النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
سنة ١٤٥
قلت : ألستَ تعلم أنك أقلُ بلاد اللّه فرسًا وطعاماً وسلاحاً ، وأضعفها رجالا ؟
قال: بلى، قلت : تعلم أنك تقاتل أشدّ بلاد الله رجلاً وأكثرها مالا وسلاحا ؟
قال: بلى ، قلت : فالرأى أن تسير بمن معك (١) حتى تأتى مصرَ، فوالله
لا يردّك راد"، فتقاتل الرّجل بمثل سلاحه وكُراعه ورجاله وماله. فصاح
حُنين بن عبد الله: أعوذ بالله أن تخرج من المدينة! وحدّثه أن النبيّ صلى اللّه
عليه وسلم قال: ((رأيتُنى فى درع حصينة فأوّلتُها المدينة)).
قال : وحدثنى محمد بن إسماعيل بن جعفر ، عن الثقة عنده ، قال :
أجاب محمداً لما ظهر أهلُ المدينة وأعراضها وقبائل من العرب ؛ منهم جُهينة
ومُزينة وسُليم وبنو بكر وأسْلَمَ وغِفار ؛ فكان يقدّم جُهينة ؛ فغضبت من
ذلك قبائل قيس .
قال محمد : فحدثنى عبد الله بن معروف أحد بنى رياح بن مالك بن
عصيَّة بن خُفاف - وقد شهد ذاك - قال : جاءت محمداً بنوسُلَم على
رؤسائها ، فقال متكلّمهم جابر بن أنس الرياحىّ : يا أميرَ المؤمنين؛ نحن
أخوالُك وجيرانُك، وفينا السلاح والكُراع ؛ والله لقد جاء الإسلام والخيل
فى بنى سليم أكثر منها بالحجاز ؛ لقد بقى فينا منها ما إن بقى مثلُه عند عربىّ
تسكن إليه البادية ، فلا تخندق الخندق ؛ فإن رسول الله خندق خندقه لما الله
أعلم به؛ فإنك إن خندقتَه لم يحسن القتال رجّالة، ولم تُوَجّه لنا الخيل بين
الأزقّة ؛ وإن الذين يخندق دونهم هم الذين يقاتلون فيها ؛ وان الذين يخندق
عليهم بحول الخندق دونهم . فقال أحد بنی شجاع : خندق رسول اللّه فاقتد
برأيه؛ أوَ تريد أنتَ أن تَدّع رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لرأيك!
قال : إنه يابن شجاع ما شىء أثقل عليك وعلى أصحابك من لقائهم ؛
ولا شىء أحبّ إلىّ وإلى أصحابى من مناجزتهم . فقال محمد : إنما اتّبعنا فى
الخندق أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يردّنى عنه أحدٌ ، فلست
بتار که .
٢٢٩/٣
قال : وحدثنى محمد بن يحيى، عن الحارث بن إسحاق، قال : لما تيقن
(١) ج: ((تبعك)).

٥٨٢
سنة ١٤٥
محمد أن عيسى قد أقبل حَفَر الخندق ، خندق النبيّ صلى الله عليه وسلم
الذى كان حفره للأحزاب (١) .
قال : وحدثنى سعيد بن عبد الحميد بن جعفر ، قال : حدثنى محمد
ابن عَطيّة مولى المطلبيّين، قال: لما حفر محمد الخندقَ ركب إليه وعليه
قباء أبيض ومنطقة ، وركب الناس معه ؛ فلما أتى الموضع نزل فيه ؛ بدأ
هو فحفر بيده ؛ فأخرج لبنةٌ من خَفْدق النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فكبّر
وكبرّ الناس معه ، وقالوا : أبشر بالنَّصْر ؛ هذا خندق جَدّك رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم .
قال : وحدثنى محمد بن الحسن بن زبالة ، قال : حدّى مصعب بن
عثمان بن مصعب بن عروة بن الزبير ، قال : لما نزل عيسى الأعوْصَ رقِىّ
محمد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن عدوّ اللّه وعدوّكم عيسى بن
موسى قد نزل الأعوص؛ وإن أحقّ الناس بالقيام بهذا (٢) الدين، أبناء المهاجرين
الأوّلين والأنصار المواسين .
٢٣٠/٣
قال : وحد ◌ّى إبراهيم بن أبى إسحاق العبسىّ- شيخ من غطفان- قال:
أخبرنى أبو عمرو مؤدب محمد بن عبد الرحمن بن سليمان ، قال : سمعت الزبيرىّ
الذى قتله أبو جعفر - يعنى عثمان بن محمد بن خالد - قال : اجتمع مع
محمّد جمع لم أر مثله ولا أكثر منه ؛ إنى لأحسب أنا قد كنا مائة ألف ؛
فلما قرب عيسى خَطَبَنا ، فقال : يأيها الناس ؛ إنّ هذا الرجل قد قرُب
منكم فى عدد وعُدّة ؛ وقد حللتُكم من بيعتى؛ فمن أحبّ المقام فليقم، ومن
أحبّ الانصراف فلينصرف . فتسللوا حتى بقى فى شِرْذمة ليست بالكثيرة .
قال : وحد ثني موهوب بن رشيد بن حيّان بن أبى سليمان بن سمعان؛
أحد بنى قَرِيط بن عبد الله بن أبى بكر بن كلاب، قال: حدّنى أبى،
قال: لما ظهر محمّد جمع الناس وحشرهم(٣)، وأخذ عليهم المناقب فلا يخرج
أحد ؛ فلما سمع بعيسى وحُميد بن قحطبة قد أقبلا ، صعد المنبر، فقال :
(١) ج: ((يوم الأحزاب)) ..
(٣) ب: ((وحصرهم)).
(٢) ب، ((فى هذا)) .

٥٨٣
سنة ١٤٥
يأيها الناس ؛ إنّا قد جمعناكم للقتال ؛ وأخذنا عليكم المناقب؛ وإن هذا العدوّ
منكم قريب ؛ وهو فى عدد كثير ، والنصر من الله والأمر بيده ؛ وإنه قد بدا
لى أن آذن لكم وأفرج عنكم المناقب ؛ فمن أحبّ أن يقيم أقام ، ومَنْ أحبّ
أن يظعن ظعن . قال أبى: فخرج عمَالمٌ من الناس ؛ كنت فيهم ؛ فلما كنا
بالعُريض - وهو على ثلاثة أميال من المدينة - لقيتْنا مقدّمةُ عيسى بن موسى
دون الرُّحْبة؛ فما شبّهت رجالهم (١) إلاّ رِجْلاً من جراد. قال: فمضينا وخالفونا
إلى المدينة .
قال : وحدّثنى محمد بن يحيى ، قال : حدّثنى الحارث بن إسحاق ،
قال : خرج ناس كثير من أهل المدينة بذراريّهم وأهليهم إلى الأعراض
والجبال، فأمر محمد أبا القلّمس، فرَدّ مَنْ قدر عليه منهم، فأعجزه كثير
منهم ، فترکھم .
٢٣١/٣
قال : وحدّثنى عيسى، قال: حدثنى الغاضرىّ، قال : قال لى محمد:
أعطيك سلاحًا وتقاتل معى ؟ قلت : نعم ؛ إن أعطيتسنى رمحًا أطعنهم (٢) به ؛
وهم بالأعوص (٣) وسيفًا أضربهم به وهم بهيفا (٤). قال: ثمّ مكث غير كثير،
ثم بعث إلىّ فقال: ما تنتظر؟ قلت : ما أهون عليك - أبقاك الله - أن أقتّل
وتمرّوا ؛ فيقال: والله إن كان لباديًا (٥) ! قال: ويحك! قد بيض أهل الشأم
وأهل العراق وخُراسان ، قال : قلت: اجعل الدنيا زبدةً بيضاء وأنا فى مثل
صوفة الدواة ، ما ينفعنى هذا وعيسى بالأعوص !
قال : وحدّثنى عيسى ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : وجّه أبو جعفر
مع عيسى بن موسى بابن الأصمّ يُنزله المنازل ، فلما قدموا نزلوا على ميل من
مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن الأصم": ألا إنّ الخيل لاعمل
لها مع الرّجالة؛ وإنى أخاف إن كشفوكم كشفةً أن يدخلوا (٦) عسكرهم.
فرفعهم إلى سقاية سليمان بن عبد الملك بالجُرْف - وهى على أربعة أميال من
(١) ب: ((رماحهم)).
(٣) ب: ((بالأعراض)).
(٥) ج: ((لبادنا)).
(٢) ب: ((طعنتهم)).
(٤) ط: ((بهفا))، وهو خطأ. وصوابه من ت.
(٦) ج: ((ليدخلوا)).
م

٥٨٤
سنة ١٤٥
المدينة - وقال: لا يهرول الرّاجل(١) أكثر من ميلين أو ثلاثة حتى تأخذه
الخيل .
٢٣٢/٣
قال : وحد ثني عيسى ، قال : حدثنى محمد بن أبى الكرام ، قال : لمّا
نزل عيسى طَرَف القَدُوم أرسل إلىّ نصفَ الليل، فوجدتُه جالسًا والشمع
والأموال بين يديه ، فقال : جاءتنى العيون تخبرنى أنّ هذا الرجل فى ضعف ؛
وأنا أخاف أن ينكشف ؛ وقد ظننتُ ألَّ مسلك له إلّ إلى مكة ، فاضمُ
إليك خمسمائة رجل؛ فامضٍ بهم (٢) معانداً عن الطريق حتى تأتى الشجرة
فتقيم بها . قال : فأعطاهم على الشّمع ، فخرجتُ بهم حتى مررتُ بالبصرة
بالبطحاء - وهى بطحاء ابن أزهر على ستة أميال من المدينة - فخاف أهلها؛
فقلتُ : لا بأسَ عليكم ؛ أنا محمد بن عبد اللّه ، هل من سويق ؟ قال :
فأخرجوا إلينا سويقًا ، فشربنا وأقمنا بها حتى قتِل محمد .
قال : وحدثنى محمد بن إسماعيل ؛ عن الثقة عنده ، قال : لما قرُب
عيسى أرسل إلى محمد القاسمَ بن الحسن بن زيد يدعوه إلى الرُّجوع عمّا هو
عليه ، ويخبره أنّ أمير المؤمنين قد آمنه وأهل بيته ، فقال محمد القاسم :
والله لولا أنّ الرّسل لا تقتل لضربتُ عنقك؛ لأنى لم أرك منذ كنت غلاماً
فى فرقتين ؛ خير وشرّ، إلّ كنتَ مع الشرّ على الخير. وأرسل محمد إلى
عيسى: يا هذا؛ إنّ لك برسول اللّه قرابةً قريبةً، وإنى أدعوك إلى كتاب الله وسنة
نبيه والعمل بطاعته ، وأحذّرك نقمته وعذابه ؛ وإنى والله ما أنا بمنصرف عن
هذا الأمر حتى (٣) ألقى الله عليه؛ فإياك أن يقتلك مَنْ يدعوك إلى اللّه،
فتكون شرّ قتيل، أو تقتله فيكون أعظمَ لوزرك، وأكثر لمأثمك . فأرسل هذه
الرسالة مع إبراهيم بن جعفر، فبلّغه، فقال : ارجعْ إلى صاحبك، فقل له:
ليس بيننا إلّ القتال .
٢٢٣/٣
قال : وحدثنى إبراهيم بن محمد بن أبى الكرام بن عبد الله بن على بن
عبد الله بن جعفر ، قال : أخبرنى أبى ، قال : لما قرب عيسى من المدينة ،
(٢) ط: ((بها))، وما أثبته من ت، هـ .
(١) ب: ((الرجل)).
(٣) ط: ((التى))؛ وهو خطأ صوابه من ابن الأثير.

٥٨٥
سنة ١٤٥
أرسلنى إلى محمد بأمانه ، فقال لى محمد : علام تقاتلونى وتستحلّون دمى ،
وإنما أنا رجل فرَّ من أن يَقْتل! قال: قلت: إنّ القوم يدعونك إلى الأمان،
فإن أبَيت إلاّ قتالهم قاتلوك على ما قاتل عليه خير آبائك علىّ طلحة والزبير؛
على نكث بيعتهم وكيد ملكهم ، والسعى عليهم . قال : فأخبرتُ بذلك
أبا جعفر، فقال: والله ما سرّنى أنك قلت له غير ذلك ، وأن لى كذا وكذا .
قال : وحدّثنى هشام بن محمد بن عثُرْوة بن هشام بن ع وة ، قال :
أخبرنى ماهان بن بخت مولى قحطبة ، قال : لما صرْنا بالمدينة أتانا إبراهيم بن
جعة بن مصعب طليعة، فطاف بعسكرنا حتى حسّه كله (١) ، ثم ولّى ذاهبا.
قال : فرعبنا منه واللّه رعْبًاً شديداً؛ حتى جعل عيسى وحميد بن قَحْطبة
يعجبان فيقولان : فارس واحد طليعةً لأصحابه! فلما ولّى مَدَى أبصارنا
نظرنا إليه مقيماً بموضع واحد ، فقال حميد : ويحكم ! انظروا ما حالُ الرجل؛
فإنى أرى دابته واقفاً لا تتزول؛ فوجه إليه حميد رجلين من أصحابه ، فوجدا
دابته قد عثر به ؛ فصرعه فقوّس (٣) التنور عنقه. فأخذا سلبه، فأتينا بتنور-
قيل إنه كان لمصعب بن الزبير - مُذْهب لم يُرَ مثله قطّ.
قال : وحدّثنى محمد بن يحيى ، قال : حدّثنى الحارث بن إسحاق ،
قال : نزل عيسى بقصر سليمان بالجُرْف ، صَبيحة ثنتى عشرة من رمضان من
سنة خمس وأربعين ومائة ، يوم السبت ، فأقام يوم السبت ويوم الأحد
وغدا يوم الاثنين ، حتى استوى على سَلْع ، فنظر إلى المدينة وإلى مَن دخلها
وخرج منها ، وشحن (٤) وجوهها كلها بالخيل والرّجال إلا ناحية مسجد
أبى الجرّاح؛ وهو على بُطحان؛ فإنه تركه لخروج مسَنْ هرب ، وبرز محمد
فى أهل المدينة .
٢٣٤/٣
قال : وحدّثنى عيسى ، قال : حدّثنا محمد بن زيد ، قال : قدمنا مع
عيسى ، فدعا محمداً ثلاثاً : الجمعة والسبت والأحد .
قال وحدثنى عبد الملك بن شيبان ، قال: حدثنى زيد مولى مِسمَع ، قال :
(٢) تقع الدابة على المذكر والمؤنث.
(١) ط: ((جسه)، وما أثبته من ت، ج .
(٣) كذا فى ت، وفى ط: ((ففرّس)).
(٤) فى اللسان: ((شحن البلد بالخيل ملأه. وبالبلد شحنة من الخيل، أى رابطة)).

٥٨٦
سنة ١٤٥
لمّا عسكر عيسى أقبل على دابة يمشى حواليه نحو من خمسمائة، وبین یدیه
راية يُسار بها معه ؛ فوقف على الثنيّة ونادى : يا أهل المدينة ؛ إن الله قد
حرّم دماء بعضنا على بعض ؛ فهلمّوا إلى الأمان ؛ فمن قام تحت رايتنا فهو
آمن ، ومن دخل داره فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ؛ ومَن ألقى
سلاحه فهو آمن ، ومن خرج من المدينة فهو آمن . خلّوا بيننا وبين صاحبنا
فإمّا لنا أو له . قال : فشتموه وأقذعوا له ، وقالوا: يابن الشاة، يابن كذا،
يابن كذا . فانصرف يومه ذاك (١) ، وعاد من الغد ففعل مثل ذلك ، فشتموه ؛
فلما كان اليوم الثالث أقبل بما لم أرمثله قطّ من الخيل والرجال(٢) والسلاح؛
فوالله ما لبثنا أن ظهر علينا ونادى بالأمان (٣) ، فانصرف إلى معسكره .
قال : وحدثنى إبراهيم الغَطفانىّ، قال : سمعت أبا عمرو مؤدّب محمد
ابن عبد الرحمن يحدّث عن الزبيرىّ - يعنى عثمان بن محمد بن خالد - قال:
٢٣٥/٣ لما التقينا نادى عيسى بنفسه: أيا محمد، إن أمير المؤمنين أمرنى ألّ أقاتلك
حتى أعرض عليك الأمان ، فلك علىَّ نفسك وأهلك وولدك وأصحابك ،
وتعطى من المال كذا وكذا ، ويقضى عنك دينك ، ويُفعل بك ويفعل !
قال : فصاح: محمد الْهُ عن هذا، فوالله لو علمت أنه لا يثنينى عنكم فَزّع ،
ولا يقرّبنى منكم طمع ما كان هذا . قال : واجّ القتال ، وترجّل محمد ؛
فإنى لأحسبه قتتل بيده يومئذ سبعين رجلاً .
قال : وحدّثنى عيسى ، قال : حدثنى محمد بن زيد ، قال : لما كان
يوم الاثنين ، وقف عيسى على ذباب، ثم دعا مولى لعبد الله بن معاوية كان
معه ؛ وكان على مجفّقته ، فقال : خذ عشرة من أصحابك ؛ أصحاب
التجافيف ؛ فجاء بهم، فقال لنا : ليقم معه عشرة منكم يا آل أبى طالب .
قال : فقمنا معه، ومعنا ابنا محمد بن عمر بن علىّ: عبد الله وعمر، ومحمد بن
عبد الله بن عقيل، والقاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علىّ، وعبد الله
ابن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر ؛ فى عشرة منّا. فقال: انطلقوا إلى القوم ،
(١) كذا فى ت، وفى ط: ((ذلك)). (٢) ت: ((والرجل)). (٣) ت: ((ونادى الأمان)).

٥٨٧
سنة ١٤٥
فادعوهم وأعطوهم أماناً ؛ وبقىَ أمان الله. قال: فخرجنا حتى جئنا سوق الحطّابين؛
فدعوناهم فسيّونا(١) ورشقونا بالنَّبل ، وقالوا: هذا ابن رسول الله معنا ونحن معه؛
فكلمهم القاسم بن الحسن بن زيد ، فقال : وأنا ابنُ رسول اللّه؛ وأكثر من
ترون بنو رسول اللّه؛ ونحن ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وحقْن دمائكم
والأمان لكم ؛ فجعلوا يسبُّوننا ويرشقوننا بالنبل ، فقال القاسم لغلامه: القَطْ
هذه النّبل ، فلقطها فأخذها قاسم بيده ، ثم دخل بها إلى عيسى ، فقال :
ما تنتظر ! انظر ما صنعوا بنا ، فأرسل عيسى بن حميد قَحْطبة فى مائة .
٢٣٦/٣
قال : حدّثّى أزهر بن سعيد بن نافع ، قال : حدّثّى أخواى عثمان
ومحمد ابنا سعيد - وكانا مع محمد - قالا : وقف القاسم بن الحسن ورجل (٢)
معه من آل أبى طالب على رأس ثنيّة الوَدَاع ، فدعَوْا محمداً إلى الأمان،
فسبّهما فرجعا ، وأقبل عيسى وقد فرّق القواد فجعل هزار مرد عند حمّام بن
أبى الصّعْبة، وكثير بن حُصَين عند دار ابن أفلَح التى يبقيع الغرقد ،
ومحمد بن أبى العباس على باب بنى سَكِمة ، وفرّق سائر القوّاد على أنقاب
المدينة ، وصار عيسى فى أصحابه على رأس الثنيّة ، فرَموا بالنشاب والمقاليع
ساعة .
وحدثنى أزهر ، قال : جعل محمد ستور المسجد دراريع لأصحابه .
قال : وحدّثنى عبد الله بن إسحاق بن القاسم ، قال : حدّثّنى عمر ؛
شيخ من الأنصار ، قال : جعل محمد ظلال المسجد خفاتين لأصحابه ،
فأتاه رجلان من جُهينة ، فأعطى أحدهما خَفْتاناً ولم يعط الآخر ، فقاتل
صاحب الخَفْتان ، ولم يقاتل الآخر معه ؛ فلما حضرت الحرب أصابت
صاحب الحَفْتان نُشابة ، فقتلته ، فقال صاحبه :
يا ربِّ لا تجعَلنى كمَنْ خانْ وباع باقى عَيْشِهِ بِخَفْتَانْ
قال : وحدّثنى أيوب بن عمر ، قال : حدثنى إسماعيل بن أبى عمرو ،
قال : إنا للوقوف على (٣) خندق بنى غِفار؛ إذ أقبل رجل على فَرس؛
٢٣٧/٣
(٣) ج: ((عند)).
(٢) ج: ((ودخل)).
(١) ج: ((فشتمونا)).

٥٨٨
سنة ١٤٥
ما يُرّى منه إلاّ عيناه ، فنادى: الأمان ، فأعطى الأمان ، فدنا حتى لصق
بنا ، فقال : أفيكم مَنْ يبلِّغ عنى محمداً ؟ قلت : نعم ، أنا ، قال : فأبلِغْه
غنى - وحسر عن وجهه ؛ فإذا شيخ مخضوب - فقال : قل له : يقول لك
فلان التميمىّ، بآية أنّ وإياك جلسنا فى ظل الصخرة فى جبل جُهينة فى سنة
كذا ، اصبر إلى الليل؛ فإن عامة الجند معك. قال : فأتيته قبل أن يَغْدُوَّ-
وذلك يوم الاثنين فى اليوم الذى قُتل فيه -- فوجدت بين يديه قِرْبة عسل
أبيض قد شُقّت من وسطها ، ورجل يتناول من العسل ملء كفّه ثم يغمسه
فى الماء ، ثم يلقمه إياه ، ورجل يحزم بطنَه بعمامة ؛ فأبلغتُه الرسالة فقال:
قد أبلغتَ ؛ فقلت : أخواى فى يدك ، قال : مكانُهما خير لهما .
قال : وحدّثنى إبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب بن
الزبير ، قال : حدثنى محمد بن عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير ، قال :
كانت راية محمد إلى أبى ، فكنت أحملها عنه .
قال : وحدّثنى عيسى ، عن أبيه ، قال : كان مع الأفطس حسن بن
علىّ بن حسين علم أصفر، فيه صورةُ حية ، ومع كلّ رجل من أصحابه
من آل علىّ بن أبى طالب علَ ، وشعارهم: أحَد أحد، قال: وكذلك
كان شعار النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم جُنّين.
قال : وحدّثنى سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبى الحكم ،
قال : أخبرنا جَهْم بن عثمان مولى بنى سُلَمِ، ثم أحد بنى بَهْز، قال :
قال لى عبد الحميد بن جَعْفر يوم لقينا أصحابُ عيسى : نحن اليوم على
عِدّة أهل بدر يومٍ لَقُوا المشركين - قال : وكنا ثلثمائة ونيّقاً .
قال : وحدثنى إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علىّ
ابن عبد الله بن عباس ، قال: سمعت أبى يقول: وُلِد عيسى بن موسى فى
سنة ثلاث ومائة ، وشهد حرب محمد وإبراهيم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ،
وعلى مقدّمته حميد بن قَحْطبة ، وعلى ميمنته محمد بن أبى العباس
أمير المؤمنين ، وعلى ميسرته داود بن كِرّاز من أهل خُراسان ، وعلى ساقته
الهيثم بن شعبة .
٢٣٨/٣

٥٨٩
سنة ١٤٥
قال : وحدّثنى عيسى، عن أبيه، قال: لقى أبو القلمس محمد بن عثمان،
أخا أسد بن المرزبان بسوق الحطابين ، فاجتلدا بسيفيهما حتى تقطّعًا ثم تراجعا
إلى مواقفهما ، فأخذ أخو أسد سيفًا ، وأخذ أبو القدّمس بأثفيّة ، فوضعها
على قَرَبُوس سَرْجُه، وستَرَها بدِ رْعه، ثم تعاودا، فلما تدانيا قام أبو القلمّس
فى ركائبه ؛ ثم ضرب بها صَدْره فصرعه ، ونزل فاحتزّ رأسه .
قال : وحدّثنى محمد بن الحسن بن زبالة ، قال : حدثنى عبدُ الله بن
عمر بن القاسم بن عبد الله العمرىّ، قال : كنا مع محمد ، فبرز رجل من
أهل المدينة ؛ مولى لآل الزبير يدعى القاسم بن وائل ، فدعا للبراز ، فبرز إليه
رجل لم أرَ مثل كماله وعُدّته ؛ فلما رآه ابن وائل انصرف . قال : فوجدنا
من ذلك وجداً شديداً ، فإنا لعلى ذلك إذ سمعتُ خَشْف (١) رجل ورائى،
فالتفتّ فإذا أبو القلمّس ، فسمعتُه يقول : لعن الله أميرَ السفهاء ، أن ترك
مثل هذا اجترأ علينا! وإن خرج رجل خرج إلى أمر عسى ألاّ يكون من شأنه. ٢٣٩/٣
قال : ثم برز له فقتله .
قال : وحدّثنى أزهر بن سعيد بن نافع ، قال : خرج (٢) القاسم بن وائل
يومئذ من الخندق ، ثم دعا للبراز ، فبرز له هزارمرد ، فلما رآه القاسم هابه ،
فرجع فبرزله أبو القلمّس، فقال: ما انتفع فى مثل هذا اليوم بسيفه قطّ، ثم
ضربه على حبْل عاتقه فقتله ، فقال : خذها وأنا ابن الفاروق ، فقال رجل
من أصحاب عيسى : قتلتَ خيراً من ألف فاروق .
قال : وحدّثنى علىّ أبو الحسن الحذّاء من أهل الكوفة، قال : حدثنى
مسعود الرّحال ، قال : شهدت مقتل محمد بالمدينة ، فإنّى لأنظر إليهم عند
أحجار الزّيت، وأنا مشرف عليهم من الجبل - يعنى سَلْعًا - إذا نظرت إلى
رجل من أصحاب عيسى قد أقبل مستلئً(٣) فى الحديد؛ لا يُرى منه إلّ
عيناه ، على فرس ؛ حتى فَصَل من صفّ أصحابه ، فوقف بين الصّفين ،
فدعا للبراز ؛ فخرج إليه رجل من أصحاب محمد ، عليه قباء أبيض ، وكُمّة
(١) الخشف : الصوت الخفى ، أو الحركة .
(٣) ب: ((مستلما)).
(٢) ب: ((جزع)).

٥٩٠
سنة ١٤٥
بيضاء ، وهو راجل، فكلمه مليًّا ، ظننت أنه استرجله لتستوى حالاهما ،
فنظرتُ إلى الفارس ثّنّى رجله ، فنزل، ثم التقيا فضربه صاحب محمد ضربة
على خُوذة حديد على رأسه ، فأقعده على استِهِ وقِيذاً لاحراك به، ثم انتزع
الحُوذة ، فضرب رأسه فقتله، ثم رجع فدخل فى أصحابه ، فلم ينشب أنْ
خرج من صفّ عيسى آخر ؛ كأنه صاحبه ، فبرز له الرّجُل الأوّل،
فصنع به مثل ما صنع بصاحبه ، ثم عاد إلى صفه ، وبرز ثالث فدعاه ، فبرز
له فقتله ، فلما قتل الثالث ولى يريد أصحابه ، فاعتوره أصحاب عيسى
فرموْه فأثبتوه ، وأسرع يريد أصحابه ، فلم يبلغهم حتى خرَّ صريعًا فقتلوه
دونهم .
وحدثنى عيسى ، قال : أخبرنى محمد بن زيد ، قال: لما أخبرنا عيسى
برميهم إيانا، قال ◌ُحميد بن قَحْطبة: تقدّم، فتقدّم فى مائة كلهم راجل غيره
معهم النشاب والترسة ، فلم يلبثوا أن زحفوا إلى جدار دون الخندق ، عليه أناس
من أصحاب محمد ، فكشفوهم ووقفوا عند الجدار ، فأرسل حُميد إلى عيسى
بهدْم الجدار . قال: فأرسل إلى فَعَلة فهدموه، وانتهوا إلى الخندق ، فأرسل
إلى عيسى : إنا قد انتهينا إلى الخندق. فأرسل إليه عيسى بأبواب بقدر الخندق ،
فعبروا عليها ؛ حتى كانوا من ورائه ، ثم اقتتلوا أشدّ القتال من بُكْرة حتى
صار العصر .
وحدثنى الحارث، قال : أخبرنا ابنُ سعد ، قال : قال محمد بن عمر :
أقبل عيسى بن موسى بمَنْ معه ، حتى أناخ على المدينة ، وخرج إليه محمد
ابن عبد اللّه ومَنْ معه، فاقتتلوا أيامًا قتالاشديداً ، وصبر نفر من جُهينة ،
يقال لهم بنو شجاع مع محمد بن عبد اللّه، حتى قُتلوا وكان لهم غتناء .
رجع الحديث إلى حديث عمر: حدثنى أزهر، قال : أمرهم عيسى فطرحوا حقائب
الإبل فى الخندق فأمر ببابى دار سعد بن مسعود التى فى الثنيّة فطُرحا على
الخندق؛ فجازت الخيل ، فالتقوا عند مفاتح خَشْرم، فاقتتلوا حتى كان العصر.
حدثنى محمد بن يحيى ، قال : حدّثنا عبد العزيز بن أبى ثابت، قال :
٢٤١/٣ انصرف محمد يومئذ قبل الظهر حتى جاء دار مَرْوان، فاغتسل وتحنّط،
٣ / ٢٤٠

٥٩١
سنة ١٤٥
ثم خرج . قال عبد العزيز بن أبى ثابت : فحد ◌ّثنى عبد الله بن جعفر، قال :
دنوتُ منه، فقلت له : بأبى أنت! إنه والله ما لك بما رأيتَ طاقة، وما معك
أحد يصدُق القتال ؛ فاخرج الساعة حتى تلحق بالحسن بن معاوية بمكة؛
فإنّ معه جِلّة(١) أصحابك، فقال: يا أبا جعفر؛ واللّه لو خرجتُ لقتل
أهل المدينة ؛ والله لا أرجع حتى أقتُل أو أقتّل؛ وأنت منى فى سعة ؛ فاذهب
حيث شئت . فخرجت معه حتى إذا جاء دار ابن مسعود فى سوق الظهر
ركضتُ فأخذت على الزيّاتين، ومضى إلى الثنيّة، وقُتل مَنْ كان معه بالنّشاب
وجاءت العصر فصلَّی .
حدثنى محمد بن الحسن بن زبالة ، قال : حدثنى إبراهيم بن محمد ،
قال : رأيت محمداً بين دارى بنى سعد، عليه جُبّة ممشّقة، وهو على بِرْذون،
وابنُ خُضَير إلى جانبه يناشده اللّه إلّ مضى إلى البصرة أو غيرها ؛ ومحمد
يقول: والله لا تُبَّْتَلُون بى مرتين؛ ولكن اذهب حيث شئت فأنت فى حل".
قال ابن خُضير : وأين المذهب عنك! ثم مضى فأحرق الديوان ، وقتل رِياحاً
ثم لحقه بالثنيّة ، فقاتل حتى قتل .
وحدثنى الحارث ، قال : حدّثنا ابنُ سعد ، عن محمد بن عمر ، قال :
خرج مع محمد بن عبد اللهابن خُضير؛ رجل من ولد مصعب بن الزبير ؛
فلما كان اليوم الذى قتل فيه محمد، ورأى الخلل فى أصحابه ، وأنّ السيف
قد أفناهم ؛ استأذن محمداً فى دخول المدينةفأذن له؛ ولا يعلم ما يريد ؛ فدخل
على رياح بن عثمان بن حيّان المُرّىّ وأخيه ، فذبحهما ثم رجع؛ فأخبر محمداً ،
ثم تقدّم فقاتل حتى قُتِل من ساعته(٢).
٢٤٢/٣
رجع الحديث إلى حديث عمر : حدثنى أزهر ، قال : حدثنى أخى ،
قال : لما رجع ابن خُضير قتل رياحاً وابن مسلم بن عُقْبة .
وحدثنى محمد بن يحيى ، قال : حدثنى الحارث بن إسحاق ، قال :
ذبح ابن خُضير رياحًا ولم يُجْهِزِ عليه ، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى
(٢) هذا الخبر ساقط من ت .
(١) ابن الأثير: ((جل)).

٥٩٢
سنة ١٤٥
مات ؛ وقتل معه عباسًا أخاه ؛ وكان مستقيمَ الطريقة ، فعاب الناسُ ذلك
عليه ؛ ثم مضى إلى ابن القَسْرىّ وهو محبوس فى دار ابن هشام ، فنذر به
فردم بابى الدار دونتَه ، فعالج البابين ، فاجتمع مَنْ فى الحبس فسدّوهما ،
فلم يقدر عليهم ؛ فرجع إلى محمد ، فقاتل بين يديه حتى قُتِل ..
حدثنى مسكين بن حبيب بن محمد ، قال: لما جاءت العصر صلا ها محمد
فى مسجد بنى الديل، فى الثنيّة، فلما سلّم استسقى، فسقته رَبيحة بنت أبى شاكر
القرشية، ثم قالت له: جعلت فداك! انجُ بنفسك، قال: إذاً لا يبقى بها ديكٌ
يصرخ ؛ ثم مضى فلما كان ببطن مسيل سلْح ، نزل فعرقبَ دابته ، وعرقب
٢٤٣/٣ بنو شجاع دوابهم، ولم يبق أحد إلا كسر غِمْد سيفه . قال مسكين:
فلقد رأيتُنى وأنا غلام ، جمعت من حليها (١) نحواً من ثلثمائة درهم ؛ ثم قال
لهم : قد بايعتمونى ولستُ بارحًا حتى أقتَل ، فمن أحبّ أن ينصرف فقد أذنتُ
له ، ثم أقبل على ابن خُضَير ، فقال له : قد أحرقتَ الديوان ؟ قال : نعم؛
خفت أن يُؤخذ الناس عليه ؟ قال: أصبت .
حدثنى أزهر، قال : حدّثّنى أخوَاى ، قالا : لقد هزمنا يومئذ أصحاب
عيسى مرتين أو ثلاثاً ، ولكنا لم نكن نعرف الهزيمة ؛ ولقد سمعنا يزيد (٢) بن
معاوية بن عبد الله بن جعفر، يقول ، وقد هزمناهم : ويل أمه فَتْحًا لو
کان له رجال !
حدثنى عيسى ، قال : كان ممّن انهزم يومئذ وفرّ عن محمد عبدُ العزيز
ابن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فأرسل محمد وراءه ، فأتِىَ به ،
فجعل الصبيان يصيحون وراءه : ((ألا باقة بقبقبة))، فكان عبد العزيز ىيقول
بعد ذلك : إن أشدّ ما أتى علىَّ لصياح الصبيان .
وحد ثنى عيسى ، قال: حدثنا مولى لهشام بن ◌ُمارة بن الوليد بن عدىّ
ابن الخيار ، قال : كنا مع محمد ، فتقدّم هشام بن ◌ُمارة إليه وأنا معه ،
فقال: إنى لا آمن أن يخذلك مَنْ ترى، فأشهد أنّ غلامى هذا حرٌّ لوجه
(١) ج: ((حليتها)).
(٢) ط: ((بيزيد)) تحريف، والصواب ما أثبته من ت.

سنة ١٤٥
٥٩٣
الله إن رمتُ أبدأ أو تُقتَل أو أقتَل أو نُغلَب؛ فقلت: فوالله إنّ لمعه إذ
وقعت بترسه نشابة ، ففلقته باثنتين ، ثم خسفت فى درْعه ، فالتفت إلىَّ فقال:
فلان ! قلت : لبيك ! قال : ويلك! رأيتَ مثل هذا قطّ يا فلان ! أيما أحبّ
إليك ؛ نفسى أم أنت ؟ قلت : لا بل نفسك ، قال : فأنت حرّ لوجه الله،
فانطلق هاربًا .
٢٤٤/٣
وحدثنى متوكل بن أبى الفحوة ، قال : حدثنى محمد بن عبد الواحد بن
عبد الله بن أبى فَرْوة، قال: إنَّا لعلى ظهر سلْع ننظر ، وعليه أعاريب جُهينة،
إذ صعد إلينا رجل بيده رُمْح، قد نصب عليه رأس رجل متصلٌ بحلقومه
وكبده وأعْفَاج بطنه ، قال: فرأيتُ منه منظراً هائلا، وتطيّرت منه الأعاريب ،
وأجفلت هاربة حتى أسهلت ، وعلا الرّجُل الجبل ، ونادى على الجبل رطانة
لأصحابه بالفارسية (( كوهبان))؛ فصعد إليه أصحابه حتى علوْا سلْعاً فنصَّبُوا
عليه راية سوداء ، ثم انصبُّوا إلى المدينة، فدخلوها، وأمرت أسماء بنت حسن
ابن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب - وكانت تحت عبد الله
ابن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس - بخمار أسود، فنصب على منارة
مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلمّا رأى ذلك أصحابُ محمد تنادوا :
◌ُدخلت المدينة، وهربوا. قال: وبلغ محمّداً دخول الناس من سلْع ، فقال:
لكلّ قوم جبل يعصمهم ؛ ولنا جبل لا نؤتىَ إلّ منه .
وحدثنى محمد بن إسماعيل ، عن الثقة عنده ، قال : فتح بنو أبى عمرو
الغفاريون للمسوّدة طريقاً فى بنى غفار ، فدخلوا منه حتى جاءوا من وراء
أصحاب محمد .
وحدثنى محمد بن يحيى ، قال : حدثنى عبد العزيز بن عمران ، قال :
نادى محمد يومئذ حُميد بن قحطبة: إن كنتَ فارسًا وأنت تَعْتَدّ ذاك على
أهل خُراسان فابرز لى، فأنا محمد بن عبد الله، قال : قد عرفتُك وأنت
الكريم ابن الكريم، الشريف ابن الشريف؛ لا والله يا أبا عبد الله لا أبرز لك وبين
يدىّ من هؤلاء الأغمار إنسان واحد؛ فإذا فرغتُ منهم فسأبرزُ لك لَعَمْرى .
٢٤٥/٣
وحدثنى عثمان بن المنذر بن مصعب بن عروة بن الزبير ، قال : حد ◌ّثّى
۔

٥٩٤
سنة ١٤٥
رجل من بني ثعلبة بن سعد ، قال : كنت بالثنيّة يوم قُتِل محمد بن عبدالله
ابن حسن ومعه ابن خضير ، قال : فجعل ابن قحطبة يدعو ابن خضير إلى
الأمان ، ويشحّ به عن الموت ، وهو يشدّ على الناس بسيفه مترجّلا ، يتمثل :
إِن لم تجدْه سابحاً يَعْبُوبَا
لا تَسْقِهِ حَزْرًا ولا حليبا
كالذئب يتلو طَمَعًا قريبا
ذا مَيْعَةٍ يَلْتَهِمُ الجبوبًا
وحَاجبَ الجَوْنةِ أَن يغيبا
يبادر الآثارَ أَن تَثُوبا
قال: فخالط الناس، فضربه ضارب على ألْيَتَه فخلّها (١)، فرجع إلى
أصحابه ، فشقّ ثوبًا فعصَّبها إلى ظهره ، ثم عاد إلى القتال ، فضربه ضارب
على حَجَاج عينه (٢) ، فأغمض السيف فى عينه، وخرّ فابتدره القوم، فحزُّوا
رأسه ؛ فلما قتِل ترجّل محمد ، فقاتل على جِيفته حتى قتل .
٢٤٦/٣
وحدثنى مخلد بن يحيى بن حاضر بن المهاجر الباهلىّ ، قال : سمعتُ
الفضل بن سليمان مولى بنى نمير يخبر عن أخيه - وكان قد قتل له أخ مع
محمد - قال: كان الخُراسانية إذا نظروا إلى ابن خُضير تنادْوا: ((خضير
آمد، خضير آمد !))، وتصعصعوا (٣) لذلك .
وحدثنى هشام بن محمد بن عروة بن هشام بن عروة ، قال : أخبرنى
ماهان بن بخت مولى قَحْطبة ، قال : أتينا برأس ابن خضير ؛ فوالله ما جعلنا
نستطيع حَمْله ◌ِمَا كان به من الجِراح ؛ والله لكأنه باذنجاتة مفلّقة ، وكنا
نضمُ أعظَمِهُ ضَّا .
وحدثنى أزهر بن سعيد ، قال : لما نظر أصحاب محمد إلى العلم الأسود
على مَنّارة المسجد فتّ ذلك فى أعضادهم ، ودخل حُميد بن قحطبة من زُقاق
أشجع على محمد فقتله وهو لا يشعر ، وأخذ رأسه فأتى به عيسى ، وقتَل
معه بشراً كثيراً .
قال: وحدثنى أبو الحسن الحذّاء، قال : أخبرنى مسعود الرّحال، قال: رأيت
(١) خلها؛ أى ثقبها؛ أو أحدث بها جرحاً، وفى ط: ((حلها))، تحريف.
(٢) الحجاج : العظم الذى ينبت عليه الحاجب.
(٣) الصعصعة : التفرق.

٥٩٥
سنة ١٤٥
محمداً يومئذ باشرَ القتال بنفسه ، فأنظر إليه حين ضربه رجلٌ بسيف دون
شحمة أذنه اليمنى، فبرك لركبتيه وتعاوروا(١) عليه، وصاحَ حُميد بن قحطبة:
لا تقتلوه ، فكفُّوا، وجاء حميد فاحتز رأسه .
وحدثنى محمد بن يحيى ، قال : حدثنى الحارث بن إسحاق، قال: برك محمديومئذ
الركبتيْه وجعل يذبّ عن نفسه ويقول: ويحكم! أنا ابن نبيكم، محرَج(٢) مظلوم!
وحدثنى محمد بن يحيى ، قال ، حدّثنى ابن أبى ثابت؛ عن عبد الله بن
جعفر ، قال : طعنه ابن قَحطبة فى صدره فصرعه ، ثم نزل فاحتزّ رأسه،
فأتى به عيسى .
وحدّثنى محمد بن إسماعيل ، قال: حدّثّنى أبو الحجاج المنقرىّ ، قال :
رأيتُ محمداً يومئذ(٣ وإن أشبه ماخلق الله به لما ذكر عن حمزة بن عبد المطلب،
يهذّ الناس بسيفه هذًّا؛ ما يقاربه أحد إلا قتله٣)، ومعه سيف، لا والله ما يُليق
شيئًا ؛ حتى رماه إنسان بسهم كأنى أنظر إليه ، أحمر أزرق ، ثم دهمتْنا
الخيل ، فوقف إلى ناحية جدار ، فتحاماه الناسُ ، فوجَد الموت ، فتحامل
على سيفه فكسره ؛ قال : فسمعتُ جدّى يقول : كان معه سيف رسول الله
صلى الله عليه وسلم ذو الفقار .
٢٤٧/٣
وحدّثّنى هرمز أبو علىّ مولى باهلة ، قال: حدّثنى عمرو بن المتوكل
- وكانت أمّه تخدم فاطمة بنت حسين - قال : كان مع محمد يوم قتل
سيف النبيّ صلى الله عليه وسلم ذو الفقار، فلما أحسّ الموت أعطى سيفه
رجلاً من التجار كان معه - وكان له عليه أربعمائة دينار - فقال له : خذ
هذا السيف ؛ فإنك لا تلقى به أحداً من آل أبى طالب إلاّ أخذه وأعطاك
حقك . قال : فكان السيف عنده ، حتى ولى جعفر بن سليمان المدينة فأخِير
عنه ، فدعا الرجل وأخذ السيف منه ، وأعطاه أربعمائة دينار ؛ فلم يزل عنده
(١) ط: ((وتعاووا)).
(٢) ط: ((مجرح))؛ والوجه ما أثبته من ت.
(٣ - ٣) ابن الأثير: ((فلما قتل تقدم محمد فقاتل على جيفته فجعل يهذ الناس هذّا؛ وكان
أشبه الناس بقتال حمزة)) .

٥٩٦
سنة ١٤٥
حتى قام المهدىّ ، وولى جعفر المدينة، وبلغه مكانُ السیف؛ فأخذه، ثم صار
إلى موسى ، فجرّب به على كلب ، فانقطع السيف .
وحدثنى عبد الملك بن قُريب الأصمعىّ ، قال: رأيت الرّشيد
أمير المؤمنين بطُوس، متقلداً سيفًا، فقال لى: يا أصمعىّ، ألا أريك ذا الفقار؟
قلت : بلى ، جعلنى الله فداك! قال : استلّ سيفى، فاستللتُهُ، فرأيتُ فيه
ثمان عشرة فقارة .
٢٤٨/٣
وحدثنى أبو عاصم النبيل ، قال : حدّثنى أخو الفضل بن سليمان النُّميرىّ
قال : كنا مع محمد ، فأطاف (١) بنا أربعون ألفًا ، فكانوا حولنا كالحرّة
السَّوداء ، فقلت له : لو حملت فيهم لانفرجوا عنك، فقال: إنّ
أمير المؤمنين لا يحميل، إنه إن حمل لم تكن له بقيّة. قال: فجعلنا نعيد(٢)
ذلك عليه ؛ فحمل ، فالتفُّوا عليه فقتلوه .
وحدثنى عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سلم - ويدعى ابن البوّاب؛
وكان خليفة الفضل بن الربيع يحجب هارون، من أدباء الناس وعلمائهم -
قال : حدثنى أبى عن الأسلمىّ - يعنى عبد اللّه بن عامر - قال: قال لى
محمد ونحن نقاتل معه عيسى : تغشانا سحابة ؛ فإن أمطرَتنا ظفرنا ، وإن
تجاوزتْنا إليهم فانظر إلى دمى على أحجار الزيت ؛ قال : فوالله ما لبثنا
أَنْ أطلّْنا سحابة فأحالت حتى قلتُ: تفعل ، ثم جاوزتنا فأصابت عيسى
وأصحابه ، فما كان إلا كلا ولا؛ حتى رأيته قتيلاً بين أحجار الزيت .
وحدثنى إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أبى الكرام ، قال : قال عيسى
لُحُميد بن قحطبة عند العصر : أراك قد أبطأتَ فى أمر هذا الرجل ، فول".
حمزة بن مالك حرْبَه ، فقال: والله لو رُمتَ أنت ذاك ما تركتُك ؛ أحين
قتلتُ الرجال ووجدتُ ريح الفتح ! ثم جدّ فى القتال حتى قُتِل محمد .
وحدثنى جوّاد بن غالب بن موسى مولى بنى عجل ، قال : أخبرنى حميد
(١) ج: ((فأحاط)).
(٢) ج: ((نعتد)).

٥٩٧
سنة ١٤٥
مولى محمد بن أبى العباس ، قال : اتّهم عيسى حميدَ بن قحطبة يومئذ - وكان
على الخيل - فقال: يا حُميد، ما أراك تبالغ ، قال: أتتهمنى! فوالله لأضربن"
محمداً حین أراه بالسیف أو أقتل دونه . قال : فمرّ به وهو مقتول؛ فضر به بالسيف
ليبرّ يمينه .
٢٤٩/٣
وحدَّ ثنى يعقوب بن القاسم ، قال : حدثنى على بن أبى طالب، قال :
قُتِل محمد بعد العصر، يوم الاثنين لأربعَ عشرة ليلة خلتْ من شهر رمضان .
وحدثنى أيوب بن عمر ، قال : حدثنى أبى ، قال : بعث عيسى فدق
السجن ، فحملنا إليه والقتال دائب (١) بينهم؛ فلم نزل مطّرحين بين يديه ،
حين أتِيَ برأس محمد، فقلتُ لأخى يوسف : إنه سيدعونا إلى معرفته ، ولا
نعرفه له ؛ فإنا نخاف أن نخطئ ؛ فلما أتِىَ به قال: أتعرفانه ؟ قلنا : نعم ،
قال : انظرا ، أهو هذا ؟ قال أبى: فبدرتُ يوسف ، فقلت : أرى دمًا كثيراً
وأرى ضربًا؛ فوالله ما أثبته (٢)، قال: فأطلقنا من الحديد، وبتنا عنده ليلتنا
كلها حتى أصبحنا . قال : ثم ولآنى ما بين مكة والمدينة ، فلم أزل والياً
عليه حتى قدم جعفر بن سليمان ، فحَدرنى إليه ، وألزمنى نفسه .
وحدثنى علىّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم ، قال : حدثنى أبو كعب،
قال : حضرتُ عيسى حين قتل محمداً ، فوضع رأسه بين يديه ، فأقبل على
أصحابه ، فقال : ما تقولون فى هذا ؟ فوقعوا فيه ، قال : فأقبل عليهم قائد
له ، فقال : كذبتم واللّه وقلتم باطلا ، لمَا على هذا قاتلناه ؛ ولكنه خالف
أمير المؤمنين ، وشقّ عصا المسلمين؛ وإن كان لصّواماً قوّاماً . فسكت القوم.
وحدثنى ابن البوّاب عبد الله بن محمد ، قال : حدّثنى أبِى ، عن
الأسلمىّ ، قال : قدم على أبى جعفر قادم ، فقال : هرب محمد ، فقال :
كذبت ! نحن أهل البيت لا نفرّ .
٢٥٠/٣
وحدثنى عبد الله بن راشد بن يزيد ، قال : حدّثنى أبو الحجاج الجمّال،
قال : إنى لقائم على رأس أبى جعفر ، وهو مسائلى عن مخرج محمد ، إذ بلغه
(١) ج: ((قائم)).
(٢) أثبته ، أى ما أعرفه .

٥٩٨
سنة ١٤٥
أن عيسى قد هُزِم - وكان متكئًا فجلس - فضرب بقضيب معه مصلاه ،
"وقال : كلّ، فأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء! ما أنى لذلك
بعدُ! (١).
. قال : وحدّثّنى محمد بن الحسن ، قال : حدّثّى بعض أصحابنا ،
قال : أصاب أبا القلمّس نُشابة فى ركبته ، فبقى نصلها ، فعالجها فأعياه ،
فقيل له : دعه حتى يقيح فيخرج ، فتركه ، فلما طُلب بعد الهزيمة لحق بالحَرّة،
وأبطأ به ما أصاب ركبتته ، فلم يزل بالنّصل حتى استخرجه ثم جثا اركبتيه ،
ونكب كنانته (٢) ، فرماهم فتصدّعوا عنه، فلحق بأصحابه فنجا .
وحدثنى محمد بن الحسن ، قال : حدّثّنى عبد الله بن عمر بن القاسم ،
قال : لما انهزمنا يومئذ كنتُ فى جماعة ، فيهم أبو القلمّس ، فالتفتّ إليه ،
فإذا هو مستغرب ضحكًا ، قال : فقلت : والله ما هذا بموضع ضحك ،
وخفضتُ بصرى ؛ فإذا برجل من المنهزمة قد تقطع قميصُه ، فلم يبق منه
إلا جُرُبّانه (٣) وما يستر صدره إلى ثدييه، وإذا عورته بادية وهو لا يشعر ؛ قال:
فجعلت أضحك لضحك أبى القلمّس .
فحدثنى عيسى ، قال : حدّثّنى أبى، قال : لم يزل أبو القلمس مختفياً
بالْفُرْع ، وبقى زمانًا ثم عدا عليه عبدٌ له، فشدخ رأسه بصخْرة فقتله،
ثم أتى أمّ ولد كانت له ، فقال: إنى قد قتلت سيِّدك فهلمّى أتزوّجك؟
قالت : رويداً أتصنع لك ، فأمهلها ، فأتت السلطان فأخبرته ، فأخذ العبد
فشدخ رأسه .
٢٥١/٣
حدّثّنى محمود بن معمر بن أبى الشدائد ، قال : أخبرنى أبى ، قال :
لما دخلتْ خيلُ عيسى من شِعْب بنى فزارة، فقتل محمد، اقتحم نَفَرَ على
أبى الشدائد فقتلوه ، وأخذوا رأسه ، فنادت ابنتُه الناعمة بنت أبى الشدائد :
وا رجالاه! فقال لها رجل من الجند: ومَنْ رجالك؟ قالت: بنو فزارة ،
قال : والله لو علمتُ ما دخلتُ بيتَك ، فلا بأس عليك ، أنا امرؤ من
(١) ت، هـ: ((ما إن لذلك بعد)).
(٢) نكب كنانته : نثر ما فيها .
(٣) جربان القميص: جيبه.

٥٩٩
سنة ١٤٥
عشيرتك من باهلة ؛ وأعطاها قطعة من عمامته فعلقتها على بابها . قال :
وأُتِىّ عيسى برأسه ، وعنده ابن أبى الكرام ومحمد بن لُوط بن المغيرة بن
نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، فاسترجعا وقالا : والله ما بقى من أهل المدينة
أحدٌ ، هذا رأس أبى الشدائد، فالح بن معمر - رجل من بنى فزارة مكفوف-
قال : فأمر منادياً فنادى: مَنْ جاء برأس ضربْنا رأسه .
وحدثنى علىّ بن زادان ، قال : حدّثّنى عبد الله بن برقى، قال : رأيت
قائداً من قوّاد عيسى ، جاء فى جماعة يسأل عن منزل ابن هرمز؛ فأرشدناه إليه .
قال : فخرج وعليه قميص رياط، قال : فأنزلوا قائدَهم ، وحملوه على بِرْذَوْنه
وخرجوا به يزفونه ، حتى أدخلوه على عيسى ، فما هاجه .
حدثنى قدامة بن محمد ، قال : خرج عبد الله بن يزيد بن هرمز ومحمد
ابن عجلان مع محمد ، فلما حضر القتال ، تقلد كلّ واحد منهما قوسًاً ،
فظننا أنهما أرادا أن يُريا الناس أنهما قد صَلَحا لذلك .
٢٥٢/٣
وحدثنی عیسى ، قال : حدثی حسین بن يزيد ، قال : أتى بابن هرمز
إلى عيسى بعد ما قتل محمد ، فقال : أيها الشيخ ، أما وزعك فقهُك عن
الخروج مع من خرج! قال : كانت فتنةً شملت الناس ، فشملتنا فيهم، قال :
اذهب راشداً .
وحدثنى محمد بن الحسن بن زَبالة ، قال : سمعتُ مالك بن أنس ، يقول :
كنتُ آتى ابنَ هرمز فيأمر الجارية فتغلق الباب ، وترخِى الستر ، ثم يذكر
أوّل هذه الأمّة ، ثم يبكى حتى تخضلّ لحيته . قال : ثم خرج مع محمد
فقيل له : والله ما فيك شىء، قال: قد علمتُ؛ ولكن يرانى جاهل فيقتدى بى .
حدثنى عيسى ، قال : حدثنى محمد بن زيد، قال: لمّا قُتِل محمدٌ
انخرقت السماءُ بالمطر بما لم أر مثله انخرق قطّ منها ، فنادى منادى عيسى :
لا يبيتنّ بالمدينة أحدٌ من الجند إلا كثير بن حُصَين وجنده، ولحق عيسى
بعسكره بالجُرْف ؛ فكان به حتى أصبح ، ثم بعث بالبشارة مع القاسم بن
حسن بن زيد ، وبعث بالرأس مع ابن أبى الكرام .

٦٠٠
سنة ١٤٥
٢٥٣/٣
وحدثنى محمد بن يحيى ، قال : حدّثنى الحارث بن إسحاق ، قال :
لما أصبح محمد فى مصرعه ، أرسلتْ أخته زينب بنت عبد اللّه وابنته فاطمة
إلى عيسى : إنكم قد قتلتم هذا الرجل ، وقضيتم منه حاجتكم ، فلو أذنتم
لنا فواريناه! فأرسل إليهما : أما ما ذكرتما يابنتى عمىّ مما نيل منه فوالله ما
أمرتُ ولا علمتُ؛ فوارِیاه راشدتين. فبعثتا (١) إليه فاحتمل، فقيل: إنهحُشى
فى مقطع عنقه عدیله قُطْناً ، ودفن بالبقيع ، وكان قبره وجاه زقاق دار
علىّ بن أبى طالب، شارعاً على الطريق أو قريبًا من ذلك؛ وبعث عيسى بألوية
فُوضعَ على باب أسماء بنت حسن بن عبد اللّه واحدٌ ، وعلى باب العباس بن
عبد الله بن الحارث آخر ، وعلى باب محمد بن عبد العزيز الزهرىّ آخر ،
وعلى باب عبيد الله بن محمد بن صفوان آخر ، وعلى باب دار أبى عمرو
الغفارىّ آخر ، وصاح مناديه : مَن دخل تحت لواء منها ، أو دخل دارًاً
من هذه الدور فهو آمن ؛ ومطرت السماءُ مطراً جَوْداً (٢)، فأصبح الناس
هادئين (٣) فى أسواقهم ؛ وجعل عيسى يختلف إلى المسجد من الجُرْف،
فأقام بالمدينة أيامًا ، ثم شخص صُبح تسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان
يريد مكة .
حدّثّنى أزهر بن سعيد ، قال : لما كان الغد من قتل محمد أذن عيسى
فى دفْنه ، وأمر بأصحابه فصُلبوا ما بين ثنيّة الوداع إلى دار عمربن عبدالعزيز.
قال أزهر : فرأيتُهم صفين ؛ ووكل بخشبة ابن خضير مَنْ يحرسها ، فاحتمله
قومٌ فى الليل فواروه، ولم يقدَرْ عليهم، وأقام الآخرون مصلّبين ثلاثاً ، ثم
تأذّى بهم الناس ، فأمرعيسى بهم فألقوا على المفرح من سَلْع، وهى مقبرة (٤)
اليهود ، فلم يزالوا هنالك ، ثم ألقُوا فى خندق بأصل ذباب .
حدثنى عيسى بن عبد اللّه قال : حدّثتنى أمى أم حسين بنت عبد اللهبن
٢٥٤/٣ محمد بن على بن حسين، قالت: قلت لعمّى جعفر بن محمد: إنى - فديتُك -
ما أمرُ محمد بن عبد اللّه[ هذا]؟ (٥) قال: فتنته (٦) يقتل فيها محمد عند بيت
(١) ط: ((فبعثت))، والصواب ما أثبته من ت.
(٣). ت: ((هادين)).
(٥) من ت .
(٢) الجود : المطر الغزير.
(٤) ج: ((مطمورة)).
(٦) ت: ((فتنة)).