النص المفهرس

صفحات 1-20

ذخائر العرب
٣٠
تاريخ الطبري
تاريخ الرسل والملوك
لأبى جَعْفه محمّد بْن جَرِيرُ الطَّبَرَىّ
٢٢٤ - ٣١٠ هـ
الجزء الثامن
تحقیق
محمدأبو الفضل إبراهيم
( الطبعة الثانية منقحة)
دار المعارف بمصر

الناشر: دار المعارف بمصر - ١١١٩ كورنيش النيل - القاهرة ج. م. ع.

تاريخ الطبري

بیان
يبدأ الجزء الثامن من هذه الطبعة بحوادث سنة ١٤٧ ، وينتهى بحوادث
سنة ٢٢١؛ مشتملا على أخبار أشهر الخلفاء العباسيين: أبى جعفر المنصور ،
والمهدى ، وموسى الهادى ، وهارون الرشيد، ومحمد الأمين ، وعبد اللّه المأمون .
وقد امتازت أخبار هؤلاء - بجانب ما وقع فى عصرهم من الأحداث التاريخية
الهامة ، مثل أخبار أبى مسلم مع أبى جعفر وأخباره مع الطالبيين ، وفتنة الأمين
والمأمون - بكثرة ما ورد فيها من طرائف القصص وأخبار الشعراء وقصيدهم ،
مع روائع الخطب ، ومطولات الرسائل ؛ مما يعدّ هذا الكتاب من المصادر
الأصيلة فيها .
وقد روجع على المخطوطات التالية :
١ - ما يقابله من الجزء المصور من أصله المخطوط بمكتبة بتنه خدابخش
بالهند ، وهو الجزء الذى سبق وصفه فى مقدمة الجزء السابع من هذه الطبعة ،
والذى ذكرت فيه أنّه يبدأ بأثناء الكلام على حوادث سنة ١٢٩ ، وينتهى بأثناء
الكلام على حوادث سنة ١٥٨ ، وقد رمزت إليه بالحرف [ هـ] .
٢ - جزء مصور عن أصله المخطوط المحفوظ بمكتبة أحمد الثالث ،
برقم ٢٩٢٩ ، وهو الجزء الثالث والعشرون من تجزئة الناسخ لهذه النسخة ؛
وعليه وقفية من المقر الأشرف الجمالى محمود الأستادار ، وهى نص الوقفية التى
على غلاف الجزء الأول من نسخة أحمد الثالث لجميع أجزاء الكتاب . ويبدأ
أوله بحوادث سنة ١٦٢ ، وينتهى بحوادث سنة ١٩٧ ، مكتوب بخط نسخى
جيّد، مضبوط بالحركات، وينتهى كل خبر منه بعلامة وقف ، وتغلب عليه
الصحة والإتقان ؛ شأنه شأن بقية ما وصل إلينا من أجزاء هذه النسخة ؛
ويبدو أنه كتب فى القرن السادس أو السابع الهجرى . ويبلغ عدد أوراقه ٢١١
ورقة ، وفى كل صفحة ١٩ سطراً، وفى كل سطر ١٠ كلمات، وقد رمزت إليه
بالحرف [١].

٦
٣ - جزء مخطوط محفوظ بدار الكتب برقم ١٦٠٢ تاريخ ، وهو الجزء
الحادى عشر من تجزئة الناسخ لهذه النسخة أيضاً ، ويشتمل على الحوادث التى
تبدأ من سنة ٢٠٥، وتنتهى إلى قبيل حوادث سنة ٢٤٦. مكتوب بخط قديم
معتاد ، خال من الضبط . ويقع فى ٢٣٣ ورقة ، تشتمل كل صفحة منه على ١٧
سطراً، وبكل سطر ١١ كلمة تقريباً ، وقد رمزت إليه بالحرف [ د].
هذا عدا ما قمت به من مراجعة ما ورد فيه من نصوص الشعر والخطب
والرسائل على دواوين الشعراء وكتب الأدب الأصيلة ، مثل: البيان والتبيين، والكامل؛
والعقد ، وعيون الأخبار، وأثبت المقابلات فى الحواشى .
ومما هو جدير بالذكر أن مراجعة هذه المخطوطات قد أكملت كثيراً من
مواضع النقص فى الطبعة الأوربية ، وصححت الألفاظ المحرفة والنصوص المبهمة
فيها، وإنى أتمنى على الزمان أن تظهر مخطوطات أخرى لهذا الكتاب، وخاصة مما لم
يقع إلينامن نسخة أحمد الثالث ، حتى يستكمل الكتاب تحقيقه فى طبعاته المقبلة
إن شاء الله .
واللهم نسألك عوناً وهداية وتيسيراً .
مصر الجديدة فى ١٤ من شعبان ١٣٨٦ هـ.
٢٧ من توفير ١٩٦٦ م .
محمد أبو الفضل إبراهيم

◌ِقْهُ الرَِّ الرََّيَسِ
بيـ
ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة
ذکر الإخبار عن الأحداث التى كانت فيها
فمما كان فيها من ذلك إغارة إسترخان الخوارزمىّ فى جَمْع من الترك
على المسلمين بناحية إرمينية وسبيُه من المسلمين وأهلِ الذّمة خلقًا كثيراً ،
ودخولُهم تفليس ، وقتلهم حرب بن عبد الله الراوندىّ الذى تنسب إليه
الحربية ببغداد . وكان حربٌ هذا - فيما ◌ُذُكِرٍ - مقيماً بالموصل فى ألفين
من الجُنْد ، لمكان الخوارج الذين بالجزيرة . وكان أبو جعفر حين بلغه
تحزّب(١) الترك فيما هناك وجّه إليهم لحربهم جبرئيل بن يحيى، وكتب إلى
حرب يأمره بالمسير معه ؛ فسار معه حَرْب ، فقتِل حزب وهُزم جبرئيل ،
وأصيب من المسلمين من ذكرت .
[ ذكر الخبر عن مهلك عبد الله بن على بن عباس ]
وفى هذه السنة كان مهلك عبد اللّه بن علىّ بن عباس. واختلفوا فى
سبب هلاكه ، فقال بعضهم ما ذكره علىّ بن محمد النَّوفلىّ عن أبيه أن أبا جعفر
حجّ سنة سبع وأربعين ومائة بعد تقدمته (٢) المهدىّ على عيسى بن موسى بأشهر ،
وقد کان عزل عيسى بن موسى عن الکوفة وأرضها ، و ولیمکانه محمد بن سلمان
ابن علىّ، وأوفده إلى مدينة السلام، فدعا به، فدفع إليه عبد الله بن علىّ سرًّا فى
جوف الليل ، ثم قال له : يا عيسى؛ إنّ هذا أراد (٣) أن يزيل النعمة عنى
وعنك ، وأنت ولىّ عهدى بعد المهدىّ، والخلافة صائرة إليك؛ فخذه إليك
فاضرب عنقه، وإياك أن تخور (٤) أو تضعف، فتنقض علىّ أمرى الذى دَبّرتُ.
٣٢٩/٣
(٢) ج : (( تقدمه )).
(١) ج: ((تحرك)) .
(٤) ج : ((تحور )) .
(٣) ج : ((يريد ).
٧

٨
سنة ١٤٧
ثم مضى لوجهه ، وكتب إليه من طريقه ثلاثَ مرات يسأله : ما فعل فى الأمر
الذى أوعز إليه فيه ؟ فكتب إليه : قد أنفذتُ ما أمرت به ؛ فلم يشكّ أبو جعفر
فى أنه قد فعل ما أمره به ، وأنه قد قتل عبد الله بن علىّ ؛ وكان عیسی حین
دفعه إليه ستره (١)؛ ودعا كاتبه يونس بن فَرْوَة، فقال له: إنّ هذا الرجل
دفع إلىّ عمّه، وأمرنى فيه بكذا وكذا . فقال له : أراد أن يقتلك ويقتله ،
أمرك بقتله سرًّا، ثم يدّعيه عليك علانية ثم يُقِيدك به . قال : فما الرأى ؟
قال : الرأى أن تستره فى منزلك ، فلا تطلع على أمره أحداً ، فإن طلبه منك
علانيةً دفعتَه إليه علانية، ولا تدفعْه إليه سرًّا أبداً ؛ فإنه وإن كان أسرّه
إليك ؛ فإن أمره سيظهر . ففعل ذلك عيسى .
وقدم المنصورودس" إلى مُمومته مَنْ يحركهم على مسألته هبة عبد الله بن
علىّ لهم، ويطمعهم فى أنه سيفعل. فجاءوا إليه وكلموه ورقّقوه، وذكروا له
الرّحِيم، وأظهروا له رِقة، فقال: نعم، علىّ بعيسى بن موسى ؛ فأتاه فقال
له: يا عيسى ؛ قد علمتَ أنى دفعت إليك عمّى وعمك عبد الله بن علىّ
قبل خروجى إلى الحجّ ، وأمرتُك أن يكون فى منزلك ، قال : قد فعلتُ ذلك
يا أمير المؤمنين، قال: فقد كلمنى عمومتك فيه، فرأيتُ(٢) الصّفح عنه وتخلية"
سبيله ؛ فأتنا به . فقال : يا أميرَ المؤمنين ، ألم تأمرنى بقتله فقتلته ! قال :
ما أمرتُك بقتله ، إنما أمرتك بحبسه فى منزلك ، قال: قد أمرتَّى بقتله ، قال
له المنصور : كذبت، ما أمرتك بقتله . ثم قال لعمومته: إنّ هذا قد أقرّ لكم
بقتْل أخيكم ، وادّعى أنى أمرته بذلك ، وقد كذب ، قالوا : فادفعه إلينا
نقتله به ، قال : شأنكم به ، فأخرجوه إلى الرَّحَبة ، واجتمع الناس، وشُهر
الأمر، فقام أحدهم فشهر سيفه ، وتقدّم إلى عيسى ليضربه ، فقال له عيسى :
أفاعل أنت ؟ قال: إى واللّه، قال: لا تعجلوا، ردُّونى إلى أمير المؤمنين،
فردّوه إليه، فقال: إنما أردتَ بقتله أن تقتلسنى؛ هذا عمُّك حىُّ سوِىٌّ، إن
أمرتَنى بدفعه إليك دفعتُه. قال: ائتنا به، فأتاه به، فقال له عيسى: دبّرتَ
علىّ أمراً فخشيتُه ؛ فكان كما خشيت؛ شأنَك وعمّك . قال : يدخل حتى
٣٣٠/٣
(١) ج: ((سيره).
(٢) ب: ((وقد رأيت)).

٩
سنة ١٤٧
أرى رأيى. ثم انصرفوا، ثم أمر به فجعل فى بيت أساسه مِلْح، وأجرى فى
أساسه الماء ، فسقط عليه فمات؛ فكان من أمره ما كان . وتوفّىَ عبد الله بن
علىّ فى هذه السنة ودفن فى مقابر باب الشأم ؛ فكان أول من دفن فيها .
وُذُكِرِ عن إبراهيم بن عيسى بن المنصور بن بُرَيْه أنه قال : كانت وفاة
عبد الله بن علىّ فى الحبس سنة سبع وأربعين ومائة ، وهو ابن اثنتين وخمسين
سنة .
٣٣١/٣
قال إبراهيم بن عيسى: لما توفّىَ عبد اللّه بن علىّ ركب المنصور يوماً
ومعه عبد الله بن عيّاش ، فقال له وهو يجاريه : أتعرف ثلاثة خلفاء ، أسماؤهم
على العين مبدؤها ، قتلوا ثلاثة خوارجَ مبدأ أسمائهم العين ؟ قال : لا أعرف
إلا ما تقول العامّة؛ إنّ عليًّا قتل عثمان - وكذبوا وعبد الملك بن مروان قتل
عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، وعبد الله بن الزبير وعمرو بن سعيد
وعبد الله بن علىّ سقط عليه البيت، فقال له المنصور: فسقط على عبد الله بن
علىّ البيت ، فأنا ما ذنبي ؟ قال : ما قلت إنّ لك ذنبًاً.
٥
٠
[ ذكر خبر البيعة للمهدىّ وخلع عيسى بن موسى ]
وفى هذه السنة خلع المنصور عيسى بن موسى وبايع لابنه المهدىّ ، وجعله
ولىّ عهد من بعده . وقال بعضهم : ثم مِنْ بعده عيسى بن موسى.
ذكر الخبر عن سبب خلعه إياه وكيف كان الأمر فى ذلك :
اختلف فى الذى وصل به أبو جعفر إلى خلعه ، فقال بعضهم : السبب
الذى وصل به أبو جعفر إلى ذلك هو أن أبا جعفر أقرّ عيسى بن موسى بعد
وفاة أبى العباس على ما كان أبو العباس ولاّه من ولاية الكوفة وسواد ها ، وكان
له مكرما مجلاً ، وكان إذا دخل عليه (١) أجلسه عن يمينه ، وأجلس المهدى
عن يساره ؛ فكان ذلك فعله به ؛ حتى عزم المنصور على تقديم المهدى فى
الخلافة عليه . وكان أبو العباس جعل الأمر من بعده لأبى جعفر ، ثم من بعد
٣٣٢/٣
(١) ب، ه: ((إليه)

١٠
سنة ١٤٧
أبى جعفر لعيسى بن موسى ؛ فلما عزم المنصور على ذلك كلّ عيسى بن
موسى فى تقديم ابنه عليه برفيق من الكلام ، فقال عيسى : يا أمير المؤمنين ؛
فكيف بالأيمان والمواثيق التى علىّ وعلى المسلمين لى من العتق والطلاق وغير
ذلك من مؤكد الأيمان ! ليس إلى ذلك سبيل يا أمير المؤمنين . فلما رأى
أبو جعفر امتناعَه، تغيّر لونُه وباعده بعض المباعدة ، وأمر بالإذن للمهدىّ
قبله ؛ فكان يدخل فيجلس عن يمين المنصور فى مجلس عيسى ، ثم يؤذّن
لعيسى فيدخل فيجلس دون مجلس المهدىّ عن يمين المنصور أيضًا ، ولا يجلس
عن يساره فى المجلس الذى كان يجلس فيه المهدّى ، فيغتاظ من ذلك المنصور ،
ويبلغ منه ، فيأمر بالإذن للمهدىّ ثم يأمر بعده بالإذن لعيسى بن على ،
فيلبث هنيهة ، ثم عبد الصمد بن علىّ ، ثم يلبث هنيهة، ثم عيسى بن موسى .
فإذا كان بعد ذلك قدّم فى الإذن للمهدىّ على كل حال ، ثم يخلط فى
الآخرين، فيقدِّم بعض مَنْ أخّر ويؤخر بعض مَنْ قَدّم ويُوهم عيسى
ابن موسى أنه إنما يبدأ بهم لحاجة تعرض ولمذاكرتهم بالشىء (١) من أمره ؛
ثم يؤذن لعيسى بن موسى من بعدهم ؛ وهو فى ذلك كله صامت لا يشكو منه
شيئًا، ولا يستعتب (٢) . ثم صار إلى أغلظ من ذلك؛ فكان يكون فى المجلس
معه بعض ولده ، فيسمع الحفْر فى أصل الحائط فيخاف أن يخرّ عليه
الحائط، وينتثر عليه التراب، وينظر إلى الخشبة من سقف المجلس قد حُفر عن
أحد طرفيها لتقلع فيسقط التراب على قلنسوته وثيابه، فيأمر مَنْ معه من ولده
بالتحويل ، ويقوم هو فيصلِى، ثم يأتيه الإذن فيقوم فيدخل بهيئته والتراب
عليه لا ينفضه ؛ فإذا رآه المنصور قال له : يا عيسى ، ما يدخل علىّ أحد
بمثل (٣) هيئتك من كثرة الغبار عليك والتراب! أفكلّ(٤) هذا من الشارع ؟
فيقول : أحسب ذلك يا أمير المؤمنين؛ وإنما يكلمه المنصور بذاك ليستطمعه (٥)
أن يشكو إليه شيئًا فلا يشكو ؛ وكان المنصور قد أرسل إليه فى الأمر الذى
٣٣٣/٣
(٣) ج ((مثل)).
(٢) ج: ((يستغيث).
(١) ج: ((الشىء)).
(٤) ج، هـ: ((فكل)). (٥) ج: ، ( (( يستطعمه)).

١١
سنة ١٤٧
أراد منه عيسى بن علىّ ، فکان عيسى بن موسى لا يحمد منه مدخلَه فيه ؛
كأنه كان يغرى به . فقيل : إنه دسّ لعيسى بن موسى بعض ما يتلفه ؛
فنهض من المجلس ، فقال له المنصور : إلى أين يا أبا موسى ؟ قال : أجد
غمزاً يا أمير المؤمنين ، قال : ففى الدار إذاً ! قال : الذى أجده أشدّ مما
أقيم معه فى الدار ، قال : فإلى أين ؟ قال : إلى المنزل ؛ ونهض فصار إلى
حَرَّاقته ، ونهض المنصور فى أثره إلى الحرّاقة متفزّعًا له ، فاستأذنه عيسى
فى المسير إلى الكوفة ، فقال : بل تقيم فتعالج ها هنا ، فأبى وألحّ عليه ،
فأذن له . وكان الذى جرّأه على ذلك طبيبه بختيشوع أبو جبرئيل، قال : إنى
والله ما أجترئ على معالجتك بالحضْرة ، وما آمن على نفسى . فأذن له
المنصور ، وقال له : أنا على الحجّ فى سنتى هذه، فأنا مقيم عليك بالكوفة
حتى تفيق إن شاء الله .
٣٣٤/٣
وتقارب وقتُ الحجّ ، فشخص المنصور حتى صار بظهر الكوفة فى موضع
يدعى الرّصافة ، فأقام بها أيامًا ، فأجرى هناك الخيل ، وعاد عيسى غير
مرّة ، ثم رجع إلى مدينة السلام ولم يحجّ، واعتلَّ بقلة الماء فى الطريق .
وبلغت العلّة من عيسى بن موسى كلَّ مبلغ؛ حتى تمعط شعرُه ، ثم أفاق من
علّته تلك ، فقال فيه يحيى بن زياد بن أبى حزابة البُرْجُمىّ أبو زياد :
أَفِلَت ظَبْىُ الصَّريم من قُتَرِهْ
أَفَلَتَ مِن شَرْبَةِ الطبيب كما .
رَكَّبَ سَهْمَ الحُتُوف فى وتَرِهِ
من قانصٍ يُنْفِذُ الفَرِيصَ إِذا
ـثِيُرِيدُالأَسْدَفى ذرَىخَمَرْ(١)
دافَعَ عنك المَليك صَوْلَةً لَيـ
تُعرفُ فى سمعِهِ وفى بَصَرِهْ
حتى أَتانا وفيه داخِلةٌ
وحْفُ أَثِيثِ النَّبَاتِ مِن شَعَرَهْ
أَزْعَر قد طارَ عن مفارِقِهِ
وُذكر أنّ عيسى بن علىّ كان يقول للمنصور: إنّ عيسى بن موسى
إنما يمتنع من البيعة للمهدىّ لأنه يربّص هذا الأمر لابنه موسى ، فموسى
(١) ج: ((دافع عنه)).

١٢
٣٣٥/٣
سنة ١٤٧
الذى يمنعه . فقال المنصور لعيسى بن علىّ : كلّم موسى بن عيسى وخوّفه
على أبيه وعلى ابنه ؛ فكلّم عيسى بن علىّ موسى فى ذلك ، فأيأسه ، فتهدده
وحذّره غضب المنصور . فلما وجل موسى وأشفق وخاف أن يقع به المكروه ،
أتى العباس بن محمد، فقال: أىْ عمّ، إنى مكلّمك بكلام، لا والله ما سمعه
منى أحدٌ قطّ، ولا يسمعه أحد (١) أبداً؛ وإنما أخرجه منى إليك موضعُ
الثقة بك والطمأنينة إليك ؛ وهو أمانة عندك ؛ فإنما هى نفسى أنثلها (٢) فى
يدك . قال : قل يابنَ أخى ؛ فلك عندى ما تحبّه ، قال : أرى ما يُسام أبى
من إخراج هذا الأمر من عنقه وتصييره للمهدىّ ؛ فهو يؤذى بصنوف الأذى
والمكروه، فيُتُهدّد مرة ويؤخّر إذنه مرّة، وتُهدّم عليه الحيطان مرّة، وتدسّ
إليه الحتوف مرّة . فأبى لا يعطى على هذا شيئًا؛ لا يكون ذلك أبداً؛ ولكنّ
هاهنا وجهاً، فلعله يعطى عليه إن أعطى وإلاّ فلا، قال : فما هو يابن أخى؟
فإنك قد أصبت ووفّقت(٣)، قال: يقبل عليه أمير المؤمنين وأنا شاهد فيقول له:
يا عيسى ، إنى أعلم أنك لستَ تضنّ بهذا الأمر على المهدىّ لنفسك؛ لتعاليى
سنّك وقرب أجلك ؛ فإنك تعلم أنه لا مدّة لك تطول فيه ؛ وإنما تضنّ به
مکان ابنك موسی ؛ أفرانی ادعُ ابنك یبقی بعدك ویبقی ابی معه فیلی علیه !
كلاّ والله لا يكون ذلك أبداً؛ ولأثبنّ (٤) على ابنك وأنت تنظر حتى تيأس
منه ، وآمن أن يلِىّ على ابنى. أترى ابنك آثر عندى من ابنى! ثم يأمر
بى ؛ فإما خنقت وإما شُهر علىّ سيف . فإن أجاب إلى شىء فعسى أن يفعل
بهذا السبب ؛ فأما بغيره فلا . فقال العباس : جزّاك الله يابن أخى خيراً ،
فقد فديت أباك بنفسك ، وآثرت بقاءه على حظك ، نعم الرأى رأيت ، ونعم
المسلك سلكت !
٣٣٦/٣
ثم أتى أبا جعفر فأخبره الخبر ، فجزى المنصور موسى خيراً ؛ وقال:
قد أحسن وأجمل ، وسأفعل ما أشار به إن شاء اللّه، فلما اجتمعوا وعيسى
ابن علىّ حاضر، أقبل المنصور على عيسى بن موسى، فقال : يا عيسى ؛ إنى
(١) ج: (( ولا أسمعه أحداً)).
(٢) ج: ((أبلها)).
(٣) كذا فى ب هـ، وهو الصواب، وفى ط: ((ورققت))، وفى ج: ((ورفقت)).
(٤) ب: ((لأبثن)).

١٣
سنة ١٤٧
لا أجهل مذهبك الذى تضمره ، ولا مداك الذى تجرى إليه فى الأمر الذى
سألتك ؛ إنما تريد هذا الأمر لابنك هذا المشئوم عليك وعلى نفسه ؛ فقال
عيسى بن علىّ: يا أميرَ المؤمنين، غمزنى البوْل، قال: فندعو (١) لك بإناء
تبول فيه ، قال : أفى محلسك يا أمير المؤمنين! ذاك ما لا يكون ، ولكن أقرب
البلاليع منى أدَلّ عليها(٢) فآتيها. فأمر من يدّله، فانطلق . فقال عيسى
ابن موسى لابنه موسى : قمْ مع عمك ، فاجمع عليه ثيابه من ورائه ، وأعطه
منديلا إن كان معك ينشّف به ، فلما جلس عيسى يبولُ جمع موسى عليه
ثيابَه من ورائه وهو لا يراه ، فقال : مَنْ هذا ؟ فقال : موسى بن عيسى ،
فقال: بأبى أنت وبأبى أبُ ولدك ! والله إنى لأعلم أنه لا خير فى هذا الأمر
بعدكما ، وإنكما لأحقّ به ؛ ولكن المرء مغرّى بما تعجّل، فقال موسى فى
نفسه : أمكننى والله هذا من مقاتله؛ وهو الذى يغرى بأبى، والله لأقتلنّه
بما قال لى ، ثم لا أبالى أن يقتلنى أمير المؤمنين بعده ، بل يكون فى قتله عزاء
لأبى وسلوّ عنى إن قتلت . فلما رجعا إلى موضعهما قال موسى : يا أميرَ المؤمنين،
أذكر لأبى أمراً ؟ فسرّه ذلك ، وظنّ أنه يريد أن يذاكره بعض أمرهم ، فقال :
قم، فقام إليه ، فقال : يا أبتِ (٣)؛ إن عيسى بن علىّ قد قتلك وإياىّ
قتلات بما يُبلغ عنا ، وقد أمكننى من مقاتله ، قال : وكيف ؟ قال :
قال لى كيت وكيت، فأخبرُ أمير المؤمنين فيقتله ؛ فتكون قد شفيت نفسك
وقتلته قبل أن يقتلك وإياى ثم لا نبالى ما كان بعدُ . فقال : أفِّ لهذا رأيًا
ومذهبًا ! ائتمنك عمُّك على مقالة أراد أن يسرَّك بها ، فجعلتها سببًا لمكروهه
وتلفه ! لا يسمعنّ هذا منك أحد، وعُدْ إلى مجلسك . فقام فعاد ، وانتظر
أبو جعفر أن يرى لقيامه إلى أبيه وكلامه أثراً فلم يره ، فعاد إلى وعيده الأوّل
وتهدده ، فقال : أما والله لأعجلنّ لك فيه ما يسوءك ويُوسك من بقائه بعدك،
أيا ربيع، قم إلى موسى فاختقه بحمائله ، فقام الرّبيع فضمّ حمائله عليه ، فجعل
يخنقه بها خنْقًا رُويداً، وموسى يصيح: اللّهَ اللّهَ يا أمير المؤمنين فىّ وفى دمى !
فإنى لبعيد مما تظنّ بى ، وما يبالى عيسى أن تقتلنى وله بضعة عشر نفراً ذكراً .-
٣٣٧/٣
(٣) ب: ((يا أبه)).
(٢) ب: ((عليه)).
(١) ج: ((فأدعو)).

١٤
سنة ١٤٧
كلهم عنده مثلى- أو يتقدمنى؛ وهو يقول: أشدُد يا ربيع ، انت على نفسه ،
والرّبيع يوهم أنه يريد تلفتّه ، وهو يراخِى خناقه ، وموسى يصيح ، فلما رأى
ذاك عيسى قال: والله يا أميرَ المؤمنين ما ظننتُ أنّ الأمر يبلغ منك هذا كله
فمر بالكفّ عنه ؛ فإنى لم أكن لأرجع إلى أهلى ؛ وقد قتل بسبب هذا الأمر
عبدٌ من عبيدى ، فكيف بابنى ! فها أنا أشهدك أنّ نسائى طوالق ومماليكى
أحرار ، وما أملك فى سبيل الله ، تصرف ذلك فيمن رأيت يا أمير المؤمنين ؛
وهذه يدى بالبيعة للمهدىّ. فأخذ بيعته له على ما أحبّ ثم قال : يا أبا موسى ؛
إنك قد قضيتَ حاجتى هذه كارهاً ، ولى حاجة أحبّ أن تقضيتها طائعًاً ،
فتغسل بها ما فى نفسى من الحاجة الأولى ، قال : وما هى يا أمير المؤمنين ؟
قال : تجعل هذا الأمر من بعد المهدىّ لك ، قال : ماكنتُ لأدخل فيها
بعد إذ خرجت منها. فلم يدَعْه هو ومَنْ حضره من أهل بيته حتى قال: يا أميرَ
المؤمنين؛ أنت أعلم . فقال بعض أهل الكوفة - ومرّ عليه عيسى فى موكبه : هذا
هذا الذی کان غداً ، فصار بعد غدٍ .
وهذه القصة - فيما قيل - منسوبة إلى آل عيسى أنهم يقولونها .
٠
٠٠
وأما الذى يحكى عن غيرهم فى ذلك ؛ فهو أنّ المنصور أراد البَيْعة
للمهدىّ، فكتم الجُنْد فى ذلك، فكانوا إذا رأوا عيسى راكبًا أسمعوه ما كرِه ،
فشكا ذلك إلى المنصور ، فقال للجند : لا تؤذوا ابن أخى ؛ فإنه جِدْدة بين
عينىّ ، ولو كنتُ تقدّمت إليكم لضربت أعناقكم ؛ فكانوا يكفّون ثم يعودون ؛
فمكث بذلك زمانًا ، ثم كتب إلى عيسى :
بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى
عيسى بن موسى. سلامٌ عليك؛ فإنّى أحمدُ إليك اللّه الذى لا إله إلا هو.
أما بعد ؛ فالحمد للّه ذى المنّ القديم، والفضل العظيم، والبلاء الحسن الجميل،
الذى ابتدأ الخلق بعلمه ، وأنفذ القضاء بأمره ؛ فلا يبلغ مخلوقٌ كنه حقه ،
ولا ینال فیعظمته گنْه ذکره ، یدبّرما أراد من الأمور بقدرته ، ويصدرها عن
مشيئته ؛ لا قاضىَ فيها غيره ، ولا نفاذ لها إلا به ، يجريها على أذلالها؛ لا يستأمر
٣٣٨/٣
٣٣٩/٣

١٥
سنة ١٤٧
فيها وزيراً(١)، ولا يشاور فيها معيناً(٢)، ولا يلتبس عليه شىء أراده، يمضى
قضاؤه فيما أحبّ العباد وكرهوا(٣) ؛ لا يستطيعون منه امتناعًا، ولا عن أنفسهم
دفاعاً، ربّ الأرض ومَنْ عليها، له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين.
ثم إنك قد علمتَ الحال التى كنا عليها فى ولاية الظلمة ، كيف كانت
قوّتنا وحيلتُنا، لما اجترأ عليه أهل بيت اللعنة فيما أحببنا وكرهنا ، فصبرنا أنفسنا
على ما دعونا إليه من تسليم الأمور إلى (٤) من أسندوها إليه ، واجتمع رأيُهم
عليه، نُسام الخسف ، ونوطأ بالعسْف، لا ندفَعَ ظلمًا ، ولا نمنع ضيماً (٥)؛
ولا نعطى حقًّاً، ولا ننكر منكراً، ولا نستطيع لها ولا لأنفسنا نفعًاً ؛ حتى إذا
بلغ الكتابُ أجلتَه، وانتهى الأمر إلى مدّته، وأذن الله فى هلاك (٦) عدوه،
وارتاح بالرّحمة لأهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فابتعث الله لهم أنصاراً
يطلبون بثأرهم، ويجاهدون عَدُوّهم، ويدعون إلى حبّهم، وينصرون دولَتّهم ؛
من أرضين متفرّقة ، وأسباب مختلفة ، وأهواء مؤتلفة ، فجمعهم اللّه على طاعتنا،
وألّف بين قلوبهم بمودّتنا على نصرتنا، وأعزّهم بنصرنا ، لم نلق منهم رجلاً ،
ولم نشهر معهم إلا ما قذف اللّه فى قلوبهم ؛ حتى ابتعثهم لنا من بلادهم ،
ببصائر نافذة، وطاعة خالصة، يلقون الظّفَر، ويعودون (٧) بالنصر، وينصَرون
بالرّعب، لا يلقون أحداً إلا هَزَسُوه، ولا واتراً (٨) إلا قتلوه؛ حتى بلغ الله بنا (٩)
بذلك أقصى مدانا وغاية منانا ومنتهى آمالنا وإظهار حقنا ، وإهلاك (١٠)
عدّونا؛ كرامةً من الله جلّ وعزّ لنا، وفضلاً(١١) منه علينا ، بغير حوْل منا
ولا قوّة، ثم لم نَزلْ من ذلك(١٢) فى نعمة الله وفضله علينا، حتى نشأ(١٣) هذا
الغلام، فقذف الله له فى قلوب أنصار الدّين(١٤) الذين ابتعثهم لنا مثل ابتدائه
لنا أوّل أمرنا ، وأ شرب قلوبهم مودّتَّه ، وقسم فى صدورهم محبّته، فصاروا
٣٤٠/٣
(١) ج: ((خلقه)).
(٣) ج: ((أو كرهوا)) ..
(٢) ج: ((أحداً فى أمره)).
(٤) ج: ((إلالمن)).
(٥) ج: ((ظلما)).
(٦) ج: ((إهلاك)).
(٨) ج: ((وافداً )).
(٧) ج: ((يفوزون)).
(٩) ب: ((لنا)).
(١٠) ج: ((وهلاك)).
(١٢) ب: ((من)).
(١١) ج: ((من به)).
(١٣) ج: ((شب)).
(١٤) ب: ((أصحاب الدين)).

١٦
سنة ١٤٧
لا يذكرون إلاّ فضله، ولا ینوّهون إلا باسمه، ولا يعرفون إلاّ حقه، فلمّا
رأى أمير المؤمنين ما قذف اللّه فى قلوبهم من مودّته ، وأجرى على ألسنتهم
من ذكره ، ومعرفتهم إياه بعلاماته واسمه ، ودعاء العامة إلى طاعته ، أيقنتْ
نفس أمير المؤمنين أنّ ذلك أمر تولاه الله وصنعه ؛ لم يكن للعباد فيه أمر ولا
قدرة ، ولا مؤامرة ولا مذاكرة ؛ للّذى رأى أمير المؤمنين من اجتماع الكلمة ،
وتتابع العامّة ؛ حتى ظن أمير المؤمنين أنه لولا معرفة المهدىّ بحق الأبوة، لأفضت
الأمور إليه . وكان أمير المؤمنين لا يمنع مما اجتمعت عليه العامّة ، ولا يجد
مناصًاً(١) عن خلاص ما دعوا إليه ، وكان أشدّ الناس على أمير المؤمنين فى ذلك
الأقرب فالأقرب من خاصّته وثقاته من حرسه وشرطه ؛ فلم يجد أمير المؤمنين بدًّا
من استصلاحهم(٢) ومتابعتهم؛ وكان أمير المؤمنين وأهل بيته أحقّ مَنْ
سارع إلى ذلك وحرص "(٣) عليه، ورغب فيه وعرف فضله، ورجاً بركته،
وصدق الرّواية فيه ، وحمد الله إذ جعل فى ذريته مثل ما سألت الأنبياء
قبله ؛ إذ قال العبد الصالح: ﴿فَهَبْ لِى مِنْ لَدُنْك وَلَيًّا، يَرِثُنِى
وَيَرِثُ مِنْ آل يَعْقُوبَ واجعَلْهُ ربّ رَضيًا﴾(٤) فوهب الله لأمير المؤمنين
وليًّاً، ثم جعله تقيًّا مباركًا مهديًا(٥)، وللنبىّ صلى الله عليه وسلم سميًّا،
وسلب مَن انتحل هذا الاسم، ودعا إلى تلك الشبهة التى تحيّر فيها أهلُ تلك
النية ، وافتّن بها أهلُ تلك الشقوة ، فانتزع ذلك منهم، وجعل دائرة السوْء
عليهم، وأقرّ الحق قراره، وأعلن للمهدىّ مناره، وللدين أنصاره، فأحبّ أمير
المؤمنين أن يعلمك الذى اجتمع عليه رأى رعيّتِه؛ وكنت فى نفسه بمنزلة ولده ،
يحبّ مَنْ سترك ورشدك وزيّنَك ما يحبّ لنفسه وولده، ويرى لك (٦) إذا
بلغك مِنْ حال ابن عمّك ما تَرى من اجتماع الناس عليه أن يكون ابتداءُ
ذلك من قِبَلَك ، ليعلم أنصارنا من أهل خُراسان وغيرهم أنك أسرع(٧) إلى
ما أحبّوا ممّا عليه رأيُهم فى صلاحهم منهم إلى ذلك من أنفسهم، وإنّ ما كان
٣٤١/٣
(١) ج: ((ملاصا)).
(٣) ج: ((وحرض)).
(٥) ب: ((مهذباً)).
(٧) بعدها فى ب: ((الناس)).
(٢) ج: ((استخلاصهم)).
(٤) سورة مريم ٥، ٦ .
(٦) ب: «ذلك)).

١٧
سنة ١٤٧
عليه من فضل عرفوه للمهدىّ ، أو أمّلوه فيه ، كنتَ أحظى الناس بذلك ،
وأسرَّهم به لمكانه وقرابته؛ فاقبل نُصح أمير المؤمنين لك، تصلُح وترشد . والسلام
عليك ورحمة الله .
فكتب إليه عيسى بن موسى جوابها :
٣٤٢/٣
بسم الله الرحمن الرحيم . لعبد الله عبد الله أمير المؤمنين من عيسى بن
موسى . سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله؛ فإنَّى أحمَد إليك الله الذى
لا إله إلا هو ؛ أما بعد فقد بلغنى كتابُك تذكر فيه ما أجمعتَ عليه من
خلاف الحقّ وركوب الإثم فى قطيعة (١) الرّحيم، ونقض ما أخذ اللّه عليه من
الميثاق من العامة بالوفاء للخلافة والعهد لى من بعدك، لتقطع بذلك ما وصل الله
من حَبْلُه، وتفرّق بين ما ألّف اللّه جمعته (٢)، وتجمع بين ما فرّق الله أمره،
مكابرةٌ (٣) لله فى سمائه ، وحوْلاً على اللّه فى قضائه، ومتابعة للشيطان فی هواه ؛
ومَنْ كابر اللّه صَرعه، ومن نازعه قمعه ، ومن ماكره عن شىء خدعه ،
ومَنْ توكل على الله منعه، ومَنْ" تواضع لله رفعه. إنّ الذى أُسِّس عليه البناء،
وخُطّ عليه الحذاء من الخليفة الماضى عهدٌ لى من اللّه، وأمرٌ نحن فيه سواء ؛
ليس لأحد من المسلمين فيه رُخصة دون أحد ؛ فإن وجب وفاء فيه فما الأوّل
بأحقَّ به من الآخر، وإن حلَّ من الآخر شىء فما حرِّم ذلك من الأوّل؛
بل الأوّل الذى تلاخبره وعرف أثره، وكشف عما ظن به وأمَّل فيه أسرع ؛
وكان الحقّ أولى بالذى أراد أن يصنع أوّلاً، فلا يدعوك إلى الأمْن من
البلاء اغترارٌ بالله، وترخيص للناس فى ترك الوفاء؛ فإن مَنْ أجابك إلى ترك
شىء وجب لى واستحلّ ذلك منى، لم يحْرج إذا أمكنته الفرصة وأفتنتْه الرّخصة
أن يكون إلى مثل ذاك منك أسرع ، ويكون بالذى أسَّست من ذلك أبخع .
فاقبل العاقبة وارض من اللّه بما صنع، وخذ ما أوتيتَ بقوّة ، وكن من الشاكرين.
فإن الله جلّ وعزّ زائدٌ(٤) مَنْ شكره، وعْداً منه حقًّا لا خلف فيه (٥)؛ فمن
راقب الله حفظه، ومن أضمر خلافه خذله ؛ والله يعلم خائنة الأعين وما
٣٤٣/٣
(٢) ب: (( وجمعه).
(١) ب: ((وقطيعة)).
(٣) ج: ((مكايدة)).
(٥) ج: ((4)) .
(٤) ط: ((زائداً))، وهو خطأ.

١٨
سنة ١٤٧
تخل الصدور. ولسنا مع ذلك نأمن مِنْ حوادث الأمور وبَغتَات(١) الموت
قبل ما ابتدأت به من قطيعتى ؛ فإن تعجّل بى أمرٌ كنت قد كُفيت مؤونة
با اغتممت له، وسترتَ قُبْح ما أردتَ إظهاره؛ وإن بقيتُ بعدك لم تكن
أوغرت صدرى ، وقطعت رحمى ؛ ولا أظهرت أعدائى فى اتّباع أثرِك، وقبول
أدبك ، وعملٍ بمثالك(٢).
وذكرت أن الأمور كلها بيد الله؛ هو مدبرها ومقدرها (٣) ومصدرها عن
مشيئته ؛ فقد صدقْتَ ؛ إن الأمور بيد الله، وقد حقّ على من عَرَف ذلك
ووصفه العملُ به والانتهاءُ إليه . واعلم أنّا لسنا جررنا إلى أنفسنا نفعًا، ولا
دفعنا (٤) عنها ضرًّا، ولا نلنا الذى عرفته(٥) بحولنا ولا قوّتنا؛ ولو وُكِلْنا فى
ذلك إلى أنفسنا وأهوائنا لضعُفت قوّتنا ، وعجزت قدرتنا فى طلب ما بلغ اللّه
بنا ؛ ولكن اللّه إذا أراد عزماً لإنفاذ أمره، وإنجاز وعده ، وإتمام عهده ،
وتأكيد عَقْده ؛ أحكم إبرامَه، وأبرم إحكامه، ونوّر إعلانه(٦)، وثبَّت
أركانه ؛ حين أسس بُنيانه؛ فلا يستطيع العباد تأخيرَ ما عجَّل ، ولا تعجيل
ما أخَّر؛ غير أن الشيطان عدوٌّ مُضلّ مُبين؛ قد حذَّر الله طاعتَه، وبين
عداوته ، ينزع بين ولاة الحقّ وأهل طاعته، ليفرّق جمعهم، ويشتِّت
شملهم (٧)، ويوقع العداوة والبغضاء بينهم ، ويتبرّأ منهم عند حقائق الأمور ،
ومضايق البلايا؛ وقد قال الله عز وجل فى كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ
رَسُولٍ وَلَا نَبِىُّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانِ فِى أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ
مَا يُلْقِ الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَالهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(٨). ووصف
الذين اتقوا فقال : ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ
مُبْصِرُون﴾(٩)؛ فأعيذ(١٠) أمير المؤمنين بالله من أن يكون نيته وضمير سريرته
٢٤٤/٣
(١) ج: ((نقمات)).
(٣) ج: ((وموردها)).
(٥) ج: ((نحن فيه)).
(٧) ج: ((أمرهم)).
(٩) سورة الأعراف ٢٠١
(٢) ب: ((وعمل مثالك)).
(٤) ب: ((ندفع))، ج: ((رفعنا).
(٦) ج: ((أعلامه)).
(٨) سورة الحج ٥٢
(١٠) ب: ((وأعيذ)).

١٩
سنة ١٤٧
خلاف ما زيّن اللّه به جلّ وعزّ مَنْ كان قبله ؛ فإنه قد سألتْهم أبناؤهم،
ونازعتهم أهواؤهم، إلى مثل الذى همَّ به أمير المؤمنين ؛ فآثروا الحقّ على ما سواه،
وعرفوا (١) أن الله لا غالب لقضائه؛ ولا مانع لعطائه ؛ ولم يأمنوا مع
ذلك تغيير النَّعم وتعجيلَ النّقم ؛ فآثروا الآجلة ، وقبلوا العاقبة ، وكرهوا
التغيير ، وخافوا التبديل ؛ فأظهروا الجميل ؛ فتمَّ اللّه لهم أمورهم، وكفاهم
ما أهمّهم ، ومنع سلطانهم، وأعزّ أنصارهم ، وكرّم أعوانهم، وشرّف بنيانهم؛
فتمّت النعم، وتظاهرت المنن، فاستوجبوا الشكر ، فتمّ أمر الله وهم كارهون .
والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله .
فلما بلغ أبا جعفر المنصور كتابُه أمسك عنه ، وغضب غضباً شديداً ،
وعاد الجند لأشدّ ما كانوا يصنعون ؛ منهم أسد بن المرزبان وعُقْبة بن سلْ
ونصر بن حرب بن عبد الله ؛ فى جماعة ؛ فكانوا يأتون باب عيسى ، فيمنعون
مَنْ يدخل إليه ؛ فإذا ركب مشوا خلفه (٢) وقالوا: أنت البقرة التى قال الله:
﴿ فَذَبِحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُون)(٣)، فعاد فشكاهم، فقال له المنصور :
يابن أخى ، أنا والله أخافهم عليك وعلى نفسى ؛ قد أشربوا حبَّ هذا الفتى ؛
فلو قدّمّتَه بين يديك فيكون بينى وبينك لكفُّوا . فأجاب عيسى إلى
أن يفعل .
٣٤٥/٣
وذُ کر عنإسحاق الموصلىّ، عن الربيع، أن المنصور لما رجعإليه من عند
عيسى جواب كتابه الذى ذكرنا، وقع فى كتابه: ((اسْلُ عنها تنلْ منها
عوضاً فى الدنيا ، وتأمن تبعتها فى الآخرة)).
وقد ذكر فى وجه (٤) خلع المنصورِ عيسى بن موسى قولٌ غير هذين
القولين ؛ وذلك ما ذكره أبو محمد المعروف بالأسوارىّ بن عيسى الكاتب ،
قال : أراد أبو جعفر أن يخلّعَ عيسى بن موسى مِنْ ولاية العهد ، ويقدّم
المهدىّ عليه ، فأبى أن يجيبَه إلى ذلك ، وأعيا الأمرُ أبا جعفر فيه ؛ فبعث
إلى خالد بن بَرْمك ، فقال له : كلِّمه ياخالد ؛ فقد ترى امتناعه من البيعة
(١) هـ: ((وعلموا)). (٢) ب، ه: ((حوله)). (٣) سورة البقرة ٧١ (٤) ج: ((أمر)».

٢٠
سنة ١٤٧
للمهدىّ ؛ وما قد تقدّمنا به فى أمره ؛ فهل عندك حيلة فيه ، فقد أعيتنا وجوه
الحيَل، وضلّعنا الرأىُ! فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ تضم إلىّ ثلاثين رجلاً
من كبار الشّيعة ، ممن تختاره. قال : فركب خالد بن برمك ، وركبوا معه ،
فساروا (١) إلى عيسى بن موسى ، فأبلغوه رسالة أبى جعفر المنصور ، فقال :
ما كنتُ لأخلع نفسى وقد جعل الله عزّ وجلّ الأمر لى؛ فأداره خالد بكلّ
وجه من وجوه الحذر والطمع ، فأبى عليه ؛ فخرج خالد عنه وخرجت الشّيعة
بعده ، فقال لهم خالد : ما عندكم فى أمره ؟ قالوا : نبلِّغ أمير المؤمنين رسالته
ونخبره بما كان منًّاً ومنه ؛ قال : لا ، ولكنا نخبر أمير المؤمنين أنه قد أجاب ،
ونشهد عليه إن أنكره ، قالوا له : افعل ، فإنا نفعل ، فقال لهم : هذا هو
الصّواب ، وأبليُغ أميرَ المؤمنين فيما حاول وأراد .
٣٤٦/٣
قال : فساروا إلى أبى جعفر وخالد معهم ، فأعلموه أنه قد أجاب ،
فأخرج التوقيع بالبيعة للمهدىّ ، وكتب بذلك إلى الآفاق ؛ قال : وأتى عيسى
ابن موسى لما بلغه الخبرُ أبا جعفر منكراً لِما ادُّعِىّ عليه من الإجابة إلى تقديم
المهدىّ على نفسه، وذكَّره اللّه فيما قد همّ به . فدعاهم أبو جعفر، فسألهم
فقالوا : نشهد عليه أنه قد أجاب ؛ وليس له أن يرجع ؛ فأمضى أبو جعفر
الأمرَ، وشكر لخالد ما كان منه ؛ وكان المهدىّ يعرف ذلك له ، ويصف
جزالة الرأى منه فيه .
وذُكر عن على بن محمد بن سليمان، قال: حدثنى أبى، عن عبدالله بن
أبى سليم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل ، قال: إنى لأسيرُ مع سليمان بن
عبد الله بن الحارث بن نوفل ، وقد عزم أبو جعفر على أن يقدّم المهدىّ على
عيسى بن موسى فى البيعة، فإذا نحن بأبى نُخَيلة الشاعر، ومعه ابناه وعبداه(٢)؛
وكلّ واحد منهما يحمل شيئًا من متاع ، فوقف عليهم سليمان بن عبد الله ،
فقال : أبا نُخَيلَة ، ما هذا الذى أرى ؟ وما هذه الحال التى أنت فيها؟
قال : كنتُ نازِلا على القعقاع (٣) - وهو رجل من آل زرارة، وكان يتولى
٣٤٧/٣
(١) ب: ((فسار)).
(٢) الأغانى: ((ومعه ابنان له وعبد)).
(٣) الأغانى: ((القعقاع بن معبد، أحد ولد معبد بن زرارة)).