النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
سنة ١٣٩
عزل سليمان وولّى سفيان توارى عبد الله بن علىّ وأصحابه خوفًا على أنفسهم ؛
فبلغ ذلك أبا جعفر ، فبعث إلى سليمان وعيسى ابنى علىّ ، وكتب إليهما فى
إشخاص عبد الله بن علىّ، وعزم عليهما أن يفعلا ذلك ولا يؤخّراه ،
وأعطاهما من الأمان لعبد الله بن علىّ ما رضياه له ووثقا به، وكتب إلى
سفيان بن معاوية يعلمه ذلك، ويأمره بإزعاجهما واستحثائهما بالخروج بعبد الله
ومَن معه من خاصّته ، فخرج سليمان وعيسى بعبد الله وبعامّة قوّاده وخواص"
أصحابه ومواليه ، حتى قدموا على أبى جعفر؛ يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة
بقيت من ذى الحجّة .
[ ذكر خبر حبس عبد الله بن على" ]
وفيها أمر أبو جعفر بحبس عبد الله بن علىّ وبحبس مَن كان معه من
أصحابه وبقتل بعضهم .
ذكر الخبر عن ذلك :
ولما قدم سليمان وعيسى ابنا علىّ على أبى جعفر أذن لهما، فدخلا عليه،
فأعلماه حضورَ عبد الله بن علىّ، وسألاه الإذن له . فأنعم لهما بذلك، وشغلهما
بالحديث ، وقد كان هيّأ لعبد الله بن علىّ محبساً(١) فى قصره، وأمر به أن
ينصرف(٢) إليه بعد دخول عيسى وسليمان عليه(٣)، ففُعِل ذلك به؛ ونهض (٤)
أبو جعفر من مجلسه ، فقال لسليمان وعيسى : سارعا بعبد اللّه ، فلما خرجا
افتقدا عبد اللّه من المجلس الذى كان(٥) فيه، فعلما أنه قد حُبس، فانصرفا ١٢٧/٣
راجعين إلى أبى جعفر، فحيل بينهما وبين الوصول إليه ، وأخذت عند ذلك
سيوف مَنْ حضر من أصحاب عبد الله بن علىّ من عواتقهم وحبسوا .
وقد كان خُفاف بن منصور حذّرهم ذلك وندم على مجيئه ، وقال لهم : إن
أنتم أطعتمونى شددنا شدّة واحدة على أبى جعفر ؛ فوالله لا يحول بيننا وبينه
حائل حتى نأتى على نفسه ، ونشدّ على هذه الأبواب مصلتين سيوفنا ، ولا
(٢) ط: ((يصرف)).
(١) ب، ت: ((مجلساً))، ابن الأثير: ((مكاناً)).
(٥) ت،ج: ((خلفاه)).
(٣)° كذا فى ت. (٤) ت، ح: ((ثم نهض)).

٢
٥٠٢٠
سنة ١٣٩
يعرض لنا عارض إلّ أفاتنا " نفسه حتى نخرج وننجو بأنفسنا، فعصوْه . فلما
أخذت السيوفُ وأمر بحبسهم جعل خفاف يضرّط فى لحيته ، ويتفل فى وجوه
أصحابه. ثم أمر أبو جعفر بقتل بعضهم بحضرته؛ وبعث بالبقيَّة إلى أبى داود
خالد بن إبراهيم بخراسان فقتلهم بها .
وقد قيل إن حبس أبى جعفر عبد الله بن علىّ كان فى سنة أربعين ومائة.
*
وحجّ بالناس فى هذه السنة العباس بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس.
وكان على مكة والمدينة والطائف زياد بن عبيد اللّه الحارثىّ، وعلى الكوفة
وأرضها عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية، وعلى قضائها
سوّار بن عبد اللّه ، وعلى خراسان أبو داود خالد بن إبراهيم .
٠٠
(١) ط: ((أفتنا)).

٥٠٣
١٢٨/٣
ثم دخلت سنة أربعين ومائة
ذكر ما كان فيها من الأحداث
#
[ ذكر هلاك أبى داود عامل خراسان وولاية عبد الجبار]
فمن ذلك ما كان فيها من مهلك عامل خراسان .
ذکر الخبر عن ذلك وسبب هلا كه :
ذكر أن ناسًا من الجند ثاروا بأبى داود خالد بن إبراهيم بخُراسان وهو
عامل أبى جعفر المنصور عليها فى هذه السنة ليلاً، وهو نازل بباب كُشْاهَن
من مدينة مَرْو، حتى وصلوا إلى المنزل الذى هو فيه ، فأشرف أبو داود من
الحائط (١) على حرف آجُرّة خارجة، وجعل ينادى أصحابَه ليعرفوا صوتَه ،
فانكسرت الآجُرّة عند الصّبح، فوقع على سترة صُفَّة كانت قدّام السطح
فانكسر ظهره ، فمات عند صلاة العصر ، فقام عصام صاحب شُرْطة
أبى داود بخلافة أبى داود، حتى قدم عليه عبد الجبّار بن عبد الرحمن الأزدىّ .
وفيها ولَى أبو جعفر عبدَ الجبار بن عبد الرحمن خراسان فقدمها، فأخذ
بها ناسًاً من القوّاد ذُكِر أنه اتهمهم بالدعاء إلى ولد علىّ بن أبى طالب؛ منهم
مجاشع بن حريث الأنصارىّ صاحب بخارى وأبو المغيرة ، مولى بني تميم
واسمه خالد بن كثير وهو صاحب قوهستان، والحريش بن محمد الذّهلىّ، ابن
عمّ داود، فقتلهم، وحبس الجنيد بن خالد بن هريم التغلَّىّ ومعبد بن الخليل(٢)
المزنىّ بعد ما ضربهما ضرباً مبرّحاً، وحبس عدّة من وجوه قوّاد أهل خراسان ،
وألحّ على استخراج ما على عمال أبى داود من بقايا الأموال .
وفيها خرج أبو جعفر المنصور حاجًّا ، فأحرم من الحيرة ، ثم رجع بعد
ما قضى حجه إلى المدينة ، فتوجّه منها إلى بيت المقدس .
١٢٩/٣
(١) ابن الأثير: ((ليلا فوطى")).
(٢) ج: ((خليد المرى)).

٥٠٤
سنة ١٤٠
وكان عمّال الأمصار فى هذه السنة عمالها فى السنة التى قبلها، إلّ خُراسان
فإن عاملها كان عبد الجبار .
ولما قدم أبو جعفر بيت المقدس صلى فى مسجدها ، ثم سلك الشأم
فإن عاملها كان عبد الجبار .
ولما قدم أبو جعفر بيت المقدس صلّى فى مسجدها ؛ ثم سلك الشأم
منصرفًا حتى انتهى إلى الرَّقة، فنزلها، فأتى بمنصور بن جَعْونة بن الحارث
العامرىّ ، من بنى عامر بن صعصعة ، فقتله، ثم شخص منها، فسلك الفرات
حتى أتى الهاشمية ، هاشميّة الكوفة .

٥٠٥
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة
ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
#
[ ذكر الخبر عن خروج الرّاوندية ]
فمن ذلك خروج الراونديَّة، وقد قال بعضهم : كان أمر الراونديَّة وأمر
أبى جعفر الذى أنا ذاكره ، فى سنة سبع وثلاثين ومائة أو ست وثلاثين ومائة .
* ذكر الخبر عن أمرهم وأمر أبى جعفر المنصور معهم :
والرّاوندية قوم - فيما ذُكِرِ عن على بن محمد - كانوا من أهل خُراسان
على رأى أبى مسلم صاحب دعوة بنى هاشم، يقولون - فيما زعم - بتناسخ الأرواح،
ويزعمون أن روح آدم فى عثمان بن نتَهِيك، وأن ربّهم الذى يطعمهم ويسقيهم
هو أبو جعفر المنصور ، وأن الهيثم بن معاوية جبرئيل .
قال : وأتوا قصر المنصور ، فجعلوا يطوفون به ، ويقولون: هذا قصر ١٣٠/٣
ربّنا ؛ فأرسل المنصور إلى رؤسائهم ، فحبس منهم مائتين ، فغضب أصحابهم
وقالوا: علام حُبسوا! وأمر المنصور ألّ يجتمعوا، فأعدُّوا(١) نعشًا وحملوا
السرير - وليس فى النَّعش أحد - ثم مرُّوا فى المدينة ، حتى صاروا على باب
السجن ، فرموا بالنَّعْش ، وشدُّوا على الناس - ودخلوا السجن ، فأخرجوا
أصحابهم ، وقصدوا نحو المنصور وهم يومئذ ستمائة رجل ، فتنادى الناس ،
وغُلّقت أبواب المدينة فلم يدخل أحد ، فخرج المنصور من القصر ماشياً ،
ولم يكن فى القصر دابة ، فجعل بعد ذلك اليوم يرتبط فرسًا يكون فى دار
الخلافة (٢) معه فى قصره .
قال : ولما خرج المنصور أتِىَ بدابّة فركبتها وهو يريدهم ؛ وجاء معن
ابن زائدة ، فانتهى إلى أبى جعفر، فرمى بنفسه وترجَّل ، وأدخل بركة قبائه
فى منطقته، وأخذ بلجام دابة المنصور ، وقال : أنشدك الله يا أمير المؤمنين
(١) ت، ج: ((فاتخذوا)).
(٢) ت: ((الخليفة)).

٥٠٦
ستة ١٤١
إلاّ رجعت ؛ فإنك تُكفى . وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب
القصر ، وقال : أنا اليوم بوّاب، ونودى فى أهل السوق فرموْهم وقاتلوهم حتى
أثخنوهم ، وفُتِح باب المدينة ، فدخل الناس .
وجاء خازم بن خزيمة على فرس محذوف(١) ؛ فقال : يا أمير المؤمنين،
أقتلهم ؟ قال : نعم ، فحمل عليهم حتى ألجأهم إلى ظهر حائط ، ثم كرُّوا
على خازم فكشفوه وأصحابه ، ثم كرّ خازم عليهم فاضطرهم(٢) إلى حائط
المدينة . وقال للهيثم بن شعبة : إذا كرّوا علينا فاسبقْهم إلى الحائط ، فإذا
١٣١/٣ رجعوا فاقتلهم . فحملوا على خازم ، فاطرد لهم ، وصار الهيثم بن شعبة من
ورائهم . فقتِلوا جميعاً .
وجاءهم يومئذ عثمان بن نهيك؛ فكلمهم، فرجع فوموه بنشابة فوقعت بين
كتفيْه ؛ فرض أيامًا ومات منها ، فصلى عليه أبو جعفر، وقام على قبره حتى
دُفِن ، وقال : رحمك الله أبا يزيد(٣) ! وصيّر مكانه على حرسه عيسى بن
نَهِيك، فكان على الحرس حتى مات؛ فجعل على الحرس أبا العباس الطوسىّ.
وجاء يومئذ إسماعيل بن علىّ، وقد أغلقت الأبواب ، فقال للبواب :
افتح ولك ألف درهم ؛ فأبى . وكان القعقاع بن ضرار يومئذ بالمدينة ؛ وهو على
◌ُشرَطَ عيسى بن موسى، فأبلَى يومئذ؛ وكان ذلك كله فى المدينة الهاشميّة
بالكوفة .
قال : وجاء يومئذ الرّبيع ليأخذ بلجام المنصور ، فقال له معن : ليس
هذا من أيامك ، فأبلى أبرويز بن المَصْمُغان ملك دنبَاوَند - وكان خالف
أخاه ، فقدم على أبى جعفر فأكرمه ، وأجری علیه رزقًا ؛ فلما كان يومئذ
أتى المنصور فكفَّر له ، وقال : أقاتل هؤلاء ؟ قال له : نعم ، فقاتلهم ؛
فكان إذا ضرب رجلا فصرعه تأخّر عنه - فلما قُتلوا وصلى المنصور الظهر
. دعا بالعشاء ، وقال : أطلعوا (٤) معن بن زائدة ، وأمسك عن الطعام حتى
جاءه معن ؛ فقال لقُثْم: تحوّل إلى هذا الموضع، وأجلس معناً مكان ◌ُقُثَم،
فلما فرغوا من العشاء قال لعيسى بن علىّ: يا أبا العباس ، أسمعت بأشدّ
(١) فرس محذوف: مقصوص شعر الذنب .
(٣) ج: ((زيد)).
(٢) ت، ب: ((فاضطروهم).
(٤) ج: ((اطلبوا)).

٥٠٧
سنة ١٤١
الرجال(١)؟ قال: نعم، قال: لو رأيتَ اليوم معنًا علمتَ أنه من تلك الآساد،
قال معن: والله يا أمير المؤمنين لقد أتيتُك وإنى لوجِل القلب، فلما رأيتُ
ما عندك من الاستهانة بهمْ وشدّة الإقدام عليهم، رأيت أمراً لم أره من خلْق ١٣٢/٣
فى حرب ؛ فشدّ ذلك من قلبى وحملنى على ما رأيت منى .
وقال أبو خزيمة : يا أميرَ المؤمنين ، إنّ لهم بقيّة، قال : فقد ولّيتُك
أمرهم فاقتلهم ، قال : فأقتل رزاماً فإنه منهم ، فعاذَ رِزام بيجعفر بن أبى جعفر ،
فطُلب فيه فَآمنه .
وقال علىّ عن أبى بكر الهُذلىّ، قال: إنى لواقف بباب أمير المؤمنين
إذ طلع فقال رجل إلى جانبى : هذا رب العزّة ! هذا الذى يطعمنا ويسقينا؛
فلما رجع أمير المؤمنين ودخل عليه الناس دخلتُ وخلا وجهه ، فقلتُ له :
سمعتُ اليوم عجباً ، وحدّثته؛ فنكتَ فى الأرض ، وقال : ياهذلىّ، يدخلهم
الله النار فى طاعتنا ويَعْتلهم(٢)، أحبُّ إلىّ مِنْ أن يدخلهم الجنة بمعصيتنا.
وذكر عن جعفر بن عبد الله ، قال : حدّثنى الفضل بن الربيع ، قال :
حدثنى أبى ، قال : سمعت المنصور يقول : أخطأت ثلاث خطيّات وقانى
اللّه شرّها: قتلتُ أبا مسلم وأنا فى خرق ومَنْ حولى يقدّم طاعته ويُؤثرها
ولو هُتِكت الخرق لذهبتُ ضياعًا ، وخرجت يوم الراوندية ولو أصابنى سهم
غَرْب لذهبتُ ضياعاً ، وخرجت إلى الشأم ولو اختلف سيفان بالعراق
ذهبَتِ الخلافةُ ضياعاً .
وُذكر أنّ معن بن زائدة كان مختفياً من أبى جعفر، لما كان منه من قتاله
المسوّدة مع ابن هبيرة مرّة بعد مرّة ؛ وكان اختفاؤه عند مرزوق أبي الخصيب ،
وكان على أن يطلب له الأمان ، فلما خرج الراونديّة أتى الباب فقام عليه ،
فسأل المنصور أبا الخصيب - وكان يلى حجابة المنصور يومئذ: مَنْ بالباب؟ ١٣٣/٣
فقال : معن بن زائدة ، فقال المنصور : رجل من العرب ، شديد النفس ،
عالم بالحرب كريم الحسب ؛ أدخِلْه ، فلما دخل قال : إيه يا معن ! ما الرأى ؟
قال : الرأى أن تنادى فى الناس وتأمر لهم بالأموال، قال: وأين الناسُ والأموال؟
(٢) ت: ((نقتلهم).
(١) كذا فى ب، ت، وابن الأثير وفى ط: ((أشد)).

٥٠٨
سنة ١٤١
ومَنْ يقدم على أن يعرض نفسه لهؤلاء العلوج! لم تصنع شيئًا يا معن ؛ الرأىُ
أن أخرج فأقف؛ فإنّ الناس إذا رأوْنى قاتلوا وأبلْوا وثابوا إلىّ ، وتراجعوا،
وإن أقمتُ تخاذلوا وتهاونوا . فأخذ معن بيده وقال: يا أمير المؤمنين، إذاً واللّه
تُقتَل الساعة ، فأنشدك الله فى نفسك! فأتاه أبو الخصيب فقال مثلها،
فاجتذب ثوبه منهما ، ثم دعا بدابته ، فر کب ووثب عليها من غیر ركاب
ثم سوّى ثيابه ، وخرج ومعن آخذ بلجامه وأبو الخصيب مع ركابه فوقف .
وتوجّه إليه رجل فقال: يامعن دونك العِلْج (١)؛ فشدّ عليه معن فقتله، ثم
والتى بين أربعة، وثاب إليه الناس وتراجعوا؛ ولم يكن إلاّ ساعة حتى أفنوْهم،
وتغيّب معن بعد ذلك ، فقال أبو جعفر لأبى الخصيب : ويلك ! أين معن ؟
قال: والله ما أدرى أين هو من الأرض! فقال: أيظن أنّ أمير المؤمنين لا يغفر
ذنبه بعد ما كان من بلائه! أعطه الأمان وأدخله علىّ، فأدخله، فأمرله بعشرة
آلاف درهم، وولاّ ه اليمن، فقال له أبو الخصيب: قد فرّق صلته وما يقدر(٢)
على شىء، قال : له لو أراد مثل ثمنك ألف مرّة لقدر عليه.
وفى هذه السنة وجه أبو جعفر المنصور ولده محمداً - وهو يومئذ ولىّ عهد -
١٣٤/٣
إلى خُراسان فى الجنود ، وأمره بنزول الرّىّ، ففعل ذلك محمد .
[ ذكر خلْع عبد الجبار بخراسان ومسير المهدى إليه]
وفيها خلَع عبد الجبار بن عبد الرحمن عامل أبى جعفر على خُراسان ؛
ذكر علىّ بن محمد ، عمن حدّثه ، عن أبى أيوب الخوزىّ، أن المنصور لما
بلغه أن عبد الجبار يقتل رؤساء أهل خُراسان ، وأتاه من بعضهم كتاب فيه :
قد نغِل الأديمُ، قال لأبى أيوب الخزاعىّ: إن عبد الجبار قد أفى شيعتنا ،
وما فعل هذا إلّ وهو يريد أن يخلع، فقال له : ما أيسر حيلته ! ا کتب إليه:
إنك تريد غَزْو الرّوم ؛ فيوجّه إليك الجنود من خُراسان، وعليهم فرسانهم.
ووجوههم ، فإذا خرجوا منها فابعثْ إليهم مَنْ شئت ؛ فليس به امتناع.
(٢) ب: ((ولم يقدر)).
(١) ب: ((والعلج)).

٥٠٩
سنة ١٤١
فكتب بذلك إليه ، فأجابه : إنّ الترك قد جاشت؛ وإن فرّقتُ الجنود ذهبت
خراسان ، فألقى الكتاب إلى أبى أيوب ، وقال له : ما ترى ؟ قال : قد أمكنك
من قياده ، اكتب إليه : إن خراسان أهمّ إلىّ من غيرها، وأنا موجّه إليك
الجنود من قبلى. ثم وجّه إليه الجنود ليكونوا بخُراسان؛ فإنْ هَمّ بخلع
أخذُوا بعنقه .
فلما ورد على عبد الجبار الكتاب كتب إليه: إنّ خُراسان لم تكن قطّ
أسوأ حالاً منها فى هذا العام ؛ وإن دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من
غلاء السعر . فلما أتاه الكتاب ألقاه إلى أبى أيوب ، فقال له : قد أبدى
صفحته ، وقد خلَع فلا تناظره .
فوجّه إليه محمد بن المنصور ، وأمره بنزول الرّىّ، فسار إليها المهدىّ،
ووجّه لحربه خازم بن خزيمة مقدمةً له ، ثم شخص المهدى فنزل نيسابور. ١٣٥/٣
ولما توجّه خازم بن خزيمة إلى عبد الجبار، وبلغ ذلك أهل مَرْو الرّوذ ؛ ساروا
إلى عبد الجبار مِن ناحيتهم فناصبوه الحرْب، وقاتلوه قتالا شديداً حتى هُزِم،
فانطلق هاربًا حتى لجأ إلى مقطنة ، فتوارى فيها، فعبر إليه المجشر بن مزاحم
من أهَل مَرْوالروذ ؛ فأخذه أسيراً ؛ فلما قدم خازم أتاه به، فألبسه خازم
مدرّعة صوف ، وحمله على بعير ، وجعل وجهه من قِبَل عجُزْ البعير ؛ حتى
انتهى به إلى المنصور ومعه ولده وأصحابه ؛ فبسط عليهم العذاب ، وضُربوا
بالسياط حتى استخرج منهم ما قَدَرَ عليه من الأموال . ثم أمَر المسيّب بن
زُهير بقطع يدىْ عبد الجبار ورجلْه وضرب عنقه ؛ ففعل ذلك المسيّب، وأمر
المنصور بتسيير ولده إلى دَهْلك -وهى جزيرة على ضفّة البحر بناحية اليمن ..
فلم يزالوا بها حتى أغار عليهم الهند ، فسبَوْهم فيمن سَبْوا حتى فُودُوا بعد ،
ونجا منهم من نجا، فكان ممن نجا منهم واكتتب فى الديوان وصحِب الخُلَفاء
عبدُ الرحمن بن عبد الجبار ، وبقى إلى أن توفّىَ بمصر فى خلافة هارون ، فى
سنة سبعين ومائة .
...
وفى هذه السنة فُرِغ من بناء المصّصة على یدی جبرئيل بن يحيى الخراسانىّ،

٥١٠
سنة ١٤١
ورابط محمد بن إبراهيم الإمام بملطْية .
واختلفوا فى أمر عبد الجبار وخبره ، فقال الواقدىّ: كان ذلك فى سنة ثنتين
وأربعين ومائة ، وقال غيره : كان ذلك فى سنة إحدى وأربعين ومائة(١).
١٣٦/٣
وذكر عن على بن محمد أنه قال : كان قدوم عبد الجبار خراسان لعشر
خلون من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائة ، ويقال لأربع عشرة ليلة ،
وكانت هزيمته يوم السبت لستّ خلوْن من ربيع الأول سنة ثنتين وأربعين
ومائة .
وذكر عن أحمد بن الحارث، أن خليفة بن خياط حدّثه، قال: لما وجّه
المنصور المهدئَّ إلى الرىّ - وذلك قبل بناء بغداد ؛ وكان توجيهه إياه لقتال
عبد الجبار بن عبد الرحمن ، فكفى المهدىّ أمْرَ عبد الجبار بمن حاربه
وظفر به - كره أبو جعفر أن تبطل تلك النفقات التى أنفقت على المهدىّ ؛
فكتب إليه أن يغزوّ طبرستان، وينزل الرىّ ، ويوجّه أبا الخصيب وحازم بن
خزيمة والجنود إلى الأصبهبذ ؛ وكان الأصبهبذ يومئذ محارباً للمصمُغان ملك
دُ نباوند معسكراً بإزائه؛ فبلغه أن الجنود دخلت بلاده، وأن أبا الخصيب دخل
سارية، فساء المصمُغان ذلك؛ وقال له: متى صاروا إليك صاروا إلىّ ؛ فاجتمعا
على محاربة المسلمين ؛ فانصرف الأصبهبذ إلى بلاده ، فحارب المسلمين ،
وطالت تلك الحروب ، فوجّه أبو جعفر عمر بن العلاء الذى يقول فيه بشار :
: نَصيحاً ولا خَيْرَ فى المُتَّهَمْ
فقُلْ للخليفة إِنْ جئتَهُ
فَنَبِّهْ لها عُمَرًا ثمّ نَمْ
إِذا أَيْفَظْك حُروبُ العِدا
ولا يَشْرَبُ الماءِ إِلا بِدْ
فَتَّى لا يَنامُ على دِمْنَةٍ
وكان توجيهه إياه بمشورة أبْرويز أخى المصمُغان ، فإنه قال له :
١٣٧/٣ يا أمير المؤمنين؛ إن عمر أعلم الناس ببلاد طَبَرِستان، فوجهه؛ وكان أبرويز
قد عرف عمر أيام سنباذ وأيام الروانديّة، فضم إليه أبو جعفر خازم بن خزيمة،
فدخل الرُّويان ففتحها ، وأخذ قَلْعة الطاق وما فيها ، وطالت الحرب ،
(١) ت: ((سنة أربعين ومائة)).

٥١١
سنة ١٤١
فألحّ خازم على القتال، ففتح طبرستان، وقتل منهم فأكثر، وصار الأصبهبذ
إلى قلعته، وطلب الأمان على أن يسلم القلعة بما فيها من ذخائره(١)، فكتب
المهدىّ بذلك إلى أبى جعفر ، فوجّه أبو جعفر بصالح صاحب المصلى وعدّة
معه، فأحصوا ما فى الحصْن، وانصرفوا . وبدا للأصبهبذ، فدخل بلاد جيلان
من الدَّيْلم، فمات بها؛ وأخذت ابنته - وهى أمّ إبراهيم بن العباس بن محمد -
وصمدت الجنود للمصمُغان؛ فظفروا به وبالبحترية أم منصور بن المهدىّ ،
وبصيمر أم ولد علىّ بن رَيْطة بنت المصمُغان. فهذا فتح طبرستان الأول .
قال : ولما مات المصمُغان تحوّز أهل ذلك الجبل فصاروا حَوْزيّة
لأنهم توحّشوا كما توحّش حمر الوحش .
وفى هذه السنة عزل زياد بن عبيد الله الحارثيّ عن المدينة ومكة والطائف،
واستعمل على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسرىّ، فقدمها فى رجب.
وعلى الطائف ومكة الهيثم بن معاوية العتكىّ (٢) من أهل خراسان .
وفيها تُوفِّىَ موسى بن كعب ؛ وهو على شرط المنصور، وعلى مصر والهند ١٣٨/٣
وخليفته على الهند عيينة ابنه .
وفيها عُزل موسى بن كعب عن مصر، ووليها محمد بن الأشعث ثم عزل
عنها ، ووليها نَفْل بن الفُرات .
وحجّ بالناس فى هذه السنة صالح بن علىّ بن عبد الله بن عباس وهو
على قِنَّسرين وحمص ودمشق . وعلى المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسرى ،
وعلى مكة والطائف الهيثم بن معاوية ، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى ،
وعلى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية . وعلى قضائها سوّار بن عبد الله ، وعلى
خُراسان المهدىّ وخليفته عليها السرىّ بن عبد اللّه، وعلى مصر نَوْفل بن
الفرات .
(١) ت: ((الذخائر)).
(٢) ب: ((المكى))، ج: ((المكى)).
۔

٥١٢
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة
ذکر الخبر عما کان فيها من الأحداث
٠
[ ذكر خلع عيينة بن موسى بن كعب بالسند]
قمما كان فيها خلع عيينة بن موسى بن كعب بالسّند .
* ذكر الخبر عن سبب خلعه :
"ذكر أن سبب خلعه، كان أن المسيّب بن زهير كان خليفة موسى بن کعب
على الشُّرَّطَ، فلما مات موسى أقام المسيّب على ما كان يلى من الشُّرَط (١)،
وخاف المسيّب أن يكتب المنصور إلى عُيَينة فى القدوم عليه فيوليه مكانه ؛
وكتب إليه ببيت شعر ولم ينسب الكتاب إلى نفسه :
-
١٣٩/٣
فَأَرْضَكَ أَرْضَكَ إِن تأُتنا فَتَمْ نومَةٌ ليس فيها حُلُمْ
وخرج أبو جعفر لما أتاه الخبر عن عيينة بخلعه حتى نزل بعسکره من
البصرة عند جسرها الأكبر ، ووجّه عمر بن حفص بن أبى صفرة العتكىّ(٢)
عاملا على السند والهند، محاربًا لعيينة بن موسى ؛ فسار حتى ورد السند والهند ،
وغلب عليها .
[ذكر خبر نكث إصبهبذ طبرستان العهد]
وفى هذه السنة نقض إصبهبذ طَبرستان العهد بينه وبين المسلمين ، وقتل
من كان ببلاده من المسلمين .
، ذكر الخبر عن أمره وأمر المسلمين :
#
ذكر أن أبا جعفر لما انتهى إليه خبر الإصبهبذ وما فعل بالمسلمين ، وجّه
إليه خازم بن خزيمة وروح بن حاتم ومعهم مرزوق أبو الخصيب مولى
(١) ج: ((الشرطة)).
(٢) ب: ((المكى)).

٥١٣
سنة ١٤٢
أبى جعفر ، فأقاموا على حصنه محاصرين له ولمن معه فى حصنه ، وهم يقاتلونهم
حتى طال عليهم المقام ، فاحتال أبو الخصيب فى ذلك فقال لأصحابه :
اضربونى واحلقوا رأسى ولحيتى ؛ ففعلوا ذلك به، ولحق بالإصبهبذ صاحب الحصن
فقال له : إنى (١) رُكِب منى أمرٌ عظيم؛ ضُرِبتُ وحُلِقٍ رأسى ولحيتى. وقال
له : إنما فعلوا ذلك بى تهمةً منهم لى أن يكون هواى معك ، وأخبره أنه معه ،
وأنه دليل له على عورة عسكرهم. فقبل منه ذلك الإصبهبذ ، وجعله فى خاصّته
وألطفه ؛ وكان باب مدينتهم من حجر يلقى إلقاء يرفعه الرجال ، وتضعه عند
فتحه وإغلاقه ؛ وكان قد وكّل به الإصبهبذ ثقاتٍ أصحابه ، وجعل ذلك
نُوَبًا بينهم ، فقال له أبو الخصيب : ما أراك وثقت بى ، ولا قبلت نصيحتى! ١٤٠/٣
قال : وكيف ظننتَ ذلك ؟ قال : لتركك الاستعانة بى فيما يعنيك ، وتوكيلى
فيما لا تثق به إلّ بثقاتك ؛ فجعل يستعين به بعد ذلك ، فيرى منه ما يحبّ إلى
أن وثق به ، فجعله فيمن ينوب فى فتح باب مدينته وإغلاقه ؛ فتولّى له ذلك
حتى أنس به . ثم كتب أبو الخصيب إلى رَوْح بن حاتم وخازم بن خزيمة ،
وصيّر الكتاب فى نُشّابة ، ورماها إليهم ، وأعلمهم أن قد ظفر بالخيلة ،
ووعدهم ليلة، سمّاها(٢) لهم فى فتح الباب. فلما كان فى (٣) تلك الليلة فتح لهم،
فقتلوا مَن فيها من المقاتلة، وسبوا الذرارىّ، وظُفر بالبحترّية. وهى أم
منصور بن المهدى، وأمّها باكند بنت الإصبهبذ الأصمّ- وليس بالإصبهبذ
الملك ؛ ذاك أخو باكند - وظفر بشكلة أم إبراهيم بن المهدىّ ، وهى بنت
خونادان (٤) قَهرمان المصمُغان، فمصّ الإصبهبذ خاتمًا له فيه سمّ فقتل
نفسه .
وقد قيل : إن دخول رَوْح بن حاتم وخازم بن خزيمة طَبَرستان كان فى
سنة ثلاث وأربعين ومائة .
وفى هذه السنة بنى المنصور لأهل البصرة قبْلتهم التى يصلون إليها فى عيدهم
بالحمّان، وولى بناءه سلمة بن سعيد بن جابر؛ وهو يومئذ على الفُرات والأبُلَّة ١٤١/٣
(١) ج: ((إنه)).
(٣) ساقطة من ت .
(٢) كذا فى ت، وفى ط: ((وسماها)).
(٤) كذا فى ت .
مِنـ

٥١٤
سنة ١٤٢
من قِبَل أبى جعفر ، وصام أبو جعفر شهر رمضان وصلى بها يوم الفطر .
٥
وفيها تُوفّى سليمان بن على بن عبد الله بالبَصْرة ليلة السبت لتسع (١) بقين
من جمادى الآخرة ، وهو ابن تسع وخمسين سنة ، وصلّى عليه عبد الصمد
ابن علىّ .
وفيها عُزل عن مصر نوفل بن الفرات ، ووليها محمد بن الأشعث ، ثم
عُزل عنها محمد ووليها نوفل بن الفرات ، ثم عزل نَوْفل ووليها حميد
ابن قحطبة .
وحجّ بالناس فى هذه السنة إسماعيل بن علىّ بن عبد الله بن العباس.
وكان العامل على المدينة محمد بن خالد بن عبد اللّه ، وعلى مكة والطائف
الهيثم بن معاوية ، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى ، وعلى البصرة وأعمالها
سفيان بن معاوية ، وعلى قضائها سوّار بن عبد الله ، وعلى مصر حميد بن
قحطبة .
وفيها - فى قول الواقدى - ولّى أبو جعفر أخاه العباس بن محمد الجزيرة
والثغور وضم إليه عدّة من القوّاد ، فلم يزل بها حيناً .
(١) ج: ((لسبع)).

٥١٥
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة
ذ کرالخیر عما کان فيها من الأحداث
٠ ٠٠
[ غزو الدّيلم]
ففى هذه السنة ندب المنصور الناس إلى غزو الديلم .
ذكر الخبر عن ذلك :
ذكر أن أبا جعفر اتصل به عن الدّيْلم إيقاعهم بالمسلمين وقتلهم منهم مقتلة ١٤٢/٣
عظيمة ، فوجه إلى البصرة حبيب بن عبدالله بن رغبان(١)، وعليها يومئذ إسماعيل
ابن علىّ، وأمره بإحصاءكل من له فيها عشرة آلاف درهم فصاعداً، وأن يأخذ
كلّ من كان ذلك له بالشخوص بنفسه الجهاد الدّيْلم، ووجّه آخر لمثل(٢)
ذلك إلى الكوفة .
[ عزل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف ]
وفيها عزل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف، وولى ما كان إليه من ذلك
السرىّ بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب، وأتى (٣) السرىّ
عهده على ذلك وهو باليمامة ، فسار إلى مكة، ووجّه أبو جعفر إلى اليمامة قُشَم
ابن العباس بن عبد الله بن عباس .
[ عزل حميد بن قحطبة عن مصر]
وفيها عُزِل حُميد بن قحطبة عن مصر، ووليتها نوفل بن الفرات ، ثم
عزل نوفل ووليتها يزيد بن حاتم .
(١) ب: ((رعبان)).
(٣) ج: ((وأبى)).
(٢) ج: ((مثل)).

٥١٦
سنة ١٤٣
وحجّ بالناس فى هذه السنة عيسى بن موسى بن محمد بن علىّ بن عبيد اللّه(١)
ابن عباس ، وكان يومئذ إليه ولاية الكوفة وسوادها .
وكان وإلى مكة (٢) فيها السرى بن عبد الله بن الحارث، ووالى البصرة.
وأعمالها سفيان بن معاوية ، وعلى قضائها سوّار بن عبد الله، وعلى مصر
يزيد بن حاتم .
:
(١) ط: ((عبد)).
(٢) ب: ((مكة والمدينة))، ت ((المدينة)).

٥١٧
ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك غزوُ محمد بن أبى العباس بن عبد الله بن محمد
ابن علىّ(١) الدّيلمَ فى أهل الكوفة والبصرة وواسط والموصل والجزيرة.
وفيها انصرف محمد بن أبى جعفر المهدىّ عن خُراسان إلى العراق، وشخص ١٤٣/٣
أبو جعفر إلى قرماسين، فلقيه بها ابنُه محمد منصرفاً من خُراسان ، فانصرفا
جميعًا إلى الجزيرة .
وفيها بَنَّى محمد بن أبى جعفر عند مقدَمَه من خُراسان بابنة عمه
رَبْطة بنت أبى العباس .
وفيها حجّ بالناس أبو جعفر المنصور ، وخلف على عسكره والميرة خازم
ابن خُزيمة .
[ ولاية رياح بن عثمان على المدينة وأمر ابنى عبد الله بن حسن ]
وفى هذه السنة ولى أبو جعفر رياحَ بن عثمان المُرّىّ المدينة ، وعزّل محمد
ابن خالد بن عبد الله القسرىّ عنها .
• ذكر الخبر عن سبب عزله محمد بن خالد واستعماله رياح بن عثمان
وعزله زياد بن عبيد الله الحارثىّ من قبل محمد بن خالد :
وكان سبب عزل زياد عن المدينة ، أنّ أبا جعفر همّه أمرُ محمد وإبراهيم
ابنى عبد اللّه بن حسن بن حسن بن علىّ بن أبى طالب وتخلّفهما عن حضوره؛
مع مَن شهده من سائر بنى هاشم عام حجّ فى حياة أخيه أبى العباس ، ومعه
أبو مسلم . وقد ذكر أن محمداً كان يذكر أنّ أبا جعفر ممّن بايع له ليلة تشاور
بنو هاشم بمكة فيمَنْ يعقدون له الخلافة حين اضطرب أمر بنى مَرْوان مع
سائر المعتزلة الذين كانوا معهم هنالك . فسأل عنهما ، فقال له زياد بن
(١) كذا فى ت، وبعدها فى ط: ((ابن أمير المؤمنين)).

٥١٨
سنة ١٤٤
عبيد الله: ما يهمّك من أمرهما ! أنا آتيك بهما ؛ وكان زياد يومئذ مع
أبى جعفر عند مقدمه مكة سنة ست وثلاثين ومائة ، فردّ أبو جعفر زياداً إلى
عمله، وضمنه محمّداً وإبراهيم.
١٤٤/٣
فذکر أبو زيد عمر بن شبة أن محمد بن إسماعيل حد ◌ّثه ، قال : حدّثی
عبد العزيز بن عمران(١)، قال: حدثنى عبد الله بن أبى عبيدة(٢) بن محمد
ابن عمار بن ياسر ، قال : لما استُخلِف أبو جعفر لم تكن له همة إلا
طلب محمد والمسألة عنه وما يريد(٣)؛ فدعا بنى هاشم رجلاً رجلاً؛ كلهم
يُخْلِيه(٤) فيسألهم عنه، فيقولون : يا أميرَ المؤمنين ؛ قد علم أنك قد عرفته
يطلب هذا الشأن قبل اليوم ؛ فهو يخافك على نفسه ؛ وهو لا يريد لك خلافًا،
ولا يحبّ لك معصية ؛ وما أشبه هذه المقالة إلا حسن بن زيد ، فإنه أخبره
خبره ، فقال: والله ما آمن وثوبه عليك؛ فإنه للّذى لا ينام(٥) عنك، فرَ
رأيك . قال ابن أبى عبيدة: فأيقظ مَنْ لا ينام(٦).
وقال محمد : سمعت جدى موسى بن عبد الله ، يقول: اللهمّ اطلب حسن
ابن زيد بدمائنا. قال موسى: وسمعت والله أبى يقول: أشهد لعرَّ فنى أبو جعفر
حديثًا ما سمعه منی إلا حسن بن زيد .
وحدثنى محمد بن إسماعيل ، قال : سمعت القاسم بن محمد بن عبد الله
ابن عمرو بن عثمان بن عفان، قال : أخبرنى محمد بن وهب السّلمىّ ، عن
أبى ، قال : عرّفنى أبو جعفر حديثًا ما سمعه منى إلا أخى عبد الله بن حسن
وحسن بن زيد ؛ فأشهد ما أخبره به عبد اللّه ؛ ولا كان يعلم الغيب .
١٤٥/٣
قال محمد : وسأل عنه عبد اللّه بن حسن عام حجّ ، فقال له مقالة
الهاشمیین ، فأخبره أنه غير راضٍ أو يأتيه به .
قال محمد : وحدثتنى أمى عن أبيها ، قال : قال أبى : قلت لسليمان بن
(١) الأغانى: ((عمر)).
(٢) الأغانى: ((عبده)).
(٣) الأغانى: ((ألح فى طلب محمد والمسألة عنه)).
(٤) أعلاه يخليه : كلمه خالياً .
(٥) الأغانى: ((لا ينام)).
(٦) الخبر فى الأغانى ١٨: ٢٠٦ (ساسى)؛ بروايته عن العتكى عن عمر بن شبة ؛ بالسند
المذكور هنا .

٥١٩
سنة ١٤٤
علىّ: يا أخى صهرى بك صهرى، ورحِمِى بك رحمى، فما ترى ؟ قال :
والله لكأنى أنظر إلى عبد الله بن علىّ حين حال الستر (١) بيننا وبينه؛ وهو
يشير إلينا أنّ هذا الذى فعلتم بى ، فلو كان عافيًا عفا عن عمّه. قال : فقبل
رأيه، قال: فكان آل عبد اللّه يروْنها صِلةً من سُلَيْمان لهم.
قال أبو زيد: وحدثنى سعيد بن هُريم، قال: أخبرنى كلثوم المَرائِىّ،
قال : سمعت يحيى بن خالد بن بَرْمك يقول : اشترى أبو جعفر رقيقاً
من رقيق الأعراب، ثم أعطى الرجل منهم البعير، والرجل البعيريْن، والرجل
الذود ، وفرقهم فى طلب محمد فى ظهر المدينة ؛ فكان الرَّجل منهم يرد الماء
كالمارّ وكالضال، فيفرّون عنه ويتجسسون.
قال : وحدثنى محمد بن عباد بن حبيب المهلبيّ، قال: قال لى السندىّ
مولى أمير المؤمنين : أتدرى ما رفع عُقْبة بن سَلْم عند أمير المؤمنين ؟ قلت :
لا ، قال : أوفد عمّى عمر بن حفص وفْداً من السند فيهم عقبة ، فدخلوا على
أبى جعفر ، فلما قضوا حوائجهم نهضوا ، فاستردّ عقبة؛ فأجلسه ، ثم قال
له : مَنْ أنت ؟ قال : رجل من جُنْد أمير المؤمنين وخدمه، صحبت عمر
ابن حفص ، قال : وما اسمك؟ قال: عُقْبة بن سلم بن نافع ، قال: ممّن
أنت؟ قال : من الأزْد ثم من بنى هُناءة، قال: إنى لأرى لك هيئة وموضعًا،
وإنى لأريدك لأمر أنا به معنىّ ، لم أزل أرتاد له رجلا ، عسى أن تكونه إن
كَفَيتَنِيه رفعتُك، فقال: أرجو أن أصدّق ظنَّ أمير المؤمنين فى ، قال:
فأخف شخصك(٢)، واستر أمرك، وأتنى فى يوم كذا وكذا فى وقت كذا
وكذا ؛ فأتاه فى ذلك الوقت، فقال له : إن بنى عَمّنا هؤلاء قد أبوًا إلّ كيداً
لملكنا واغتيالا له ، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا، يكاتبونهم ويرسلون إليهم
بصدقات أموالهم وألطاف من ألطاف بلادهم، فاخرج بكسًا وألطاف وعَيْن حتى
تأتيهم متنكراً بكتاب تكتبه (٣) عن أهل هذه القرية ، ثم تسبر ناحيتهم(٤)؛
فإن كانوا قد نزعوا عن رأيهم فأحْبِبْ واللّه بهم وأقرِبْ، وإن كانوا على
١٤٦/٣
(٢) ب: ((سخطك)).
(١) ج: ((السير))، ابن الأثير: ((المنية)).
(٤) ج: ((ثم تسير إلى ناحيتهم)) ت: ((إلى بلادهم)).
(٣) ب: ((نكتبه)).
:

٥٢٠
سنة ١٤٤
رأيهم علمتُ ذلك، وكنتُ على حذرٍ واحتراس منهم ؛ فاشخص حتى تلقى عبد الله
ابن حسن متقشّفا متخشعًا؛ فإن جبّهك - وهو فاعل - فاصبْر وعاوده ؛
فإن عاد فاصبر حتى يأنس بك وتلين لك ناحيته ؛ فإذا ظهر لك ما فى قلبه (١)
فاعجل علىّ. قال: فشخص حتى قدم على عبد الله، فلقيه بالكتاب، فأنكره
ونهره ، وقال : ما أعرف هؤلاء القوم ؛ فلم یزل ینصرف ويعود إليه حتى
قبيل كتابه وألطافه، وأنس به ؛ فسأله عُقْبة الجواب، فقال: أمّا الكتاب
فإنى لا أكتب إلى أحد ، ولكن أنت كتابى إليهم ، فأقرِئهم السلام
وأخبرهم أن ابنىَّ خارجان(٢) لوقت كذا وكذا . قال: فشخص عُقْبة
حتى قدم على أبى جعفر ، فأخبره الخبر(٣) ..
١٤٧/٣
قال أبو زيد : حدثنى أيوب بن عمر ، قال : حدثنى موسى بن
عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ، قال : ولَى أبو جعفر الفضل
ابن صالح بن علىّ الموسم فى سنة ثمان وثلاثين ومائة ، فقال له : إن وقعت عيناك
على محمد وإبراهيم ، ابنىْ عبد الله بن حسن ، فلا يفارقانك؛ وإن لم ترهما
فلا تسأل عنهما . فقدم المدينة، فتلقاه أهلُها جميعًا؛ فيهم عبد الله بن حسن
وسائر بنى حسن إلاَّ محمداً وإبراهيم ابنىْ عبد الله بن حسن. فسكت حتى صدر
عن الحجّ، وصار إلى السيّالة، فقال لعبد الله بن حسن: ما منع ابنيْك أن يلقيانى
مع أهلهما! قال : والله (٤) ما منعهما من ذلك ريبة ولا سوء؛ ولكنهما منهومان
بالصّيد واتباعه ، لا يشهدان مع أهليهما خيراً ولا شرّاً. فسكت الفضلُ
عنه، وجلس على دكان (٥) قد بنى له بالسّيّالة. فأمر عبد الله رعاته فسرّحوا
عليه ظهره ، فأمر أحدهم فحسب لبّنًا على عسل فى عُسّ عظيم ، ثم رقى به
الدكان، فأومأ إليه عبد الله أن اسق الفضل بن صالح، فقصد قصده ؛ فلما
دنا منه صاح به الفضل صَيحةً مغضبًا: إليك يا ماصَ بَظْر أمّه! فأدبر
الرّاعى، فوثب عبد الله - وكان من أرفق الناس - فتناول القعبَ، ثم أقبل
(١) ت: ((ما قبله)).
(٣) الخبر فى الأغانى ١٨: ٢٠٧( ساسی).
:٥) ج: ((مكان)).
(٢) ابن الأثير: ((إنى خارج)).
(٤) ج: ((لا والله)).