النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
سنة ١٤٥
حيّان أطلقى ؛ فلما سمعت دعوته التى دعا إليها على المنبر ، قلت: هذه دعوة
حقّ ؛ واللّه لأبدِينّ اللّه فيها بلاء حسناً، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك قد
خرجت فى هذا (١) البلد؛ والله لو وُقف على نتَقْب من أنقابه مات أهلُه جوعاً
وعطشًا؛ فانهض معى ؛ فإنما هى عشر حتّى أضربه بمائة ألف سيف . فأبى
علىّ ؛ فإنى لعنده يومًا إذ قال لى : ما وجدنا من حُرّ المتاع شيئًا أجودَ من
شىء وجدناه عند ابن أبى فَرْوة ، ختَن أبى الخصيب - وكان انتهبه ــ قال:
فقلت : ألا أراك قد أبصرتَ حُرّ المتاع ! فكتبتُ إلى أمير المؤمنين فأخبرته
بقلة مَنْ معه، فعطف علىّ، فحبسنى حتى أطلقنى عيسى بن موسى بعد قتله إياه .
قال : وحدّثنى سعيد بن عبد الحميد بن جعفر ، قال : حدثتنى أختى
بُريكةُ بنت عبد الحميد ، عن أبيها ، قال : إنى لعند محمد يومًا ورجله فى
حِجْرى ؛ إذ دخل عليه خَوّات بن بكير بن خوّات بن جُبير، فسلم عليه،
فردّ عليه سلامًا ليس بالقوىّ، ثم دخل عليه شابٌّ من قريش ، فسلّم عليه
فأحسن الردّ عليه، فقلت: ما تدع عصبيّتَك بعد! قال: وما ذلك (٢) ؟
قلت : دخل عليك سيد الأنصار فسلم فرددت عليه ردًّا ضعيفًا ، ودخل
عليك صُعلوك من صعاليك قريش فسلّم فاحتفلت فى الردّ عليه ! فقال :
ما فعلتُ ذاك ؛ ولكنّك تفقدتَ منى ما لا يتفقد أحد من أحد .
٢٠٢/٣
قال : وحدّثنى عبد الله بن إسحاق بن القاسم ، قال : استعمل محمد
الحسنَ بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على مكة، ووجّه معه القاسم بن إسحاق
واستعمله على اليمن .
قال : وحدثنى محمد بن إسماعيل عن أهله ، أن محمداً استعمل القاسم
ابن إسحاق على اليمن وموسى بن عبد الله على الشأم ، يدعوان إليه؛ فقُتل
قبل أن يصلا .
قال : وحدّثنى أزهر بن سعيد ، قال : استعمل محمد حين ظهر عبدالعزيز
ابن الدراوردىّ على السلاح .
(١) ت، ج: ((بهذا)).
(٢) ت: ((وما ذاك)).

٥٦٢
سنة ١٤٥
قال : وأخبرنى محمد بن يحيى ومحمد بن الحسن بن زّبّالة وغيرهما، قالوا(١):
لما ظهر محمد، قال ابن هَرْمة - وقد أنشد بعضهم ما لم ينشد غيرُه لأبى جعفر:
غلبتَ على الخلافة مَن تمنّى
ومنَّاه المُضِلِّ بها الضَّلُولُ
فأَهلك نفسَه سَفَهًا وجُبْنًا
ولم يُقْسَمْ له منها فتيلٌ
غُثاءِ السَّيْلِ يجمعه السُّيولُ
ووازّرَهُ ذَرُو ◌َطَمَعٍ فكانوا
فلم يُصْرِخْهمُ المُغوِى الخَذول
دَعوا إِبليسَ إِذ كذبوا وجارُوا(٢)
وسار وراءه منهم قبيل(٣)
وكانوا أهلَ طاعَتِهِ فولَّى
على أَثَرِ المُضِلِّ ولم يُطِيلوا
وهُمْ لم يُقْصِرُوا فيها بحقّ
حَبّاكِ بذلك الملك الجليلُ
وما الناسُ احْتَبَوْك بها ولكن
٢٠٣/٣
أصولَ الحقِّ إِذ نُفِىَ الأُصولُ(٤)
تراثُ محمد لكمُ وكنتمْ
قال: وحد ثنی محمود بن معمر بن أبى الشدائد الفزارى وموهوب بن رشيد
ابن حیّان الكلابی ، قال : قال أبو الشدائد لما ظهر محمد وتوجه إليه عيسى:
بعيسى بن موسى فلا تَعْجَلِ
أَتتك النجائبُ والمُقْرَبَاتُ
قال: وحدّثنى عيسى، قال: كان محمد آدم شديد الأدْمة، أدلم(٥) جسيماً
عظيماً ؛ وكان يلقب القارىّ من أدْمته ، حتى كان أبو جعفر يدعوه محمّمً.
قال : وحدّثنى عيسى ، قال : حدثنى إبراهيم بن زياد بن عنبسة ،
قال : ما رأيتُ محمداً رَقِىَ المنبر قطّ إلا سمعت بقعقعة من تحته؛ وإنى
لبمكانی ذلك .
قال : وحدّثنى عبد اللّه بن عمر بن حبيب ، قال : حدثنى من حضر
محمداً على المنبر يخطب ؛ فاعترض بَلْغَم فى حلقه فتنحنح ، فذهب ثم
عاد فتنحنح ، فذهب ثم عاد فتنحنح ، ثم عاد فتنحنح ثم نظر فلم ير موضعًا ؛
فرمى بنُخامته سَقْفِ المسجد فألصقها به .
(١) ط: ((قال))، وما أثبته من ت. (٢) ب، ت: ((إذ كربوا)).
(٣) كذا فى ب، ت، هـ، وهو الصواب، وفى ط: ((وصار)).
(٥) الأدلم : الشديد السواد من الرجال .
(٤) ج: ((إذ بق)).

٥٦٣
سنة ١٤٥
قال: وحدّثنى عبد الله بن نافع، قال: حدثنى إبراهيم بن علىّ من
آل أبي رافع ، قال : كان محمد تمتاماً ، فرأيته على المنبر يتلجلج الكلام فى
صدره ، فيضرب بيده على صّدْره ، ويستخرج الكلام .
قال : وحدثنى عيسى ، قال : حدّثنى أبى ، قال : دخل عيسى بن
موسى يومًا على أبى جعفر ، فقال: سرّك الله يا أمير المؤمنين! قال : فيم ؟
قال : ابتعتُ وجه دار عبد الله بن جعفر من بنى معاوية ؛ حسن ويزيد
وصالح، قال أتفرح! أما والله ما باعوها إلاّ ليثبوا عليك بثمنها .
٢٠٤/٣
قال : وحدثنى محمد بن يحيى، قال: حدّثنى عبد العزيز بن عمران عن
محمد بن عبد العزيز عن عبد الله بن الربيع بن عبيد الله بن عبد المدان بن عبيد الله،
قال : خرج محمّد بالمدينة ، وقد خطّ المنصور مدينته بغداد بالقصب ، فسار
إلى الكوفة وسرتُ معه ، فصيحَّح بى فلحقتُه، فصَمتَ طويلا ثم قال : يابن
الربيع ، خرج محمد ، قلت: أين ؟ قال : بالمدينة، قلت: هلك واللّه وأهلك ؛
خرج والله فى غير عدد ولا رجال يا أميرَ المؤمنين؛ ألا أحدثك حديثاً حدّ ثنيه
سعيد بن عمرو بن جعدة المخزوميّ؟ قال : كنت مع مَرْوان يوم الزّاب واقفًا ،
فقال: يا سعيد، مَن هذا الذى يقاتلنى (١) فى هذه الخيل؟ قلتُ: عبد الله
ابن علىّ بن عبد الله بن عباس، قال: أيّهم هو؟ عَرَّفْه، قلت: نعم، رجل
أصفر حَسَن الوجه رقيق الذراعين ، رجل دخل عليك يشتم عبد الله بن
معاوية حين هزم ؛ قال : قد عرفته، والله لوددت أن علىّ بن أبى طالب
يقاتلنى مكانه ؛ إن عليًّا وولده لا حظّ لهم فى هذا الأمر ؛ وهذا رجل من
بنى هاشم وابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عباس، معه ريح الشأم
ونصر الشأم . يابن جعدة ، تدرى ما حملنى على أن عقدتُ لعبد الله وعبيد اللّه
ابنى مروان، وتركتُ عبدَ الملك وهو أكبر من عبيد الله؟ قلتُ: لا، قال: ٢٠٥/٣
وجدتُ الذى يلِى هذا الأمر عبد اللّه؛ وكان عبيد اللّه أقرب إلى عبد اللّه من
عبد الملك ؛ فعقدتُ له . فقال : أنشدك اللّه ! أحدثك هذا ابن جعدة !
قلت : ابنةُ سفيان بن معاوية طالق البتّة إن لم يكن حدثنى ما حدثتك .
(١) ج: ((يقابلنى)).

٥٦٤
سنة ١٤٥
قال عمر : وحدثنى محمد بن يحيى، قال : حدّثنى الحارث بن إسحاق ،
قال : خرج إلى أبى جعفر فى الليلة التى ظهر فيها محمد رجل من آل أويس
ابن أبى سَرْح من بنى عامر بن لؤىّ، فسار تسعًا من المدينة ، فقدم ليلاً ،
فقام على أبواب المدينة ، فصاح حتى نُذِرِ به ، فأدخِل ، فقال له الربيع :
ما حاجتك هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم ! قال : لا بدّ لى منه ، قال :
أعلمْنا نُعلمْه، فأبى، فدخل الرّبيع عليه فأعلمه ، فقال: سلْه عن حاجته
ثم أعلمنى؛ قال : قد أبى الرّجُل إلا مشافهتك . فأذن له ، فدخل عليه ،
فقال : يا أميرَ المؤمنين، خرج محمد بن عبد اللّه بالمدينة ، قال: قتلتَه والله
إن كنت صادقًا! أخبرنى مَنْ معه؟ فسمتَى له من خرج معه من وجوه
أهل المدينة وأهل بيته ، قال : أنتَ رأيتَه وعاينتَه ؟ قال : أنا رأيته وعاينته
وكلمتُه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا . فأدخله أبو جعفر بيتًا،
فلما أصبح جاءه رسول لسعيد بن دينار؛ غلام عيسى بن موسى كان يلى أموال
عيسى بالمدينة ، فأخبره بأمر محمد ، وتواترت عليه أخباره ، فأخرج الأويسىّ
٢٠٦/٣ فقال: لأوطئنّ الرجال عَقِبيك ولأغنينّك، وأمر له بتسعة آلاف، لكلّ ليلة
سارَها ألفًا .
قال : وحد ثنى ابن أبى حرب ، قال : لما بلغ أبا جعفر ظهورُه أشفق
منه ؛ فجعل الحارث(١) المنجّم يقول له : يا أميرَ المؤمنين ، ما يجزعك منه !
فوالله لو ملك الأرض ما لبث إلا تسعين يوماً .
قال : وحدّثنى سهل بن عقيل بن إسماعيل، عن أبيه ، قال : لما بلغ
أبا جعفر خبره بادر إلى الكوفة ، وقال : أنا أبو جعفر ؛ استخرجت الثعلب
من جُحْره .
قال : وحدّثنى عبد الملك بن سليمان ، عن حبيب بن مرزوق ، قال :
حدثنى تسنيم بن الحوارىّ ، قال : لما ظهر محمد وإبراهيم ابنا عبد الله ،
أرسل أبو جعفر إلى عبد الله بن علىّ وهو محبوس عنده: إنّ هذا الرجل قد
خرج ؛ فإن كان عندك رأى فأشِرْ به علينا - وكان ذا رأى عندهم - فقال :
(١) ت وابن الأثير: ((الحارثى)).

٥٦٥
سنة ١٤٥
إنّ المحبوس محبوس الرأى، فأخرجنى حتى يخرجرأيى؛ فأرسل إليه أبو جعفر:
لو جاءنى حتى يضرب بابى ما أخرجتك ؛ وأنا خير لك منه، وهو مُلْك أهل
بيتك . فأرسل إليه عبد الله : ارتحل الساعة حتى تأتىّ الكوفة ، فاجثم على
أكبادهم ؛ فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم ، ثم احفظها بالمسالح ؛ فمن
خرج منها إلى وَجْه من الوجوه أو أتاها من وجه من الوجوه فاضرب عنقه ؛
وابعث إلى سَلْم بن قتيبة ينحدر عليك - وكان بالرّىّ - واكتب إلى أهل
الشأم فرهم أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجدة ما يحمل البريد، فأحسِنْ
جوائزهم، ووجّههم مع سَلْم . ففعل .
٢٠٧/٣
قال : وحدّثنى العباس بن سفيان بن يحيى بن زياد، قال: سمعتُ
أشياخنا يقولون: لما ظهر محمد ظهر وعبد الله بن علىّ محبوس ، فقال أبو جعفر
لإخوته : إن هذا الأحمق لا يزال يطلع له الرأى الجيّد فى الحرب ؛ فادخلوا
عليه فشاوروه ولا تُعلموه أنى أمرتكم . فدخلوا عليه ، فلما رآهم قال : لأمرٍ
ما جئتم ؛ ما جاء بكم جميعًا وقد هجرتمونى منذ دَهْر ! قالوا : استأذنًّاً
أميرَ المؤمنين فأذن لنا، قال : ليس هذا بشىء ؛ فما الخبر ؟ قالوا: خرج
ابن عبد الله، قال: فما ترون ابن سلامة صانعاً ؟ يعنى أبا جعفر - قالوا :
لا ندرى واللّه، قال: إنّ البُخل قد قتله، فمروه فليُخرج الأموال، فليُعْط
الأجناد ، فإن غلب فما أوشك أن يعود إليه مالُه ، وإن غُلب لم يقدم صاحبُه
علی درهم واحد .
قال : وحدّثنا عبد الملك بن شيبان ، قال : أخبرنى زيد مولى مسمع بن
عبد الملك ، قال : لما ظهر محمد دعا أبو جعفر عيسى بن موسى ، فقال له :
قد ظهر محمد فسرْ إليه ، قال : يا أمير المؤمنين؛ هؤلاء عمومتك حولك ، فادْعهُم
فشاورهم ، قال : فأين قول ابن هرمة :
ولا يَنتَجِى الأَذْنَيْن فيما يحاولُ
تروْن امْرَأْ لا يُمْحِض القومَ سِرّهُ
وإن قال إنى فاعِلٌ فهو فاعِلُ
إذا ما أُنی شيئًا مضى كالذى أَبَی
قال : وحدّثنى محمد بن يحيى ، قال : نسختُ هذه الرسائل من محمد

٥٦٦
سنة ١٤٥
٢٠٨/٣ ابن بشير؛ وكان بشير يصححها ؛ وحدّثنيها أبو عبد الرحمن من كُتّاب
أهل العراق والحكم بن صدقة بن نزار، وسمعت ابن أبى حرب يصحّحُها ؛
ويزعم أن رسالة محمد لما وردتْ على أبى جعفر ، قال أبو أيوب: دعنى أجبْه
عليها ، فقال أبو جعفر : لا بل أنا أجيبه عنها ؛ إذ تقارعنا على الأحساب
فدعنى (١) وإيّاه .
قالوا : لما بلغ أبا جعفر المنصور ظهورُ محمد بن عبد اللّه المدينة كتب
إليه :
بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين، إلى محمد بن
عبد الله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ
فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقْطَّعَ أَيديهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا
من الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِىٌ فِى الدُّنْيا ولَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إلَّا
الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلِمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٍ﴾(٢)
ولك علىّ عهد الله وميثاقه وذمَّتُهُ وذُمَّةُ رسوله صلى الله عليه وسلم إِنْ
تبتَ ورجَعْت من قبل أن أقدر عليك أن (٣ أؤمنك وجميعَ ولدك وإخوتك
وأهل بيتك ومَن اتبعكم على دمائكم وأموالكم ٣) ، وأسوغك ما أصبت
من دم أو مال ، وأعطيك ألف ألف درهم ، وما سألت من الحوائج ،
وأنزِلَك من البلاد حيث شئتَ ، وأن أطلق مَنْ فى حبسى من أهل بيتك ،
وأن أؤمن كلّ مَنْ جاءك وبايعك واتبعك ، أو دخل معك فى شىء من أمرك ،
ثم لا أتبع أحداً منهم بشىء كان منه أبداً . فإن أردت (٤) أن تتوثّق لنفسك،
فوجّه إلىّ مَنْ أحببتَ (٥) يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تثق به .
٢٠٩/٣
وكتب على العنوان: من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله.
فكتب إليه محمد بن عبد الله :
(١) ج: ((دعى)).
(٢) سورة المائدة ٣٣، ٣٤ .
(٣ - ٣) الكامل: (( أن أؤمنك على نفسك وولدك وإخوتك ومن بايعك وتابعك وجميع
(٤) الكامل: ((فإن شئت)).
شيعتك » .
(٥) الكامل: ((ما أحببت)).

٥٦٧
سنة ١٤٥
بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله المهدىّ محمد بن عبد اللّه إلى عبد الله بن
محمد : ﴿طَسْم» تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ الْمُبِين* نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبٍ مُوسَى
وَفِرْعَونَ بالحقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون ، إِنَّ فِرْعَونَ عَلَا فِى الْأَرْضِ وَجَعَلِ أَهْلِهَا
شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّح أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحِى نِساءَهم إِنَّهُ
كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا فِى الْأَرْضِ
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَتَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)) ونُمكِّنَ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَنُرِىَ
فِرْ عَونَ وهَامَان وجُنُودَهما مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (١). وأنا أعرِضُ عليك
من الأمان مثلَ الذى (٢) عرضْتَ علىْ، فإنّ الحقّ حَقُّنا؛ وإنما ادّعيتم
هذا الأمر بنا ، وخرجتم (٣) له بشيعتنا، وحظيتم (٤) بفضلنا؛ وإنّ(٥) أبانا
عليًّا كان الوصىّ وكان الإمام ؛ فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء ! ثم قد
علمت أنه لم يطلب هذا الأمر أحدٌ له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا ؛
لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء، وليس يمتّ(٦) أحدٌ من بنى هاشم
بمثل الذى نمتُّ به من القرابة والسابقة والفَضْل؛ وإنا بنو أمّ رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم فاطمة بنت عمرو فى الجاهليّة وبنو بنته فاطمة فى الإسلام دونكم.
إن الله اختارنا واختار لنا ؛ فوالدنا من النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، ومن
السلف أوّلهم إسلاماً علىّ، ومن الأزواج أفضلهنّ خديجة الطاهرة ، وأوّل
مَنْ صلّى القبلة، ومن البنات خيرهُنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ، ومن
المولودين فى الإسلام حسن وحسين سيّدا شباب أهل الجنة ؛ وإنّ هاشمً ولد
عليًّا مرتين (٧)؛ وإن عبد المطلب ولد حسناً مرتين(٨) وإن رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم ولدنى مرّتين من قِبل حسن وحسين ؛ وإنى أوسط بنى هاشم
٢١٠/٣
(١) سورة القصص ١ - ٥ .
(٣) الكامل: ((وتهضّمَ)).
(٢) ب: ((ما))، ابن الأثير: ((مثل ما».
(٤) الكامل: ((وخبطتموه)).
(٥) ب وابن الأثير: ((فإن)).
(٦) يمت، أى يتوسل، وبعدها فى الكامل: ((دونكم))
(٧) يعنى على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وعليا زين العابدين بن الحسين بن على
ابن أبى طالب .
(٨) يعنى جده وأبا جده؛ فهو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب.

٥٦٨
سنة ١٤٥
نسبًا، وأصرحُهم أبًا، لم تعرّق فىّ العجم (١)، ولم تنازع فىّ أمهاتُ الأولاد؛
فما زال الله يختارُ لى الآباء والأمهات فى الجاهلية والإسلام حتى اختار لى فى
النار ؛ فأنا ابن أرفع الناس درجةً فى الجنة ، وأهونهم عذابًا فى النار (٢)، وأنا
ابن خير الأخيار ، وابن خير الأشرار ، وابن خير أهل الجنة ، وابن خير أهل
النار. ولك الله علىّ إن دخلتَ فى طاعتى، وأجبت دعوتى أن أؤمنك على نفسك
ومالك ؛ وعلى كل أمر أحدثته ؛ إلا حَدًّا من حدود الله أو حقًّا لمسلم
أو معاهد ؛ فقد علمت ما يلزمك من ذلك، وأنا أوْلى بالأمر منك وأوفى
بالعهد ؛ لأنك أعطيتنى من العهد والأمان ما أعطيته رجالاً قبلى ؛ فأىّ
الأمانات تعطينى ! أمان ابن هبيرة ، أم أمان عمّك عبد الله بن علىّ، أم أمان
أبى مسلم(٣) !
٢١١/٣
فكتب إليه أبو جعفر :
بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعدُ ، فقد بلغنى كلامُك، وقرأتُ كتابَك،
فإذا جلّ فخرك بقرابة النساء؛ لتضلّ به الجُفاة والغوغاء؛ ولم يجعل اللّه النساء
كالعُمُومة والآباء، ولا كالعصبة والأولياء؛ لأن اللّه جعل العمّ أبًا، وبدأ به
فى كتابه على الوالدة الدنيا(٤). ولو كان اختيارُ اللّه لهنّ على قدر قرابتهن"
كانت آمنةُ أقرَبَهنَّ رحِماً، وأعظمهن حقًّا؛ وأوّل من يدخل الجنة غداً ؛
ولكن اختيار الله لخلقه على علمه لما مضى منهم ، واصطفائه لهم .
وأما ما ذكرت من فاطمة أمّ أبى طالب وولادتها ؛ فإن اللّه لم يرزق أحداً
من ولدها(٥) الإسلام لا بنتًا ولا ابنًا؛ ولو أن أحداً رُزُق الإسلام بالقرابة رُزقه
(١) يعرض بالمنصور ؛ وكانت أمه أم ولد يقال لها سلامة بربرية؛ أنظر مروج الذهب
(٢) يعنى جده أبا طالب.
٢ : ٠٢٩٤
(٣) كامل المبرد ٤: ١١٣ - ١١٦.
(٤) الكامل: ((الوالد الأدنى))، وبعدها هناك: ((فقال جل ثناؤه عن نبيه يوسف عليه
السلام؛ ﴿وَاتَّبِّعْتُ مَّةً آبائى إِبْراهِيمَ وإِسحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾.
(٥) ذكر الطبرى أن أولادها هم: ((عبد الله أبو رسول الله، والزبير ، وعبد الكعبة،
وعائكة، وبرة ، وأميمة ، ولد عبد المطلب إخوة ، وأمهم جميعاً فاطمة بنت عمرو )) .

٥٦٩
سنة ١٤٥
٢١٢/٣
عبد اللّه أوْلاهم بكلّ خير فى الدنيا والآخرة ؛ ولكنّ الأمر لله يختارُ لدينه من
يشاء؛ قال اللّه عزّ وجلّ: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِى
مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١)؛ ولقد بعث الله محمداً عليه السلام وله
مُمومة أربعة، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢).
فأنذرهم ودعاهم ، فأجاب اثنان أحدهما أبيى ، وأبى اثنان أحدهما أبوك ؛
فقطع الله ولا يتهما منه؛ ولم يجعل بينه وبينهما إلَّ ولاَ ذِمِّةً ولا ميراثاً. وزعمتَ
أنك ابن أخفّ أهل النار عذابا وابن خير الأشرار ؛ وليس فى الكفر بالله
صغير ، ولا فى عذاب الله خفيف ولا يسير؛ وليس فى الشرّ خيار؛ ولا ينبغى
لمؤمن يؤمن بالله أن يفخر بالنار، وستردُ فتعلم، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا
أَىِّ مُنْقَلَبٍ يَنْقِلِبُونَ﴾(٣)
وأما ما فخرت به من فاطمة أمّ علىّ وأنّ هاشً ولده مرتين، ومن فاطمة أمّ
حسن ، وأن عبد المطلب ولده مرتين ؛ وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم ولدك
مرتين ؛ فخير الأوّلِين والآخرين رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولم يلده
هاشم إلاَّ مرةً ولا عبد المطلب إلا مرّة.
وزعمت أنك أوسط بنى هاشم نسبًا، وأصرحهم أمَّا وأبًا ؛ وأنه لم تلدك
العجمُ ولم تعرّق فيك أمّهاتُ الأولاد؛ فقد رأيتُك فخرت على بنى هاشم طرًّا؛
فانظر ويحك أين أنْتَ من الله غداً! فإنك قد تعدَّيتَ طَوْرك ، وفخرت على
مَنْ هو خير منك نفسًا وأبًا وأولاً وآخراً، إبراهيم(٤) بن رسول الله صلى الله عليه
وسلم وعلى والد ولده؛ وما خيار بنى أبيك خاصّة وأهل الفضل منهم إلاّ بنوأمهات
أولاد، وما وُلدَ فيكم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضلُ من علىّ
ابن حسين؛ وهو لأمّ(٥) ولد؛ ولهو خيرٌ من جدّك حسن بن حسن؛ وما كان
فيكم بعده مثلُ ابنه محمد بن علىّ، وجدّتُه أمّ ولد ؛ ولهو خيرٌ من أبيك ،
(٢) سورة الشعراء ٢١٤.
(١) سورة القصص ٥٦.
٢١٣/٣
(٣) سورة الشعراء ٢٢٧.
( ٤) أم إبراهيم مارية التى أهداها المقوقس عظيم القبط إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(٥) أم على زين العابدين ؛ سبية من بنات يزدجرد. وانظر ابن ملكان ١: ٣٢٠.

٥٧٠
سنة ١٤٥
ولا مثلُ ابنه جعفر وجدّته أمّ ولد ؛ ولهو خيرٌ منك .
وأما قولك : إنكم بنو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله تعالى يقول
فى كتابه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾(١)، ولكنكم
بنو ابنته؛ وإنها لقرابة قريبة ؛ ولكنها لا تحوز الميراث، ولا ترث الولاية ،
ولا تجوز لها الإمامة ؛ فكيف تورَث بها ! ولقد طلبها أبوك بكلّ وجه
فأخرجها (٢) نهاراً، ومَرّضها سرًّا، ودفنها ليلا؛ فأبى الناس إلا الشيخين
وتفضيلهما ؛ ولقد جاءت السنّة التى لا اختلاف فيها بين المسلمين أن الجدّ
أبا الأم والخال والخالة لا يرثون (٣).
وأما ما فخرت به من علىّ وسابقته، فقد حضرتْ رسولَ اللّه صلى الله عليه
وسلم الوفاةُ ، فأمر غيرَه بالصّلاة، ثم أخذ الناس رجلا بعد رجل فلم يأخذوه ؛
وكان فى الستّة فتركوه كلهم دفعًا له عنها، ولم يروا له حقًّا فيها؛ أما عبدالرحمن
فقدّم عليه عثمان، وقُتِلِ عثمان وهو له متّهم، وقاتِله طلحة والزبير، وأبى سعد
بيعته ، وأغلق دونه بابه ، ثم بايع معاويةَ بعده . ثم طلبها بكلّ وجه وقاتل
عليها ، وتفرّق عنه أصحابه ، وشكّ فيه شيعتُه قبل الحكومة ، ثم حكّم
حكمين رضى بهما ، وأعطاهما عهده وميثاقه ، فاجتمعا على خلعه . ثم كان
حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم ولحق بالحجاز ؛ وأسلم شيعته بيد معاوية
ودفع الأمر إلى غير أهله ؛ وأخذ مالاً من غير ولائه(٤) ولا حِلّه؛ فإنْ كان
لكم فيها شىء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه . ثم خرج عمّك حسين بن علىّ على
ابن مَرْ جانة (٥)، فكان الناس معه عليه حتى قتلوه ، وأتْوا برأسه إليه ، ثم
خرجتم على بنى أميّة ، فقتلوكم وصلَّبوكم على جُذوع النخل ، وأحرقوكم
بالنيران ، ونفوْكم من البلدان ؛ حتى قُتل يحيى بن زيد بخُراسان ؛ وقتلوا
رجالكم وأسروا الصَّبْيَة والنساء، وحملوهم بلا وطاء فى المحافل(٦) كالسّبْى
٢١٤/٣
(١) سورة الأحزاب ٤٠.
(٢) ابن الأثير: ((فأخرج فاطمة)).
(٣) ابن الأثير: ((يورثون)).
(٤) ب: ((ولاته))، ج وابن الأثير: ((ولاية)).
(٥) هو عبيد الله بن زياد، ومرجانة أمه .
(٦) الوطاء: المهاد الوطىء. والمحمل: شقان على البعير ؛ يحمل فيهما العديلان؛ وجمعه
محامل. فى الكامل: ((ثم أتوا بكم على الأقتاب من غير أوطئة كالسبى المجلوب)).

٥٧١
سنة ١٤٥
المجلوب إلى الشأم ؛ حتى خرجنا عليهم فطلبنا بثأركم، وأدركنا بدمائكم وأورثناكم
أرضهم وديارهم، وسنّينا سلفكم وفضّلناه ، فاتخذتَ ذلك علينا حجة .
وظننت أنا إنما ذكرنا أباك وفضّلناه للتقدمة منّا له على حمزة والعباس وجعفر؛
وليس ذلك كما ظننت؛ ولكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين، متسلَّمًا منهم،
مجتمعًا عليهم بالفضل، وابتُلى أبوك بالقتال والحرب؛ وكانت بنوأمية تلعنه
كما تلعن الكفرة فى الصلاة المكتوبة، فاحتججنا له، وذكرناهم فضله، وعنّفناهم
وظلّمناهم بما نالوا منه. ولقد علمتَ أن مكرُمتنا فى الجاهلية سقايةُ الحجيج(١)
الأعظم، وولاية زمزم ؛ فصارت للعباس من بين إخوته ؛ فنازعتنا فيها أبوك،
فقضى لنا عليه عمر ، فلم نزل نليها فى الجاهلية والإسلام ؛ ولقد قحط أهلُ
المدينة فلم يتوسل عمر إلى ربّه ولم يتقرّب إليه إلا بأبينا، حتى نعشهم (٢) الله
وسقاهم الغيث، وأبوك حاضرٌ لم يتوسّل به؛ ولقد علمت أنه لم يبق أحدٌ من بنى
عبد المطلب بعد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم غيرُه ؛ فكان وراثته من عمومته، ثم
طلب هذا الأمر غيرُ واحد من بنى هاشم فلم يَخَلْه إلا ولدُه؛ فالسقايةُ
سقايتُهُ وميراثُ النبيّ له، والخلافة فى ولده ، فلم يبق شَرَفٌ ولا فضل فى جاهلية
ولا إسلام(٣) فى دنيا ولا آخرة إلّ والعباس وارثه ومورّثه.
٢١٥/٣
وأما ما ذكرت من بَدْر ؛ فإن الإسلام جاء والعباس يمون أبا طالب
وعياله ، وينفق عليهم للأزمة التى أصابته ؛ ولولا أنّ العباس أخرج إلى بدر
كارهاً(٤) لمات طالب وعقيل جوعًا، وللحساجفان عُتْبة وشيبة؛ ولكنه كان
من المطعمين، فأذهب عنكم العار والسبَّة، وكفَاكم النَّفقة والمؤونة، ثم فدى
عَقِيلا يوم بَدْر؛ فكيف تفخر علينا وقد عُلْناكم فى الكفر ، وفديناكم من
الأسر ، وحُزْنا عليكم مكارم الآباء ، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء ، وطلبنا
بثأركم فأدركنا (٥) منه ما عجزتم عنه ؛ ولم تدركوا لأنفسكم! والسلام
عليك ورحمة الله(٦).
(١) ابن الأثير: ((الحاج)).
(٢) ابن الأثير: ((يغشيهم)).
(٣) ج: ((الجاهلية والإسلام)).
(٥) ج: ((وأدركنا)).
(٤) ج: ((كرماً)).
(٦) كامل المبرد ٤: ١١٦ - ١٢٠.
-

٥٧٢
سنة ١٤٥
قال عمر بن شبّة : حدثنى محمد بن يحيى ، قال : حدثنى الحارث بن
إسحاق، قال: أجمع ابن القسرىّ على الغدر بمحمد، فقال له: يا أمير المؤمنين،
٢١٦/٣ ابعث موسى بن عبد اللّه ومعه رزامً مولاى إلى الشأم يدعوان إليك.
فبعثهما فخرج رزام بموسى إلى الشام ، وظهر محمد على أن القسرىّ كتب إلى
أبى جعفر فى أمره ، فحبسه فى نفر ممن کان معه فى دار ابن هشام التى فى
قبلة مصلى الجنائز- وهى اليوم لفرج الخصىّ- وورد رزام بموسى الشأم ، ثم
انسلّ منه ، فذهب إلى أبى جعفر ، فكتب موسى إلى محمد : إنى أخبرك أنى
لقيت الشأم وأهله، فكان أحسنهم قولا الذى قال: والله لقد مللنا البلاء ، وضقنا
به ذرعًا ؛ حتى ما فينا لهذا الأمر موضع ، ولا لنا به حاجتة ؛ ومنهم طائفة
تحلف : لئن أصبحنا من ليلتنا أو مسّينا من غد ليرفعنّ أمرنا وليدلنّ
علينا ؛ فكتبت إليك وقد غيبت وجهى، وخفت على نفسى. قال الحارث:
ويقال إنّ موسى ورزاماً وعبد الله بن جعفر بن عبدالرحمن بن المسور توجهوا
إلى الشأم فى جماعة؛ فلما ساروا بتيْماء ، تخلّف رزام ليشترى لهم زاداً ،
فركب إلى العراق ، ورجع موسى وأصحابه إلى المدينة .
قال : وحد ثنی عیسى ، قال : حدثی موسى بن عبد الله ببغداد ورزام
معنا ، قال : بعثنى محمد ورزاماً فى رجال معنا إلى الشأم، لندعُوَ له ؛ فإنا
لبدومة الجندل ؛ إذ أصابنا حرٌّ شديد؛ فنزلنا عن رواحلنا نغتسل فى
غدير ، فاستلّ رزام سيفته ، ثم وقف على رأسى ، وقال : با موسى ، أرأيتَ
لو ضربتُ عنقك ثم مضيت(١) برأسك إلى أبى جعفر ؛ أيكون أحد عنده فى
منزلى! قال : قلت: لا تدع هزلتَك يا أبا قيس! شم سيفك غفر الله لك.
قال : فشام سيفه، فركبنا . قال عيسى : فرجع موسى قبل أن يصل إلى
الشأم ، فأتى البصرة هو وعثمان بن محمد ، فدُلّ عليهما ، فأخِذا .
٢١٧/٣
قال : وحدّثنى عبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزّبير ، قال :
حدّثنى أخى عبد الله بن نافع الأكبر ، قال : لما ظهر محمد لم يأته أبى نافع
ابن ثابت ، فأرسل إليه ، فأتاه وهو فى دار مَرْوان ، فقال : يا أبا عبد الله ،
(١) ج: ((ذهبت)).

٥٧٣
سنة ١٤٥
لم أرك جئتنا ! قال : ليس فىّ ما تريد، فألحّ عليه محمد ؛ حتى قال : البس
السلاحَ يتأسّ بك غيرك، فقال: أيها الرجل ؛ إنى والله ما أراك فى شىء ؛
خرجتَ فى بلد ليس فيه مال ولا رجال ولا كُراع ولا سلاح؛ وما أنا بمهلك
نفسى معك ، ولا معين على دمى . قال : انصرفْ؛ فلا شىء فيك بعد هذا .
قال : فمكث يختلف إلى المسجد إلى أن قُتِل محمد ، فلم يصلّ فى مسجد
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قُتل إلا نافع وحدَه .
ووجّه محمد بن عبد الله لما ظهر - فيما ذكر عمر عن أزهر بن سعيد بن نافع
- الحسن بن معاوية إلى مكة عاملا عليها ، ومعه العباس بن القاسم - رجل
من آل أبى لهب ـ فلم يشعر بهم السرىّ بن عبد الله حتى دنَوْا من مكة ،
فخرج إليهم ، فقال له مولاه : ما رأيك؟ قد دنونا منهم ، قال: انهز موا على
بركة الله، وموْعدكم بئر ميمون. فانهزموا ؛ ودخلها الحسن بن معاوية . وخرج
الحسين بن صّخْر - رجل من آل أوّيس - من ليلته ، فسار إلى أبى جعفر
تسعً فأخبره فقال: ((قد أنصف الْقَارة من رَاماها)) (١)، وأجازه
بثلثمائة درهم .
قال : وحدّثنى أيوب بن عمر ، قال : حدّثنى محمد بن صالح بن معاوية،
قال : حدّثنى أبى ، قال : كنت عند محمد حين عقد للحسن بن معاوية على
مكة ، فقال له الحسن : أرأيت إن التحم القتال بيننا وبينهم، ما ترى فى السرىّ؟
قال : يا حسن ، إن السرىّ لم يزل مجتنبًا لما كرهنا، كارهًا للذى صنع أبو جعفر؛
فإن ظفرتَ به فلا تقتلْه ؛ ولا تحركنّ له أهلا، ولا تأخذنّ له متاعاً ، وإن
تنحّى فلا تطلبنّ له أثراً . قال : فقال له الحسن : يا أميرَ المؤمنين، ما كنت
أحسبك تقول هذا فى أحد من آل العباس ، قال : بلى ، إن السرىّ لم يزل
ساخطًا لما صنع أبو جعفر .
٢١٨/٣
قال : وحدّثنى عمر بن راشد مولى عَنْج، قال : كنت بمكة ، فبعث
(١) مثل، والقارة: قبيلة من عضل ؛ وكانوا من رماة العرب.

٥٧٤
سنة ١٤٥
إلينا محمد حين ظهر الحسن بن معاوية والقاسم بن إسحاق ومحمد بن عبد الله
ابن عنبسة يدعى أبا جبرة، أميرهم الحسن بن معاوية ؛ فبعث إليهم السرىّ بن
عبد الله كاتبه مسكين بن هلال فى ألف، ومولى له يدعى مسكين بن نافع فى
ألف، ورجلا من أهل مكة يقال له ابن فرس- وكان شجاعًا فى سبعمائة،
وأعطاه خمسمائة دينار، فالتقوْا ببطن أذاخر بين الثنيّتيْن وهى الثنيّة التى تهبط
على ذى طُوَّى، منها هبط النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى مكة، وهى
داخلة فى الخرم ، فتراسلوا؛ فأرسل حسن إلى السرىّ أن خلّ بيننا وبين مكة ،
ولا تُهريقوا الدماء فى حرم الله. وحلف الرسولان للسرىّ: ما جئناك حتى مات
أبو جعفر. فقال لهما السرىّ: وعلىّ مثل ما حلفتما به؛ إن كانت مضت لى أربعة؛
منذ جاءنى رسول من عند أمير المؤمنين ، فأنظرونى أربع ليال ؛ فإنى أنتظر
رسولاً لى آخر ، وعلىّ ما يصلحكم ، ويصلح دوابكم ، فإن يكن ما تقولونه
حقًّا سلّمتها إليكم؛ وإن يكن باطلا أجاهدكم حتى تغلبونى أو أغلبكم ؛ فأبى
الحسن ، وقال : لا نبرح حتى نناجزك ، ومع الحسن سبعون رجلا وسبعة من
الخيل ، فلما دنوا منه ، قال لهم الحسن : لا يقدّ منّ أحد منكم حتى ينفخ
فى البوق (١) ؛ فإذا نفخ فلتكن حملتُكم حملة رجل واحد. فلما رهِقْناهم
وخشى الحسن أن يغشاه وأصحابه، ناداه : انفخ ويحك فى البوق ! فنفخ ووثبوا
وحملوا علينا حسَمْلة رجل واحد. فانهزم أصحاب السرىّ ، وقتل منهم سبعة
نفر . قال : واطلع عليهم بفرسان من أصحابه وهم من وراء الثنيّة فى نفر من
قريش قد خرج بهم، وأخذ عليهم لينصُرُنَّه ، فلما رآهم القرشيوّن قالوا:
هؤلاء أصحابُك قد انهزموا ، قال: لا تعجلوا، إلى أن طلعت الخيل والرجال
فى الجبال ؛ فقيل له : ما بقى ؟ فقال : انهزموا على بركة الله، فانهزموا حتى
دخلوا دار الإمارة ، وطرحوا أداة الحرْب، وتسوّروا على رجل من الجند يكنى
أبا الرزام . فدخلوا بيته فكانوا فيه . ودخل الحسن بن معاوية المسجد ، فخطب
الناس ونعى إليهم أبا جعفر ودعا لمحمد .
قال : وحدّثنى يعقوب بن القاسم ، قال : حدثنى الغمر بن حمزة بن
أبى رملة ، مولى العباس بن عبد المطلب ، قال : لما أخذ الحسن بن معاوية
(١) ط: ((ونتوا فى البوق))، والصواب ما أثبته من ت، هـ.
٢١٩/٣
٢٢٠/٣

٥٧٥
سنة ١٤٥
مكة ، وفرّ السرىّ بلغ الخبر أبا جعفر، فقال: لهفى على ابن أبى العتضّل.
قال : وحدّثنى ابن أبى مُساور بن عبد الله بن مساور مولى بنى نائلة
من بنى عبد اللّه بن مُعيْص، قال : كنت بمكة مع السرىّ بن عبد اللّه ،
فقدم عليه الحسنُ بن معاوية قبل مخرج محمد-والسرىّ يومئذ بالطائف وخليفته
بمكة ابن سُراقة من بنی عدیّ بن كعب - قال : فاستعدیعتبة بن أبى خداش
اللُّهْبِىّ على الحسن بن معاوية فى دَيْنٍ عليه فحبسه، فكتب له السرىّ إلى
ابن أبى خداش : أما بعد فقد أخطأتَ حظّك ، وساء نظرك لنفسك حين
تحبس ابنَ معاوية؛ وإنما أصبت المال من أخيه . وكتب إلى ابن سراقة يأمره
بتخليته ، وكتب إلى ابن معاوية يأمره بالمقام إلى أن يقدَم فيقضى عنه . قال :
فلم يلبث أن ظهر محمد ، فشخص إليه الحسن بن معاوية عاملا على مكة ،
فقيل للسرىّ : هذا ابن معاوية قد أقبل إليك ، قال : كلاّ ما يفعل ربلائى
عنده [بلائى] (١)، وكيف يخرج إلى" أهل المدينة! فوالله مابها دار إلا وقد دخلها
لى معروف، فقيل له : قد نزل فجاء. قال : فشخص إليه ابنُ جريج،
فقال له : أيها الرجل ، إنك والله ما أنتَ بواصل إلى مكة وقد اجتمع أهلُها
مع السرىّ ، أتُراك قاهراً قريشًا وغاصبها على دارها ! قال : يابن الحائك ،
أبأهل مكة تخوّفنى ! والله ما أبيت إلا بها أو أموت دونها. ثم وثب فى أصحابه،
وأقبل إليه السرىّ ، فلقيه بفخَّ، فضرب رجل من أصحاب الحسن مسْكين بن
هلال كاتب السرىّ على رأسه فشجّه ، فانهزم السرىّ وأصحابه ، فدخلوا
مكة ، والتفّ أبو الرزام - رجل من بني عبد الدار ثم أحد آل شيبة -
على السرىّ ، فواراه فى بيته ، ودخل الحسن مكة . ثم إن الحسن أقام بمكة
يسيراً ، ثم ورد كتاب محمد عليه يأمره باللحاق به .
٢٢١/٣
وذكر عمر عن عبد الله بن إسحاق بن القاسم ، قال : سمعتُ من لا أحصى
من أصحابنا يذكر أنّ الحسن والقاسم لما أخذا مكة ، تجهزا وجمعا جمعًا
كثيراً ، ثم أقبلا يريدان محمداً ونُصرته على عيسى بن موسى ؛ واستخلفا على
مكة رجلا من الأنصار ؛ فلما كانا بقُدَيْد لقيهما قتْلُ محمد ، فتفرّق
(١) من ت، هـ .

٥٧٦
سنة ١٤٥
الناس عنهما ، وأخذ الحسن على بتَسْقة - وهى حرّة فى الرمل تدعى بتَسْقة
قُدَيد - فلحق بإبراهيم؛ فلم يزل مقياً بالبصرة حتى قُتل إبراهيم. وخرج
القاسم بن إسحاق يريد إبراهيم ؛ فلما كان بيديع من أرض فَدّك ، لقيه
قتلُ إبراهيم ، فرجع إلى المدينة ، فلم يزل مختفيًا حتى أخذت ابنة عبد الله بن
محمد بن علىّ بن عبد الله بن جعفر؛ زوجة عيسى بن موسى ، له ولإخوته الأمان
فظهر (١) بنو معاوية ، وظهر القاسم.
قال : وحدّثنى عمر بن راشد مولى عنج ، قال : لما ظهر الحسن بن
٢٢٢/٣ معاوية على السرىّ أقام قليلا حتى أتاه كتاب محمد يأمره بالشخوص إليه ؛
ويخبره أن عيسى قد دنا من المدينة ، ويستعجله بالقدوم . قال : فخرج من
مكة يوم الاثنين فى مطر شديد - زعموا أنه اليوم الذى قُتِل فيه محمد - فتلقاه
بريدٌ لعيسى بن موسى بأمج- وهو ماء لخزاعة بين عُسفان وقُديد - بقتل
محمد ، فهرب وهرب أصحابه .
قال عمر :وحد ثنی محمد بن یحی ،قال: حد ◌ّثنی عبد العزيز بن أبى ثابت
عن أبى سيار، قال: كنت حاجبَ محمد بن عبد اللّه، فجاءنى راكبٌ من الليل،
قال : قدمتُ من البصرة ، وقد خرج بها إبراهيم ، فأخذها . قال : فجئتُ
دار مَرْوان ، ثم جئت المنزل الذى فيه محمد ، فدققتُ الباب ، فصاح بأعلى
صوته : من هذا ؟ قلت: أبو سيّار، قال: لا حول ولا قوّة إلا باللّه؛ اللهم
إنى أعوذ بك من شرّ طوارق الليل ؛ إلا طارق يطرق منك بخير ، قال : خير !
قلت : خير ، قال : ما وراءك ؟ قلت : أخذ إبراهيم البَصْرة- [قال ] :
وكان محمد إذا صلى المغرب والصبح صاح صائح : ادعوا الله لإخوانكم
من أهل البصرة، وللحسن بن معاوية واستنصروه على عدوّ كم .
٠ ٠٠
قال : وحدّثنى عيسى ، قال : قدم علينا رجل من أهل الشام ، فنزل
دارنا - وكان يكنى أبا عمرو - فكان أبى يقول له : كيف ترى هذا الرجل ؟
فيقول : حتى ألقاه فأسبُره ثم أخبرك. قال عيسى : فلقيه أبى بعد ، فسأله
(١) كذا فى ت، هـ، وفى ط ((فصهره)).

٥٧٧
سنة ١٤٥
فقال : هو والله الرجل كلّ الرجل؛ ولكن رأيتُ شحم ظهره ذراعًا ، وليس
هكذا يكون صاحبَ الحرب . قال : ثم بايعه بعد ، وقاتل معه .
٢٢٣/٣
قال : وحدثنى عبد الله بن محمد بن سلْم - يدعىَ ابنَ البواب مولى
المنصور - قال : كتب أبو جعفر إلى الأعمش كتاباً على لسان محمد ، يدعوه
إلى نصرته ، فلما قرأه قال: قد خبرنا كم يا بنى هاشم ؛ فإذا أنتم تحبّون الثريد.
فلما رجع الرسول إلى أبى جعفر فأخبره ، قال : أشهد أنّ هذا كلام الأعمش .
وحدّثنى الحارث ، قال : حدثنى ابنُ سعد ، عن محمد بن عمر ، قال :
غلب محمد بن عبد اللّه على المدينة ، فبلغنا ذلك ، فخرجنا ونحن شباب ؛
أنا يومئذ ابنُ خمس عشرة سنة ، فانتهينا إليه ؛ وهو قد اجتمع إليه الناس
ينظرون إليه؛ ليس يُصَدّ عنه أحد ؛ فدنوتُ حتى رأيته وتأملته ؛ وهو على
فَرَس ، وعليه قميص أبيض محشوّ وعمامة بيضاء ؛ وكان رجلاً أحزم ؛ قد
أثّر الجُدرىّ فى وجهه، ثم وجّه إلى مكة فأخذت له، وبيّضوا ؛ ووجّه
أخاه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة ، فأخذها وغلبها وبيّضوا معه .
#
رجع الحديث إلى حديث عمر . قال عمر : وحدّثنى محمد بن يحيى ،
قال : حدّثنى الحارث بن إسحاق ، قال : ندَب أمير المؤمنين أبو جعفر
عيسى بن موسى لقتال محمد ، وقال: لا أبالى أيّهما قتل صاحبه ؛ وضمّ إليه
أربعة آلاف من الجُنْد، وبعث معه محمد بن أبى العباس أمير المؤمنين .
قال : وحدّثنى عبد الملك بن شيبان. عن زيد مولى مسمع ، قال : لما أمر
أبو جعفر عيسى بن موسى بالشخوص ، قال : شاوِرْ عمومَتك ، فقال له :
امضِ أيها الرجل ؛ فوالله ما يراد غيرى وغيرك؛ وما هو إلّ أن تشخص أو
أشخص ؛ قال : فسار حتى قدم علينا ونحن بالمدينة .
قال : وحدّثنى عبد الملك بن شيبان ، قال : دعا أبو جعفر بن حنظلة
البَهرانيّ - وكان أبرصَ طُوالا، أعلم الناس بالحرب، وقد شهد مع مَرْوان
حروبه - فقال : يا جعفر ، قد ظهر محمد ، فما عندك ؟ قال : وأين ظهر ؟
٢٢٤/٣

٥٧٨
سنة ١٤٥
قال : بالمدينة ، قال: فاحمد الله، ظهر حيث لا مالَ ولا رجال ولا سلاح
ولا كُراع ؛ ابعث مولّى لك تثق به فليسرْ حتى ينزل بوادى القرى ؛ فيمنعه
مِيرة الشأم ، فيموت مكانه جوعًا ، ففعل .
قال : وحدّثنى عبد اللّه بن راشد بن يزيد، قال : سمعتُ أصحابنا
إسماعيل بن موسى وعيسى بن النّضْر وغيرهما يذكرون أنّ أبا جعفر قدّم كثير
ابن حُصَيْن العبدّى ، فعسكر بفيد ، وخندق عليه خندقاً ؛ حتى قدم
عليه عيسى بن موسى ، فخرج به إلى المدينة . قال عبد الله : فأنا رأيتُ الخندق
قائمًا دهراً طويلاً ، ثم عفا ودَرس.
قال : وحدّثنى يعقوب بن القاسم ، قال : حدّثنى علىّ بن أبى طالب
- ولقيته بصنعاء - قال : قال أبو جعفر لعيسى حين بعثه إلى محمد: عليك
بأبى العسكر مسمع بن محمد بن شيبان بن مالك بن مسمع ، فسرْ به مَعَك ؛
فإنى قد رأيته منعَ سعيد بن عمرو بن جَعَدَة بن هبيرة من أهل البصرة ؛ وهم
محلبون عليه(١)؛ وهو يدعو إلى مَرْوان؛ وهو عند أبى العسكر يأكل المخَّ بالطَّبْرْزَد،
فخرج به عيسى؛ فلما كان ببطن نخل، تخلّف هو والمسعودىّ بن عبدالرحمن
ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود حتى قُتِل محمد ، فبلغ
٢٢٥/٣ ذلك أبا جعفر، فقال لعيسى بن موسى: ألَّ ضربت عنقه !
وحدّثنى عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علىّ بن أبى طالب ،
قال : أخبرنى أبى ، قال : قال أبو جعفر لعيسى بن موسى حين ودّعّه :
يا عيسى؛ إنّى أبعثك إلى ما بَيْن هذين - وأشار إلى جنبيه - فإن ظفرت
بالرجل فشِمْ سيفك، وابذل الأمان؛ وإن تغيّب فضمنهم إياه حتى يأتوك
به ، فإنهم يعرفون مذاهبه . قال : فلما دخلها عيسى فعل ذلك .
فحدثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : قال محمد بن عمر :
وجّه أبو جعفر إلى محمد بن عبد الله بالمدينة عيسى بن موسى بن محمد بن على
ابن عبد الله بن عباس، ووجّه معه محمد بن أبى العباس أمير المؤمنين وعدّةً من
(١) أحلب القوم، أى جاءوا من كل وجه للحرب.

٥٧٩
سنة ١٤٥
قُوّاد أهل خراسان وجندهم ، وعلى مقدّمة عيسى بن موسى حُميد بن قحطبة
الطائىّ، وجهّزهم بالخيل والبغال والسلاح والميرة، فلم ينزل ، ووجّه مع عيسى
ابن موسى بن أبى الكرام الجعفرىّ ؛ وكان فى صحابة أبى جعفر ؛ وكان مائلا
(١)
إلى بنى العباس ، فوثق به أبو جعفر فوجّهه .
٠
٠ ٠
رجع الحديث إلى حديث عمر بن شبّة . قال عمر : وحدّثنى عيسى ،
عن أبيه ، قال : كتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى: مَنْ لقيتَك من
آل أبى طالب فاكتب إلىّ باسمه، ومَنْ لم يلقك فاقبض ماله. قال: فقبض
عين أبى زياد - وكان جعفر بن محمد تغيَّب عنه - فلما قدم أبو جعفر كلمه
جعفر ، وقال : مالى ، قال : قد قبضه مهد بكم .
...
٢٢٦/٣
قال : وحدّثنى محمد بن يحيى ، قال : حدثنى الحارث بن إسحاق ،
قال: لما صار عيسى بفَيْد، كتب إلى رجال من أهل المدينة فى خِرَقِ الحرير؛
منهم عبد العزيز بن المطلب المخزومىّ وعبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحىّ ،
فلما وردتْ كتبه المدينة ، تفرّق ناسٌ كثير عن محمد؛ منهم عبد العزيز بن
المطلب؛ فأخذ فُردًّ ، فأقام يسيراً ؛ ثم خرج، فرُدّ مرّة أخرى ؛ وكان
أخوه علىّ بن المطلب من أشدّ الناس مع محمد ؛ فكلم محمّداً فى أخيه حتى
کفّه عنه .
قال : وحد ◌ّثّنى عيسى ، قال : كتب عيسى بن موسى إلى أبى فى حريرة
صفراء جاء بها أعرابىٌ بين خصافىْ نعله ، قال عيسى: فرأيتُ الأعرابىَّ
قاعداً فى دارنا ، وإنى لصيِىٌّ صغير ؛ فدفعها إلى أبى فإذا فيها :
إن محمداً تعاطى ما ليس يعطيه الله، وتناول ما لم يُؤته اللّه، قال عزّ وجل
فى كتابه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلك تُؤْتِى المُلكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ
تَشَاءُ وَتُعِزُّمَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُإِنَّكَ عَلَى كُلِّشَىْءٍقَدِيرٌ﴾(٢).
(١) بياض فى ط. والخبر ساقط من ت، هـ
(٢) سورة آل عمران ٢٦.

٥٨٠
سنة ١٤٥
فعجّل التخلص وأقلّ الترُّبص، وادعُ مَنْ أطاعك من قومك إلى
الخروج معك .
قال : فخرج وخرج معه عمر بن محمد بن عمر ، وأبو عَقِيل محمد بن
عبد الله بن محمد بن عَقِيل ، قال : ودعوا الأفطس حسن بن على بن
أبى طالب إلى الخروج معهم فأبى، وثبت مع محمد؛ وذُ كرخروجهم لمحمد فأرسل
إلى ظَهْرهم فأخده ؛ فأتاه عمربن محمد ، فقال : أنت تدعو إلى العدْل ونفى
الجور ؛ فما بال إبلى تؤخذ! فإنما أعددتها لحجّ أو ◌ُمْرة . قال: فدفعها إليه -
فخرجوا من تحت ليلتهم ؛ فلقوا عيسى على أربع - أو خمس ـ من المدينة .
٢٢٧/٣
قال : وحدّثنى أيوب بن عمر بن أبى عمرو بن نعيم بن ماهان، قال :
كتب أبو جعفر إلى رجال من قريش وغيرهم كتبًا ، وأمر عيسى : إذا دنا
من المدينة أن يبعث بها إليهم، فلما دنا بعث بها إليهم ؛ فأخذ حرسُ محمد
الرسولَ والكتب ، فوجد فيها كتابًا إلى إبراهيم بن طلحة بن عمربن عبيد اللّه
ابن معمر وإلى جماعة من رؤساء قريش . فبعث محمد إلينا جميعًا ما خلا
ابن عمر وأبا بكر بن سبْرة ، فحُبِسنا فى دار ابن هشام التى فى المصلّى.
قال أبى : وبعث إلىّ وإلى أخى ، فأتِىَ بنا فضُربنا ثلثمائة . قال : فقلت له
وهو يضربنى ويقول : أردتَ أن تقتلنى ! تركتُك وأنت تستتر بحجر وبيت
شعر ؛ حتى إذا صارت المدينة فى يدك ، وغلظ أمرك، قمتُ عليك فبِمَنْ
أقوم ! أبطاقتى، أم بمالى، أم بعشيرتى! قال : ثم أمر بنا إلى الحبس ، وقُيّدنا
بكُبول وسلاسل تبلغ ثمانين رطلا ، قال : فدخل عليه محمد بن عجلان ،
فقال : إنى ضربتُ هذين الرجلين ضرباً فاحشًا ، وقيّدتهما بما منعهما من
الصلاة . قال : فلم يزالا محبوسيْن حتى قدم عيسى .
قال : وحد ثني محمد بن يحيى قال : حدثنى عبد العزيز بن أبى ثابت،
عن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبى الحكم ، قال : إنا لعند محمد
ليلة - وذلك عند دُنوّ عيسى من المدينة - إذ قال محمد: أشيروا علىّ فى
الخروج والمقام ، قال: فاختلفوا . فأقبل علىّ فقال: أشرْ علىّ يا أبا جعفر،
٢٢٨/٣