النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١ سنة ١٤٥ وجدتَ صَبُورًا على حَرِّها(١) وكرِّ الحروب وترْدادها (٢) ٣٠٨/٣ فقال : يا حجاج ، إنّ إبراهيم قد عرف وُعُورة جانبى وصعوبة ناحيتى، وخشونة قرنى ؛ وإنما جرّأه على المسيرِ إلىّ من البصرة اجتماعُ هذه الكُور المُطلَّة على عسكر أمير المؤمنين وأهل السواد معه على الخلاف والمعصية ، وقد رميت كلّ كورة بحجرها وكلّ ناحية بسهمها، ووجهت إليهم الشهْم (٣) النجْد الميمون المظفّر عيسى بن موسى، فى كثرة من العدد والعُدّة، واستعنت باللّه عليه ، واستكفيته إياه ؛ فإنه لا حول ولا قوة لأمير المؤمنين إلا به . قال جعفر بن ربيعة : قال الحجاج بن قتيبة : لقد دخلتُ على أمير المؤمنين المنصور فى ذلك اليوم مسلِّمًا، وما أظنّه يقدر على ردّ السلام لتتابع الفُتوق والحُروق عليه والعساكر المحيطة به، ولمائةُ ألف سيف كامنة له بالكوفة بإزاء عسكره ينتظرون به صَيْحة واحدة فيثبون ؛ فوجدته صقْرًا أحوزيًّا مشمّراً ، قد قام إلى ما نزل به من النوائب يعرُكها ويمرُسها ، فقام بها ولم تقعد به نفسه ؛ وإنه لكما قال الأوّل : نفْسُ عِصامٍ سَوَّدَتْ عصاما وعدَّمتْه الكرَّ والإِقْدَاما(٤) * وصيّرتْهُ مَلِكاً هُمَامَا (٥) )* وذكر أبو عبيدة أنه كان عند يونس الجَرْمىّ ، وقد وجَّه محمد بن عبد اللّه أخاه لحرب أبى جعفر ، فقال يونس: قدم هذا يريد أن يزيل ملكاً، فألحتْهُ ابنة عمر بنُ سكمة عمّا حاوله، ولقد أهديت التيميّة (٦) إلى أبى جعفر فى تلك الأيام ، فتركها بمزجَر الكلب ، فما نظر إليها حتى انقضى أمرُ إبراهيم . وكان إبراهيم تزّوج بعد مقدمه البصرةَ بهْكنة بنت عمر بن سلمة ، فكانت تأتيه فى مصبغاتها وألوان ثيابها . ٣٠٩/٣ (١) الديوان: ((على رزثها)). (٣) ج: ((السهم)). (٥) بعده فى العقد الثمين : (٢) الديوان: ((وحر الحروب)). (٤) مما نسب إلى النابغة الذبيانى؛ العقد الثمين ١٧٥ . حتَّى عَلَا وجاوزَ الأَقْوامَا » # (٦) ط: ((اليتيمة)) ٦٤٢ سنة ١٤٥ فلما أراد إبراهيم الشخوص نحو أبى جعفر ، دخل - فيما ذكر بشرُ بن سلم - عليه نمَّلة الطَّهَوىّ وجماعة من قوّاده من أهل البَصْرة، فقالوا له: أصلحك الله ! إنك قد ظهرت على البصرة والأهواز وفارس وواسط ، فأقِمْ بمكانك ، ووجّه الأجناد، فإن هُزِم لك جند أمددتّهم بجند ، وإن هُزِمٍ لك قائد أمددته بقائد، فخيف مكانك، واتّقاكَ عدوُّك، وجُبِيت الأموال ، وثبتتْ وطأتك؛ ثم رأيُك بعد . فقال الكوفيون : أصلحك الله! إن بالكوفة رجالاً لو قد رأوْك ماتُوا دونك ، وإلّ يرْوك تقعد بهم أسبابٌ شتى فلا يأتونك(١)، فلم يزالوا به حتى شخص . وذُكر عن عبد الله بن جعفر المدينىّ، قال: خرجنا مع إبراهيم إلى باخَمْرَى، فلمّا عسكرنا أتانا ليلة من الليالى ، فقال : انطلق بنا نطفْ فى عسكرنا . قال : فسمع أصوات طَنابير وغناء فرجع ، ثم أتانى ليلة أخرى فقال : انطلق بنا ، فانطلقتُ معه ، فسمع مثل ذلك فرجع وقال : ما أطمع فى نصر عسکر فبه مثل هذا . وذُكر عن عفان بن مسلم الصفار، قال: لمّا عسكر إبراهيمُ افترض معه رجال من جيراننا، فأتيت معسكره ، فحزَرتُ أنّ معه أقلّ من عشرة آلاف. فأما داود بن جعفر بن سليمان ، فإنه قال : أحصى فى ديوان إبراهيم من أهل البصرة مائة ألف . ووجّه أبو جعفر عيسى بن موسى - فيما ذكر إبراهيم بن ٣١٠/٣ موسى بن عيسى - فى خمسة عشر ألفًا، وجعل على مقدّمته حُميد بن قحطبة على ثلاثة آلاف . فلما شخص عيسى بن موسى نحو إبراهيم سار معه - فيما ذكر - أبو جعفرحتى بلغ نهر البصريّين ، ثم رجع أبو جعفر ، وسار إبراهيم من معسكره بالماخور من خُرّيبة البصرة نحو الكوفة . فذكر بعض بنى تيم اللّه عن أوس بن مهلهل القطعىّ ، قال : مرّ بنا إبراهيم فى طريقه ذلك ، ومنزلنا بالقباب التى تدعى قباب أوْس ، فخرجتُ أتلقّاه مع أبى وعمىّ ، فانتهينا إليه وهو على بِرْذون له يرتاد منزلا من الأرض، قال : فسمعته يتمثّل أبياتًا للقُطاعىّ: (١) ج: ((يأمنونك)). ٦٤٣ سنة ١٤٥ إِذَا لَنَهَى وَهَيَّبَ مَا اسْتَطَاعا أمورٌ لو تدَبّها حَلِيمٌ (١) يزيدك مرةً منه استماء ومعْصِيَة الشفيق عليك ممّا (٢) وليس بأَن تَتَبّعه اتّباعًا وخبْرُ الأَمر ما استقبلتَ منه بِلَى وتعيُّباً غلب الصَّناعا ولكنَّ الأَدِيمَ إِذا تفرَّى فقلت للذى معى : إنى لأسمع كلامَ رجل نادم على مسيره . ثم سار فلما بلغ كرخثا قال له فيما ذكر عن سليمان بن أبى شيخ عن عبد الواحد بن زياد بن لبيد - إن هذه بلادٌ قومى، وأنا أعلم بها، فلا تقصد قصْد عيسى بن موسى، وهذه العساكر التى وُجّهتْ إليك، ولكنى أسلك بك إن تركتنى طريقًا لا يشعر بك أبو جعفر إلا وأنت معه بالكوفة . فأبى عليه . قال : فإنا معشر ربيعة أصحاب بيات ، فدعنى أبيّت أصحاب عيسى بياتًا، قال: ٣١١/٣ إنى أكره البيات . وُذكر عن سعيد بن هريم أنّ أباه أخبره ، قال : قلت لإبراهيم : إنك غير ظاهر على هذا الرجل حتى تأخذ الكوفة ، فإن صارت لك مع تحصّنه بها لم تقم له بعدها قائمة، ولى بعدُ بها أهيْلٌ، فدعنى أسِرْ إليها مختفيًا فأدعو إليك فى السرّ ثم أجهر؛ فإنهم إن سمعوا داعيًا إليك أجابوه، وإن سمع أبو جعفر الهْعة بأرجاء الكوفة لم يردّ وجهه شىء دون حُلوان. قال: فأقبل على بشير الرحّال ، فقال : ما ترى يا أبا محمد ؟ قال: إنا لو وثقنا بالذى تصف لكان رأيًا؛ ولكنّا لا نأمن أن تجيبك منهم طائفة، فيرسل إليهم أبو جعفر خيلاً فيطأ البَرىء والنَّطف (٣) والصّغير والكبير؛ فتكون قد تعرّضَت لمأثمِ ذلك، ولم تبلغ منه ما أمّلتَ . فقلتُ لبشير : أخرجت حين خرجت لقتال أبى جعفر وأصحابه ؛ وأنت تتوقَّى قتل الضّعيف والصغير والمرأة والرجل ؛ أوَ ليس قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجّه السرّية فيقاتل فيكون فى ذلك نحو ما كرهت ! فقال: إنّ أولئك كانوا مشركين كلهم، وهؤلاء أهلُ ملّتنا (١) ط: ((يدبرها)). (٣) النطف : الرجل المريب المتهم . (٢) ط: ((الشقيق)). ٦٤٤ سنة ١٤٥ ودعوتنا وقبلتنا ، حكمُهم غير حكم أولئك ؛ فاتبع إبراهيم رأيه ولم يأذن له ، وسار إبراهيم حتى نزل باخَمْرَى . وذكر خالد بن أسيد الباهلىّ أنه لما نزلها أرسل إليه سلم بن قتيبة حكيم ابن عبد الكريم : إنك قد أصْحَرْت ، ومثلك أنفسُ به عن الموت ، فخندق على نفسك حتى لا تؤثَى إلا من مأتى واحد ، فإن أنت لم تفعل فقد أعرى (١) أبو جعفر عسكرّه ، فتخْفِفْ فى طائفة حتى تأتيه فتأخذ بقفاه . ٣١٢/٣ قال : فدعا إبراهيم أصحابته ، فعرض ذلك عليهم ، فقالوا : نخندق على أنفسنا ونحن ظاهرون عليهم ! لا والله لا نفعل . قال : فنأتيه ؟ قالوا : ولمّ وهو فى أيدينا متى أردناه ! فقال إبراهيم لحكيم : قد تسمع ، فارجع راشداً . فذكر إبراهيم بن سلم (٢) أنّ أخاه حدثه عن أبيه، قال: لما التقينا صفّ لهم أصحابُنا، فخرجت(٣) من صفهم، فقلت لإبراهيم: إن الصّفّ إذا انهزم بعضه تداعتى، فلم يكن لهم نظام ، فاجعلهم کراديس ، فإن انهزم كُرْدوس ثبت كردوس ، فتنادوا(٤: لا ، إلا قتال أهل الإسلام ٤) يريدون قوله تعالى : ﴿ يُقاتلون فى سَبِيلِهِ صفًّاً﴾(٥). وذكر يحيى بن شكر مولى محمد بن سليمان ، قال: قال المضاء: لما نزلنا باخَمْرَى أتيتُ إبراهيم فقلت له: إن هؤلاء القوم مصبِّحوك بما يسدّ عليك مغرب الشمس من السلاح والكُراع ، وإنما معك رجال عُراة من أهل البصرة ، فدعنى أبيّته ، فوالله لأشتِّتّنّ جموعه ، فقال: إنى أكره القَتْل ، فقلت : تريد المُلْك وتكره القتل ! وحدثنى الحارث ، قال : حدثنى ابن سعد ، قال : حدّثنا محمد بن عمر ، قال : لما بلغَ إبراهيمَ قتلُ أخيه محمد بن عبد الله ، خرج يريد أبا جعفر المنصور بالكُوفة ، فكتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى يعلمه ذلك، ويأمره أن يُقبِل إليه؛ فوافاه رسول أبى جعفر وكتابهُ وقد أحرم بعمرة - فرفضها، وأقبل إلى أبى جعفر، فوجّهه فى القوّاد والجند والسلاح إلى إبراهيم بن عبد الله. ٣١٣/٣ (١) ابن الأثير: ((أغرى)). (٢) ب: ((سالم)). (٣) ب: ((فخرجنا بين صفهم)). (٥) سورة الصف ٤. (٤ - ٤) ابن الأثير: ((لا تصف إلا صف أهل الإسلام)). ٦٤٥ سنة ١٤٥ وأقبل إبراهيم ومعه جماعة كثيرة من أفناء الناس ؛ أكثر من جماعة عيسى ابن موسى ، فالتقوْا بباخَمْرَى - وهى على ستة عشر فرسخًا من الكوفة - فاقتتلوا بها قتالاً شديداً ، وانهزم حُميد بن قحطبة - وكان على مقدّمة عيسى بن موسى - وانهزم الناس معه ، فعرض لهم عيسى بن موسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوُون عليه ، ومرّوا (١) منهزمين. وأقبل حُميد بن قحطبة منهزمًا، فقال له عيسى بن موسى: يا حُميد، الله الله والطاعة (٢)! فقال: لا طاعةَ فى الهزيمة . ومرّ الناس كلهم حتى لم يبق منهم أحد بین یدئْ عيسى بن موسى ، وعسكر إبراهيم بن عبد الله، فثبت عيسى بن موسى فى مكانه الذى كان فيه لا يزول ، وهو فى مائة رجل من خاصّته وحَشمه ، فقيل له : أصلح الله الأمير ! لو تنحّيت عن هذا المكان حتى يثوب إليك الناس فتكرّ بهم ! فقال: لا أزول عن مكانى هذا أبداً حتى أقتَل أو يفتح الله على يدى ؛ ولا يقال : انهزم . وذكر عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن علىّ أنّ إسحاق بن عيسى بن علىّ حدّثه أنه سمع عيسى بن موسى يحدّث أباه أنه قال : لما أراد أمير المؤمنين توجيهى إلى إبراهيم، قال: إنّ هؤلاء الخبثاء - يعنى المنجمين- يزعمون أنك لاقٍ الرجلَ ، وأن لك جولةً حين تلقاه ، ثم يفىء إليك أصحابك ، وتكون العاقبة لك . قال : فواللّه لكان كما قال ؛ ما هو إلّ أن التقينا فهزمونا ، فلقد رأيتُنى وما معى إلا ثلاثة أو أربعة ؛ فأقبل علىّ مولّى لى - كان مسكاً بلجام دابتى - فقال : جُعلت فداك ! علامَ تقيم وقد ذهب أصحابك ! فقلت : لا والله، لا ينظر أهل بيتى إلى وجهى أبداً وقد انهزمتُ عن عدّوهم . قال: فوالله لكان أكثر (٣) ما عندى أن جعلت أقول لمن مرّ بى ممن أعرف من المنهزمين : أقرِئوا أهل بيتى منى السلام ، وقولوا لهم: إنى لم أجد فداءً أفديكم به أعزّ علىّ من نفسى، وقد بذلتُها دونكم. قال: فوالله إنا لعلَى ذلك والناس منهزمون ما يلوى أحدٌ على أحد. وصمد ابنا سليمان: جعفر ومحمد لإبراهيم، فخرجا عليه من ورائه، ولا يشعر مَنْ بأعقابنا من أصحاب إبراهيم؛ حتى نظر ٣ /٣١٤ (١) ب: ((ويمرون)). (٣) ب: ((أكبر)). (٢) ج: ((فى الطاعة)). ٦٤٦ سنة ١٤٥ بعضهم إلى بعض؛ وإذا القتال من ورائهم، فكرُّوا نحوه ، وعقّبنا فى آثارهم راجعين ؛ فكانت إياها . قال : فسمعت عيسى بن موسى يومئذ يقول لأبى : فوالله يا أبا العباس؛ لولا ابنًا سليمان يومئذ لافتضحنا؛ وكان مِنْ صنع الله أن" أصحابنا لما انهزموا يومئذ اعترض لهم نهر ذو ثنيتين مرتفعتين، فحالتا بينهم وبين الوثوب ؛ ولم يجدوا مخاضة ، فكرّوا راجعين بأجمعهم . فذ کر عن محمد بن إسحاق بن مهران، أنه قال: كان بباخَمْرى ناس" من آل طلحة فمخرُوها على إبراهيم وأصحابه ، وبثقُوا الماء ، فأصبح أهل عسكره مرتطمين فى الماء . وقد زعم بعضهم أن إبراهيم هوالذى مخرّ ليكون(١) قتاله من وجه واحد؛ فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار ، فلما انهزم أصحاب ٣١٥/٣ إبراهيم ثبت إبراهيم وثبتَ معه جماعة من أصحابه يقاتلون دونه ، اختلف فى مبلغ عددهم (٢)، فقال بعضهم : كانوا خمسمائة ، وقال بعضهم : كانوا أربعمائة ، وقال بعضهم : بل كانوا سبعين . فحدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر: لما انهزم أصحاب عيسى بن موسى وثبت عيسى مكانه، أقبل إبراهيم بن عبد الله فى عسكره يدنُو ويدنو غبارُ عسكره ؛ حتى يراه عيسى ومَنْ معه؛ فبيناهم على ذلك إذا فارس قد أقبل وكرّ راجعًا يجرى نحو إبراهيم ، لا يعرّج على شىء؛ فإذا هو حميد بن قحطبة قد غيّر لأمته، وعصَب رأسه بعصابة صفراء، فكرّ الناس يتبعونه حتى لم يبق أحدٌ ممن كان انهزم إلا كرّ راجعًا، حتى خالطوا القوم ، فقاتلوهم قتالا شديداً حتى قتل الفريقان بعضهم بعضاً ، وجعل حُمَيد بن قحطبة يرسل بالرءوس إلى عيسى بن موسى إلى أن أتِيَ برأس ومعه جماعة كثيرة وضجة وصياح ، فقالوا: رأس إبراهيم بن عبد اللّه ؛ فدعا عيسى ابن موسى بن أبى الكرام الجعفرىّ ، فأراه إياه ، فقال : ليس هذا ؛ وجعلوا يقتتلون يومهم ذلك ؛ إلى أن جاء سهم عائر لا يُدْرَى من رمى به ، فوقع فى حَلْق إبراهيم بن عبد الله فنحرَه، فتنحَّى عن موقفه، فقال: أنزلونى، فأنزلوه (١) ج: ((أن يكون قتالهم)). (٢) ج: ((عدهم)). ٦٤٧ سنة ١٤٥ عن مركبه، وهو يقول: ﴿ وَكَانَ أمْرُ اللّهِ قَدَراً مقدوراً)(١)، أردنا أمرًا وأراد اللّه غيره؛ فأنزل إلى الأرض وهو مثخنٌ، واجتمع عليه أصحابه وخاصته يحمونه ويقاتلون دونه، ورأى حميد بن قحطبة اجتماعهم، فأنكرهم فقال لأصحابه : شدّوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم، وتعدَموا ما اجتمعوا عليه، ٣١٦/٣ فشدُّوا عليهم ، فقاتلوهم أشدّ القتال حتى أفرجوهم عن إبراهيم ، وخلصوا إليه فحزُّوا رأسه ؛ فأتوا به عيسى بن موسى ، فأراه ابن أبى الكرام الجعفرىّ، فقال : نعم ؛ هذا رأسه، فنزل عيسى إلى الأرض فسجد، وبعث برأسه إلى أبى جعفر المنصور، وكان قتْلُه يوم الاثنين لخمس ليال بقين من ذى القعدة سنة خمس وأربعين ومائة . وكان يوم قُتل ابن ثمان وأربعين سنة، ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام . وذكر عبد الحميد أنه سأل أبا صلابة : كيف قُتِل إبراهيم ؟ قال : إنى لأنظر إليه واقفًا على دابّةٍ ينظر إلى أصحاب عيسى قد وَلَّوْا ومنحوه أكتافهم، ونكتَص عيسى بدابته القَهْفَرَى وأصحابه يقتلونهم ، وعليه قباء زَرَد(٢)، فَآ ذاه الحرّ ، فحلَّ أزرار قبائه ، فشال الزّرد حتى سال عن ثدييه ، وحسر عن لّبته، فأتته نُشّابة عائرة (٣)، فأصابته فى لبّتِهِ ، فرأيته اعتنق فرسه ، وكرّ راجعًا، وأطافت به الزيديّة. وذكر إبراهيم بن محمد بن أبى الكرام؛ قال : حدثنى أبى، قال : لما انهزم أصحاب عيسى تبعتْهم رايات إبراهيم فى آثارهم ، فنادى منادى إبراهيم : ألا لا تتّبعوا مدبرًا؛ فكرّت الرايات راجعةً ، ورآها أصحاب عيسى فخالُوهم انهزموا ، فكرُوا فى آثارهم؛ فكانت الهزيمة . وذكر أن أبا جعفر لما بلغته جولةُ أصحاب عيسى عزم على الرحيل إلى ٣١٧/٣ الرّىّ ، فذكر سلم بن فرقد حاجب سليمان بن مجالد ، أنه قال : لما التقوْا هُزم أصحاب عيسى هزيمة قبيحةً حتى دخل أوائلهم الكُوفة ، فأتانى صديق لى كوفىّ، فقال: أيّها الرجل، تعلّمْ والله لقد دخل أصحابك الكوفة؛ فهذا (١) سورة الأحزاب ٣٨ (٢) زرد ؛ أى مزرود . (٣) النشابة، واحدة النشاب وهو النبل. والعائر: ما لا يدرى راميه . ٦٤٨ سنة ١٤٥ أخو أبى هريرة فى دار فلان، وهذا فلان فى دار فلان؛ فانظر لنفسك وأهلك ومالك ؛ قال : فأخبرت بذلك سليمانَ بن مجالد، فأخبر به أبا جعفر، فقال: لا تكشفنّ من هذا شيئًاً ولا تلتفتنّ إليه؛ فإنّى لا آمن أن يهجم علىّ ما أكره، وأعْدِدْ على كلّ باب من أبواب المدينة إبلاً ودواب؛ فإن أتينا من ناحية صرنا إلى الناحية الأخرى. فقيل لسلم: إلى أين أراد أبو جعفر يذهب إن دهمه أمر؟ قال : كان عزم على إتيان الرىّ ، فبلغنى أن نيبخت المنجّم دخل على أبى جعفر، فقال: يا أميرَ المؤمنين، الظَّفَرُ لك، وسيُقتل إبراهيم، فلم يقبل ذلك منه ، فقال له : احبسنى عندك ، فإن لم يكن الأمر كما قلت لك فاقتلنى ، فبينا هو كذلك إذ جاءه الخبر بهزيمة إبراهيم ، فتمثَّل ببيت معقّر بن أوْس ابن حمار البارقى : فَأَلقتْ عَصَاها واستقرّتْ بها النَّوى كما قرَّ عيناً بالإياب المسافرُ(١) ٣١٨/٣ فأقطع أبو جعفر نيبخت ألفى جريب بنهر جَوْبر ؛ فذكر أبو نعيم الفضل ابن دكين أن أبا جعفر لما أصبح من الليلة التى أتِىّ فيها برأس إبراهيم - وذلك ليلة الثلاثاء الخمس بقين من ذى القعدة - أمر برأسه فنُصب رأسه فى السوق. وذكر أن أبا جعفر لما أتى برأسه فوضع بين يديه بكى حتى قطرت دموعه على خدّ إبراهيم ، ثم قال: أما والله إن(٢) كنتُ لهذا لكارها، ولكنّك ابتليتَ بی وابتلیتُ بك . وذكر عن صالح مولى المنصور أنّ المنصور لما أتىَ برأس إبراهيم بن عبد الله وضعه بين يديه ، وجلس مجلساً عامًا، وأذن للناس ، فكان الداخل يدخل فيسلّم ويتناول إبراهيم فيسىء القول فيه، ويذكر منه القبيح، التماسًا لرضا أبى جعفر ، وأبو جعفر ممسكٌ متغيّر لونه ؛ حتى دخل جعفر بن حنظلة البهرانىّ، فوقف فسلّم، ثم قال : عظم الله أجرك يا أمير المؤمنين فى ابن عمّك، (١) البيت بهذه النسبة فى اللسان (عصا) ؛ ونقل عن ابن برى أنه لعبدون السلمى، ويقال لسليم بن ثمامة الحنفى قال؛ وأول الشعر: مضت حججٌّ ، وذو الشوق ذاكرُ تذكَّرتُ من أُمّ الحويرث بعدما (٢) ابن الأثير: ((إنى)). ... ٦٤٩ سنة ١٤٥ وغفر له ما فرّط (١) فيه من حقك! فاصفرّ لونُ أبى جعفر وأقبل عليه ، فقال: أبا خالد ، مرحبًا وأهلاً ها هنا ! فعلم الناس أن ذلك قد وقع منه ، فدخلوا. فقالوا مثل ما قال جعفر بن حنظلة . وفى هذه السنة خرجت الترك والخَزّر بباب الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة . وحجّ بالناس فى هذه السنة السرىّ بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب . وكان عامل أبى جعفر على مكة . وكان والى(٢) المدينة فى هذه السنة عبد الله بن الربيع الحارثىّ، ووالى ٣١٩/٣ الكوفة وأراضيها عيسى بن موسى ، ووالى البصرة سلم بن قتيبة الباهلىّ . وكان على قضائها عبّاد بن منصور، وعلى مصر يزيد بن حاتم . (١) ب: ((فيما)). (٢) ج: ((عامل)). ٦٥٠ ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [خبر استتمام بناء بغداد وتحوّل أبى جعفر إليها ] فما كان فيها من ذلك استتمام أبى جعفر مدینته بغداد ؛ ذکر محمد بن عمر أنّ أبا جعفر تحوّل من مدينة ابن هُبيرة إلى بغداد فى صفر سنة ستّ وأربعين ومائة ، فنزلها و بنی مدينتها « ذكر الخبر عن صفة بنائه إياها : قد ذكرنا قبلُ السببَ الباعث كان لأبى جعفر على بنائها ، والسبب الذى من أجله اختار البُقْعة التى بنتى فيها مدينته ، ونذكر الآن صفة بنائه إياها . ◌ُذُكِرٍ عن رشيد أبى داود بن رشيد أنّ أبا جعفر شخص إلى الكوفة حين بلغه خروجُ محمد بن عبد اللّه، وقد هيّأ لبناء مدينة بغداد ما يحتاج إليه من خشب وساج وغير ذلك ؛ واستخلف حين شخص على إصلاح ما أعدّ لذلك مولّ له يقال له أسلم ؛ فبلغ أسلم أن إبراهيم بن عبد الله قد هزم عسكر ٣٢٠/٣ أبى جعفر، فأحرق ما كان خَلّفه عليه أبو جعفر من ساجٍ وخشب ؛ خوفًاً أن يؤخذ منه ذلك ؛ إذا غُلب مولاه ؛ فلما بلغ أبا جعفر ما فعل من ذلك مولاه أسلم كتب إليه يلومه على ذلك ؛ فكتب إليه أسلم يخبر أنه خاف أن يظفر بهم إبراهيم فيأخذه ، فلم يقل له شيئًا .. وُذُكِرٍ عن إسحق بن إبراهيم الموصلى"، عن أبيه ، قال: لما أراد المنصور بناء مدينة بغداد ، شاور أصحابه فيها ؛ وكان ممن شاوره فيها خالد بن برمك ، فأشاربها؛ فذكرَ عن على بن عصمة أن خالد بن برمك خطّ مدينة أبى جعفر له ، وأشار بها عليه ؛ فلما احتاج إلى الأنقاض ، قال له : ما ترى فى نقض بناء مدينة إيوان كسرى بالمدائن وحمل نقضه إلى مدينتى هذه ؟ قال : لا أرى ذلك يا أمير المؤمنين ، قال : ولمَ ؟ قال: لأنه علمٌ من أعلام الإسلام، يستدلّ به الناظر إليه على أنه لم يكن ليُزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا ؛ وإنما ٦٥١ سنة ١٤٦ هو على أمر دين ؛ ومع هذا يا أمير المؤمنين ؛ فإن فيه مصلّى علىّ بن أبى طالب صلوات الله عليه ، قال : هيهات يا خالد ! أبيتَ إلا الميل إلى أصحابك العجم! وأمر أن يُنفّض القصر الأبيض، فنُقضت ناحية منه، وحمل نقضه، فنظر فى مقدار ما يلزمهم للنقض والحمل فوجدوا ذلك أكثر من ثمن الجديد لو ◌ُمل ، فرُفع ذلك إلى المنصور، فدعا بخالد بن برمك، فأعلمه ما يلزمهم فى نقضِه وحمله ، وقال : ما ترى ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، قدْ كنت أرى قبل ألّ تفعل ، فأما إذا فعلتَ فإنى أرى أن تهدم الآن حتى تلحق بقواعده ؛ لئلا يقال: إنك قد عجزت عن هدمه . فأعرض المنصور عن ذلك، وأمر ألّ يهدم . فقال موسى بن داود المهندس : قال لى المأمون - وحدّثنى بهذا الحديث : يا موسى إذا بنيتَ لى بناء فاجعله(١) ما يعجز عن هدمه ليبقى (٢) طللُهُ ورسمْهِ . ٣٢١/٣٠ وذكر أنّ أبا جعفر احتاج إلى الأبواب للمدينة ؛ فزعم أبو عبد الرحمن الهمانىّ أن سليمان بن داود كان بنى مدينةً بالقرب من موضع بناء الحجاج واسطاً يقال لها الزَّنْدورد، واتّخذت له الشياطينُ لها خمسة أبواب من حديد لا يمكن الناس اليوم عملُ مثلها ، فنصبها عليها، فلم تزلْ عليها إلى أن بنى الحجاج واسطاً، وخربت تلك المدينة ، فنقل الحجاجُ أبوابها فصيّرها على مدينته بواسط ، فلمّا بنى أبو جعفر المدينة أخذ تلك الأبواب فنصبها على المدينة ؛ فهى عليها إلى اليوم . وللمدينة ثمانية أبواب : أربعة داخلة وأربعة خارجة ؛ فصار على الداخلة أربعة أبواب من هذه الخمسة ، وعلى باب القصر الخارج الخامس منها ، وصيّر على باب خراسان الخارج باباً جىء به من الشأم من عمل الفراعنة ، وصيرّ على باب الكوفة الخارج باباً جِىء به من الكوفة، كان عمله خالد بن عبد الله القسرىّ، وأمر باتخاذ باب لباب الشأم ، فعمل ببغداد، فهو أضعف الأبواب كلها . وبنيت المدينة مدوّرة لئلا يكون الملك إذا نزل وسطتها إلى موضع منها أقرب منه إلى موضع ، وجعل أبوابها أربعة ؛ على تدبير العساكر فى الحروب ، وعميل لها سوريْن ، فالسور الداخل أطول من السور الخارج ، (١) ب: ((فاجعل)). (٢) ج: ((فيبقى )) . 1 ٠٠ ٣٢٢/٣ ٦٥٢ سنة ١٤٦ وبنى قصره فى وسطها، والمسجد الجامع حول القصر . وُذُكِرِ أنّ الحجاج بن أرطاة هو الذى خطّ مسجد جامعها بأمر أبى جعفر ، ووضع أساسه . وقيل إن قبلتها على غير صواب وإنّ المصلّى فيه يحتاج أن ينحرف إلى باب البصرة قليلا ، وإن قبلة مسجد الرُّصافة أصوب من قبلة مسجد المدينة ؛ لأنّ مسجد المدينة بنى على القصر، ومسجد الرّصافة بُنى قبل القصر وبُنى القصر عليه ؛ فلذلك صار كذلك . وذكريحيى بن عبد الخالق أنّ أباه حدثه أن أبا جعفر ولى كلَّ ربع من المدينة قائداً يتولى الاستحثاث على الفراغ من بناء ذلك الرُّبِع . وذكر هارون بن زياد بن خالد بن الصلت ، قال : أخبرنى أبى ، قال : ولّى المنصور خالد بن الصلت النفقة على رُبع من أرباع المدينة وهى تبنى . قال خالد : فلما فرغتُ من بناء ذلك الرُّبع رفعت إليه جماعة النفقة عليه ، فحسبها بيده ، فبقى علىّ خمسة عشر درهماً ، فحبسنى بها فى حبس الشرقية أيامًا حتى أدّيتُها ، وكان اللبِن الذى صُنع لبناء المدينة اللبنة منها ذراع فى ذراع . وذكرٍ عن بعضهم أنه هدم من السور الذى يلى باب المحوّل قطعة فوجد فيها لبنة مكتوبًا عليها بمُغْرة وزنها مائة وسبعة عشر رطلاً . قال: فوزنَّاها فوجدناها على ما كان مكتوبًا عليها من الوزن . وكانت مقاصير جماعة من قوّاد أبى جعفر وكتابه تشرع أبوابها إلى رَحَبَة المسجد . وذكر عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق؛ خال الفضل بن الربيع، أنّ عيسى بن علىّ شكا إلى أبى جعفر، فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ إن المشى يشقّ علىّ من باب الرّحبة إلى القصر، وقد ضعفت. قال: فتحمل فى محفّة ، قال : إنى أستحيى من الناس ، قال : وهل بقى أحدٌ يستحيًا منه! قال : يا أمير المؤمنين ، فأنزلنى منزلة راوية من الروايا ، قال : وهل يدخل المدينة راوية أو راكب ؟ قال : فأمر الناس بتحويل أبوابهم إلى فُصْلان الطاقات؛ فكان لا يدخل الرّحبة أحد إلاّ ماشيًا. قال: ولمّا أمر المنصور بسدِّ الأبواب ممّا يلى الرحبة وفتحها إلى الفُصْلان صيرت الأسواق فى طاقات المدينة الأربع ، ٣٢٣/٣ ٦٥٣ سنة ١٤٦ فى كلّ واحد سوق ، فلم تزل على ذلك مدّة حتى قدم عليه بِطْريق من بطارقة الرُّوم وافداً ، فأمر الرّبيعَ أن يطوف به فى المدينة وما حولها ليرى العمران والبناء ، فطاف به الرّبيع، فلمّا انصرف قال : كيف رأيتَ مدينتى - وقد كان أصعد إلى سور المدينة وقباب الأبواب ؟ قال : رأيتُ بناء حسناً ؛ إلّ أنى قد رأيتُ أعداءك معك فى مدينتك (١)، قال: ومَنْ هم؟ قال: السوقة، قال : فأضبّ عليها أبو جعفر ، فلما انصرف البطريق أمر بإخراج السوق من المدينة ، وتقدّم إلى إبراهيم بن حُبيش الكوفىّ، وضمّ إليه جوّاس بن المسيَّب اليمانىّ مولاه، وأمرهما أن يبنيا الأسواق ناحية الكرخ ، ويجعلاها صفوفًا وبيوتًا لكل صنف ؛ وأن يدفعاها إلى الناس . فلما فعلا ذلك حوّل السوق من المدينة إليها ، ووضع عليهم الغلة على قدر الذَّرْع(٢) ؛ فلما كثر الناس بنوا فى مواضع من الأسواق لم يكن(٣) رغب فى البناء فيها إبراهيم بن حبيش وجوّاس، لأنها لم تكن على تقديم الصُّفوف من أموالهم ؛ فألزموا من الغلة أقلّ مما ألزم الذين نزلوا فى بناء السلطان . ٣ /٣٢٤ وذكر بعضهم أن السبب فى نقل أبى جعفر التجار من المدينة إلى الكَرْخ وما قرب منها مما هو خارج المدينة، أنه قيل لأبى جعفر : إنّ الغرباء وغيرهم يبيتون فيها ، ولا يؤمن أن يكون فيهم جَوَاسيس ، ومَنْ يتعرّف الأخبار ، أو أن يفتح أبواب المدينة ليلاً لموضع السوق ، فأمر بإخراج السوق من المدينة وجعلها للشُّرَط والحرس، وبنى للتجاربباب طاق الحرَّانىّ وباب الشأم والكرخ. وُذُكِرٍ عن الفضل بن سليمان الهاشمىّ، عن أبيه ، أنّ سبب نقله الأسواق من مدينة السلام ومدينة الشرقيّة إلى باب الكَرْخ وباب الشعير وباب المحوّل؛ أنّ رجلاً كان يقال له أبو زكرياء يحيى بن عبد الله، ولا ه المنصور حسْبة بغداد والأسواق سنة سبع وخمسين ومائة ، والسوق فى المدينة ؛ وكان المنصور يتبع مَنْ خرج مع محمد ولبراهيم ابنى عبد الله بن حسن ، وقد كان لهذا المحتسب معهم سبب ، فجمع على المنصور جماعة استغواهم من السفلة ، فشغَبوا واجتمعوا ، فأرسل المنصور إليهم أبا العباس الطوسىّ فسكّنهم ، وأخذ (٣) ج: ((ولم يكن)). (١) ب: ((بيتك)). (٢) ج: ((الذراع)) ٦٥٤ سنة ١٤٦ أبا زكرياء فحبسه عنده ، فأمره أبو جعفر بقتله ، فقتله بيده حاجبٌ كان لأبى العباس الطوسىّ يقال له موسى، على باب الذهب فى الرّحبة بأمر المنصور، وأمر أبو جعفر بهدم ما شَخَص من الدُّور فى طريق المدينة ، ووضع الطريق على مقدار أربعين ذراعاً، وهدم ما زاد على ذلك المقدار ، وأمر بنقل الأسواق إلى الكرْخ . وذكر عن أبى جعفر أنه لما أمر بإخراج التجار من المدينة إلى الكَرْخ كلمه أبان بن صّدقة فى بقال ، فأجابه إليه على ألّ يبيع إلا الخلّ والبقْل وحده، ثم أمر أن يجعل فى كلّ رُبع بقّال واحد على ذلك المثال. وذكر عن علىّ بن محمد أن الفضل بن الربيع ، حدّثه أن المنصورلما فرغ من بناء قصره بالمدينة ، دخله فطاف فيه ، واستحسنه واستنظفه ، وأعجبه ما رأى فيه ؛ غير أنه استكثر ما أنفق عليه . قال : ونظر إلى موضع فيه استحسنه جدًّا، فقال لى: اخرج إلى الرَّبيع فقل له: اخرج إلى المسيّب، فقل له: يحضرنى الساعه بنَّاء فارهًا. قال: فخرجتُ إلى المسيّب فأخبرته، فبعث إلی رئیس البنائین فدعاه ، فأدخله على أبى جعفر، فلمّا وقف بين يديه قال له : كيف عملت لأصحابنا فى هذا القصر ؟ وكم أخذت من الأجرة لكل ألف آجُرَّة ولِنة؟ فبقى البنّاء لا يقدر على أن يُرُدّ عليه شيئًا، فخافه المسيّب، فقال له المنصور: مالك لا تكلّمُ! فقال: لا علم لى يا أمير المؤمنين، قال : ويحك! قل وأنت آمن مِنْ كلّ ما تخافه . قال: يا أمير المؤمنين، لا والله ما أقف عليه ولا أعلمه. قال: فأخذ بيده، وقال له: تعال، لا علّمك الله خيراً ! وأدخله الحجرة التى استحسنها ، فأراه مجلسًاً كان فيها ، فقال له : انظر إلى هذا المجلس وابْنٍ لى بإزائه طاقًا يكون شبيهاً بالبيت ، لا تدخل فيه خشبًا ، قال : نعم يا أمير المؤمنين، قال : فأقبل البنَّاءُ وكل مَنْ معه يتعجّبون من فهمه بالبناء والهندسة، فقال له البنّاء: ما أحْسِنُ أن أجىء بهعلى ٣٢٦/٣ هذا، ولا أقوم به على الذى تريد ! فقال له : فأنا أعينك عليه، قال : فأمر بالآجرّ والحِصّ، فجىء به، ثم أقبل يحصى جميع ما دخل فى بناء الطاق من الآجُرّ والحص" ؛ ولم يزل كذلك حتى فرغ منه فى يومه وبعض اليوم الثانى، ٣٢٥/٣ ٦٥٥ سنة ١٤٦ فدعا بالمسيّب ، فقال له: ادفع إليه أجْره على حسب ما عمل معك(١)، قال : فحاسبه المسيّب ، فأصابه خمسة دراهم ؛ فاستكثر ذلك المنصور ، وقال : لا أرضى بذلك ؛ فلم يزل به حتى نقصه درهمًا ، ثم أخذ المقادير ، ونظر مقدار الطاق من الحجرة حتى عرفه، ثم أخذ الوكلاء والمسيّب بحملان(٢) النفقات ، وأخذ معه الأمناء من البنائين والمهندسين حتى عرّفوه قيمة ذلك ؛ فلم يزل يحسبه شيئًا شيئًا ، وحملهم على ما رفع فى أجرة بناء الطاق ؛ فخرج على المسيّب مما فى يده ستة آلاف درهم ونيّف ، فأخذه بها واعتقله، فما برح من القصر حتى أدّاها إليه . وذكر عن عيسى بن المنصور أنه قال : وجدتُ فى خزائن أبى المنصور فى الكتب، أنه أنفق على مدينة السلام وجامعها وقصر الذهب بها والأسواق والفُصلان والخنادق وقبابها وأبوابها أربعة آلاف ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثين درهمًا ، ومبلغها من الفلوس مائة ألف ألف فَلْس وثلاثة وعشرون ألف فَلْس؛ وذلك أن الأستاذ من البنّائين كان يعمل يومه بقيراط فضّة ، والروزكارى بحبّتين إلى ثلاث حبّات . ٠ ٠ * ٣٢٧/٣ [ذكر الخبر عن عزل سلم بن قتيبة عن البصرة ] وفى هذه السنة عزل المنصور عن البصرة سلم بن قتيبة ، وولا ها محمد بن سليمان بن علىّ . ذكر الخبر عن سبب عزله إياه : ذكر عبد الملك بن شيبان أنّ يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمىّ ، قال : كتب أبو جعفر إلى سلْ بن قتيبة لما ولاه البصرة : أما بعد ، فاهدم دور مَنْ خرج مع إبراهيم ، واعقِرِ نخلَهم . فكتب إليه سلم : بأىّ ذلك أبدأ؟ أبالدور أم بالنخل؟ فكتب إليه أبو جعفر : أما بعد، فقد كتبتُ. إليك آمرك بإفساد تمرهم، فكتبتَ تستأذننى فى أيّة تبدأ به بالبَرْنىّ (١) ج: ((لك)). (٢) ج: ((بحساب)). ٦٥٦ سنة ١٤٦ . أم بالشهريز (١)! وعزله وولّى محمد بن سليمان، فقدم فعات. وذكر عن يونس بن نجدة ، قال : قدم علينا سَلْم بن قتيبة أميراً بعد الهزيمة وعلى شُرطه أبو برقة يزيد بن سلْ، فأقام بها سلمْ أشهراً خمسة ، ثم عزِل ، وولّىّ علينا محمد بن سليمان . قال عبد الملكبن شیبان : هدم محمد بن سلمان لما قدم دار يعقوب بن الفضل، ودار أبى مَرْوان فى بنى يشكُر، ودار عون بن مالك، ودار عبد الواحد ابن زياد، ودار الخليل بن الحصين فى بنى عدىّ، ودار عفو الله بن سفيان؛ وعَفَر نخلهم . ٠ ٠ وغزا الصّائفة فى هذه السنة جعفر بن حنظلة البهرانىّ. وفى هذه السنة ◌ُعُزل عن المدينة عبد الله بن الربيع، ووُلىَ مكانه جعفر ابن سليمان، فقدمها فى شهر ربيع الأول وعزل أيضًا فى هذه السنة عن مكة السرىّ بن عبد الله، ووليها عبد الصمد ابن علىّ . ٣٢٨/٣ وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس ، كذلك قال محمد بن عمر وغيره . ثم الجزء السابع من تاريخ الطبرى ويلبه الجزء الثامن ، وأوله : ذكر حوادث سنة سبع وأربعين ومائة (١) البرنى: ضرب من النمر أصفر، مدور؛ وهو أجود التمر، واحده برنية . والشهريز: ضرب من التمر أيضاً، فارسى معرب ، ذكره صاحب المعرب ، ولم يذكر وصفه . ٦٥٧ فهرس الموضوعات السنة الرابعة بعد المائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ٧ ٠ ٧ - ١٢ ذكر الوقعة بين الحرشىّ والسُّغْد. ذكر الخبر عن سبب عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن ١٢ - ١٤ . ابن الضحاك عن المدينة وما كان ولآه من الأعمال ١٤، ١٥ أخبار متفرقة . ذكر الخبر عن سبب عزل عمربن هبيرة سعيدَ بن عمرو الحرشى ١٥ - ٢٠ عن خراسان ٠ ٢٠ السنة الخامسة بعد المائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خبر موت يزيد بن عبد الملك . ٢٥ أخبار متفرقة. . ٢٦ - ٢٨ السنة السادسة بعد المائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث. ذكر الخبر عن الحرب بين اليمانية والمضرية خبر غزو مسلم بن سعيد الترك . ٢٩ ٣٠ - ٣٢ ٣٢ - ٣٥ ٢١ ٢١ ، ٢٢ ذ کر بعض سيره واموره خلافة هشام بن عبد الملك ٢٥ ، ٢٦ ذكر ولاية خالد القسرىّ على العراق # ٢٢ - ٢٤ أخبار متفرقة * ٦٥٨ حج هشام بن عبد الملك . . ية أسد بن عبد الله القسرى على خراسان أخبار متفرقة. ٣٥ - ٣٧ . ٣٧ - ٣٩ ٣٩ السنة السابعة بعد المائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث . ٤٠ غز والغور . ٠ ٠ . . ٤٠، ٤١ أخبار متفرقة . ٠ # # السنة الثامنة بعد المائة ذكر ما كان فيها من الأحداث . ٠ ٤٣ ٠ غزو الختّل . ٤٣ - ٤٥ أخبار متفرقة. ٤٥ # السنة التاسعة بعد المائة ذكر الأحداث التى كانت فيها . ٤٦ . خبر مقتل عمر بن يزيد الأسيدى غزو غورین. ت ٤٦، ٤٧ ٠ ذكر الخبر عن عزل هشام خالداً القسريّ وأخاه عن خراسان ٤٧ - ٤٩ ٠ ذكر الخبر عن دعاة بنى العباس. . ٤٩ - ٥١ ٠ ولاية أشرس بن عبد اللّه على خراسان . ٥١ - ٥٣ . أخبار متفرقة . ٥٣ .. * · ٤٦ ١ السنة العاشرة بعد المائة ذكر ما كان فيها من الأحداث . . ٥٤ : · . ٤١ ، ٤٢ ٠ 1 ٦٥٩ ذكر الخبر عما كان من أمر أشرس وأمر أهل سمرقند ومن وليهم ٥٤ - ٦٠ . فى ذلك. ٦٠ - ٦٦ ذكر وقعة كمرجة ٠ ٦٦ ٠ ٠ ذكر ردّة أهل كردر ٠ . أخبار متفرقة . ٦٦ السنة الحادية عشرة بعد المائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث . . . ٦٧ ذكر السبب الذى من أجله عزل هشام أشرس عن خراسان واستعماله الجنيد ٠ · ٦٩ ٠ ٦٧ - ٦٩ . أخبار متفرقة. # السنة الثانية عشرة بعد المائة ذكر ما كان فيها من الأحداث ٧٠ ٠ ذكر خبر قتل الجراح الحكمىّ . ٧٠، ٧١ ٠ ٠ ذكر وقعة الجنيد مع الترك ٧١ - ٧٥ . ذكر الخبر عن مقتل سورة بن الحرّ ٧٥ - ٨٧ ۔ أخبار متفرقة. ٠ ٨٧ # السنة الثالثة عشرة بعد المائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث. ٨٨ . قتل عبد الوهاب بن بخت ٨٨ أخبار متفرقة . ٨٨ ، ٨٩ ٦٦٠ السنة الرابعة عشرة بعد المائة ٩٠ ذ کر الأخبار عن الأحداث التی کانت فيها ٩٠ ،٩١ أخبار متفرقة . السنة الخامسة عشرة بعد المائة ذكر الأخبار عما كان فيها من الأحداث ٩٢ السنة السادسة عشرة بعد المائة ذكر ما كان فيها من الأحداث . ٩٣ ٩٣ ، ٩٤ وفاة الجنيد بن عبدالرحمن وولاية عاصم بن عبدالله خراسان . ٩٤ - ٩٨ ذ کر خلع الحارث بن سریج ٩٨ أخبار متفرقة. السنة السابعة عشرة بعد المائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث . ٩٩ ٩٩ - ١٠٧ ذکر الخبر عنسبب عزل هشام عاصاً وتولیته خالداً على خراسان أخبار متفرقة. ١٠٧ أمر أسد بن عبد اللّه مع دعاة بنى العباس ١٠٧، ١٠٨ السنة الثامنة عشرة بعد المائة ذكر الخبر عما كان فى هذه السنة من الأحداث ... ١٠٩ . ولا یة عمار بن یزید علی شیعة بنى العباس بخراسان ١٠٩ . ذكر ما كان من الحارث بن سريج مع أصحابه ١٠٩ - ١١١