ، ما يقول ؟ فقال :
يقول :
العَبْدُ عبدُكُمُ والمالُ مالِكُمُ فَهِلْ عذابُك عنى اليومَ مُنْصَرِفُ!
قال : يا ربيع، قد عفوتُ عنه ؛ فخلّ سبيله، واحتفظ به، وأحسن ولايته.
قال : ورُفع رجل إلى المنصور يشكو عامله أنه أخذ حدًّا من ضيعته ،
فأضافه إلى ماله ، فوقع إلى عامله فى رقعة المتظلم: إن آثرتَ العدل صحبتْك
السلامة ، فأنصف هذا المتظلّم من هذه الظلامة .
قال : ورفع رجل من العامّة إليه رقعة فى بناء مسجد فى محلته ، فوقع فى
رقعته : من أشراط الساعة كثرة المساجد ، فزد فى خطاك تزدد من الثواب .
قال : وتظلم رجل من أهل السواد من بعض العمال ، فى رقعة رفعها إلى
المنصور، فوقّع فيها : إن كنت صادقًا فجئ به ملبّبًا فقد أذنًّا لك فى ذلك.

٩٨
سنة ١٥٨
وذكر عمر بن شبّة أنّ أبا الهذيل العلاف حدّثه ، أن أبا جعفر قال :
بلغنى أن السيّد بن محمد ماتَ بالكرْخ - أو قال : بواسط - ولم يدفنوه ،
ولئن حقّ ذلك عندى لأحرقتها. وقيل: إن الصحيح أنه مات فى زمان المهدىّ
بكَرْخ بغداد ، وأنهم تحامَوْا أن يدفنوه ، وأنه بعث بالرّبيع حتى ولى أمره،
وأمسَره إن كانوا امتنعوا أن يحرق عليهم منازلهم ، فدُفع ربيع عنهم .
وقال المدائنىّ: لما فرغ المنصور من محمد وإبراهيم وعبد الله بن علىّ
وعبد الجبار بن عبد الرحمن، وصار ببغداد، واستقامت له الأمور، كان يتمثّل
هذا البيت :
مرارًا ويكْفى الله ما أَنت خائفُ
تبيت من البلوَى على حدّ مُرهَفٍ
٤٣٨/٣
قال : وأنشدنى عبد اللّه بن الربيع ، قال: أنشدنى المنصور بعد قتل
هؤلاء :
وربّ أمورٍ لا تَضِيرُكَ ضَيْرَةً. وللقلب من مَخشاتِهِنّ وَجيبُ (١)
وقال الهيثم بن عدّى : لما بلغ المنصور تفرّقَ ولد عبد الله بن حسن فى
البلاد هربًا من عقابه ، تمثّل :
غَمِزُ الثّقاف ولا دُهْنُ ولا نارُ
إِنَّ قناتى لَنِبْعٌ لا يُؤْيّسها
وإِن أُخِفْ آمِناً تَقْلَقْ به الدارُ
متى أُجِرْ خائفاً تَأْمَنْ مَسَارحُه
إنى لكل امرئٍ من جاره جارٌ
سيرُوا إِلَّ وَغُضُّوا بعض أَعْيُنِكم
وذكر علىّ بن محمد عن واضح مولى أبى جعفر ، قال : أمرنى أبو جعفر
أن أشترى له ثوبيْن لينين ، فاشتريتهما له بعشرين ومائة درهم ، فأتيته بهما ،
فقال: بكم ؟ فقلت: بثمانين درهمًا، قال: صالحان، استحِطّه؛ فإنّ المتاع
إذا أدخِل علينا ثم رُدّ على صاحبه كسره ذلك . فأخذتُ الثوبين من صاحبهما،
فلما كان من الغد حملتهما إليه معى ، فقال : ما صنعت ؟ قلت : رددتهما
(١) س: ((من وحشاتهن)).

٩٩
سنة ١٥٨
عليه فحّطّى عشرين درهما، قال : أحسنتَ ؛ اقطع أحدَ هما قميصًا، واجعل
الآخر رداء لى . ففعلتُ ، فلبس القميص خمسة عشر يومًاً لم يلبس غيره .
وذكر مولى لعبد الصمد بن علىّ، قال : سمعتُ عبدَ الصَّمد يقول:
إنّ المنصور كان يأمر أهل بيته بحسن الهيئة وإظهار النعمة وبلزوم الوشى
والطّب ؛ فإن رأى أحداً منهم قد أخلّ بذلك أو أقل منه ، قال : يا فلان ،
ما أرى وبيص(١) الغالية فى لحيتك؛ وإنى لأراها تلمع فى لحية فلان؛ فيشحذهم
بذلك على الإكثار من الطّب ليتزين بهيئتهم وطيب أرواحهم عند الرّعيّة،
ويزيّنهم بذلك عندهم ؛ وإن رأى على أحد منهم وشياً طاهراً عضّه بلسانه .
٤٣٩/٣
وذكير عن أحمد بن خالد ، قال : كان المنصور يسأل مالك بن أدهم
كثيراً عن حديث عجلان بن سُهيل ، أخى حوثرة بن سُهيل ، قال : كنَّا
جلوسًا مع عجلان ، إذ مرَّ بنا هشام بن عبد الملك ، فقال رجل من القوم :
قد مرّ الأحول، قال : مَن تعنى ؟ قال : هشامًا، قال : تسمّى أمير المؤمنين
بالنّبز (٢)! والله لولا رحمك لضربت عنقك، فقال المنصور: هذا والله الذى
ينفع مع مثله المحيا والممات .
وقال أحمد بن خالد : قال إبراهيم بن عيسى : كان للمنصور خادم
أصفرُ إلى الأدْمة (٣)، ماهر لا بأس به، فقال له المنصور يومًا: ما جنسك ؟
قال: عربىّ يا أمير المؤمنين، قال: ومنْ أيّ العرب أنت ؟ قال: من خَولان،
سُبيتُ من اليمن ، فأخذنى عدوٌّ لنا ، فجبّتِى فاسترققت، فصرت إلى بعض
بنى أميّة ، ثم صرت إليك. قال : أما إنك نعم الغلام ؛ ولكن لا بدخل قصرى
عربى يخدم حُرمى ؛ اخرج عافاك الله ؛ فاذهب حيث شئت !
وذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن معاوية بن بكر ــ وكان
من الصحابة - أنّ المنصور ضمّ رجلا من أهل الكوفة، يقال له الفُضِيل بن
عمران، إلى ابنه جعفر، وجعله كاتبه، وولاه أمره، فكان منه بمنزلة أبى عبيدالله
(٢) النبز، بالتحريك: اللقب، وقد يطير به.
(١) الوبيص : اللمعان .
(٣) الأدمة : السمرة .

١٠٠
٤٤٠/٣
سنة ١٥٨
من المهدىّ ، وقد كان أبو جعفر أراد أن يبايع لجعفر بعد المهدىّ ، فنصبت
أم عبيد اللّه حاضنةُ جعفر الفضيل بن عمران، فسعتْ به إلى المنصور ،
وأومأت إلى أنه يعبث بجعفر . قال : فبعث المنصور الرّيان مولاه وهارون بن
غَزْوان مولى عثمان بن نهيك إلى الفُضَيل - وهو مع جعفر بحديثة الموصل -
وقال : إذا رأيتما فُضيلاً فاقتلاه حيث لقيماه ، وكتب لهما كتابًاً منشوراً ،
وكتب إلى جعفر يعلمه ما أمرهما به ، وقال : لا تدفعا الكتاب إلى جعفر حتى
تفرُغا من قتله . قال : فخرجا حتى قدما على جعفر ، وقعدا على بابه ينتظران
الإذن ؛ فخرج عليهما فُضيل، فأخذاه وأخرجا كتاب المنصور ، فلم يعرِض
لهما أحدٌ ؛ فضربا عنقه مكانه، ولم يعلم جعفر حتى فرغا منه - وكان الفضيل
رجلاً عفيفًا ديِّنا - فقيل للمنصور: إنّ الفضيل كان أبرأ الناس مما رُمِىَ به ،
وقد عجِلتَ عليه . فوجَّه رسولا ، وجعل له عشرة آلاف درهم إن أدركه
قبل أن يقتّل ، فقدم الرسول قبل أن يجفّ دمه .
فذكر معاوية بن بكر عن سويد مولى جعفر ، أنّ جعفراً أرسل إليه، فقال:
ويلك ! ما يقول أمير المؤمنين فى قتل رجل عفيف ديّن مسلم بلا
جُرْم ولا جناية ! قال سويد : فقلت : هو أمير المؤمنين يفعل ما يشاء ؛
وهو أعلم بما يصنع ؛ فقال : يا ماصّ بَظْر أمّه ، أكلِّمك بكلام
الخاصّة وتكلمنى بكلام العامة ! خذوا برجله فألقوه فى دِجْلة . قال
فأخذت ، فقلت : أكلّمك ، فقال : دعوه ، فقلت : أبوك إنما
يُسأل عن فُضيل، ومتى يُسْألُ عنه، وقد قتل عمّه عبد اللّه بن عبد الله بن
علىّ ، وقد قتل عبد الله بن الحسن وغيره من أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم
ظلمًا، وقتل أهل الدّنيا ممن لا يحُصى ولا يعدّ ! هو قبل أن يُسأل عن فضيل
جُرذانة تجبّ خصى فرعون(١) قال: فضحك ، وقال: دعوه إلى لعنة الله.
٤٤١/٣
وقال قعنّب بن محرز: أخبرنا محمد بن عائد مولى عثمان بن عفان أن حفصاً
الأموىّ الشاعر ، كان يقال له حفص بن أبى جُمعة، مولى عبّاد بن زياد ،
وكان المنصور صيّره مؤدبًا للمهدىّ فى مجالسه ، وكان مدّاحًا لبنى أمية فى
أيام بنى أميّة وأيّام المنصور، فلم ينكرِ عليه ذلك المنصورُ، ولم يزل مع المهدىّ
(١) كذا فى : ط .