النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سنة ١٥٨
وكان العباس يومئذ المتكلّم ، فبايع الناس للمهدىّ بين الركن والمقام ، وتفرّق
عدّة من أهل بيت المهدىّ فى نواحى مكة والعسكر فبايعه الناس ، وأخذ فى
جهاز المنصور وغسله وكفنه ، وتولّى ذلك من أهل بيته العباس بن محمد والربيع
والرّيان وعدّة من خدمه ومواليه ، ففرغ من جهازه مع صلاة العصر ، وغطّى
من وجهه وجميع جسده بأكفانه إلى قُصاص شعره ، وأبدى رأسه مكشوفًا من
أجل الإحرام ، وخرج به أهل بيتِهِ والأخصُّ من مواليه، وصلّ عليه - فيما
زعم الواقدىّ - عيسى بن موسى فى شعب الحُوز(١).
٣٩٠/٣
وقيل: إن الذى صلّ عليه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علىّ. وقيل: إنّ
المنصور كان أوصى بذلك ؛ وذلك أنه كان خليفته على الصلاة بمدينة السلام .
وذكر علىّ بن محمد النوفلى"، عن أبيه، أنّ إبراهيم بن يحيى صلى عليه فى
المضارب قبل أن يُحمل؛ لأن الربيع قال: لا يصلّى عليه أحد يطمع فى الخلافة،
فقدّموا إبراهيم بن يحيى - وهو يومئذ غلام حدث - وذفن فى المقبرة التى
عند ثَنِيَّة المدنيين(٢) التى تسمى كذا، وتسمى ثَنِيَّة المَعْلاة؛ لأنها بأعلى
مكة ، ونزل فى قبره (٣) عيسى بن على" والعباس بن محمد وعيسى بن موسى ،
والربيع والرّيان موْلياه ، ويقطين بن موسى .
واختلف فى مبلغ سنه يوم توفّى، فقال بعضهم: كان يوم توفّىَ ابن أربع
وستين سنة .
وقال بعضهم : كان يومئذ ابن خمس وستين سنة .
وقال بعضهم : كان يوم توفّىَ ابن ثلاث وستين سنة .
وقال هشام بن الكلبىّ : هلك المنصور وهو ابن ثمان وستين سنة .
(١) ب: ((الحور))، ج: ((الحوز)).
(٣) ب: ((مقبره)).
(٢) ب: ((المدينتين)).

٦٢
سنة ١٥٨
وقال هشام : ملك المنصور اثنتين وعشرين سنة إلا أربعة وعشرين يومًاً .
واختلف عن أبى معشر فى ذلك ، فحدثنى أحمد بن ثابت الرازىّ عمّن
ذكره ، عن إسحاق بن عيسى عنه أنه قال : توفّى أبو جعفر قبل يوم التروية
بيوم يوم السبت ، فكانت خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا ثلاثة أيام .
وروى عن ابن بكَّر عنه أنه قال : إلا سبع ليال .
وقال الواقدىّ : كانت ولاية أبى جعفر اثنتين وعشرين سنة إلا ستة أيام .
وقال عمر بن شبّة : كانت خلافته اثنتين وعشرين سنة غير يومين .
وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على .
وفى هذه السنة هلك طاغية الروم .
*
ذكر الخبر عن صفة أبى جعفر المنصور
'ذكر أنه كان أسمر طويلاً، نحيفاً. خفيف العارضين.
وكان وُلد بالخُمَيْمة.
ذكر الخبر عن بعض سيره
◌ُذُكر عن صالح بن الوجيه، عن أبيه ، قال : بلغ المنصورَ أن عيسى
ابن موسى قتل رجلا من ولد نصر بن سيَّار، كان مستخفيًا بالكوفة ، فدُلّ
عليه ، فضرب عنقه . فأنكر ذلك وأعظمه ، وهمّ فى عيسى بأمر كان فيه
هلاكه ، ثم قطعه عن ذلك جهلُ عيسى بما فعل . فكتب إليه :
أما بعد، فإنه لولا نظرُ أمير المؤمنين واستبقاؤه لم يؤخِّرْك عقوبة قتل ابن
نصر بن سيَّار واستبدادك به بما يقطع أطماعَ العمال فى مثله، فأمسكْ عمّن
ولاك أمير المؤمنين أمره ؛ من عربىّ وأعجمىّ ، وأحمر وأسود ، ولا تستبدّنّ
على أمير المؤمنين بإمضاء عقوبة فى أحد قبَلُه تباعة"(١) ، فإنه لا يرى أن يأخذ
٣٩١/٣
٣٩٢/٣
(١) التباعة ، مثل التبعة.

٦٣
سنة ١٥٨
أحداً بظنّة قد وضعها اللّه عنه بالتوبة، ولا بحدث كان منه فى حرب أعقبه
اللّه منها سِلْما ستر به عن ذى غِلَّة، وحجز به عن محنة ما فى الصدور ؛
وليس ييأس أمير المؤمنين لأحدٍ ولا لنفسه من اللّه من إقبال مدبر ؛ كما أنه
لا يأمن إدبار مقبل . إن شاء اللّه والسلام.
وذكر عن عباس بن الفضل ، قال : حدثنى يحيى بن سُليم كاتب
الفضل بن الربيع، قال: لم يُرَ فى دارِ المنصور لهوٌ قطّ ، ولا شىء يشبه اللَّهو
واللعب والعبث إلا يومًاً واحداً، فإنّا رأينا ابنًا له يقال له عبد العزيز أخا سليمان
وعيسى ابنى أبى جعفر من الطلحيَّة، تُوُفِّىَ وهو حَدَّث، قد خرج على
الناس متنكِّبًا قوساً، متعمّماً بعمامة، متردّيًا ببُرْد، فى هيئة غلام أعرابىّ ،
راكبًا على قعود بين جُوالقيْن، فيهما مُقْل وفعال ومساويك وما يهديه
الأعراب؛ فعجب الناس من ذلك وأنكروه . قال : فمضى الغلام حتى عبر
الجسر ، وأتى المهدىّ بالرُّصافة فأهدى إليه ذلك ، فقبل المهدِىّ ما فى الجواليق
وملأهما دراهم؛ فانصرف بين الجُوالقين؛ فعلم أنه ضَرْبٌ من عبث الملوك
وذكر عن حمّاد التركىّ ، قال : كنت واقفًا على رأس المنصور ، فسمع
جلبةً فى الدار ، فقال : ما هذا يا حماد ؟ انظر ، فذهبتُ فإذا خادم له قد
جلس بين (١) الجوارى، وهو يضرب لهنّ بالطنبور، وهن يضحكنَ، فجئت
فأخبرته ، فقال : وأىّ شىء الطنبور ؟ فقلت : خشبة من حالها وأمرها ...
ووصفتُها له ؛ فقال لى : أصبتَ صفته، فما يدريك أنت ما الطنبور ! قلت :
رأيتُهُ بخُراسان، قال : نعم هناك ، ثم قال : هات نعلى ، فأتيته بها فقام يمشى
رُويدًا حتى أشرف عليهم فرآهم، فلما بصروا به تفرّقوا، فقال: خذوه، فأخذ ،
فقال : اضرب به رأسه ، فلم أزل أضرب به رأسَه حتى كسّرتُه ، ثم قال :
أخرجْه من قصرى ، واذهب به إلى حمران بالكَرْخ ، وقل له يبيعه .
٣٩٣/٣
وذكر العباس بن الفضل عن سلاّم الأبرش ، قال : كنت وأنا وصيف
وغلام آخر نخدم المنصورَ داخلاً فى منزله ؛ وكانت له حجرة فيها بيت
وفُسطاط وفراش ولحاف يخلو فيه ، وكان من أحسن الناس خُلُقًا ما لم يخرج
(١) ج وابن الأثير: ((حوله)).

٦٤
سنة ١٥٨
إلى الناس ، وأشدّ احتمالا لما يكون من عبث الصبيان ؛ فإذا لبس ثيابه تغيّر
لونُه وتربّد وجهه، واحمرّت عيناه ، فيخرج فيكون منه ما يكون ، فإذا قام
من مجلسه رجع بمثل ذلك ؛ فنستقبله فى ممشاه ، فربما عاتبناه .
وقال لى يومًا : يا بنىّ إذا رأيتنى قد لبست ثيابى أو رجعت من مجلسى ؛
فلا يدنُوَنَ منى أحد منكم مخافة أن أعرّه بشىء.
وذكر أبو الهيثم خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن حازم ، قال :
حدّثنى عبد الله بن محمد - يلقب بمنقار من أهل خراسان وكان من عمال
الرشيد - قال : حدّثّنى معن بن زائدة ، قال : كنّا فى الصحابة سبعمائة رجل ؛
فكنا ندخل على المنصور فى كلّ يوم ، قال : فقلت للربيع : اجعلنى فى
آخِرِ مَنْ يدخل ، فقال لى : لستَ بأشرفهم فتكون فى أوّلهم ، ولا بأخسِّهم
نسبًاً فتكونَ فى آخرهم ؛ وإن مرتبتك لتشبه نسَبَك . قال: فدخلتُ على
المنصورذات يوم وعلىَّ دُرَّاعةٌ فضفاضة وسيف حنفىّ، أقرع بنعله الأرض،
وعمامة قد سدلتها من خلفى وقُدّامى. قال: فسلّمت عليه وخرجت ، فلمَّا
صرت عند السُّتر صاح بى : يا معن ، صيحة أنكرتها ! فقلت : لبيك يا أمير
المؤمنين! قال: إلىّ، فدنوت منه، فإذا به قد نزل عن عرشه إلى الأرض ،
وجثا على ركبتيه، واستلّ عموداً من بين فراشيْن، واستحال لونه وَدرَّت أوداجه،
فقال : إنك لصاحبى يوم واسط ؛ لا نجوتُ إن نجوتَ منى . قال : قلت
يا أمير المؤمنين ، تلك نصرتى لباطلهم ، فكيف نصرتى لحقك! قال : فقال
لى : كيف قلتَ ؟ فأعدتُ عليه القول ، فما زال يستعيدنى حتى ردّ العمود فى
مستقرّه، واستوى متربعًا، وأسفر لونه، فقال: يا معن، إنّ لى باليمن
هنات ، قلت : يا أميرَ المؤمنين ليس لمكتوم رأى ، قال : فقال : أنت
صاحبي ، فجلست ، وأمر الربيع بإخراج كلّ مَنْ كان فى القصر فخرج،
فقال لى : إن صاحب اليمن قد همّ بمعصيتى، وإنى أريد أن آخذه أسيراً
ولا يفوتنى شىء من ماله ، فما ترى ؟ قال : قلت : يا أميرَ المؤمنين، وَلِّنِى
اليمن، وأظهر أنك ضممتنى إليه، ومر الربيع يُزيح على فى كلّ ما أحتاج
إليه ، ويخرجنى من يومى هذا لئلا ينتشر الخبر. قال : فاستلّ عهداً من بين
٣٩٤/٣

٦٥
سنة ١٥٨
فراشيْن ، فوقَّع فيه اسمى وناولنيه ، ثم دعا الربيع، فقال : يا ربيع ، إنا قد
ضممنا مَعْنًا إلى صاحب اليمن، فأزِحْ عِلَّه فيما يحتاج إليه من الكُراع
والسلاح، ولا يمسى (١) إلا وهو راحل. ثم قال: ودِّعنى، فود ◌ّعته وخرجتُ
إلى الدُّهليز، فلقينى أبو الوالى، فقال: يا معن ، أعزِزْ علىّ أن تضمّ إلى ابن
أخيك! قال : فقلت : إنه لا غضاضة على الرجل أن يَضُمَّه (٢) سلطانه
إلى ابن أخيه ، فخرجت إلى اليمن فأتيت الرّجل ، فأخذته أسيراً ، وقرأت
عليه العهد ، وقعدت فى مجلسه .
وذكر حماد بن أحمد اليمانىّ ، قال: حدثنى محمد بن عمر المامىّ
أبو الرُّدينىّ، قال: أراد معن بن زائدة أن يوفِد إلى المنصور قومًا يسلّون
سخيمته ، ويستعطفون قلبَه عليه ، وقال : قد أفنيت عمرى فى طاعته ،
وأتعبتُ نفسى وأفنيت رجالى فى حرب اليمن ، ثم يسخط علىّ أن أنفقتُ المال
فى طاعته ! فانتخب جماعة من عشيرته من أفناء ربيعة ؛ فكان فيمن اختار
◌ُجّاعة بن الأزهر ، فجعل يدعو الرّجال واحداً واحداً، ويقول : ماذا أنت
قائل لأمير المؤمنين إذا وجّهتُك إليه؟ فيقول: أقول وأقول، حتى جاءه ◌ُجماعة
ابن الأزهر ، فقال : أعزّ اللّه الأمير! تسألنى عن مخاطبة رجل بالعراق وأنا
باليمن ! أقصد لحاجتك ؛ حتى أنأنَّى لها كما يمكن وينبغى ، فقال : أنت
صاحبي، ثم التفت إلى عبد الرحمن بن عتيق المُزنىّ، فقال له: شُدّ على
عَضُد ابن عمّك وقدّمه أمامك ؛ فإن سها عن شىء فتلافه . واختار من
أصحابه ثمانية نفر (٣) معهما حتى تمُّوا عشرة ، وودّعهم ومضوْا حتى صاروا
إلى أبى جعفر ، فلما صاروا بين يديه تقدّموا، فابتدأ ◌ُجّاعة بن الأزهر بحمد الله
والثناء عليه والشكر، حتى ظنّ القوم أنه إنما قصد لهذا، ثم كرّ على ذكر النبىّ
صلى الله عليه وسلم، و کیف اختاره الله منبطون العرب، ونشر من فضله؛ حتى
تعجّب القوم ، ثم كرّ على ذكر أمير المؤمنين المنصور ، وما شرّفه اللّه به ،
وما قلّده ، ثم كرّ على حاجته فى ذكر صاحبه . فلما انتهى (٤) كلامه ، قال
(١) ب: ((ولا تمشى)).
(٣) ب: ((من قومه نفرا)).
(٢) ب: ((يضم).
(٤) ج: ((انقضى)).
تاريخ الطبري - ثامن
٣٩٥/٣
٣٩٦/٣

٦٦
٣٩٧/٣
سنة ١٥٨
المنصور: أمَّا ما وصفْتَ من حمد اللّه، فالله أجل وأكبر من أن تبلغه الصفات،
وأما ما ذكرت من النبيّ صلى الله عليه وسلم نقد فضَّله اللّه بأكثر مما قاتَ ، وأما
ما وصفتَ به أمير المؤمنين ؛ فإنه فضّله اللّه بذلك ، وهو معينه على طاعته
إن شاء الله، وأما ما ذكرت من صاحبك فكذَبَت ولؤُمتَ ، اخرج فلا يُقبل
ما ذكرت . قال : صدق أميرُ المؤمنين، ووالله ما كذبتُ فى صاحبى. فأخْرجوا
فلما صاروا إلى آخر الإيوان أمر بردّه مع أصحابه، فقال : ما ذكرتَ ؟
فكرّ عليه الكلام ؛ حتى كأنه كان فى صحيفة يقرؤه ، فقال له مثل القول
الأوّل، فأخرجوا حتى برزوا جميعًا، وأمر بهم فوقفوا، ثم التفت إلى مَنْ
حضر من مُضر، فقال : هل تعرفون فيكم مثل هذا ؟ والله لقد تكلَّم حتى
حسدتُهُ، وما منعنى أن أتمّ على ردّه إلا أن يقال: تعصّب عليه لأنه ربعىّ،
وما رأيتُ كاليوم رجلا أربطَ جأشًا، ولا أظهر بياناً؛ ردّه يا غلامٍ . فلما
صار بين يديه أعاد السّلام ، وأعاد أصحابه ، فقال له المنصور : اقصد
لجاجتك وحاجة صاحبك . قال : يا أميرَ المؤمنين ، معن بن زائدة عَبْدك
وسیفك وسهمك، رميت به عدوّك ، فضربوطعن ورمى، حتى سهل ماحَزُن،
وذلّ ما صعُب ، واستوى ما كان معوَجًّا من اليمن ، فأصبحوا من خَول
أمير المؤمنين أطال الله بقاءه! فإن كان فى نفس أمير المؤمنين هنة من ساعٍ
أو واشٍ أو حاسد فأميرُ المؤمنين أولَى بالتفضل (١) على عبده، ومن أفنى عمره
فى طاعته . فقبل وفادتهم، وقبل العذر من معن؛ وأمر بصرفهم إليه؛ فلما صاروا
إلى معن وقرأ الكتاب بالرضا قبَّل ما بين عينيه، وشكر أصحابه، وخلع عليهم
وأجازهم على إقدامهم ، وأمرهم بالرّحِيل إلى منصور، فقال ◌ُجَّاعة:
أَلا أَبِيعَك يا مَعْنُ بأَطماعٍ
آليتُ فى مَجْلِسِ من وائلٍ قَسِّما
عمَّتْ لُجَيْمًا وخَصَّتْ آل مُجَّاعِ
يامَعْنُ إِنك قد أَوْلَيْتَنِ نِعَماً
حتى يُشيد(٢) بِهُلكى هَتِفَةُ الناعِى
فلا أَزالُ إِليك الدهرَ مُنقَطِعًا
قال : وكانت نِعَمُ معن على مجاعة ، أنه سأله ثلاث حوائج ؛ منها أنه
كان يتعشّق امرأة من أهل بيته ، سيدة يقال لها زهراء لم يتزوجْها أحد بعد ؛
(٢) ب: (( تشد)).
(١) ج ((بالفضل)).

٦٧
سنة ١٥٨
وكانت إذا ذُكرلها قالت: بأىّ شىء يتزوجنى؟ أبجُبّته الصوف، أم بكسائه !
فلمّاً رجع إلى معن كان أوّل شىء سأله أن يزوّجه بها ، وكان أبوها فى
جيش مَعْن ، فقال : أريد زهراء ، وأبوها فى عسكرك أيّها الأمير ، فزوّجه
إياها على عشرة آلاف درهم وأمهرها من عنده . فقال له معن : حاجتَك
الثانية ، قال : الحائط الذى فيه منزلى بحجَر وصاحبه فى عسكر الأمير ،
فاشتراه منه وصيَّره له ؛ وقال : حاجتك الثالثة ؟ قال : تهب لى مالاً .
قال : فأمر له بثلاثين ألف درهم ، تمام مائة ألف درهم ، وصرفه إلى منزله .
٣٩٨/٣
وذكر عن محمد بن سالم الخوارزمىّ - وكان أبوه من قُوّاد خراسان -
قال : سمعتُ أبا الفرج خال عبد الله بن جبلة الطالقانيّ يقول: سمعت أبا جعفر
يقول : ما كان أحوجتنى إلى أن يكون على بابى أربعة نفر لا يكون على بانى
أعفّ منهم، قيل له: يا أميرَ المؤمنين، مَنْ هم؟ قال: هم أركان المُلْك،
ولا يصلح المُلْك إلا بهم ؛ كما أن السرير لا يصلح إلا بأربع قوائم ، إن
نقصت واحدة وهى ؛ أما أحدهم فقاضٍ لا تأخذه فى الله لومة لائم، والآخر
صاحب شُرْطة يُنصف الضعيف من القوىّ، والثالث صاحب خراج يستقصى
ولا يظلم الرعيّة فإنى عن ظلمها غنىّ، والرابع - ثم عضّ على أصبعه السبابة
ثلاث مرات ، يقول فى كل مرة: آه آه - قيل له: ومَنْ هويا أميرَ المؤمنين؟
قال : صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصّحة.
وقيل : إنّ المنصور دعا بعاملٍ من عمّاله قد كسر خراجه ، فقال له :
أُدّ ما عليك، قال: والله ما أملك شيئاً، ونادى المنادى: أشهد أن لا إله
إلا الله، قال: يا أميرَ المؤمنين، هبْ ما علىّ لله ولشهادة أن لا إله إلا الله،
فخلى سبيله .
قال : وولّى المنصور رجلاً من أهل الشام شيئًا من الخراج(١)، فأوصاه
وتقدَّم إليه ، فقال : ما أعرفَنى بما فى نفسك! الساعة يا أخا أهل الشأم !
تخرج من عندى الساعة ، فتقول : الزم الصّحة ؛ يلزمْك العمل .
(١) ج: ((خراج الشام)).

٦٨
٣٩٩/٣
سنة ١٥٨
قال : وولّى رجلا من أهل العراق شيئًا من خراج السواد ، فأوصاه ، وتقدّم
إليه ، فقال : ما أعرفنى بما فى نفسك ! تخرج الساعةَ فتقول: من عال بعدها
فلا اجتبَر (١). اخرج عنى وامضٍ إلى عملك؛ فوالله لئن تعرّضْتَ لذلك لأبلغنّ"
من عقوبتك ما تستحقّه . قال: فولّيا جميعًا وصحّحا وناصحا .
ذكر الصبّاح بن عبد الملك الشيبانىّ ، عن إسحاق بن موسى بن عيسى ؛
أنّ المنصور ولّى رجلا من العرب حضرموت، فكتب إليه والى البريد أنه يكثر
الخروجَ فى طلب الصّيد ببزاةٍ وكلاب قد أعدّها، فعزله وكتب إليه: ثكلتك أمك
وعدمتك عشيرتك ! ما هذه العدّة التى أعددتها للنّكاية فى الوحش ! إنا إنما
استكفيناك أمور المسلمين ، ولم نستكفك أمورَ الوحش ؛ سلِم ما كنت تلى
من عملنا إلى فلان بن فلان ، والحق بأهلك ملوماً مدحوراً .
وذكر الرّبيع أنه قال : أدخيل على المنصور سهيل بن سالم البصرىّ ، وقد
وُلِّى عملاً فعزِل ، فأمر بحبسه واستئدائه ، فقال سهيل: عبدك يا أمير المؤمنين ،
قال : بئس العبد أنت ! قال : لكنك يا أمير المؤمنين نعم المولى ! قال :
أُمَّا لَكَ فلا .
قال : وذكر عن الفضل بن الربيع عن أبيه ، أنه قال : بينا أنا قائم بين
يدى المنصور أو على رأسه ؛ إذ أُتيِىَ بخارجىّ قد هزم له جيوشًا، فأقامه ليضرب
عنقه ، ثم اقتحمته عينه ، فقال : يابن الفاعلة ، مثلك يهزم الجيوش ! فقال
له الخارجىّ: ويلك وسوءة لك ! بينى وبينك أمس السيف والقتل ، واليوم
القذف والسبّ! وما كان يؤمنك أن أُرُدّ عليك وقد يئستُ من الحياة فلا
تستقيلها أبداً ! قال : فاستحيا منه المنصور وأطلقه، فما رأى له وجهًا حولا .
٤٠٠/٣
ذکر عبد الله بن عمرو الملحی أن هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى
الهادى ، قال : حدثنى عبد الله بن محمد بن أبى أيوب المكىّ ، عن أبيه ،
قال : حدثنى ◌ُمارة بن حمزة ، قال : كنت عند المنصور ، فانصرفت من
عنده فىوقت انتصاف النهار ، وبعد أن بايع الناس للمهدىّ ، فجاءنى المهدىّ
(٢) ج: ((انجر)).

٦٩
سنة ١٥٨
فى وقت انصرافى ، فقال لى : قد بلغنى أنّ أبى قد عزم أن يبايع لجعفر أخى،
وأعطى اللّه عهداً لئن فعل لأقتلنّه ، فمضيت من فورى إلى أمير المؤمنين ،
فقلت : هذا أمر لا يؤخّر ، فقال الحاجب: الساعةَ خرجْتَ! قلتُ :
أمر حدث، فأذن لى، فدخلت إليه ، فقال لى: هيه يا عمارة ! ما جاء بك ؟
قلتُ : أمر حدث يا أمير المؤمنين أريد أن أذكره ، قال : فأنا أخبرك به قبل
أن تخبرنى ، جاءك المهدىّ فقال: كيت وكيت ، قلتُ: والله يا أمير المؤمنين
لكأنّك حاضر (١) ثالثنا ، قال: قل له: نحن أشفق عليه من أن نعرضه لك.
وذكر عن أحمد بن يوسف بن القاسم، قال : سمعتُ إبراهيم بن صالح،
يقول : كنا فى مجلس ننتظر الإذن فيه على المنصور، فتذاكرنا الحجّاج ،
فِنَّا مَنْ حمده ومنا مَن ذمّه، فكان ممن حمده معن بن زائدة ، وممّن ذمّه
الحسن بن زيد ، ثم أذن لنا فدخلنا على المنصور ، فانبرى الحسن بن زيد ،
فقال : يا أمير المؤمنين، ما كنت أحسبنى أبقى حتى يُذكر الحجّاجُ فى دارك
وعلى بساطك ، فيُشى عليه . فقال أبوجعفر: وما استنكرت من ذلك ! رجل
استكفاه قوم فكفاهم ؛ والله لوددت أنى وجدت مثل الحجاج حتى أستكفيه
أمرى ، وأنزله أحد الخرمين . قال : فقال له معن : يا أميرَ المؤمنين، إن لك
مثل الحجاج عدّة لو استكفيتَهم كَفَوْك ، قال : ومَن هم ؟ كأنك تريد
نفسك ! قال : وإن أردتُها فلم أبعد من ذلك ، قال : كلاً لست كذاك ؛
إن الحجاج ائتمنه قومٌ فأدّى إليهم الأمانة، وإنَّا ائتمنّك فخُنتَنا!
٤٠١/٣
ذكر الهيثم بن عدى ، عن أبى بكر الهذلىّ، قال: سرت مع أمير المؤمنين
المنصور إلى مكة ، وسايرتُهُ يومًا ، فعرض لنا رجل على ناقة حمراء تذهب فى
الأرض، وعليه جُبَّة خزّ، وعمامة عدنيَّة، وفى يده سوط يكاد يمسّ الأرض،
سرىّ الهيئة ، فلما رآه أمرنى فدعوتُه ، فجاء فسأله عن نسبه وبلاده وبادية
قومه وعن ولاة الصدقة، فأحسن الجواب، فأعجبه ما رأى منه، فقال : أنشدنى،
فأنشده شعراً لأوس بن حجر وغيره من الشعراء من بنى عمرو بن تميم؛ وحد ثه
حتى أتى على شعر لطريف بن تميم العنبرىّ ، وهو قوله :
(١) ساقطة من ب.

٧٠
سنة ١٥٨
غمزُ الثِّقاف ولا دُهْنٌ ولا نارُ
إِنَّ قَنَاتِى لَنَبْعٌ لا يُؤْيِّسُها
وإِنْ أخِفْ آمِناً تَقْلَقْ به الدارُ
متى أجِرْ خائفاً تَأُمَنْ مَسارحُهُ
إِنَّ الأُمورَ لها وِردُ وإِصدارُ
إِنَّ الأُمورَ إِذا أَوردتُهاصَدَرَتْ
٤٠٢/٣
فقال : ويحك! وما (١) كان طريف فيكم حيث قال هذا الشعر ؟ قال :
كان أثقلَ العرب (٢) على عدّوه وطأةً وأدركهم بثأر، وأيمنهم نقيبة، وأعساهم (٣)
قناة لمن رام هضمه ، وأقراهم لضيفه ، وأحوطهم من وراء جاره ؛ اجتمعت
العرب بعُكاظ فكلّهم أقرّ له بهذه الخلال ؛ غير أن امرأ أراد أن يقصّر به ،
فقال : والله ما أنت ببعيد النُّجْعة، ولا قاصد الرميّة، فدعاه ذلك إلى أن جعل
على نفسه ألا" يأكل إلا لحم قَنَص يقتنصه، ولا ينزعَ كلّ عام عن غزوة
يُبعد فيها أثره ، قال : يا أخا بنى تميم ؛ لقد أحسنتَ إذ وصفتَ صاحبك
ولکنی أحقّ ببیتیه منه ؛ أنا الذی وصف لا هو .
وذكر أحمد بن خالد الفُقَيْمىّ أن عدّة من بنى هاشم حدّثوه أنّ
المنصور كان شغلُه فى صدر نهاره بالأمر والنهى والولايات والعزْل وشحن الثّغور
والأطراف وأمْن السبل والنظر فى الخراج والنفقات ومصلحة معاش الرعيّة لطَرْح
عالتهم والتلطّف لسكونهم وهدوثهم ، فإذا صلى العصر جلس لأهل بيته
إلا من أحبّ أن يسامره، فإذا صلّى العشاء الآخرة نظر فيما ورد عليه من كُتُب
الثغور والأطراف والآفاق، وشاور ◌ُّره من ذلك فيما أرب ؛ فإذا مضى
ثلثُ الليل قام إلى فراشه وانصرف ◌ُسماره ، فإذا مضى الثلث الثانى قام من فراشه،
فأسبغ وضوءه ، وصف فى محرابه حتى يطلع الفجر ، ثم يخرج فيصلّى
بالناس ، ثم يدخل فيجلس فى إيوانه .
قال إسحاق : حُدّثت عن عبد الله بن الرّبيع ، قال : قال أبو جعفر
الإسماعيل بن عبد اللّه : صفْ لى الناس ، فقال : أهل الحجاز مبتدأ الإسلام
(١) ج: ((ومن)).
(٣) ج: ((وأعساه ))، وعسى الشىء، أى اشتد وصلب.
(٢) ج: ((الناس)).

٧١
سنة ١٥٨
٤٠٣/٣
وبقية العرب، وأهلُ العراق ركن الإسلام ومقاتلة عن الدين ، وأهل الشأم
حِصْن الأمة وأسنّة الأئمة ، وأهل خُراسان فرسان الهيْجاء وأعنّة الرجال ،
والتّرك منابت الصخور وأبناء المغازى ، وأهل الهند حكماء استغنوا ببلادهم
فاكتفوْا بها عمّا يليهم، والروم أهلُ كتاب وتديّن نحّاهم الله من القرب
إلى البعد ، والأنباط كان مُلْكهم قديمًا فهم لكلّ قوم عبيد. قال : فأىّ
الولاة أفضل ؟ قال : الباذل للعطاء ، والمعرض عن السيئة . قال : فأيّهم
أخرق ؟ قال: أنهكهم(١) للرعيّة، وأتعبهم لها بالخُرق والعقوبة . قال:
فالطاعة على الخوف أبلغ فى حاجة الملك أم الطاعة على المحبة ؟ قال : يا أمير
المؤمنين ، الطاعة عند الخوف تُسِرّ الغدر وتبالغ عند المعاينة ، والطاعة على
المحبّة تضمر الاجتهاد وتبالغ عند الغفلة . قال : فأىّ الناس أولاهم بالطاعة ؟
قال : أولاهم بالمضرّة والمنفعة . قال : ما علامة ذلك ؟ قال : سرعة الإجابة
وبذْل النفس . قال : فمن ينبغى للملك أن يتَّخذه وزيراً ؟ قال : أسلمُهم
قلبًا ، وأبعدهم من الهوى .
وذكر عن أبى عبيد اللّه الكاتب ، قال : سمعت المنصور يقول للمهدى
حين عهد له بولاية العهد : يا أبا عبد اللّه، استدم النعمة بالشكر ، والقدرة
بالعفو ، والطاعة بالتألّف (٢) والنصر بالتواضع؛ ولا تنس مع نصيبك من
الدنيا نصيبك من رحمة الله .
وذكر الزبير بن بكّار، قال : حدثنى مبارك الطبرىّ، قال : سمعت
أبا عبيد الله يقول : سمعت المنصور يقول للمهدىّ: لا تبرم أمراً حتى تفكّر
فيه ؛ فإنّ فكر العاقل مرآته ، تريه حسنه وسيئه .
وذكر الزبير أيضًا ، عن مصعب بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : سمعت
أبا جعفر المنصور يقول للمهدىّ: يا أبا عبد اللّه؛ لا يصلح السلطانُ إلاّ
بالتقوى، ولا تصلح رعيَّته إلا بالطاعة ، ولا تعمر البلاد بمثل العدل ، ولا تدوم
نعمة السلطان وطاعته إلا بالمال ، ولا تَقْدُمُ فى الخياطة بمثل نقل الأخبار .
٤٠٤/٣
(٢) ج: ((التأليف)).
(١) ب: ((أنهضهم)).

٧٢
سنة ١٥٨
وأقدُر الناس على العفو أقدرهم على العقوبة، وأعجز الناس مَنْ ظلم مَن هو
دونه . واعتبر عمل صاحبك وعلمه باختياره(١) .
وعن المبارك الطبرىّ أنه سمع أبا عبيد اللّه يقول: سمعتُ المنصور يقول
للمهدىّ : يا أبا عبد الله، لا تجلس مجلساً إلا ومعك من أهل العلم من يحدثك؛
فإن محمد بن شهاب الزّهرىّ قال: الحديث ذكر ولا يحبّه إلا ◌ُذكور الرجال،
ولا يُبغضه إلاّ مؤنثوهم؛ وصَدَقَ أخو زُهْرة!
وُذكِر عن علىّ بن مجاهد بن محمد بن علىّ، أن المنصور قال للمهدىّ:
يا أبا عبد اللّه، مَنْ أحبَّ الحمد أحسن السيرة، ومن أبغض الحمد أساءها،
وما أبغض أحدٌ الحمد إلا استذمّ"، وما استذمّ إلاّ كرِهِ .
وقال المبارك الطبرىّ : سمعت أبا عبيد اللّه يقول : قال المنصور المهدىّ:
يا أبا عبد اللّه، ليس العاقلُ الذى يحتال الأمر الذى وقع فيه حتى يخرج
منه ؛ ولكنه الذّى يحتال للأمر الذى غشيته حتى لا يقع فيه .
وذكر الفقيمىّ ، عن عتبة بن هارون ، قال : قال أبو جعفر يوماً للمهدىّ:
كم راية(٢) عندك؟ قال: لا أدرى، قال: هذا واللّه التَّضييع؛ أنت لأمر
الخلافة أشدُّ تضييعاً ؛ ولكن قد جمعتُ لك ما لا يضرّك معه ما ضيّعتَ؛
فاتق الله فيما خوّلك .
٤٠٥/٣
وذكر علىّ بن محمد عن حفص بن عمر بن حماد ، عن خالصة ، قالت:
دخلتُ على المنصور ؛ فإذا هو يتشكَّى (٣) وجع ضِرْسه؛ فلما سمع حسَّى،
قال : ادخلى ؛ فلما دخلت إذا هو واضع يده على صُدغيه ، فسكت ساعة
ثم قال لى : يا خالصة ، كم عندك من المال ؟ قلت : ألف درهم ، قال :
ضعى يدك على رأسى واحلفى ، قلت : عندى عشرة آلاف دينار ؛ قال :
احمليها إلىّ ، فرجعت فدخلت على المهدىّ والخيزران فأخبرتهما ؛ فركلى
المهدىّ برجله ، وقال لى : ما ذهب بك إليه ! ما به من وجع ؛ ولكنى سألته
أمس مالاً فتارض، احملى إليه ما قلتِ؛ ففعلتْ، فلما أتاه المهدىّ ، قال :
(١) ج وابن الأثير: ((باختياره)). (٢) ج: ((دابة)). (٣) ج: ((يشتكى)).

٧٣
سنة ١٥٨
يا أبا عبد الله؛ تشكو الحاجة وهذا عند خالصة !
وقال علىّ بن محمد : قال واضح مولى أبى جعفر ، قال : قال أبو جعفر
يومًا: انظر ما عندك من الشّاب الخلْقَان فاجمعها ، فإذا علمت بمجىء أبى
عبد الله فجثنى بها قبل أن يدخل ؛ وليكن معها رقاع . ففعلت ، ودخل عليه
المهدىّ وهو يقدّر الرّقاع، فضحك وقال: يا أميرَ المؤمنين، من هاهنا
يقول الناس : نظروا فى الدينار والدرهم وما دون ذلك - ولم يقل: دائق - فقال
المنصور : إنه لا جديد لمن لا يصلح خلقه، هذا الشتاء قد حضر ، ونحتاج
إلى كسوة للعيال والولد . قال : فقال المهدىّ: فعلىّ كُسوة أمير المؤمنين وعياله
وولده ، فقال له : دونك فافعل .
وذكر علىّ بن مرتد أبو دعامة الشاعر ، أن أشجع بن عمرو السلمىّ
حدثه عن المؤمَّل بن أمْيَل - وذكره أيضًا عبد الله بن الحسن الخوارزمى أن
أبا قدامة حدثه أنّ المؤمل بن أميل حدثه - قال: قدمت على المهدیّ - قال
ابن مرثد فى خبره: وهو ولى عهد، وقال الخوارزمى: قدمت عليه الرى وهو ولى
عهد - فأمر لی بعشرين ألف درهم لأبيات امتدحته بها ؛ فکتب بذلك صاحب
البريد إلى المنصور وهو بمدينة السلام يخبره أن المهدىّ أمر لشاعر بعشرين
ألف درهم ، فكتب إليه المنصور يعذ له ويلومه ، ويقول له : إنما كان ينبغى
لك أن تعطِىَ الشاعر بعد أن يقيم ببابك سنة أربعة آلاف درهم . قال
أبو قدامة : فكتب إلىّ كاتب المهدىّ أن يوجّه إليه بالشاعر ،
فَطُلب فلم يُقْدَرَ عليه، فكتب إليه أنه قد توجه إلى مدينة السلام، فوجه
المنصور قائداً من قوّاده ، فأجلسه على جسر النهروان ، وأمره أن يتصفح
الناس رجلاً رجلاً ممن يمرّ به ؛ حتى يظفر بالمؤمَّل؛ فلما رآه قال له : من
أنت؟ قال: أنا المؤمَّل بن أميَل، من زُوّار الأمير المهدىّ ، قال: إياك
طلبت . قال المؤمل : فكاد قلبي ينصدع خوفًا من أبى جعفر ، فقبض على
ثم أتى بى باب المقصورة، وأسلمنى إلى الرّبيع، فدخل إليه الربيع ، فقال:
هذا الشاعر قد ظفرنا به ، فقال: أدخلوه علىّ، فأدخلت عليه ، فسلمت
فردّ على السلام، فقلت: ليس ها هنا إلا خير، قال: أنت المؤمَّل بن أميل ؟
٤٠٦/٣

٧٤
سنة ١٥٨
قلت : نعم أصلح اللّه أمير المؤمنين! قال: هيه! أتيتَ غلامًا غِرًّا فخدعْتَْه!
٤٠٧/٣ قال: فقلت: نعم أصلح الله أمير المؤمنين؛ أتيت غلامًا غِرًّا كريمًا فخدعتُه
فانخدع ، قال : فكأنّ ذلك أعجبه ، فقال: أنشدنى ما قلتَ فيه ، فأنشدته :
مَشَابِهَ صورة القمَر المُنِيرِ
هو المهدىّ إِلَّا أَن فيه
أَنارا مُشْكِلان على البَصِير
وهذا فى النهار سراجُ نوِ
على ذا بالمنابِرِ والسّرير
وماذا بالأمير ولا الوزير
منيرٌ عند نقصانِ الشهور
به تعلو مُفاخَرةُ الفَخورِ
إِليك من السهُولَةِ والوُعُورِ
بَقُوا من بين كابٍ أَو حَسِيرٍ
وما بك حينَ تجرى من فُتور
بمنزلَةِ الخَلِيقِ مِن الجَدِير (٢)
له فَضْلُ الكبيرِ على الصَّغِيرِ
لقد خُلِق الصغيرُ من الکبیرِ
تشابَهَ ذا وذا فَهُما إِذا ما
"فهذا فى الظلام ◌ِراجُ ليلٍ(١)
ولكنْ فضَّل الرحمنُ هذا
وبالمُلك العزيز فذا أَميرٌ
ونَقْصُ الشَّهْرِ يُخمِدُذا ،وهذا
فيابن خليفةِ الله المُصفَّى
لثن فُتَّ المُلوكَ وقد تَوافَوْا
لقد سَبَقَ الملوك أبوك حتى
وجئت وراءه تجری حثيثاً
فقال الناسُ: ما هذانِ إِلا
لئن سبق الكبيرُ فأَهلُ سَبْقٍ
وإِن بلغ الصغيرُ مَدَی کبیرٍ
فقال: والله لقد أحسنتَ؛ ولكن هذا لا يساوى عشرين ألف درهم .
وقال لى : أين المال ؟ قلت : ها هو ذا ، قال : يا ربيع انزل معه فأعطه أربعة
آلاف درهم ؛ وخذ منه الباقى. قال ؛ فخرج الرّبيع فحط ثقلى ، ووزن
لى أربعة آلاف درهم وأخذ الباقى. قال : فلمّا صارت الخلافة إلى المهدىّ ،
ولّى ابن ثوبان المظالم ، فكان يجلس للناس بالرُّصافة فإذا ملأكساءه رقاعاً
رفعها إلى المهدىّ، فرفعتُ إليه يومًا رقعة أذكره قصتى ، فلما دخل بها ابن
٤٠٨/٣
(١) الزجاجى: ((سراج نار)). (٢) أى هما سيان، والخليق والجدير بمعنى واحد.

٧٥
سنة ١٥٨
ثوبان ، جعل المهدىّ ينظر فى الرقاع ؛ حتى إذا نظر فى رقعتى ضحك ،
فقال له ابن ثوبان : أصلح الله أمير المؤمنين ! ما رأيتك ضحكتمن شىء من
هذه الرّقاع إلا من هذه الرقعة! قال: هذه رقعة أعرف سببتها، ردُّوا إليه
العشرين الألف الدرهم، فردت إلىّ وانصرفتُ (١).
وذكر واضح مولى المنصور ، قال : إنى لواقفٌ على رأس أبى جعفر يوماً
إذْ دخل عليه المهدىّ، وعليه قَبَاء أسود جديد، فسلّم وجلس ، ثم قام منصرفًا
وأتبعه أبو جعفر بصرَه لحبِّه له وإعجابه به ؛ فلما توسّط الرّواق عثر بسيفه
فتخرّق سواده ، فقام ومضى لوجهه غير مكترث لذلك ولا حافل به ، فقال
أبو جعفر : ردُّوا أبا عبد الله؛ فرددناه إليه ، فقال: يا أبا عبد اللّه ، استقلالا
للمواهب، أم بطرًا للنعمة، أم قلةَ علم بموضع المصيبة ! كأنك جاهل بما لَك
وعليك ! وهذا الذى أنت فيه عطاء من اللّه، إن شكرتَه عليه زادك ، فإن
عرفت موضع البلاء منه فيه عافاك . فقال المهدىّ : لا أعدمنا الله بقاءك يا أمير
المؤمنين وإرشادك ؛ والحمد لله على نعمه، وأسأل الله الشكر على مواهبه،
والخلف الجميل برحمته . ثم انصرف .
قال العباس بن الوليد بن مزيد : قال : سمعت ناعم بن مزيد ، یذکر عن
الوضين بن عطاء ، قال : استزارنى أبو جعفر - وكانت بينى وبينه خلالة (٢)
قبل الخلافة - فصرت إلى مدينة السلام ، فخلوْنا يومًا ، فقال لى :
يا أبا عبد الله، ما مالك (٣)؟ قلت: الخبر الذى يعرفه أمير المؤمنين، قال: وما
عيالُك ؟ قلت: ثلاث بنات والمرأة وخادم لهنّ، قال : فقال لى: أربع فى
بيتك ؟ قلت: نعم، قال: فوالله لردّد علىّ حتى ظننت أنه سيموّلنى (٤)،
قال : ثم رفع رأسه إلىّ ، فقال : أنت أيسر العرب، أربعة مغازِل يدرْن فى
بيتك .
٤٠٩/٣
(١) الخبر فى الأغانى ١٩: ١٤٧ - ١٥٠ (ساسى)، وتاريخ بغداد ١٣: ١٧٧ - ١٨٠
(٢) ج: ((حالة))، ابن الأثير: ((خلة)).
وأمالى الزجاجى ٩٤ - ٩٦ .
(٣) ج، وابن الأثير: ((مالك)). (٤) ابن الأثير: ((سيعينى)).

٧٦
سنة ١٥٨
وذكر بشر المنجُّم ، قال : دعانى أبو جعفر يومًا عند المغرب ، فبعثنى
فى بعض الأمر ، فلما رجعت رفع ناحية مصلاه فإذا دينار ، فقال لى :
خذ هذا واحتفظ به ، قال : فهو عندى إلى الساعة .
وذكر أبو الجهم بن عطية، قال: حدثنى أبو مقاتل الخراسانى"، ورفع
غلام له إلى أبى جعفر أن له عشرة آلاف درهم ؛ فأخذها منه ، وقال : هذا
مالى ، قال : ومن أين يكون مالك ! فوالله ما وليتُ لك عملاً قطّ ، ولا بينى
وبينك رحيم ولا قرابة ، قال : بلى، كنتَ تزوّجتَ مولاة لعيينة بن موسى
ابن كعب فورّثتْك مالا ؛ وكان ذلك قد عصى وأخذ مالى وهو وال على
السند ؛ فهذا المال من ذلك المال !
وذكر مصعب بن سلام ، عن أبى حارثة النهدىّ صاحب بيت المال ،
قال : ولَّى أبو جعفر رجلا باروسما ؛ فلما انصرف أراد أن يتعلّل عليه ، لئلا
يعطيَه شيئًا، فقال له: أشركتُك فى أمانتى ، ووليتك فيئًاً من فىء المسلمين
فخنتَه ! فقال : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين ، ما صحبنى من ذلك شىء
إلاّ درهم ، منه مثقال صررته فى كمىّ ، إذا خرجت من عندك اكثريت به
بغلا إلى عيالى ، فأدخل بيتى ليس معى شىء من مال اللّه ولا مالك . فقال :
ما أظنك إلا صادقًا؛ هلمّ درهمنا (١) . فأخذه منه فوضعه تحت لبده ؟
فقال : ما مثَلى ومثلُك إلا مثل مجير أم عامر ، قال : وما مجير أم عامر ؛
فذكر قصة الضبع ومجيرها ، قال : وإنما غالظه أبو جعفر لئلا يعطيه شيئاً .
٤١٠/٣٠
وُذكر عن هشام بن محمد أن قُشَم بن العباس دخل على أبى جعفر ،
فكلّمه فى حاجة ، فقال له أبو جعفر: دعنى من حاجتك هذه ، أخبرنى لم
سميت قُثَم (٢)؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أدرى، قال: القُشّم الذى
يأكل ويُزِلّ، أما سمعت قول الشاعر :
وللكُبراءِ أَكلٌ كيف شائُوا وللصُّغراءِ أَكلٌ واقتِثامُ
(١) ب: ((درهمك)).
(٢) ط: ((قئماً))؛ وهو منوع من الصرف.

٧٧
سنة ١٥٨
وذكر عن إبراهيم بن عيسى أنّ المنصور وهب لمحمد بن سليمان عشرين
ألف درهم ولجعفر أخيه عشرة آلاف درهم ، فقال جعفر : يا أميرَ المؤمنين،
تفضّله علىّ وأنا أسنّ منه! قال: وأنت مثله ! إنا لا نلتفت إلى ناحية إلاّ
وجدنا من أثر محمّد فيها شيئًا، وفى منزلنا من هداياه بقيّة ؛ وأنت لم تفعل من
هذا شيئًا .
وذكر عن سوادة بن عمرو السُّمِىّ، عن عبد الملك بن عطاء - وكان
فى صحابة المنصور - قال : سمعتُ ابنَ هُبسيرة وهو يقول فى مجلسه: ما رأيتُ
رجلاً قطّ فى حرب ، ولا سمعت به فى سِلْم ، أمكرَ ولا أبدعَ ، ولا أشدّ
تيقُّظًا من المنصور، لقد حصرنى فى مدينتى تسعة أشهر ، ومعى فرسان العرب،
فجهدنا كلّ الجهد أن ننال من عسكره شيئًا نكسره به ؛ فما تهيأ ، ولقد
حصرنى وما فى رأسى بيضاء ؛ فخرجت إليه وما فى رأسى سوداء ؛ وإنه لكما
قال الأعشى :
٤١١/٣٠
فيَعْفو إِذا شاءَ أَو يَنْتَقِمْ
يَقومُ على الرّغْمِ مِنْ قومِهِ
ولم يَنْتَعِلْ بنعالٍ خَذِمْ
أَخو الحرب لاضَرَعٌ واهنٌ
وذكر إبراهيم بن عبد الرحمن أن أبا جعفر كان نازلاً على رجل يقال له
أزهر السّان - وليس بالمحدّث - وذلك قبل خلافته ؛ فلما ولىَ الخلافة صار
إليه إلى مدينة السلام ، فأدخل عليه ، فقال : حاجتك ؟ قال : يا أميرَ
المؤمنين ، علىّ دین أربعة آلاف درهم ، وداری مستهد مة ، وابنی محمد یرید
البناء بأهله ؛ فأمر له باثنى عشر ألف درهم ، ثم قال : يا أزهر ؛ لا تأتنا
طالبَ حاجة ؛ قال : أفعل . فلما كان بعد قليل عاد، فقال : يا أزهر ،
ما جاء بك ؟ قال : جئت مسلّما يا أمير المؤمنين ؛ قال : إنه ليقع فى نفسى
أشياء؛ منها أنك أتيتنا لما أتيتنا له فى المرّة الأولى؛ فأمرله باثنى عشر ألف درهم
أخرى ، ثم قال : يا أزهر ، لا تأتنا طالبَ حاجة ولا مسلّما ، قال : نعم
يا أمير المؤمنين؛ ثم لم يلبث أن عاد ، فقال : يا أزهر، ما جاء بك ؟ قال :

٧٨
سنة ١٥٨
دعاء سمعته منك أحببت أن آخذه عنك ، قال : لا ترده ، فإنه غير
مستجاب ؛ لأنى قد دعوت اللّه به أن يريحنى من خلفتك(١) فلم يفعل ، وصرفه
ولم يعطه شيئًا .
٤١٢/٣
وذكر الهيثم بن عدىّ أن ابن عيًّاش حدّثه أنّ ابن هبيرة أرسل إلى المنصور
وهو محصور بواسط ، والمنصور بإزائه : إنى خارج يوم كذا وكذا وداعيك
إلى المبارزة ، فقد بلغنى تجبينُك إياى ؛ فكتب إليه : يابن هبيرة ، إنك
امر ؤ متعدّ طورَك، جارٍ فى عنان غيّك، يعدك اللّه ما هو مصدّقه، ويمنِّك
الشيطان ما هو مكذّبه ، ويقرّب ما اللّه مباعده ؛ فرويداً يتمّ الكتاب أجله ؛
وقد ضربتُ مثلى ومثلَك ؛ بلغنى أن أسداً لقى خنزيراً ، فقال له الخنزير :
قاتِلى ، فقال الأسد : إنما أنت خنزير ولستَ لى بكفء ولا نظير ، ومتى
فعلتَ الذى دعوتنى إليه فقتلتك، قيل لى : قتلتَ خنزيراً ؛ فلم أعتقد بذلك
فخرا ولا ذِكْرًا، وإن نالنى منك شيء كان سُبّة علىّ، فقال: إن أنت لم
تفعل رجعت إلى السباع فأعلمتُها أنك نكلتَ(٢) عنى وجبنت عن قتالى،
فقال الأسد : احتمال عار كذبك أيسر علىّ من لطخ شاربى(٣) بدمك.
وُذُكِرِ عن محمد بن رياح الجوهرىّ ، قال : ذكر لأبى جعفر تدبير
هشام بن عبد الملك فى حَرْب كانت له ، فبعث إلى رجل كان معه ينزل
الرُّصافة - رُصافة هشام - يسأله عن ذلك الحرب، فقدم عليه فقال : أنت
صاحب هشام ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : فأخبرنى كيف فعل فى
حرب دبرها فى سنة كذا وكذا ؟ قال : إنه فعل فيها رحمه اللّه كذا وكذا ،
ثم أتبع بأن قال : فعل كذا رضى الله عنه ؛ فأحفظ ذلك المنصور ، فقال :
تم عليك غضب الله! تطأ بساطِى وتترحم على عدوّى! فقام الشيخ، وهو يقول :
إن لعدوّك قلادة فى عنفى ومنة فى رقبتى لا ينزعها عنى إلا غاسلى ؛ فأمر المنصور
بردّه ، وقال : اقعد ، هيه! كيف قلتَ ؟ فقلت : إنه كفانى الطلب ، وصان
وجهى عن السؤال ، فلم أقف على بَاب عربىّ ولا أعجمى منذ رأيتُه ، أفلا
(١) ب: ((خلقتك)).
(٣) ابن الأثير: ((شرابى)).
(٢) ابن الأثير: ((تكلب)).

٧٩
سنة ١٥٨
٤١٣/٣
يجب علىّ أن أذكره بخير وأتبعه بثنائى! فقال: بلى، للّه أمّ نهضت
عنك ، وليلة أدّتك ، أشهد أنك نهيض حُرّة وغراس كريم ؛ ثم استمع
منه وأمر له ببرّ ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما آخذه لحاجة ، وما هو إلاّ أنى
أتشرّف بحبائك، وأتبجّح بصلتك. فأخذ الصّلة وخرج ، فقال المنصور:
عند مثل هذا تحسن الصنيعة ، ويُوضع المعروف ، ويجاد بالمصون ، وأين
فی عسکرنا مثله !
وذكر عن حفص بن غياث ، عن ابن عيّاش ، قال : كان أهل الكوفة
لا تزال الجماعة منهم قد طعنوا على عاملهم، وتظلّموا على أميرهم ، وتكلّموا
كلامًا فيه طعن على سلطانهم ؛ فرُفع ذلك فى الخبر ، فقال للربيع : اخرج
إلى مَنْ بالباب من أهل الكوفة ، فقل لهم : إن أميرَ المؤمنين يقول لكم لئن
اجتمع اثنان منكم فى موضع لأحلقنَ رءوسهما ولحاهما، ولأضربنّ ظهورهما،
فالزموا منازلكم ؛ وابقوا على أنفسكم . فخرج إليهم الربيع بهذه الرسالة فقال
له ابن عياش : يا شبه عيسى بن مريم ، أبلغ أمير المؤمنين عنا كما أبلغتنا (١)
عنه ، فقل له : والله يا أميرَ المؤمنين ما لنا بالضَّرْب طاقة، فأمّا حلْق اللّحى
فإذا شئت - وكان ابن عياش منتوفاً - فأبلغه، فضحك ، وقال: قاتله الله
ما أدهاه وأخبثه !
وقال موسى بن صالح : حدّثنى محمد بن عقبة الصيداوىّ عن نصر بن
حرب ۔ وکان فی حرس أبى جعفر - قال : رُفع إلىّ رجلٌ قد جىء به من
بعض الآفاق ، قد سعى فى فساد الدولة ، فأدخلته على أبى جعفر ، فلما رآه
قال : أصْبَغَ! قال : نعم يا أمير المؤمنين، قال: ويلك! أما أعتقتُك وأحسنتُ
إليك ! قال : بلى ، قال : فسعيتَ فى نقضِ دولتى وإفساد ملكى ! قال :
أخطأتُ وأمير المؤمنين أولى بالعفو. قال : فدعا أبو جعفر ◌ُمارة - وكان
حاضراً - فقال: يا ◌ُمارة؛ هذا أصبَغ، فجعل يتثبّت فى وجهى ، وكأنّ
فى عينيه سوءاً ، فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : علىّ بکیس عطائِی،
فأتىَ بكيس فيه خمسمائة درهم، فقال: خذها فإنها وَضَحٌ ، ويلك ، وعليك
٤١٤/٣
(١) ب: ((بلغتنا)).

٨٠
سنة ١٥٨
بعملك - وأشار بيده يحرّكها - قال عمارة: فقلت لأصبغ: ما كان عَنَى
أمير المؤمنين؟ قال : كنتُ وأنا غلام أعمل الحبال ، فكان يأكل من كسبى.
قال نصر : ثم أتِىَ به ثانية، فأدخلته كما أدخلتُه قبلُ ، فلما وقف بين يديه
أُحدَّ النظر إليه ، ثم قال: أصبغ ! فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : فقصّ
عليه ما فعل به ، وذكره إياه ، فأقرّ به ، وقال : الحمق يا أمير المؤمنين ؛ فقدمه
فضرب عنقه .
وذكر علىّ بن محمد بن سليمان النوفلىّ، قال : حدثنى أبى، قال :
كان خضاب المنصور زَعفرانيًا، وذلك أن شعره كان ليّناً لا يقبل الخضاب،
وكانت لحيته رقيقة ؛ فكنت أراه على المنبر يخطُب ويبكى فيسرع الدمع
على لحيته حتى تتكِفَ لقلة الشعر ولينه .
وذكر إبراهيم بن عبد السلام، ابن أخى السندىّ بن شاهك السندىّ، قال :
ظفر المنصور برجل من كبراء بنى أمية ، فقال : إنى أسألك عن أشياء فاصدُقی
ولك الأمان ، قال: نعم، فقال له المنصور: منْ أينَ أُتُّىَ بنو أمية حتى انتشر
أمرهم ؟ قال : من تضييع الأخبار ، قال : فأىّ الأموال وجدوها أنفع ؟ قال :
الجوهر ، قال فعِند مَنْ وجدوا الوفاء ؟ قال : عند مواليهم ، قال : فأراد
المنصور أن يستعين فى الأخبار بأهل بيته ، ثم قال : أضعُ من أقدارهم ،
فاستعان بمواليه .
٤١٥/٣
وذكر على بن محمد الهاشمى أن أباه محمدبن سلمان حدثه، قال: بلغنى
أن المنصور أخذ الدواء فى يوم شاتٍ شديد البرد ، فأتيته أسأله عن موافقة
الدواء له ، فأدخلت مدخلا من القَصْرُ لم أدخله قطّ ، ثم صرتُ إلى حُجيرة
صغيرة ، وفيها بيتٌ واحد ورِواق بين يديه فى عَرْض البيت وعَرْض الصحن،
على أسطوانة ساجٍ ، وقد سدل على وجه الرّواق بوارىّ(١) كما يصنع بالمساجد،
فدخلت فإذا فى البيت مِسْح ليس فيه شىء غيره إلا فراشه ومرافقه ود ثاره ،
فقلتُ : يا أميرَ المؤمنين ، هذا بيت أربأ بك عنه، فقال: يا عمّ، هذا
(١) البوارى : جمع بارية؛ وهى الحصير المنسوج .