النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
سنة ١٤٥
رومىّ ، ويقتل أخوه لأبيه وأمه بالعراق وحوافر فرسه فى ماء .
حدثنى عيسى ، عن أبيه ، قال : خرج مع محمد حمزة بن عبد الله بن
محمد بن علىّ- وكان عمه جعفر ينهاه ؛ وكان من أشدّ الناس مع محمّد -
قال : فكان جعفر يقول له : هو واللّه مقتول ، قال : فتنحى جعفر .
حدّثنى عيسى ، قال : حدّثنا ابنُ أبى الكرام ، قال : بعثنى عيسى
برأس محمد ، وبعث معى مائة من الجند ، قال : فجئنا حتى إذا أشرفنا
على النّجَف كبّرنا - قال : وعامر بن إسماعيل يومئذ بواسط محاصر هارون
ابن سعد العجلىّ - فقال أبو جعفر للربيع: ويحك! ما هذا التكبير! قال :
هذا ابن أبى الكرام ، جاء برأس محمد بن عبد الله ، قال : ائذن له ولعشرة
محمّن معه ، قال : فأذن لى ، فوضعتُ الرأس بين يديه فى ترس ، فقال: من
قُتل معه من أهل بيته ؟ قلتُ : لا والله ولا إنسان ، قال : سبحان الله! هو
ذاك . قال: فرفع رأسَه إلى الربيع، فقال: ما أخبرنا صاحبه الذى كان قبله ؟
قال الربيع : زعم أنه قتل منهم عدد كثير ، قلت : لا والله ولا واحد .
حدثنى علىّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم ، قال : لما قدم برأس محمد
على أبى جعفر وهو بالكوفة ، أمر به فطيف فى طَبق أبيض ، فرأيته آدم
أرْقَط ، فلما أمسى من يومه بعث به إلى الآفاق .
وحدثنى عبد الله بن عمر بن حبيب من أهل يتَنْبُع، قال: لما أَ تِىَ أبوجعفر
برءوس بنى شجاع، قال: هكذا فليكن الناس ، طلبتُ محمدًا فاشتمل هؤلاء
عليه ، ثم نقلوه وانتقلوا معه ، ثم قاتلوا معه فصبروا حتى قتلوا .
٢٥٥/٣
قال عمر : أنشدنى عيسى بن إبراهيم وإبراهيم بن مصعب بن ◌ُمارة بن
حمزة بن مصعب ، ومحمد بن يحيى ومحمد بن الحسن بن زبالة وغيرهم لعبد الله
ابن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يرثى محمداً:
تبكى مُدلّه أَن تقنَّص حَبْلَهُمْ
عِيسى وَأَقْصَدَ صائبًا عثمانا (١)
(١) بعدها فى ت : يعنى بعيسى بن حصين وعثمان بن محمد بن خالد بن الزبير)).
مے

٦٠٢
سنة ١٤٥
هَلَّا على المَهْدِىّ وابنَىْ مُصْعَبٍ
ولفَقْدِ إبراهيمَ حينَ تَصدَّعَتْ
سالَتْ دمُوعك ضَلَّةً قَدْ هِجْتَ لى
والله ما وَلَدَ الحواضنُ مثلَهم
وأَشَدَّ ناهِضَةً وَقْوَلَ لِلَّتِى
فهناك لو فَقَّأْتَ غير مُشَوَّهٍ
رُزْءٌ لَعَمْرُكَ لو يُصابُ بمثله
وقال ابن مصعب :
أَذْرَيْتَ دَمْعَك ساكبًا تَهتانا !
عنه الجُمُوعُ فَوَاجَةَ الأَفْرانا
بُرَحَاءَ وَجْدٍ تَبْعَثُ الأَحزَانا
أَمْضَى وأَرفَعَ مَحْتِدًا ومكانا
تَنْفِى مَصادرُ عَدْلها البهتانا
عَيْنَيْك من جزع عذرتَ علانا
مِبْطانُ صَدَّع رُزْوُّه مُبْطانا
يا صاحبَىَّ دَعَا المَلامة وَاعْلِما أَن لِسْتُ فى هذا بأَلْوَمَ منكما
لا بأُسَ أَن تَقِفا به فتُسَلِّما
وَقِفَا بقبر ابن النبىّ فَسلِّما
قبرٌ تَضَمَّنَ خَيْرَ أَهْلِ زَمانه
رجلٌ نفى بالعَدْلِ جَوْرَ بِلادِنا
لم يَجْتَنِبْ قَصْدَ السبيل ولم يَجُرْ
لو أَعْظَمَ الحَدَثان شيئًا قبله
أَو كان أَمْتَع بالسلامة قبلَه
ضحَّا بإِبراهيمَ خيرَ ضَحِيَّةٍ
بطلاً يخوضُ بنفسه غمراتِها
حتى مضَت فيه السُّيوفُ ورُبَّما
أَضحى بنو حَسَن أَبِيحَ حَرِيمُهُمْ
ونساوُّهم فى دورمِنّ نوائح
يتوسَّلون بقتلهم وَيَرَوْنَه
والله لو شهد النبىُّ محمّدٌ
حَسَبًا وطيْبَ سجيّةٍ وتكرُّما
وعفا عظيماتِ الأُمور وأَنعَما
عنه، ولم يفتح بفاحشةٍ فما
بعد النبىّ به لكنتَ المعظَما
أَحدًا لكان قصارُه أَن يسلَما
فتصرَّمت أَيامُه وتصرًّا
لا طائشًا رَعَشَّا ولا مُسْتَسْلما
كانت حُتُوفُهُمُ السيوف ورُبّما
فينا وأَصْبحَ نهُهِمْ مَتَقَسَّما
سَجْعَ الحمامِ إِذا الحَمامُ ترنّما
شَرَفًا لهم عند الإِمام ومَغْنَمَا
صلّ الإِله على النبىّ وسلّما
٢٥٦/٣

٦٠٣
سنة ١٤٥
حتى تقطَّ من ظُبَاتِهُمُ دما
إِشْراعَ أُمَّتِهِ الأَسَنَّةَ لابْنِه
حَقًّا لِأَيْقَنَ أَنِّهم قد ضَيَّعوا تلك القرابةَ واستحلّوا المحرَما
وحدثنى إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم ، قال : حدثنى موسى بن عبد الله
٠
"ابن حسن، قال : خرجتُ من منازلنا بسويقة فى الليل، وذلك قبل مُخرَج محمد
ابن عبد الله؛ فإذا بنسوة كأنما خرجْن من ديارنا؛ فأخذتْى عليهنّ غَيْرة،
فإنى لأتبعهنّ أنظر أين يَرَدْنَ؛ حتى إذا كنّ بطرف الحميراء من جانب
الغَرْس (١)؛ التفتت إلىّ إحداهنّ ، فقالت:
٢٥٧/٣
سُوَيْقَةُ بَعْدَ ساكنها يَبَابُ لقد أَمستْ أَجَدَّ بها الخرابُ
فعرفتُ أنهنّ من ساكنى الأرض ، فرجعت .
وحدّنى عيسى ، قال: لما قتَل عيسى بن موسى محمداً قبض أموال".
بنى حسن كلَّها ، فأجاز ذلك أبو جعفر .
وحدثنى أيوب بن عمر ، قال : لقىَ جعفر بن محمد أبا جعفر ، فقال :
يا أمير المؤمنين، رُدّ علىَّ قطيعتى عين أبى زياد آكل من سَعفها، قال: إياى
تكلم بهذا الكلام! والله لأزهِقِنَّ نفسَك. قال: فلا تعجلْ علىّ؛ قد بلغت
ثلاثاً وستين ، وفيها مات أبى وجدّى علىّ بن أبى طالب ؛ وعلىّ كذا وكذا
إن ربتُك بشىء أبداً، وإن بقيتُ بعدك إن رِبْت الذى يقوم بعدك . قال :
فرقّ له وأعفاه .
وحدثنى هشام بن إبراهيم بن هشام بن راشد، قال: لم يَرُدّ أبو جعفر
عينَ أبى زياد حتى مات فردّها المهدىّ على ولده .
وحدّثنى هشام بن إبراهيم ، قال: لما قُتِل محمد أمر أبو جعفر بالبحر
فأقفل على أهل المدينة ، فلم يحمَل إليهم من ناحية البحار شىء ؛ حتى كان
المهدىّ فأمر بالبحر ففتح لهم ، وأذن فى الجمل .
وحدثنى محمد بن جعفربن إبراهيم، قال: حدّثتْنى أمّى أمّ سلمة بنت
(١) ب: ((القرش))، ج: ((العرش)).
٠

٦٠٤
سنة ١٤٥
محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر زوجة موسى بن
عبد الله ، قالت : خاصم بنو المخز ومية عیسی وسلمان وإدريس بنو عبد الله بن
٢٥٨/٣ حسن بن محمد بن عبد الله بن حسن فى ميراث عبد الله، وقالوا: قُتل أبوكم
محمّد فورثه عبد اللّه ؛ فتنازعوا إلى الحسن بن زيد؛ فكتب بذلك إلى
أمیر المؤمنین أبىجعفر ، فکتبإلیه : أما بعد ؛ فإذا بلغك کتابیهذا فورًّتهم من
جدّهم ، فإنى قد رددت عليهم أموالهم صلةً لأرحامهم ، وحفظاً لقَرابتهم .
وحدثنى عيسى ، قال : خرج مع محمد من بنى هاشم الحسن ويزيد
وصالح بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ، وحسين وعيسى
ابنا زيد بن علىّ بن حسين بن علىّ بن أبى طالب ؛ قال : فحدّثّنى عيسى،
قال : بلغنى أن أبا جعفر كان يقول : واعجبًا لخروج ابنى زيد بن علىّ وقد
قتلنا قاتل أبيهما كما قتله ، وصلبناه كما صلبه ، وأحرقناه كما أحرقه ، وحمزة
ابن عبد الله بن محمد بن علىّ بن حسين بن أبى طالب، وعلىّ وزيد ابنا حسن
ابن زيد بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب !
قال عيسى : قال أبو جعفر للحسن بن زيد : كأنى أنظر إلى ابنيك
واقفيْن على رأس محمد بسيفيْن ، عليهما قباءان . قال: يا أمير المؤمنين ، قد
كنت أشكو إليك عقوقهما قبل اليوم ، قال : أجل فهذا من ذاك . والقاسم
ابن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، والمرجّى علىّ بن جعفر بن
إسحاق بن علىّ بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب قال عيسى : قال
أبو جعفر لجعفر بن إسحاق: مَن المرجَى هذا؟ فعل الله به وفعل ! قال :
٢٥٩/٣ يا أمير المؤمنين؛ ذلك ابنى، والله لئن شئت أن أنتفى منه لأفعلنّ. ومن بنى
عبد شمس محمد بن عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبدشمس .
قال : وحدثنى أبو عاصم النّبيل ، قال : حدثنى عبّاد بن كثير، قال:
خرج ابن عجلان مع محمد، وكان على ثقله(١)، فلما ولى جعفر بن سليمان المدينة
قيّده، فدخلت عليه، فقلت: كيف ترى رأى أهل البصرة فى رجل قيّد الحسن ؟
(١) ط: ((بغلة))، وما أثبته من ت.

٦٠٥
سنة ١٤٥
قال : سيئاً واللّه، قال: قلت: فإن ابن عجلان بهذه كالحسنْ ثُمَّ، فتركه .
ومحمد بن عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس .
وحد ثنى سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله، أنّ عبيد الله بن عمر
ابن حفص بن عاصم خرج معه ؛ فأتى به أبو جعفر بعد قتل محمد ، فقال
له : أنت الخارج علىّ مع محمد ؟ قال : لم أجد إلّ ذلك أو الكفر بما أنزل
الله على محمد صلى اللّه عليه وسلم، قال عمر: هذا (١) وهْمٌ.
قال : وحدثی عبد العزیز بن أبى سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ،
قال : كان عبيد اللّه قد أجاب محمداً إلى الخروج معه؛ فمات قبل أن يخرج ،
وخرج معه أبو بكربن عبد الله بن محمد بن أبى سَبْرة بن أبى رُهم بن عبدالعُزى
ابن أبى قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤىّ،
وخرج معه عبد الواحد بن أبى عون مولی الأزد وعبد الله بن جعفر بن عبدالرحمن
ابن المسور بن مخرمة وعبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدىّ وعبد الحميد بن جعفر
وعبد الله بن عطاء بن يعقوب مولى بنى سباع، وابن سباع من خُزاعة حليف
بنى زُهرة، وبنو إبراهيم وإسحاق وربيعة وجعفر وعبد الله وعطاء ويعقوب وعمان
وعبد العزيز؛ بنو عبد الله بن عطاء .
٢٦٠/٣
وحدثنى إبراهيم بن مُصعب بن ◌ُمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير .
قال: وحدّثَنِى الزُّبير بن خُبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزُّبير ، قال :
إنا لبالمُرّ من بطن إضَ ، وعندى زوجتى أمينة بنت خضير ؛ إذ مرّ بنا
رجل مصعد من المدينة ، فقالت له : ما فعل محمد؟ قال: قُتِل ، قالت :
فما فعل ابن خُضير ؟ قال : قتل ، فخرّت ساجدة ، فقلت : أتسجدين أنْ
قُتِل أخوك! قالت: نعم ، أليس لم يفِرّ ولم يُؤْسَر!
قال عيسى : حدثنى أبى، قال : قال أبو جعفر لعيسى بن موسى :
مَن استنصر مع محمد؟ قال: آل الزبير، قال: ومَنْ؟ قال : وآل
(١) ت: ((وهذا)).

٦٠٦
سنة ١٤٥
عمر ، قال: أما والله لعن غير مودّة بهما له ولا محبّة له ولا لأهل بيته . قال:
وكان أبو جعفر يقول : لو وجدتُ ألفًا من آل الزّبير كلهم محسن وفيهم
مسىء واحدٌ لقتلتهم جميعاً، ولو وجدت ألفًا من آل عمر كلهم مسىء
وفيهم مُحسِنٌ واحد لأعفيتُهم جميعاً .
قال عمر: وحدثنى إبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب ،
قال : حدثنى محمد بن عثمان بن محمد بن خالد بن الزّبير ، قال: لما قُتِل
٢٦١/٣ محمد، هرب أبى وموسى بن عبدالله بن حسن وأنا معهما وأبو هبّار المزنىّ ، فأتينا
مكة ، ثم انحدرنا إلى البصرة ، فا کترینا من رجل يدعی حکیماً ، فلما وردنا
البصرة - وذلك بعد ثلث (١) الليل - وجدنا الدُّروب مغلقة ، فجلسنا عندها
حتى طلع الفجر ؛ ثم دخلنا فنزلنا المِرْبَد ، فلما أصبحنا أرسلنا حكيماً يبتاع
لنا طعامًا ؛ فجاء به على رجل أسود ، فى رجله حديدة ، فدخل به علينا فأعطاه
جُعْله ، فتسخّط علينا ، فقلنا : زده ، فتسخّط ، فقلنا له: ويلك ! أضعف
له ، فأبى، فاستراب بنا، وجعل يتصفّح وجوهنا. ثم خرج فلم ننشَب أن أحاطت
بمنزلنا الخيل ، فقلنا لربّة المنزل : ما بال الخيل؟ فقالت: لا بأس فيها (٢)،
تطلب رجلا من بنى سَعْد يدعى ◌ُنميلة بن مُرّة، كان خرج مع إبراهيم.
قال : فوالله ما راعنا إلّ بالأسود قد دُخل به علينا، قد غطى رأسه ووجهه .
فلما ◌ُدخِل به كُشف عنه ، ثم قيل : أهؤلاء ؟ قال : نعم هؤلاء ؛ هذا
موسى بن عبد الله، وهذا عثمان بن محمد، وهذا ابنه ؛ ولا أعرف الرابعَ غير
أنه من أصحابهم . قال : فأخِذْنَا جميعًا، فدخل بنا على محمد بن سليمان
فلما نظر إلينا أقبل على موسى ، فقال : لا وصل الله رحمك! أتركتَ البلاد
جميعًا وجئتنى! فإمّا أطلقتُك فتعرّضتُ لأمير المؤمنين، وإمّا أخذتُك فقطعت
رَحمِك. ثم كتب إلى أمير المؤمنين بخبرنا (٣) . قال: فجاء الجواب أن
احملهم إلىّ، فوُجّهنا إليه ومعنا جند ، فلما صرنا بالبطيحة وجدنا بها جُنْدًا
آخر ينتظروننا ؛ ثم لم نزلْ نأتى على المسالح من الجُنْد فى طريقنا كله ، حتى
(١) ج: ((ثلاث ليال)).
(٢) ت، ج: ((منها)).
(٣) كذا فى ت، وهو الصواب، وفى ط: ((وحددنا ))

٦٠٧
سنة ١٤٥
٢٦٢/٣
وردنا بغداد ، فدخل بنا على أبى جعفر ، فلما نظر إلى أبى قال : هِيه !
أخرجتَ علىّ مع محمد! قال : قد كان ذاك ؛ فأغلظ له أبو جعفر ؛ فراجعه
مليًا ، ثم أمر به فضُربت عنقه . ثم أمر بموسى فضُرِب بالسياط ، ثم أمر بى
فقُرّبت إليه ، فقال : اذهبوا به فأقيموه على رأس أبيه ؛ فإذا نظر إليه فاضربوا
عنقه على جيفته. قال: فكلمه عيسى بن علىّ، وقال: والله ما أحسبه بلغ؛
فقلت : يا أميرَ المؤمنين ، كنتُ غلاماً حدثاً غِرًّا أمرنى أبى فأطعتُه، قال:
فأمر بى فضُربتُ خمسين سوطًا ، ثم حبسنى فى المطبق وفيه يومئذ يعقوب بن
داود ، فكان خير رفيق أرافقه وأعطفه ، يُطعمنى من طعامه، ويسقينى من شرابه،
فلم نزل كذلك حتى تُوفِّىَ أبو جعفر ، وقام المهدىّ وأخرج يعقوب، فكلمه
فى فأخرجى .
قال : وحد ثنى أيوب بن عمر ، قال : حدثنى محمد بن خالد ، قال :
أخبرنى محمد بن عروة بن هشام بن عروة ، قال : إنى لعند أبى جعفر ، إذْ
أتی فقيل له: هذا عثمان بن محمد بن خالد قد دُخِل به ، فلما رآه أبو جعفر ،
قال : أين المال الذى عندك؟ قال : دفعته إلى أمير المؤمنين رحمه الله، قال :
ومَنْ أمير المؤمنين؟ قال: محمد بن عبد اللّه، قال: أبايعته (١) ؟ قال: نعم
كما بايعتّه، قال: يابن اللخناء! قال: ذاك مَنْ قامت عنه الإماء ، قال :
اضرب عنقه ، قال : فأخذ (٢) فضربت عنقه .
قال : وحدثنى سعيد بن عبد الحميد بن جعفر ، قال : حدثنى محمد
ابن عثمان بن خالد الزُّبيرىّ ، قال: لما خرج محمد خرج معه رجلٌ من
آل كثير بن الصلت، فلما قتِل وهُزم أصحابه تغيّبوا؛ فكان أبى والكثيرىّ
فيمن تغيّب ، فلبثوا بذلك ؛ حتى قدم جعفر بن سليمان واليًا على المدينة ،
فاشتدّ فى طلب أصحاب محمد ، فاكترى أبى من الكثيرىّ إبلاً كانت له ،
فخرجنا متوجّهين نحو البصرة ؛ وبلغ الخبر جعفراً ، فكتب إلى أخيه محمد
يعلمه بتوجّهنا إلى البصرة ، ويأمره بالترصّد لنا والتيقظ لأمرنا ومقدمنا ، فلما.
قدمنا علم محمد بمقدمنا ومكاننا ، فأرسل إلينا فأخذنا ، فأتىَ بنا ، فأقبل عليه
٢٦٣/٣
(١) ت: ((أتابعته)).
(٢) كذا فى ت، وفى ط: ((فأخر)).

٦٠٨
سنة ١٤٥
أبى، فقال: يا هذا، اتّق اللّه فى كَرِيّنا(١) هذا؛ فإنه أعرابىّ لا علم له بنا،
إنما أكْرانا ابتغاء الرزق ، ولو علم بجريرتنا ما فعل ؛ وأنت معرّضه لأبى جعفر ؛
وهو مَنْ قد علمت؛ فأنت قاتله ومتحمّل مأثمه. قال: فوَجَم محمد طويلا،
ثم قال : هو واللّه أبو جعفر، والله ما أتعرّض له، ثم حُمِلنا جميعًا فدخلنا
على أبى جعفر ؛ وليس عنده أحد يعرف الكثيرىّ غير الحسن بن زيد ، فأقبل
على الكثيرىّ ، فقال : يا عدوّ اللّه، أتكرِى عدوّ أمير المؤمنين، ثم تنقله
من بلد إلى بلد ، تواريه مرة وتظهره أخرى ! قال : يا أميرَ المؤمنين ، وما علمِى
بخبَرَه وجريرته وعداوته إياك! إنما أكرِيتُه جاهلا به ، ولا أحسبه إلّ رجلًاً
من المسلمين ، برى، الساحة ؛ سليم الناحية ؛ ولو علمت حاله لم أفعل .. قال :
وأكبّ الحسن بن زيد ينظر(٢) إلى الأرض، لا يرفع رأسه . قال: فأوعد أبو جعفر
الكثيرىّ وتهدده ، ثم أمر بإطلاقه ، فخرج فتغيّب ، ثم أقبل على أبى، فقال :
هيه يا عثمان! أنتَ الخارج على أمير المؤمنين، والمعينُ عليه (٣) ! قال: بايعتُ
أنا وأنت رجلاً بمكة ، فوَفَيتُ ببيعتى وغدرتَ ببيعتك. قال : فأمر به فضربت
عنقه .
٢٦٤/٣
قال : وحدّثنى عيسى ، قال : حدّثنى أبى ، قال : أتِىَ أبو جعفر
بعبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فنظر إليه فقال (٤):
إذا قتلتُ مثل هذا من قريش فمن أستبقى ! ثم أطلقه ، وأتِى بعثمان بن محمد
ابن خالد فقتله ، وأطلق ناساً من القرشيّين ، فقال له عيسى بن موسى :
يا أميرَ المؤمنين ، ما أشقى هذا بك من بينهم ! فقال : إن هذايدى (٥) .
قال : وحدّثّنى عيسى ، قال : سمعتُ حسن بن زيد يقول: غدوتُ
يومًا على أبى جعفر ؛ فإذا هو قد أمر بعمل دكان ، ثم أقام عليه خالداً .
وأتِىَ بعلىّ بن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، فأمر به فضُرِب خمسمائة
سوط.، ثم أتىَ بعبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع فأمر به فجُلِد
خمسمائة سوط ؛ فما تحرّك واحد منهما ، فقال لى : هل رأيتَ أصبر من
(١) الكرى : الذى يكريك دابته .
(٢) ج: ((فنظر)).
(٥) كذا فى ت، وفى ط: ((بيتي)).
(٣) ج: ((علينا)). (٤) ج: ((ثم قال)).

٦٠٩
سنة ١٤٥
هذين قطّ! والله إنا لنؤتى بالذين قد قاسوا غلظ المعيشة وكدّها، فما يصبرون
هذا الصبر، وهؤلاء أهل الخفض والكِنّ والنعمة، قلت : يا أميرَ المؤمنين،
هؤلاء قومك أهلُ الشرف والقَدْر، قال: فأعرض عنى، وقال: أبيتَ إلا
العصبية! ثم أعاد عبد العزيز بن إبراهيم بعد ذلك ليضربه ، فقال: يا أميرَ
المؤمنين ، اللّهَ اللّه فينا! فوالله إنى لمكبّ على وجهى منذ أربعين ليلة، ما صلّيتُ
لله صلاة! قال: أنتم صنعتم ذلك بأنفسكم ، قال: فأين العفو يا أمير المؤمنين ؟ ٢٦٥/٣
قال: فالعفو واللّه إذاً، ثم خلَى سبيله.
حدّثنى الحارث ، قال : حدّثنا ابنُ سعد، عن محمد بن عمر ، قال :
كثروا محمداً وألحّوا فى القتال حتى قتل محمد فى النصف من شهر رمضان
سنة خمسة وأربعين ومائة ، وحمل رأسه إلى عيسى بن موسى ، فدعا ابنَ
أبى الكرام ، فأراه إياه ، فعرّفه فسجد عيسى بن موسى ، ودخل المدينة ،
وآمن الناس كلهم . وكان مكث محمد بن عبد اللّه من حين ظهر إلى أن قتل
شهرين وسبعة عشر يوماً (١).
وفى هذه السنة : استخلف عيسى بن موسى على المدينة كثير بن حُصين
حين شخص عنها بعد مقتل محمد بن عبد الله بن حسن ؛ فمكث واليًا عليها
شهراً ، ثم قدم عبد الله بن الرّبيع الحارثى واليًا عليها من قِبَل أبى جعفر
"المنصور (٢) .
وفى هذه السنة ثارت السودان بالمدينة بعبد الله بن الربيع، فهرب منهم.
*
ذكر الخبر عن وثوب السودان
بالمدينة فى هذه السنة والسبب الذى هيّج ذلك
ذكر عمر بن شبة أن محمد بن يحيى حدثه، قال : حدثنى الحارث بن إسحاق،
قال: كان رياح بن عثمان استعمل أبابكر بن عبد الله بن أبى سبرة على صدقة أسد وطئ
فلما خرج محمد أقبل إليه أبو بكر بما كان جیا(٢) وشمرمعه، فلما استخلفعيسى كثير
(١) هذا الخبر ساقط من ت
(٢) إلى هنا ينتهى الموجود من نسخة ت .

٦١٠
سنة ١٤٥
٢٦٦/٣ ابن حصين على المدينة أخذ أبا بكر، فضربه سبعين سوطًا وحدّده وحبسه.
ثم قدم عبد الله بن الرّبيع واليًا من قِبَل أبى جعفر يوم السبت خمس بقين
من شوّال سنة خمس وأربعين ومائة ، فنازع جنده التجار فى بعض ما يشترونه
منهم ، فخرجت طائفة من التجار حتى جاءوا دار مَرْوان ، وفيها ابنُ الربيع ،
فشكوْا ذلك إليه، فنهرهم وشتمهم ، وطمع فيهم الجند ، فتزايدوا فى سوء الرأى .
قال : وحدثنى عمر بن راشد ، قال : انتهب الجند شيئًا من متاع السوق ،
وغدوْا على رجل من الصّرّافين يدعى عثمان بن زيد ، فغالبوه على كيسه ؛
فاستغاث، فخلّص ماله منهم ، فاجتمع رؤساء أهل المدينة فشكوْا ذلك إلى
ابن الربيع فلم ينكرْه ولم يغيّره، ثم جاء رجل من الجند فاشترى من جزّار
لحمًا يومَ الجمعة ، فأبى أن يعطيه ثمنه ، وشهر عليه السيف؛ فخرج عليه
الجزّار من تحتِ الوَضَ بشَفْرة ، فطعن بها خاصرَته ، فخرّ عن دابته ،
واعتوره(١) الجزّارون فقتلوه، وتنادى السودان عن الجند وهم يروحون إلى الجمعة
فقتلوهم بالعُمُد فى كلّ ناحية ، فلم يزالوا على ذلك حتى أمسوْا ؛ فلما كان
الغد هربّ ابن الربيع .
قال : وحدّثنى محمد بن يحيى ، قال : حدثنى الحارث بن إسحاق ،
قال : نفخ السودان فى بُوق لهم؛ فذكر لى بعضُ مَنْ كان فى العالية وبعض
مَنْ كان فى السافلة، أنه كان يرى الأسود من سكّانهما فى بعض عمله يسمع
نفْخَ البوق ، فيصغِى له حتى يتيقنه ثم يوحّش (٢) بما فى يده، ويأتم" الصوتَ
حتى يأتيه . قال: وذلك يوم الجمعة لسبع بقين من ذى الحجة من سنة خمس
وأربعين ومائة ، ورؤساء السودان ثلاثة نفر : وثيق ويعقل ورمقة . قال : فغدوا
على ابن الربيع ، والناس فى الجمعة فأعجلوهم عن الصّلاة ، وخرج إليهم
فاستطردُوا له ؛ حتى أتى السوق فمرَّ بمساكين خمسة يسألون فى طريق المسجد ،
فحمل عليهم بمَنْ معه حتى قتلوهم ، ثم مر بأصَيْبِيَّة على طّنّف دار ،
فظنّ أن القوم منهم ؛ فاستنزلهم واختدعهم وآمنهم ؛ فلما نزلوا ضرب
٢٦٧/٣
(١) ط: ((واعتوروه)).
(٢) ب: ((توجس).

٦١١
سنة١٤٥
أعناقهم ، ثم مضى ووقف (١) عند الحنّاطين، وحمل عليه السودانُ ، فأجلى
هاربًا فاتبعوه حتى صار إلى البقيع ، ورهقوه فنثر لهم دارهم ؛ فشغلهم بها،
ومضى على وجهه حتى نزل ببطن نَخْل ، عن ليلتين من المدينة .
قال: وحدّثنى عيسى ، قال : خرج السوّدان على ابن الربيع، ورؤساؤهم:
وثيق وحَدْيا وعُنقود وأبو قيس؛ فقاتلهم فهزموه ، فخرج حتى أتى بطْن
نَخْل فأقام بها .
وحدثنى عمر بن راشد ، قال: لما هربَ ابنُ الربيع وقع السودان فى طعام
لأبى جعفر من سَويق ودقيق وزْيت وقَسْب، فانتهبوه، فكان حِمْل الدّقيق
بدرهمين (٢)، وراوية زيت بأربعة دراهم .
وحدثنى محمد بن يحيى ، قال : حدّثنى الحارث بن إسحاق ، قال :
أغاروا على دار مَرْوان ودار يزيد ؛ وفيهما طعام كان حُمل للجنْد فى البحر ،
فلم يدّعوا فيهما شيئًا . قال: وشخص سليمان بن فُلَيَح بن سليمان فى ذلك
اليوم إلى أبى جعفر ، فقدم عليه فأخبره الخبر .
قال : وحدثنى محمد بن يحيى ، قال: حدثنى الحارث بن إسحاق ، ٢٦٨/٣
قال : وقتل السودان نفراً من الجُنْد ، فهابهم الجند حتى أن كان الفارس
ليلقى الأسود وما عليه إلا خِرْقَتان على عَوْرته ودُرّاعة، فيولِّيه ◌ُدُبُره احتقاراً
له ، ثم لم ينشب أن يشدّ عليه بعمود من مُمُد السوق فيقتله : فكانوا يقولون:
ما هؤلاء السودان إلا سحرة أو شياطين !
قال : وحدثنى عُثامة بن عمرو السهمىّ، قال : حدثنى المسوّر بن
عبد الملك ، قال : لما حبَس ابن الربيع أبا بكر بن أبى سَبْرة ، وكان جاء
بجباية طيّئ وأسد، فدفعها إلى محمد ، أشفق القرشيّون على ابن أبى سَبْرة ،
فلما خرج السودان على ابن الربيع ، خرج ابن أبى سَبْرة من السجن ، فخطب
الناس ، ودعاهم إلى الطاعة ، وصلّى بالناس حتى رجع ابن الربيع .
قال : وحدثنى محمد بن يحيى ، قال : حدّثنى الحارث بن إسحاق ،
(١) ب: ((فوقف)).
(٢) ج: ((بدرهم)).

٦١٢
سنة ١٤٥
قال : خَرج ابن أبى سَبْرة من السجْن والحديد عليه ، حتى أتى المسجد ،
فأرسل إلى محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما ، فاجتمعوا عنده ،
فقال: أنشدكم الله وهذه البليّة التى وقعت! فوالله لئن تمّتْ علينا عند
أمير المؤمنين بعد الفَعْلة الأولى، إنه لاصطلامُ البلد وأهله، والعبيدُ فى السوق
بأجمعهم ؛ فأنشدكم الله إلّ ذهبتم إليهم فكلمتموهم فى الرّجْعة والفيئة إلى
رأيكم، فإنهم لانظام لهم. ولم يقوموا بدعوة؛ وإنما هم قوم أخرجتهم الحميّة !
قال : فذهبوا إلى العبيد فكلموهم ، فقالوا: مرحبًا بكم يا موالينا ؛ واللّه
ما قمنا إلا أنفَةٌ لكم مما ◌ُمِل بكم، فأيدينا مع أيديكم وأمرُنا إليكم، فأقبلوا
بهم إلى المسجد .
٢٦٩/٣
وحدثنى محمد بن الحسن بن زَبالة ، قال : حدثنى الحسين بن مُصعب،
قال : لما خرج السودان وهرب ابن الرّبيع، جئتُهم أنا وجماعة معِى ، وقد
عسكروا فى السوق ، فسألناهم أن يتفرّقوا ، وأخبرناهم أنّا وإياهم لا نقوى على
ما نصبو له ، قال : فقال لنا وثيق : إنّ الأمر قد وقع بما ترْون؛ وهو غير
مبقٍ لنا ولا لكم، فدعونا نشفِكم ونشتفٍ أنفسنا، فأبينا ، ولم نزل بهم حتى تفرّقوا.
وحدثنى عمر بن راشد ، قال : كان رئيسهم وثيق وخليفته يعقل الجزّار .
قال: فدخل عليه ابنُ عمران، قال: إلى مَنْ تعهد يا وثيق ؟ قال: إلى أربعة
من بنى هاشم ، وأربعة من قُريش، وأربعة من الأنصار ، وأربعة من الموالى ؛
ثم الأمر شورى بينهم . قال : أسأل الله إن ولاك شيئًا من أمرنا أن يرزقنا
عدلك ، قال: قَدْ واللّه ولّ فيه الله.
قال : وحدثنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى الحارث بن إسحاق، قال :
حضر السودان المسجد مع ابن أبى سبْرة ، فرقِ المنبر فى حَبْل حدید حتی
استوى فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبعه محمد بن عمران ،
فكان تحته ، وتبعهم محمد بن عبد العزيز فكان تحتهما ، وتبعهم سليمان
ابن عبد الله بن أبى سَبْرة، فكان تحتهم جميعًا؛ وجعل الناس يلغطون
لغطًاً شديداً، وابن أبى سبرة جالسٌ صامتٌ . فقال ابن عمران :
أنا ذاهبٌ إلى السوق ، فانحدر وانحدر مَنْ دونه، وثبت ابن أبى سَبْرة ،

٦١٣
سنة ١٤٥
فتكلّم فحثّ على طاعة أمير المؤمنين ؛ وذكر أمر محمد بن عبد الله فأبلغ .
ومضى ابن عمران إلى السوق ، فقام على بَلاَسٍ من بُلُس الحنطة ، فتكلم
هناك ، فتراجع الناسُ؛ ولم يصلّ بالناس يومئذ إلا المؤذّن، فلما حضرت
العشاء الآخرة وقد ثاب الناس ، فاجتمع القرشيّون فى المقصورة، أقام الصلاة ٢٧٠/٣
محمد بن عمار المؤذّن ، الذى يلقب كساكس (١)، فقال للقرشيين: مَنْ
يصلّى بكم ؟ فلم يجبه أحدٌ ، فقال : ألا تسمعون ! فلم يجيبوه ، فقال : يابن
عمران ، ويابن فلان، فلم يجبه أحدٌ، فقام الأصبغ بن سفيان بن عاصم
ابن عبد العزيز بن مروان، فقال : أنا أصلى، فقام فى المقام ، فقال الناس :
استووا ، فلما استوت الصُّفوف أقبل عليهم بوجهِه ، ونادى بأعلى صوته :
ألا تسمعون! أنا الأصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، أصلِّی
بالناس على طاعة أبى جعفر ، فردّد ذلك مرتين أو ثلاثاً ، ثم كبّر فصلى ،
فلما أصبح الناس قال ابن أبى سبرة : إنه قد كان منكم بالأمس ما قد علمتم ؛
نهيتم ما فى دار عاملكم وطعامَ جند أمير المؤمنين ، فلا يبقينّ عند أحد منكم شىء
إلا ردّه ، فقد أقعدتُ لكم الحكم بن عبد الله بن المغيرة بن موهب ؛ فرفع
الناسُ إليه ما انتهبُوا ، فقيل : إنه أصاب قيمة ألف دينار .
وحدثنى عُثامة بن عمرو ، قال: حدثنى المسور بن عبد الملك، قال: التمر
القرشيّون أن يدعوا ابن الربيع يخرج ثم يكلموه فى استخلاف ابن أبى سَبْرة
على المدينة، ليتحدّل ما فى نفس أمير المؤمنين عليه ؛ فلما أخرجه السودان ،
قال له ابن عبد العزيز: أتخرج بغير وال استُخلف ! ولّها رجلاً، قال :
مَنْ؟ قال : قدامة بن موسى ، قال : فصيح بقدامة ، فدخل فجلس بين ابن
الربيع وبين ابن عبد العزيز ، فقال : ارجع يا قدامة، فقد وليتك المدينة
وأعمالها، قال: والله ما قال لك هذا مَنْ نصحك، ولا نتَظَر لمن وراءه،
ولا أراد إلاّ الفساد، ولاَ حقّ بهذا منى ومنه مَنْ قام بأمر الناس وهو جالسٌ ٢٧١/٣
فى بيته - يعنى ابن أبى سبرة - ارجع أيّها الرجل؛ فوالله ما لك عذر (٢) فى
الخروج ، فرجع ابن الربيع .
(١) ب: ((كشاكش)).
(٢) ب: ((عدو)).

٦١٤
سنة ١٤٥
قال وحدثنى محمد بن يحيى، قال : حدّثنى الحارث بن إسحاق، قال:
ركب ابن عبد العزيز فى نفر من قريش إلى ابن الربيع ، فناشدوه وهو ببطْن
نخل إلّ رجع إلى عمله ، فتأبَّى. قال : فخلا به ابن عبد العزيز ، فلم يزل
به حتی رجع وسکن الناس وهدءوا .
قال : وحدثنى عمر بن راشد ، قال : ركب إليه ابن عمران وغيرُه وقد
نزل الأعْوَص ، فكلّموه فرجع، فقطع يد وثيق وأبى النار ويعقل ومِسْعر .
. ..
[ ذكر الخبر عن بناء مدينة بغداد ]
وفى هذه السنة أسست مدينة بغداد ، وهى التى تدعى مدينة المنصور .
« ذكر الخبر عن سبب بناء أبى جعفر إياها:
وكان سبب ذلك أنّ أبا جعفر المنصور بنى - فيما ذكر -- حين أفضى
الأمر إليه الهاشميّة، قبالة مدينة ابن هُبيرة، بينهما عَرْض الطريق، وكانت
مدينة ابن هبيرة التى بحيالها مدينة أبى جعفر الهاشميّة إلى جانب الكوفة . وبنى
المنصور أيضا مدينة بظهر الكوفة سماها الرُّصافة ، فلما ثارت الرّاوندية
بأبى جعفر فى مدينته التى تسمىّ الهاشميّة؛ وهى التى بحيال مدينة ابن هبيرة، كره
سُكناها لاضطراب مَن اضطرب أمرُه عليه من الرّاوندية ، مع قرب جواره
٢٧٢/٣ من الكوفة، ولم يأمن أهلتها على نفسه، فأراد أن يبعُد من جوارهم؛ فذكر أنه
خرج بنفسه يرتاد لها موضعاً يتخذه مسكنًا لنفسه وجنده، ويبتنى به مدينة(١)،
فبدأ فانحدر إلى جَرْجَرَايا ثم صار إلى بغداد ، ثم مضى إلى الموصل ، ثم
عاد إلى بغداد ، فقال : هذا موضع معسكر صالِحٌ ، هذه دجلة ليس بيننا(٢)
وبين الصين شىء ، يأتينا فيها كلّ ما فى البحر ، وتأتينا الميرة من الجزيرة
وأرمينية وما حول ذلك ، وهذا الفُرات يجىء فيه كلّ شيء من الشأم والرّقّة
وما حول ذلك. فنزل (٣) وضرب عسكره على الصّراة، وخط المدينة، ووكل
بكل رُبْح قائداً .
(١) ب: ((مدينته)).
(٢) ج: ((بينها)).
(٣) بعدها فى ب: ((أبو جعفر المنصور)).

٦١٥
سنة ١٤٥
وذكر عمر بن شبّة أنّ محمد بن معروف بن سُويد حدّثّه ، قال :
حدّثنى أبى، قال : حدّثنى سليمان بن مجالد، قال: أفسد أهلُ الكوفة جندَ
أمير المؤمنين المنصور عليه ، فخرج نحو الجبل يرتاد منزلا ، والطريق يومئذ
على المدائن ، فخرجنا على ساباط ، فتخلّف بعضُ أصحابى لرمَد أصابه ،
فأقام يعالج عينيْه ، فسأله الطبيب : أين يريد أمير المؤمنين ؟ قال : يرتاد
منزلا ؛ قال : فإنا نجد فی کتاب عندنا ، أن رجلاً يدعى مقلاصاً ، يبنى
مدينة بين دَجْلة والصّراة تدعى الزّوْراء، فإذا أسسها وبنى عَرَقاً (١) منها
أتاه فَتْق من الحجاز، فقطع بناءها، وأقبل على إصلاح ذلك الفَتْق، فإذا كاد
يلتْم أتاه فَتْق من البصرة هو أكبر عليه منه ؛ فلا يلبث الفتقان أن يلتما ،
ثم يعود إلى بنائها فيتمّه، ثم يعمّر عمراً طويلاً، ويبقى الملك فى عقبه . قال
سليمان: فإنّ أميرَ المؤمنين لبأطراف الجبال فى ارتياد منزل؛ إذْ قدم علىْ ٢٧٣/٣
صاحبى فأخبرنى الخبر فأخبرتُ به أميرَ المؤمنين ، فدعا الرّجل فحدَّثَه
الحديث ، فكرّ راجعًا عَوْدَهُ على بدئه، وقال: أنا واللّه ذاك! لقد سُمِيتُ
مقْلاصاً وأنا صبىّ ، ثم انقطعتْ عنى .
وُذُكِرِ عن الهيثم بن عدىّ ، عن ابن عياش ، قال : لمّا أراد أبو جعفر
الانتقال من الهاشمية بعث روّاداً يرتادون له موضعيًا ينزله واسطاً ، رافقًا بالعامة
والحُنْد، فنُعت له موضع قريب من بارِمًا، وذكر له عنه غذاء طيّب ،
فخرج إليه بنفسه حتى ينظر إليه ، وبات فيه ، وكرّر نظره فيه ، فرآه موضعاً
طيبًا ، فقال لجماعة من أصحابه ؛ منهم سليمان بن مجالد وأبو أيوب الخوزىّ
وعبد الملك بن حميد الكاتب وغيرهم : ما رأيكم فى هذا الموضع ؟ قالوا :
ما رأينا مثله ، هو طيّب صالحٌ موافقٌ ، قال : صدقتم ؛ هو هكذا ؛ ولكنه
لا يحمل الجندَ والناس والجماعات ، وإنما أريد موضعاً يرتفق الناس به ويوافقهم
مع موافقته لى ، ولا تغلو عليهم فيه الأسعارُ ، ولا تشتدّ فيه المؤونة ، فإنى
إن أقمت فى موضع (٢) لا يجلسَب إليه من البرّ والبحر شىء غَلَت الأسعار،
وقلّت المادّة، واشتدَّت المؤونة ، وشقَّ ذلك على الناس ؛ وقد مررتُ فى
(١) العرق: صف من اللبن أو الآجر.
(٢) ج: ((بموضع)).

٦١٦
سنة ١٤٥
طريقى على موضع فيه مجتمعة هذه الخصال ؛ فأنا نازل فيه ، وبائت به ؛ فإذا
اجتمع لى فيه ما أريد من طِيب الليل والموافقة مع احتماله للجند والناس أبتنيه .
قال الهيثم بن عدىّ: فخُبّرت أنه أتى ناحية الجِسْر ، فعبر فى موضع
قصر السلام ، ثمّ صلى العصر - وكان فى صَيْفٍ، وكان فى موضع القصر
٢٧٤/٣ بيعة قَسَ" - ثم بات ليلةً حتى أصبح، فبات أطيب مبيت فى الأرض وأرفقته،
وأقام يومه فلم ير إلا ما يحبّ ، فقال : هذا موضع أبنى فيه ؛ فإنه تأتيه المادّة
من الفرات ودِ جْلة وجماعة من الأنهار ، ولا يحمل الجندَ والعاّمة إلّ مثلُه،
فخطّها وقدّر بناءها، ووضع أوّل لنبينة بيده ، وقال: بسم الله والحمد لله،
والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين . ثم قال : ابنُوا على
بركة الله .
وذُكِرِ عن بِشْربن ميمون الشروىّ وسليمان بن مجالد، أنّ المنصور لما
رجع من ناحية الجبل ، سأل عن خبر القائد الذى حدّثه عن الطبيب الذى
أخبره عمّا يجدون فى كتبهم من خبر مِقْلاص ، ونزلَ الدّيْر الذى هو حذاء
قصره المعروف بالخُلْد، فدعا بصاحب الدَّيْر ، وأحضر البطريق صاحب
رحا البطريق وصاحب بغداد وصاحب المخرّم وصاحب الدير المعروف ببستان
القسّ(١) وصاحب العتيقة، فسألهم عن مواضعهم، وكيف هى فى الحرّ
والبرد والأمطار والوحول والبقّ والهوام"؟ فأخبره كلّ واحد بما عنده من العلم ،
فوجّه رجالاً من قِبَله، وأمر كلّ واحد منهم أن يبيتَ فى قرية منها ، فبات
كلُّ رجل منهم فى قرية منها ، وأتاه بخبرها . وشاور المنصور الذين أحضرهم ،
وتنحّر (٢) أخبارهم ؛ فاجتمع اختيارهم على صاحب بغداد ، فأحضره وشاوره ،
وساءله - فهو الدّهقان الذى قريته قائمة إلى اليوم فى المربّعة المعروفة
بأبى العباس الفضل بن سليمان الطوسىّ ، وقباب القرية قائم بناؤها إلى اليوم ،
٢٧٥/٣ وداره ثابتة على حالها - فقال: يا أمير المؤمنين، سألتنى عن هذه الأمكنة.
وطيبها وما يُختار منها؛ فالذى أرى يا أمير المؤمنين أن تنزل أربعة طََاسيج (٣)
(٢) يتتحر أخبارهم ، أى يتفطن لها .
(١) ج: ((القصر)).
(٣) الطوج : الناحية.

١
٦١٧
سنة ١٤٥
فى الجانب الغربيّ طسّوجَيْن وهما قطربُّل وبادورَيَا، وفى الجانب الشرقى
طَسوجَيْن وهما نهر بوق وكَلْواذَى ، فأنت تكون بين نخل وقرب الماء ،
فإن أجدب طسُّوج وتأخّرت عمارته كان فى الطّوج الآخر العمارات، وأنت
يا أمير المؤمنين على الصَّراة ، تجيئك الميرة فى السفن من المغرب فى الفرات ،
وتجيئك طرائف مصر والشأم ، وتجيئك المِيرة فى السفن من الصين والهند
والبصرة وواسط فى دجلة، وتجيئك الميرة من أرمينية وما اتصل بها فى تأمَرًا
حتى تصل إلى الزاب، وتجيئك الميرة من الرّوم وآمد والجزيرة والموصل فى دجلة،
وأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوّك إلا على جِسْر أو قنطرة ؛ فإذا قطعت
الجِسر وأخربت القناطر لم يصل إليك عدّوك، وأنت بين دجلة والفرات
لا يجيئك أحدٌ من المشرق والمغرب إلّ احتاج إلى العُبور ، وأنت متوسط
للبصرة وواسط والكوفة والموصل والسّوّاد كله ، وأنت قريب من البرّ والبحر
والجبل . فازداد المنصور عزمًا على النزول فى الموضع الذى اختاره . وقال له :
يا أمير المؤمنين؛ ومع هذا فإنّ اللّه قد منَّ على أمير المؤمنين بكثرة جيوشه
وقوّاده وجنده ؛ فليس أحد من أعدائه يطمع فى الدنوّ منه ، والتدبيرُ فى المدن
أن تتخذ لها الأسوار (١) والخنادق، والحصون، ودجلة والفرات خنادق (٢ لمدينة
أمير المؤمنين ٢) .
وذكر عن إبراهيم بن عيسى أن حماداً التركىّ، قال: بعث المنصور ٢٧٦/٣
رجالا فى سنة خمس وأربعين ومائة ، يطلبون له موضعًا يبنى فيه مدينته ،
فطلبوا وارتادوا ، فلم يرض موضعًا ، حتى جاء فنزل الدَّيْر على الصَّرَاة،
فقال : هذا موضع أرضاه ، تأتيه الميرة من الفرات ودٍ جْلة ، ومن هذه الصراة .
وذكر عن محمد بن صالح بن النطاح عن محمد بن جابر ، عن أبيه ،
قال : لما أراد أبو جعفر أن يبنى مدينته ببغداد رأى راهبًا ، فناداه فأجابه ،
فقال : تجدُون فى كتبكم أنه تبنى هاهنا مدينة ؟ قال الرّاهب : نعم ،
يبنيها مِقْلاص ؛ قال أبو جعفر : أنا كنت أدعى مقلاصًا فى حداثى.
قال : فأَنت إذاً صاحبُها ، قال : وكذلك لما أراد أن يبنى الرّافقة بأرض الروم
(٢ - ٢) ب: ((لأمير المؤمنين)).
(١) ب: ((الأسواق)).

٦١٨
سنة ١٤٥
امتنع أهل الرّقة ، وأرادوا محاربتَه ، وقالوا : تعطّل علينا أسواقنا، وتذهب
بمعاشنا (١) ، وتضيق منازلنا، فهمَّ بمحاربتهم، وبعث إلى راهب فى الصَّوْمعة،
فقال : هل عندك علم أن يبنى ها هنا مدينة ؟ فقال له : بلغنى أنّ رجلا يقال
له مقلاص يبنيها ، قال : أنا مقلاص؛ فبناها على بناء مدينة بغداد، سوى
السّور وأبواب الحديد وخندقٍ منفرد .
وذكرٍ عن السرىّ ، عن سليمان بن مجالد، أنّ المنصور وجه فى حشْر
الصنّاع والفَعلة من الشأم والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة ، فأحضرُوا،
وأمر باختيار قوم من ذوى الفصل والعدالة والفقْه والأمانة والمعرفة بالهندسة ؛
فكان ممّن أحضر لذلك الحجاج بن أرطاة وأبو حنيفة النعمان بن ثابت ، وأمر
بخطّ المدينة وحفر الأساسات ، وضرب اللّبن وطبخ الآجرّ ، فبدئ بذلك؛
وكان أول ما ابتدئ به فى عملها سنة خمس وأربعين ومائة .
٢٧٧/٣
وذكر أن المنصور لما عزم على بنائها أحبّ أن ينظر إليها عَيَاناً ، فأمر
أن يخطّ بالرّماد ، ثم أقبل يدخل من كلّ باب ، ويمرّ فى فُصلانها وطاقاتها
ورحابها ؛ وهى مخطوطة بالرّماد ، ودار عليهم ينظر إليهم وإلى ما خطّ من
خنادقها ؛ فلما فعل ذلك أمر أن يجعل على تلك الخطوط حبّ القطن ، وينصب
عليه النّفْط ، فنظر إليها والنار تشتعل ، ففهمها وعرف رسمها ، وأمر أن يحفر
أساس ذلك على الرسم ، ثم ابتدئ فى عملها .
وذُ كرِعن حماد التركىّ أنّ المنصور بعث رجالا يطلبون له موضعًا يبنى
فيه المدينة ، فطلبوا ذلك فى سنة أربع وأربعين ومائة، قبل خروج محمد بن
عبد الله بسنة أو نحوها ، فوقع اختيارهم على موضع بغداد ؛ قرية على شاطئ
الصراة ؛ مما يلِى الْخُلْد، وكان فى موضع بناء الخُلْد دَيْر ، وكان فى قَرْن
الصَّرَاة مما يلى الخُلْد من الجانب الشرقىّ أيضاً قرية وَدَيْر كبير كانت تسمى
سوق البقر ؛ وكانت القرية تسمى العتيقة ؛ وهى التى افتتحها المثنى بن حارثة
الشيبانىّ ، قال : وجاء المنصور ، فنزل الدّيْر الذى فى موضع الخُلْد على
الصّراة ، فوجده قليل البقّ، فقال: هذا موضع أرضاه ، تأتيه المِيرة من
(١) ب: ((بمعايشنا)).

٦١٩
سنة ١٤٥
الفُرات ود جلة ، ويصلح أن تبتنى فيه مدينة ؛ فقال للراهب الذى فى الدير :
يا راهب، أريد أن أبنى ها هنا مدينة ، فقال: لا يكون ، إنما يَبنى ها هنا
ملك يقال له أبو الدوانيق؛ فضحك المنصور فى نفسه ، وقال: أنا أبو الدوانيق. ٢٧٨/٣
وأمر فخُطّت المدينة ، ووَكَّل بها أربعة قوّاد ، كلّ قائد بربع.
وذُ كِر عن سليمان بن مجالد ، أنّ المنصور أراد أبا حنيفة النعمان بن ثابت
على القَضاء ، فامتنع من ذلك ، فحلف المنصور أن يتولّى له ، وحلف
أبو حنيفة ألّ يفعل، فولآه القيام ببناء المدينة وضرب اللَّبِن وعدّه، وأُخْذ
الرجال بالعمل . قال : وإنما فعل المنصور ذلك ليخرج من يمينه ؛ قال :
وكان أبو حنيفة المتولّى لذلك ، حتى فرغ من استمام بناء حائط المدينة مما يلى
الخندق ، وكان استتمامه فى سنة تسع وأربعين ومائة .
وذُكِرِ عن الهيثم بن عدىّ ، أن المنصور عرضَ على أبى حنيفة القضاء
والمظالم فامتنع ، فحلف ألّ يُقلع عنه حتى يعمل، فأخبر بذلك أبو حنيفة ،
فدعا بقصَبة، فعدّ الليِن على رجل قد لبَّنْه، وكان أبو حنيفة أوّل مَنْ عدّ
اللّبن بالقصب ؛ فأخرَج أبا جعفر عن يمينه ، واعتلّ فمات ببغداد .
وقيل : إنّ أبا جعفر لما أمر بحفر الخندق وإنشاء البناء وإحكام الأساس ؛
أمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعًا، وقدّر أعلاه عشرين
ذراعًا ، وجعل فى البناء جوائز قَصَب مكان الخشب ، فى كل طرقة ؛ فلمّا
بلغ الحائط مقدار قامة - وذلك فى سنة خمس وأربعين ومائة - أتاه خبر خروج
محمد فقطع البناء .
وذكر عن أحمد بن حميد بن جبلة ، قال : حدثنى أبى ، عن جدی
جبلة ، قال : كانت مدينة أبى جعفر قبل بنائها مزرعة للبغداديّين، يقال لها
المباركة ، وكانت لستين نفسًا منهم ، فعوّضهم منها وأرضاهم ، فأخذ جدّى
قسمة منها .
وذكر عن إبراهيم بن عيسى بن المنصور ، أنّ حماداً التركىّ قال: كان ٢٧٩/٣
حول مدينة أبى جعفر قرَّى قبل بنائها ؛ فكان إلى جانب باب الشأم قرية

٦٢٠
سنة ١٤٥
يقال لها الخطابية، على بابَ درْب النُّورة، إلى درب الأقفاص ، وكان بعض
نخلها فى شارع باب الشأم ، إلى أيام المخلوع فى الطريق ، حتى قطع فى أيام
الفْنة ، وكانت الخطّابية هذه لقوم من الدّهاقين، يقال لهم بنو فَرْوة وبنو
قنورا ؛ منهم إسماعيل بن دينار ويعقوب بن سليمان وأصحابهم .
وذكر عن محمد بن موسى بن الفرات أنّ القرية التى فى مربعة أبى العباس
كانت قرية جدّه من قِبَل أمّه ، وأنهم من دهاقين يقال لهم بنو زُرارى ؛
وكانت القرية تسمى الوردانيّة ، وقرية أخرى قائمة إلى اليوم مما يلى مربعة
أبى فروة .
وذكر عن إبراهيم بن عيسى أن المعروفة اليوم بدار سعيد الخطيب كانت
قرية يقال لها شرّفانيّة ، ولها نخيل قائم إلى اليوم مما يلى قنطرة أبى الجْون،
وأبو الجون من دهاقين بغداد من أهل هذه القرية .
وذُكر أن قطيعة الربيع كانت مزارع للناس من قرية يقال لها بناورى
من رُستاق الفرْوسَيجَ من بادُ وريا .
٢٨٠/٣
وذکر عن محمد بن موسى بن الفرات ، أنه سمع أباہ أو جدّه - شك راوى
ذلك عنه - يقول: دخل علىّ رجل من دهاقين بادُ وريا وهو مخرّق الطيلسان؛
فقلت له : مَنْ خرّق طيلسانك؟ قال: حُرِق واللّه فى زحمة الناس اليوم، فى
موضع طالما طردت فيه الأرانب والظباء - يريد باب الكرخ .
ويقال : إن قطيعة الربيع الخارجة إنما هى أقطاع المهدىّ للربيع ، وأنّ
المنصور إنما كان أقطعه الداخلة .
وقيل : إن نهر طابق كسروىّ، وأنه نهر بابك بن بهرام بن بابك، وأن
بابك هذا هو الذى اتّخذ العَقْر الذى عليه قصر عيسى بن علىّ، واحتفر
هذا النهر .
وذكر أنّ فُرْضة جعفر إقطاع من أبى جعفر لابنه جعفر ، وأن القنطرة
العتيقة من بناء الفرس .
وذكر عن حماد التركىّ ، قال : كان المنصور نازلا بالدّير الذى على
شاطئ دجلة بالموضع المعروف بالخُلْد ، ونحن فى يوم صائف شديد الحرّ